العرب.. ودروس الأزمة السورية

19:50 04 مارس 2014 الكاتب :   السفير د. عبد الله الأشعل
المعلوم الآن أن المأساة في سورية هي أن الصراع على أرض سورية بين أطراف مختلفة يدفع ثمنه المواطن السوري الذي يتعرض لنيران حرب, ويرى وطنه يتمزق ودولته تنهار

المعلوم الآن أن المأساة في سورية  هي أن الصراع على أرض سورية  بين أطراف مختلفة يدفع ثمنه المواطن السوري الذي يتعرض لنيران حرب, ويرى وطنه يتمزق ودولته تنهار كما يضطر إلي أن ينجو بنفسه من هذه المحرقة إلى الدول المجاورة، وهذه الدول تستضيف السوريين بدرجات متفاوتة من المشقة أو التيسير.

فقد واجه السوريون في بعض الدول العربية مواقف لا تجوز ولا يصدق أحد أن هذه الدول قد تنكرت لأبسط مبادئ الإنسانية كما أن الأموال الطائلة التي تنفق في إشعال الحرب في سورية  لم تؤرق هذه الدول وهى أموال تكفى لإعادة إعمار سورية  بدلاً من تدميرها. 

مصالح مختلفة

وللأسف الشديد فإن القراءات المختلفة للأزمة السورية تعكس مصالح مختلفة ومتناقضة, وتستغل أوجاع السوريين في حالات يندى لها الجميع. ولم تحاول الدول الغنية في العالم العربي أن توفر الملجأ الآمن الكريم بعد أن أصبح العرب لاجئين في أوطانهم.

ولذلك يجب أن تنشأ في العالم العربي هيئتان: الهيئة الأولى من العقلاء الذين ينهون الخلافات الحادة بين الحاكم والمحكوم حتى لا تصل الأمور إلى ما وصلت إليه في سورية  وانتشرت آثارها الضارة إلى بقية الدول المجاورة.

أما الهيئة الثانية فتضم الحكومات العربية بعيداً عن الجامعة العربية ومهمتها مواجهة الآثار الإنسانية الناجمة عن التوترات في الدول العربية، ولو كانت هذه الهيئة قائمة لقام العرب بواجبهم اتجاه اللاجئين من العراق وفلسطين وسورية وغيرها ولامكن احتواء هذه الأزمات الإنسانية بنسبة ضئيلة من الدخول الهائلة لبعض الدول العربية أو جزء من الزكاة للمواطنين العرب.

الحل السياسي   ولا شك أن الأزمة السورية المعقدة قد أصبح حلها الطبيعي هو الحل السياسي والسلمي؛ لأن إدارة الأزمة من جانب بعض الدول الكبرى بقصد استطالة أمدها لإنهاك الوطن السوري وإذلال شعبه لا يجوز التسليم به، وإنما يجب إدارة الأزمة في اتجاه التسوية السياسية وإبعاد الأجانب وترك سورية  للسوريين ووقف الحرب والتمهيد للسلام والوفاق والدخول في عصر جديد تنعم فيه سورية  مرة أخرى بالاستقرار والأمن ويعود السوريون إلى وطنهم ومنازلهم.

وإذا كانت جنيف 2 قد فشلت، فيجب أن نواصل البحث في جولة أخرى تستفيد من ثغرات الجولة الثانية وحبذا لو عقدت هذه الجولة في إحدى العواصم العربية التي ظلت بعيدة عن المأساة السورية وليس لها موقف من أطراف الصراع؛ لأن المشكلة عربية إسلامية وإطرافها من العرب والمسلمين.

وسوف تظل الأزمة السورية مصدراً خصباً لدروس ثمينة يستفيد منها العالم العربي ويعيد بناء منظمات العمل العربي المشترك على أساس سليم.

الحاكم والمحكوم

أول هذه الدروس أن يتم تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم داخل الدول العربية على أساس التراضي وليس القمع فقد تغير العالم وعلى الحاكم العربي أن يدرك ذلك وأن الشعوب العربية جزء من منظومة كونية، لأن هذه الصيغة الوطنية التوافقية في إطار تطور المجتمع وظروفه المختلفة يجب احترامها وعدم تدخل الدول العربية الأخرى فيها.

الدرس الثاني، هو أن القسوة في معاملة الشعوب وإغفال العدل والكرامة لم يعد مقبولاً في القاموس العربي بعد أن تفاقمت مشاكل الاستبداد والفساد وأصبح العالم العربي مكشوفاً في المرآة الدولية.

الدرس الثالث، حظر تدخل الدول العربية لمساندة المعارضة فى دول عربية أخرى وحظر مدها بالسلاح أو غيره.

صحيح أن مد المعارضة السورية بالسلاح قد يكون له هدف نبيل وهو مواجهة بطش السلطة، ولكن تظل سلمية الاعتراض وعدم رفع السلاح في وجه الحكومة أكثر حكمة وأكثر فاعلية في نيل الحقوق.

مصالح مشتركة

الدرس الرابع، أن الدول المجاورة للعالم العربي لها مصالح بعضها مشروع يستحق التعاون وبعضها يستحق المصارحة ولذلك لا يجوز أن تتفرق المواقف العربية حول هذه النقطة وأن تتناهى بعض المواقف العربية مع مواقف الدول الخارجية.

الدرس الخامس، أن الحاكم المستبد يدفع ثمن بقائه من استقلال بلاده وحياة مواطنيه ولذلك فان تذرع الحاكم المستبد بأنه هو الوطن وأن استمرار نظامه رغم كل أخطائه هو المصلحة العليا للوطن يحتاج إلى مناقشة.

الدرس السادس، ضرورة وجود مشروع وطني لبناء الوطن وتنميته يشغل كل دولة بما ينفعها, وأن يكون هناك مشروع قومي للقضاء على الفقر والبطالة ومشاكل الشباب وأن تستفيد الشعوب العربية من كامل مساحات وموارد العالم العربي والتركيز على التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية في إطار عربي حتى نلحق بجيراننا في أوروبا وأن نقيم أفضل الصلات مع الأفارقة والمسلمين والآسيويين وأن يكون العالم العربي إضافة للحضارة الحديثة وليس عبئاً ينشغل العالم به ويتكالبون عليه فلا ينقص العالم العربي إلا الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

القومية العربية

الدرس السابع، إعادة النظر في إنشاء المشروع القومي العربي الذي يلتقي ولا يتصارع مع المشروعات القومية الأخرى وخاصة المشروع الإيراني والمشروع التركي. وإذا كانت تركيا ذات التاريخ الطويل سياسياً وثقافياً مع العالم العربي لها مشروع في المنطقة، فان إيران لها مشروع أيضاً وعدم وجود مشروع عربي يجعل الفضاء العربي مخترقاً من المشروعين فضلاً عن المشروع الصهيوني الذي يحارب الوجود العربي.

ولذلك فان وجود مشروع قومي عربي يتعامل مع المشروعين العربي والتركي يؤدى إلى إغلاق الكثير من ملفات الصراع في المنطقة ويحافظ على الوحدة الوطنية للأقطار العربية، ويحل إشكاليات سورية  واليمن والخليج والعداوات بين المذاهب والمجتمعات التي لا مبرر لها. 

الدرس الثامن، أن الأزمة السورية لابد أن تعرف الحل السياسي مهما طال الزمن ولكن الذي يعرقل هذا الحل هو عدم التوصل إلى صيغة تتناسب مع مصالح إطراف الصراع الأجانب ولا يعطى أي اعتبار لمصالح الشعب والدولة في سورية. ولذلك يجب أن يتفق العالم العربي على حل واحد يراعى هذا البعد الغائب حتى يمكن التوصل إلى حل سليم.

السعودية وإيران

وبصراحة أكبر فان الصراع الإيراني السعودي لابد أن يتم حله بأسرع ما يمكن وقد كان الظن قائماً عند المراقبين أن تخفيف التوتر الإيراني الأمريكي سوف يؤدى إلى تخفيف التوتر في العلاقات السعودية الإيرانية ولكن ظهر العكس وهو ما يقتضى من العرب التنبه إلى ملامح وتحولات السياسات الدولية في المنطقة. ومن بين مبادئ هذه التحولات أن محاولة التقرب من روسيا نكاية في واشنطن تعتبر حلا ساذجاً لأن المصالح المشتركة بين روسيا والولايات المتحدة كفيلة بأن تجعلهما المستفيدين معاً من مثل هذا التقارب والحرب الباردة ونظامها قد انتهت إلى غير رجعه

 لأن كل أطراف المعادلة قد تغيروا فلا يجوز للعرب أن يقرؤوا الحاضر بمعايير الماضي وأن يدركوا أن الجار القريب أهم من الحليف البعيد ولذلك تدعوا ولا نزال ولن نمل من الإلحاح علي البدء في حوار عربي إيراني ويجب ألا نغفل عن أهميته.

الدرس التاسع هو أن شباب العالم الإسلامي الذي أصبح وقودا للصراعات والمفاهيم الخاطئة لابد من إنقاذه وتوجيه طاقاته إلي التعليم والوعي والبناء.

مراجعة الأولويات

عند هذه النقطة فإنني أدعو جميع التيارات والحركات الإسلامية إلي أن تراجع أولوياتها وان تعتمد في ذلك علي عقولها وليس علي التوجيه الأعمى من قياداتها مهما علت لأن الرجال يعرفون بالحق وليس العكس.هذه المراجعة بالغة الأهمية بعيداً عن الأجندات السياسية،ويوم تخلص النوايا وتستنير العقول فسوف تري أن دعم الأقصى ونجدته بالأسلوب العلمي هي الأولوية المطلقة وليس القتال بين المسلمين بنار الفتنة والتضليل.

التسوية الإيرانية السعودية والحوار العربي الإيراني والتركي والمراجعة الأمينة لمشروع الحركات الإسلامية ونبذ الفتنة بين إتباع المذاهب بل والشرائع والتعاون في بناء الأخلاق العامة هي برنامج المرحلة المقبلة بعد حقن الدماء الزكية في سورية  والعراق واليمن ولبنان ومصر وليبيا.

 

عدد المشاهدات 479

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top