المراجعات الخليجية

20:28 19 فبراير 2014 الكاتب :   بقلم:محمد سالم الراشد

منذ عام 1978م، ومع انطلاقة الثورة الإيرانية بشعاراتها التي أخلت بالموازنات الأمنية في المنطقة

والتي جرَّت المنطقة إلى 3 حروب، الأولى الحرب العراقية - الإيرانية، والتي استمرت 8 سنوات إلى عام 1988م، وباعدت بين الشعوب العربية وإيران، وحرب ثانية هي حرب تحرير الكويت بعد احتلال النظام الصدامي في العراق للكويت عام 1990م والتي فتحت بشكل مباشر المجال للتواجد الأمريكي في المنطقة عبر قواعد واتفاقيات عسكرية والتزامات وإنفاق عسكري أثقل دول المنطقة مالياً، وزادت في معادلة الاستقطاب المحوري باتجاه الولايات المتحدة، والنظام الغربي على حساب التكامل العربي والإسلامي، وانتقصت من سيادة دول الخليج.

حيث إن السياسة لا صديق فيها ولا عدو، فإن الحرب الثالثة كانت احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003م وإسقاط نظام «طالبان» من قبله، فقد كان هذا ثمرة للتفاهم الإيراني - الأمريكي، إذ التزمت بعض دول الخليج بالتزامات أمنية وسياسية ومالية لمساندة المجهود الحربي للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وكان هذا على حساب التوازن الأمني الخاص بهذه الدول، فانجرت حفاظاً على التزاماتها إما راضية أو مكرهة لتدعم المجهود الحربي للسياسة الأمنية للولايات المتحدة، وقد خسر الخليجيون والعرب (العراق) كمكون إستراتيجي عربي بفضل هذه السياسة الخاطئة، وتحولت جغرافيا المنطقة لتقاسم نفوذ بين إيران والولايات المتحدة في تفاهم مشترك على المصالح، وبسقوط الأنظمة الدكتاتورية في تونس ومصر وليبيا ونهضة الشعوب في «الربيع العربي» واستمرار الوضع غير المستقر نتيجة الحراك الثوري في اليمن والبحرين وسورية عزز ذلك التعاون.

وقد اعتقد الساسة الخليجيون أن استمرار التناغم مع السياسة الأمريكية هو مفتاح الحل وأخف الأضرار لإعادة التوازن الأمني للإقليم في مواجهة نتائج الربيع العربي في دول الثورات من جهة والتوازن مع إيران ذات الأذرع الإستراتيجية الأمنية في العراق وسورية واليمن ودول الخليج من جهة أخرى.

لكن التفاهمات الأمريكية - الإيرانية الأخيرة في سورية حول ما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني أدى إلى تراجع أولوية دول الخليج في منظومة التفاهمات والمصالح بالنسبة للولايات المتحدة ليكون لصالح إيران، ومن الواضح أن النظام السياسي الخليجي الآن في وضع صعب ومحبط، فعدا أن تكون مواقف دوله غير منسجمة في المشهد المصري والسوري، بل وحتى الموقف من التفاهم الأمريكي - الإيراني، فإنه على المستوى الإستراتيجي بات ضعيفاً وهشاً ومنهكاً وغير قادر على استيعاب المتغيرات الجديدة؛ لأنه انساق ضمن الرؤية والمسار الأمريكي بما عزّز الانتصار الإيراني على المستوى الإستراتيجي وتراجعت أوراق القوة والتفاوض في الجانب الخليجي، وبات من المؤكد أن تخسر الدول الخليجية وبالتأكيد الدول العربية بُعدها الإستراتيجي في سورية ومصر، خصوصاً بعد دعم بعض دول الخليج الانقلاب في مصر، وتراجع الولايات المتحدة عن مسؤوليتها في سورية لتصب لصالح التفاهم مع المحور الإيراني - الروسي.

لذلك فإن دول الخليج اليوم في أضعف حالات القدرة الإستراتيجية للسيطرة على القرار السيادي والإقليمي وحتى التعاوني الخليجي، لذا فإن المصلحة والموقف والرؤية الإستراتيجية الحكيمة تقتضي من راسمي القرار في الدول الخليجية إيجاد مراجعات سياسية للحالة الإستراتيجية الأمنية والكلية لدول الخليج، ومن تلك التوجهات التي يرى أي مراقب إستراتيجي أو سياسي تكون ذات أهمية:

أولاً: من المهم القيام بعملية إعادة تقييم وتقدير للموقف عبر مراجعات حقيقية للإستراتيجية الأمنية لدول الخليج من حيث كفايتها وإمكاناتها وتكاملها، والتنسيق فيما بينها، وتوحيد الرؤية الأمنية تجاه المتغيرات وقوى النفوذ الإقليمية والمصالح الدولية.

ثانياً: إعادة تقييم الموقف في مصر بما يعيد لحمة الشعب المصري في مبادرة حل شاملة لاستبقاء قوته العسكرية كقوة إستراتيجية هدفها حماية مصر والأمن القومي العربي.

ثالثاً: إعادة النظر وتقييم الموقف نحو الأنظمة السياسية العربية الناشئة في تونس وليبيا واليمن، بما يساند هذه الدول لتشكل منظومتها السياسية بتوافق وطني ورؤية قومية أمنية تساند الجغرافيا الخليجية وتدعم استقرارها.

رابعاً: حسم الموقف الخليجي في سورية في رؤية مشتركة ومتفق عليها بشأن دعم الثورة وتطوير فعاليتها، والتفاهم مع قوى الثورة الحقيقية على رؤية سياسية مشتركة تراعى فيها التوازنات الدولية والمصالح العربية والخليجية مع الاستقلالية والسيادة للشعب السوري.

خامساً: السعي لتطوير تفاهم أكبر مع تركيا ودعم الموقف التركي تجاه سورية والتنسيق بشأن التوازن الإقليمي مع إيران.

سادساً: إعادة التفاهم الفلسطيني بين منظمتي «فتح» و«حماس» في برنامج وطني متفق عليه، ويستخدم هذا الموقف الجديد للضغط على الكيان الصهيوني لإيقاف تغوله على الأراضي الفلسطينية وجرائمه في القدس وقبولة بـ«المبادرة العربية»، وألا ينفرد بموقف مع السلطة بعيداً عن الشعب الفلسطيني والإجماع العربي.

سابعاً: إعادة النظر في التفاهمات الدولية بشكل عام مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين والهند وباكستان بما يخدم الأمن الخليجي والتوازن الإقليمي في المنطقة.

وأخيراً، فإن الاستماع إلى صوت الشعوب الخليجية وإشراكها في القرار والمسؤولية، والعودة للهوية الحقيقية للشعوب والنظام السياسي الخليجي، في دينها وعروبتها وقيمها أكبر حصن لها أمام المتغيرات والمستجدات وحادثات الزمن.

 

عدد المشاهدات 705

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top