د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ {81}) (يونس).

مضت الذكرى الثالثة لمذبحة رابعة (14/ 8/ 2013م) وما سبقها وما تلاها من مذابح قام بها الانقلاب العسكري الدموي الفاشي لتضيء واقعاً مظلماً خفي على بعض الناس، كان الانقلابيون يظنون أن المذابح وخاصة في رابعة ستتيح لهم التحليق على مستوى العالم، بعد أن يرضى عنهم اليهود الغزاة والصليبيون الهمج.

شاءت إرادة الله أن يسلط عليهم أعمالهم الظالمة ودعوات المظلومين التي ليس بينها وبين الله حجاب، فكان الفشل من نصيبهم في كل المجالات بعد أن أسفروا عن وجوههم الحقيقية التي تؤكد الظلم والقمع والقتل والنهب والقبح الإنساني، وبعد أن كانوا يقولون: "مصر قد الدنيا"، صارت على ألسنتهم "أشلاء دولة!"، وبعد أن كانت عقب ثورة يناير العظيمة تتمتع بحرية وليدة تؤذن بتطور إيجابي، يحرك الطاقات المعطلة، ويشد القوى المختلفة للمشاركة والعمل المنتج، ماتت السياسة والحركة والنشاط وصار التخبط والارتباك والارتجال عنواناً لمرحلة أبرز ملامحها:

انهيار الاقتصاد ومضاعفة قيمة الدولار وركود السياحة، وهروب الاستثمار، ومدّ اليد للتسول والاقتراض والديون، وفرض الضرائب الباهظة على جموع الكادحين والبسطاء والمحرومين، وارتفاع الأسعار، واختفاء الأدوية المهمة، وتوقف آلاف المصانع، وتراجع الزراعة مع خسائر فادحة للفلاحين، وانقسام المجتمع، وازدهار الكذب والتدليس والتضليل، والاعتماد على إعلام بائس مجرم يؤله الجنرال ويدافع عن الخراب الذي يتمدد بقوة في شتى الاتجاهات، وقمع همجي متوحش، وتكميم الأفواه، وإغلاق الصحف والقنوات ودور النشر التي تهتف باسم الله، وحرب ضروس ضد الإسلام والمسلمين، وتواصل الفشل الذريع في الإدارة والعمل لدرجة أنه لأول مرة في تاريخ مصر لم يصدق الناس أن الثانوية العامة هذا العام يمكن أن تتم بسبب الغش، والسيد "شاو مينج"!

الإقلاع من رابعة كان كارثة بكل المقاييس، وكان أسوأ بداية للحكم العسكري العائد بقوة رغبة في الانتقام المتوحش من الشعب وثورته، ومع ذلك لم تحقق العين الحمراء التي أرادوا إظهارها للشعب المسكين إنجازاً يذكر إلا في مجالات القتل وسفك الدماء وهدم الاقتصاد، وبناء اثني عشر سجناً ضخماً، في أنحاء الدولة كل سجن تكلف قرابة المليار، هذه السجون لم تستوعب الأسرى الشرفاء النبلاء، بينما يقوم بعض موظفي الانقلاب بالتسوّل من أجل بناء بعض المدارس!

ارتفع الدين الخارجي إلى قرابة 54 مليار دولار، والداخلي إلى ثلاثة تريليونات جنيه، واختفت عشرات المليارات (الرز) من مساعدات بعض الدول العربية، وصار النظام الاقتصادي – إن صح أن نسميه كذلك – معتمداً على "الفنكوش"؛ أي الأفكار العشوائية غير العلمية، لا تعرف نتائجها، ولكنها تتكلف عشرات المليارات من دم الشعب أو من المرابي الصليبي اليهودي الذي يُصرّف بضاعة فاسدة مرهونة بفوائد باهظة يدفعها الفقراء، دون السادة الكبار، تأمل فنكوش: تفريعة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، واستصلاح مليون ونصف مليون فدان، المفاعل النووي في الضبعة، طائرات الرفال، حاملة الطائرات.. ثم جاءت الطامة الكبرى بشراء أربع طائرات فالكون 7x بثلاثمائة مليون يورو – أي ما يقرب من أربعة مليارات جنيه، لتنقل الباشوات الكبار عبر أجواء مصر، حيث توفر لهم كل وسائل النعيم؛ السرير الفخم، والكنب المريح والمطابخ والحمامات.. (رئيسة مالاوي جويسباندا باعت الطائرة الرئاسية و٣٥ سيارة مرسيدس حكومية لتسهم بثمنها في حل مشكلة الجوع والفقر في بلدها)، ولا يخجل الإعلام الانقلابي المجرم من الزعيق بالقول: "صبّح على مصر بجنيه!".

في ذكرى رابعة أطلقت السلطة الانقلابية أذرعها الإعلامية واللحى التايواني الخائنة لنشر أكاذيب واختلاق وقائع تجعل دم الأبرياء الذي أريق ظلماً وعدواناً من الحلال الذي يأمر به الدين ويؤيده الإجماع الوطني، ولكن النتيجة كانت عكس ما أرادوا، فقد أعلن عدد لا بأس به من المؤيدين للانقلاب على الحرية، أنهم اكتشفوا خطيئتهم، واعتذروا عن موقفهم من رابعة، وأعلنوا أنهم كانوا مخدوعين، ومع ذلك يحاول الانقلاب الدموي الفاشي أن يجد نافذة يطل منها على العالم ليثبت نجاحه، بعد أن رأى أن الإقلاع من رابعة كان كارثة بكل المقاييس، صاحبها الفشل الذريع والخيبة الثقيلة، فهبط في ريو، ليشارك في الألعاب الأوليمبية في البرازيل، وأرسل وفداً ضخماً من المنتفعين على حساب الدولة سفراً وإقامة وإعاشة وفسحاً وبدلات بالدولار، ولم يحقق الجيش العرمرم نجاحاً يذكر، كل ما حققه ثلاث ميداليات برونزية، مقابل 400 مليون جنيه من دم الشعب، أجهش وزير الرياضة بالبكاء حين حصلت لاعبة على أول ميدالية!

ثم كانت المهانة الكبرى في لعبة الجودو التي انهزم فيها اللاعب إسلام الشهابي هزيمة منكرة أمام اللاعب النازي اليهودي أوري ساسون (من مستوطني القدس المحتلة، وهو مقاتل بجيش الاحتلال اليهودي برتبة نقيب) ثم رفض أن يصافحه وفق تقاليد الأولمبياد!

في المقابل، رفضت لاعبة سعودية أن تقابل نظيرتها النازية اليهودية في إحدى اللعب إيماناً من اللاعبة السعودية بأنها تقابل عدواً لا يجوز التعامل معه إلا بعد هزيمته في ميدان القتال، بيد أن اللاعب الشهابي كان أمره غريباً وغامضاً ومخجلاً، فقد تردد في البداية، وفجأة أعلن عن قبول التحدي، فانهزم هزيمة ثقيلة ساحقة وكأنه كان مطلوباً أن يقابل العدو وينهزم أمامه، ثم كانت النهاية – عدم المصافحة - التي استغلها المجرمون النازيون اليهود بذكاء بارع ليقولوا للعالم: ها هم العرب لا يقبلوننا، ويرفضون اليد اليهودية الممدودة بالسلام، وبالطبع لن يتذكر العالم أنها يد ملوثة بدماء الأبرياء وأصحاب الوطن السليب والعرب الأذلاء!

المجرم نتنياهو قال في احتفاله باللاعب النازي اليهودي: إن القاهرة أرسلت ما يفيد أنها لا توافق على ما فعله اللاعب المصري إسلام الشهابي! إلى هذا الحد وصلت المهانة أن نعتذر لشذّاذ الآفاق الذين جاؤوا من شتى أرجاء العالم ليحتلوا بلادنا ويفرضوا سطوتهم علينا، ويجعلوا حكامنا العسكر وغير العسكر يركعون أمامهم، ولكنهم يستنهضون الهمم من أجل الكرامة الوطنية وهيبة الدولة حين يعتصم الناس سلمياً من أجل الحرية والديمقراطية والشرعية، فيُعْمِلون فيهم آلات القتل والحرق ويستخدمون جرافات الزبالة لتلقي بهم في الصحراء جثثاً متفحمة!

الإقلاع من رابعة ثم الهبوط في ريو علامة مؤكدة على صدق قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ {81})، فالانقلاب إفساد في الأرض لأنه ظلمٌ بيّن، ولذا تنتصر الدول الكافرة التي تتبنى العدل، الذي هو أساس الملك!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الخميس, 11 أغسطس 2016 08:09

وحشية الخطاب الصليبي اليهودي!

تكشف أحداث التاريخ وتضاريس الجغرافيا أن الصليبيين منذ حروبهم الأولى مروراً بمذابحهم في الأندلس حتى عدوانهم الراهن، كانوا يتحركون بهمجية غير مسبوقة، ووحشية لا مثيل لها في التاريخ، ولك أن تتكلم عن الإرهاب الصليبي الرائد في بشاعته وهمجيته وإجرامه دون أن تتوقف، فالحوادث كثيرة، والممارسات بلا حدود، ليس مع المسلمين وحدهم بل فيما بينهم، واقرأ إن شئت عن الحروب بين الممالك والإمارات والمقاطعات الأوروبية في القرون الوسطي وما بعدها، وخاصة حرب الثلاثين عاماً، وتوقف عند وحشية قشتالة فيما سموه حرب الاسترداد بالأندلس، والحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم انتقل إلى جرائمهم في المستعمرات الإسلامية والأفريقية، واسأل عن عشرات الملايين الذين أبيدوا وذُبحوا! على سبيل المثال؛ قتل الفرنسيون في الجزائر وحدها منذ احتلالها عام 1830 حتى رحيلهم 1962م أكثر من عشرة ملايين جزائري، وقتل نابليون سُبْع الشعب المصري في حملته الإجرامية التي استمرت ثلاث سنوات فقط، ناهيك عما فعله الفرنسيون في بلاد الشام والمغرب والصومال وأماكن عديدة في أفريقيا.

هذا مثال واحد للإرهاب الصليبي والوحشية والاستدمار والهمجية التي تلبست ما يسمونه بالعالم الذي يسمونه متحضراً وإنسانياً ويملك الأخلاق الرفيعة.

الوحشية والهمجية والاستدمار والإرهاب تطبيق عملي على الأرض لتعاليم الكتاب المقدس الذي يأمر بالقتل والاغتصاب وبقر بطون الحبالى والذبح والاستباحة للحجر والبشر من غير اليهود والنصارى، وقد أشرت إلى آياتها في مقام آخر.

بالطبع لا يختلف اليهود المنتصرون في القرن العشرين عن الصليبيين في وحشيتهم وهمجيتهم امتثالاً لما تقوله التوراة عن الأغيار أو الأميين وضرورة استئصالهم.

في المقابل؛ ترى على الجانب العربي الإسلامي نخباً آثرت أن تنحاز إلى الخطاب الصليبي اليهودي بالعمالة أو الوكالة، فتردد مزاعمه، وتتحدث عن تجديد الخطاب الديني، أي تغيير الخطاب الإسلامي الذي يحض على الجهاد دفاعاً عن النفس وتأميناً للبلاد والعباد، ويتكلمون عن ضرورة حذف آيات الجهاد، وإنهاء مهمة الأزهر الذي يمثل من وجهة نظرهم سلطة دينية قاهرة للمواطنين، ثم يزعمون أنهم يقصدون بتجديد الخطاب تغيير الوسائل والأدوات، ويلحون ليل نهار على أن تجديد الخطاب الإسلامي هو الذي سيحل مشكلات مصر والمسلمين، لا أدري كيف سيحل الخطاب الديني مشكلة الحرية في ظل الحكم العسكري مثلاً، ولا كيف يحقق الديمقراطية في ظل الحكم الاستبدادي، ولا كيف يهزم النخب الحاكمة وهي تمارس القهر والتعذيب والظلم والعسف والنهب والفساد والإفساد وممارسة التمييز العنصري والطبقي والترويج للكذب والتضليل والتدليس وتزوير التاريخ والتفريط في الجغرافيا؟

إن الصليبيين واليهود المعاصرين يطبقون تعاليم الكتاب المقدس بكل وحشية، وما يقولونه عن المحبة والسلام وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والإخاء البشري هو مجرد عملية تمويه خادعة وكاذبة ينخدع بها السذج والمغفلون.

أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة تيريزا ماي أنها لا تمانع في الموافقة على ضربة نووية بضغطة زر قد تؤدي إلى مقتل 100 ألف شخص مدني من أجل مصالح بريطانيا.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وصف الإسلام بـ"الإرهاب"، وتحدث عما سماه بـ"الإرهاب الإسلامي"، وفي الوقت نفسه تشارك قواته في التحالف الصليبي الهمجي الذي يقتل المسلمين الأبرياء في سورية والعراق وليبيا بالآلاف ويدمر البيوت والمؤسسات؛ تحت دعوى محاربة "تنظيم الدولة" (داعش)، وقد بارك بابا الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو عمليات القتل التي يقوم بها الجيش الروسي في سورية ووصفها بـ"المهمة المقدسة"!

يروي الكاتب اليهودي ألون بن دافيد بمقال له في صحيفة "معاريف" الصهيونية بتاريخ 22/ 7/ 2016م في معرض حديثه عن فشل الانقلاب التركي، فيقول: في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي قرر رائد في جيش بنما، موزيس جيرولدي أنه حان وقته ليحل محل الحاكم مانويل نورييجا، فنظم بضع سرايا من الجيش، واتصل بالأمريكيين وطلب مساعدتهم للقيام بانقلاب (ولكنه نسي أن يترك لهم رقم هاتف يمكنهم أن يتصلوا به من خلاله).

في صباح الانقلاب سيطر جيرولدي على النطاق الرئاسي وتوجه باحترام شديد إلى الرئيس نورييجا: "سيدي الجنرال، أنت مطالب بأن ترافقني إلى الاعتقال"، قالها له بأدب، وبالتوازي أطلق بياناً في الإذاعة عن مجلس الثورة، ولكن الأمريكيين نسوا أن يسدوا أحد الطرق المؤدية إلى القصر، وفي غضون ساعات اقتحمت القصر القوات الموالية للرئيس، سحب نورييجا الغاضب مسدس جيرولدي وأطلق عليه ثلاث رصاصات وهو يصرخ: "ليس هكذا تقام الثورة!".

في ألمانيا أقر حزب "البديل من أجل ألمانيا" في برنامجه الحزبي أول مايو 2016م عبارة "الإسلام لا ينتمي لألمانيا"، مطالباً بحظر المآذن والأذان، وارتداء النقاب.

تلك هي أخلاق الخطاب الديني الصليبي في الاستخفاف بدماء البشر وكرامتهم وحريتهم وحكوماتهم، أما الخطاب الديني اليهودي، فها هي بعض الأمثلة:

نشرت صحيفة "هــاآرتس" الصهيونية في 13/ 7/ 2016م مجموعة من الفتاوى العنصرية للحاخام إيال كريم الذي عين حاخاماً عسكرياً أكبر بالجيش اليهودي، منها عدم التعامل مع الفلسطينيين على أنهم بشر بل هم حيوانات، كما أفتي بأن القتل هو التعامل الأمثل إذا ما تم العثور على فلسطيني جريح، وعندما سُئل الحاخام حول رفض الأوامر العسكرية في حالات إنقاذ الأنفس والاعتبارات الأخلاقية، أجاب: إذا كان هناك تناقض بين الشريعة اليهودية وأوامر الجيش الصهيوني فالشريعة هي التي تُهيمن.

يذكر أن إيال كريم أصدر فتوى سابقة بجواز اغتصاب جنود الجيش الصهيوني لغير اليهوديات أثناء الحرب، مستنداً بذلك لآية في سفر التثنية من التوراة تبيح اغتصاب الفتيات غير اليهوديات، وقال الحاخام: إن الجنود اليهود مسموح لهم باغتصاب النساء غير اليهوديات أثناء الحرب كجزء من الحفاظ على الاستعداد واللياقة القتالية، ويمكن اختراق قواعد الاحتشام والطهارة الدينية، أما ما تفعله بعض الأجهزة اليهودية الرسمية مثل "الموساد" من اغتيالات للعرب وغيرهم فحدِّث ولا حرج، ويكفي ما قيل عن مائير دوغان، رئيس "الموساد" الأسبق الذي توفي في مارس 2016م وكان موته مناسبة للاعتراف بجرائم ارتكبها جهازه يشيب لهولها الولدان.

ترى ما رأي النخب في بلاد المسلمين؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأتباعهم!

لا ريب أن تواضروس، رئيس دولة الكنيسة، يتملكه الزهو والغرور مذ جلس على منصة 3/ 7/ 2013م بوصفه مرشداً أعلى للانقلاب العسكري الدموي الفاشي الذي ألغي الديمقراطية والدستور، وأخفى رئيس الدولة المنتخب قسراً، وأطاح بالحريات العامة، وألقى وراء الأسوار المظلمة بعشرات الألوف من المسلمين الشرفاء النبلاء، وأصدر مئات الأحكام بالإعدام على الأبرياء، وطارد مئات الألوف في داخل الوطن والمنافي، وصادر الأموال الإسلامية والمدارس والمستوصفات والمستشفيات والجمعيات الخيرية التي كانت ترفع عبئاً ثقيلاً عن خزانة الدولة، فضلاً عن قصف المساجد بالطائرات والقنابل والرصاص كما حدث لرابعة والفتح والقائد إبراهيم والإيمان وغيرها.

تواضروس المنتصر في معركة التعصب والحقد والغل والفتنة شعر أنه قضى على الرئيس المسلم الذي اختفى قسراً ولم يظهر إلا في قفص زجاجي، ليس لأن الرئيس المسلم ضايقه أو آذاه أو نكل به أو تعرض له من قريب أو بعيد، ولكن لأنه يصلي ويفرد حصيرة الصلاة لأول مرة في القصر الجمهوري الذي لم يعرف الركوع ولا السجود مذ بدأ الحكم العسكري في عام 1952م، وكان من دلائل التعصب البشع أن قام بتهنئة القتلة على إنجازهم الدموي في رابعة والنهضة وغيرهما، حيث سقط آلاف الضحايا من الشهداء الذين تم إحراقهم وتجريفهم بالجرافات وإلقاؤهم في سيارات الزبالة التي ألقت بهم بدورها في الصحراء.

لم يكتف تواضروس المرشد الأعلى للانقلاب بهذا الانتصار الساحق على المسلمين، فصرح لوسائل الإعلام الأجنبية في مجال تبريره الانقلاب على الرئيس الشرعي المسلم المنتخب أنه ما كان ليقبل بنظام إسلامي، ثم إنه رأى الجنرال الذي قاد الانقلاب ضد رئيسه وحنث بالقسم يزوره في مقر دولته بالعباسية، ويستقبله استقبال رؤساء الدول المنتصرين.

كل هذا جعله يواصل الطريق الذي بدأه شنودة خريج مدارس الأحد، وجرب أن يواجه السلطة العسكرية بعد وفاة الأنبا كيرلس صديق البكباشي الذي بنى كاتدرائية العباسية على حساب الدولة فتحولت إلى قصر كهنوتي لدولة الكنيسة.

شنودة انطلق مما يسمى لاهوت التحرير على طريقته، فأرسل لأول مرة سبعين ومائة كاهن في تظاهرة صاخبة نحو الخانكة ليواجه السلطة التي تصدت لمتعصب صليبي بني كنيسة بالمخالفة للقانون، وطلب شنودة من الكهنة المتظاهرين ألا يعودوا أحياء دفاعاً عن الكنيسة والصليب والمسيح، وكان ما كان، وصار المغرّر بهم من أبناء الطائفة يقومون بتحويل غرفة أو اثنتين وبناء منارة وإعلانها كنيسة الأمر الواقع، وإذا تصدت الدولة من خلال بعض موظفيها تحدث الاشتباكات وتتحرك الأقلام والأبواق المتنصرة بالحديث عن الفتنة الطائفية واضطهاد النصارى، والمسلمين المتطرفين المتوحشين الإرهابيين!،

امتدت عمليات البناء من الأحياء الشعبية والعشوائية إلى المدن والقرى في الأقاليم، وأصبح السيناريو واحداً يتكرر بانتظام: غرف يتم توسيعها وفوقها منارة، ويظهر الحاكم العسكري لاستجداء الكنيسة الصلح أو الصمت، فالأذرع الكنسية في المهجر تعمل على قدم وساق، وتجهز المظاهرات في استقبال الحاكم عند زيارته للعواصم الغربية، وقد نجح شنودة نجاحاً عظيماً في دفع هذه الأذرع بدءاً من غرب أمريكا إلى أستراليا لبناء الكنائس التي تحولت عملياً إلى سفارات ترعى شؤون الطائفة وأبنائها وتتواصل مع المقر الرئاسي في العباسية وتتلقى منه الأوامر والتوجيهات.

نتيجة لذلك، استطاع شنودة أن يجد لدى الحاكم العسكري مبارك ما لم يجده عند الحاكم العسكري السادات، فجعل في كل مدينة جديدة كنيسة ضخمة تشبه القلعة الحصينة في بنيانها وتصميمها، واختار شنودة أن تكون الكنائس الجديدة في صدر المدن وعلى حافة الطرق العامة، وأن تتزين بالصلبان الضخمة والأنوار المبهرة حتى يرى الزائر الأجنبي مصر المسلمة شيئاً آخر ينتمي إلى الكنائس والصلبان.

لم يعد مهماً أو ضرورياً أن يكون في المدن الجديدة أو المناطق التي بنيت فيها الكنائس مواطنون من الإخوة النصارى، المهم أن ترتفع منارة وصليب ضخم وأضواء مبهرة، وتضاعف عدد الكنائس عشرين مرة مذ تولى شنودة، لدرجة أن هناك كنائس مغلقة أو لا يوجد فيها إلا الكاهن والخادم كما هي الحال في كنائس سيناء الجنوبية.

كان شنودة يتميز بحنكة وذكاء ودهاء، يبني ويخالف القانون ثم يلين المواقف بطرق عديدة تضعه في خانة المعتدى عليه، أما صاحبنا الذي خلفه، فقد اتخذ من إخراجه للنصارى يوم الأحد 30 يونيو 2013م بعد الصلوات في الكنائس للتظاهر وسيلة ضغط خشنة على قائد الانقلاب ليلبي له طلباته، ويصوغ له قانوناً على مقاسه ليزرع مصر كنائس في كل مكان، وبدأ في السنتين الأخيرتين يشجع ويدافع مباشرة أو بالوكالة عن قيام الفلاحين البسطاء بتحويل منادرهم وزرائبهم إلى كنائس بالمخالفة للقانون، وما حوادث المنيا وبني سويف والفيوم إلا حلقة من حلقات المسلسل العدواني البشع على الأغلبية المسلمة المهانة المهزومة بالانقلاب والقهر والمصادرة! وبالطبع لن تجد موقفاً حازماً من السلطة الانقلابية التي هددها تواضروس علناً وعلى رؤوس الأشهاد بالأذرع الطائفية في المهجر، واستدعاء الخارج الصليبي للتدخل!

كل ما لمسناه بعد لقاء استغرق مائة وعشر دقائق بين تواضروس وكهنته مع قائد الانقلاب تصريح مائع خائف لا لون له يقول على لسان المتحدث باسم الرئاسة الانقلابية بأن قائد الانقلاب أكد خطورة استغلال الدين كأداة للتفريق بين أبناء الوطن الواحد أو كسلاح لجذب العناصر التي يمكن استقطابها إلى الجماعات المتطرفة والإرهابية، وهو الأمر الذي يتنافى مع قدسية وسماحة الأديان، مؤكداً أنه يجب على جميع المصريين تفويت الفرصة على أي محاولات تستهدف بث الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن.

وعد المتحدث ما يجري حوادث فردية وليس تخطيطاً كنسياً يصب في اتجاه مظلم تسنده أدبيات أن النصارى هم أصل البلد، وأن اللغة العربية عار، وأنه يجب تطبيق طريقة الاسترداد التي قام بها فرديناند وإيزابيلا في الأندلس، وأن المسلمين بدو جاؤوا من الصحراء.. إلخ، ويعزز هذه الثقافة نفر من الكتَّاب والأبواق المتنصرين الذين لا يعلنون صراحة عن تنصرهم وإن كانوا يفعلون ما يفعله النصارى.

وفي الوقت الذي تغلق فيه المساجد بعد الصلاة مباشرة ولا تفتح إلا قبلها بوقت قصير، تفتح الكنائس أبوابها على مدار الساعة، ولا يستطيع وزير أمنجي أن يفرض على كهنتها قراءة مواعظهم في ورقة لمدة دقائق كما يفعل بالأئمة والخطباء.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

محمد الفاتح ( 833-886هـ = 1429- 1481م) من أعظم خلفاء الإسلام في القرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي ) . حقق البشارة النبوية وفتح القسطنطينية ، وكسر شوكة الصليبيين في الشرق بعد أن استطالوا واستأصلوا الإسلام في الأندلس وأرغموا من تبقى من المسلمين على التنصر ، وصالوا وجالوا في إحراق التراث الحضاري الإسلامي ممثلاً في الكتب والمخطوطات ، وصادروا أراضي المسلمين وممتلكاتهم وهدموا الحمامات عنوان النظافة والرقي ، ونشروا الإرهاب الصليبي في أبشع صوره من خلال محاكم التفتيش التي حكمت بحرق المسلمين وقتلهم بأبشع الوسائل همجية ووحشية .

محمد الفاتح بعث حياً في ليلة العاشر من شوال 1437هـ = الخامس عشر من يوليو 2016 م ، لقن الصليبيين المعاصرين واليهود وخدامهم من الأعراب الأشد كفراً ونفاقاً والأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله درساً قاسياً لن ينسوه ، وهزيمة نكراء سيظلون يذكرونها على مدى التاريخ ، حين خرج شعبه يرفض جريمة الانقلاب العسكري الذي دبروا له منذ أمد بعيد !

رجب طيب أردوغان ليس نبياً معصوماً ولا قديساً مباركاً ، وقد يذهب ويأتي غيره ، ولكنه واحد من الشعب الذي خرج يهتف : الله أكبر . باسم الله ، يواجه حثالة الأشرار التي تريد استئصال إسلامه ودينه وهويته ، وقهر المجموعة الخائنة الشائنة التي باعت نفسها للشيطان الصليبي اليهودي وخدامه من الأعراب الأجلاف . واستطاع  بفضل الله وشجاعة رئيسه المواطن البسيط الذي يمشي وسطهم دون خوف أو رعب أن يقلب المعادلة وأن يقول للصليبيين واليهود والأعراب : إن الشعب التركي سيظل مسلماً ديمقراطياً حراً يتداول السلطة في سلاسة وعبر صندوق الانتخابات وليس صندوق الذخيرة !

أنفق الأعراب بتوجيهات الصليبيين واليهود مليارات الدراهم والدولارات على محاربة الإسلام في كل مكان ، مع أن بعضهم يرفع راية الإسلام . ساعدوا الصرب المعتدين ضد أشقائهم المسلمين في البوسنة والهرسك ، ودفعوا لفرنسا الصليبية لتقتل المسلمين في مالي ، ودفعوا للجنرالات والأبواق في بلاد الربيع العربي والإسلامي ليصنعوا الثورات المضادة ويطفئوا نور الإسلام ويقهروا الأحرار ويقتلوهم خارج القانون ويطاردوهم في المنافي والغربة ، ويلقوا بعشرات الآلاف وراء الأسوار المظلمة .

أعرابية فاجرة زغردت على شاشة التلفزيون عندما أُعلن أن  الجيش في تركيا قام بالانقلاب ، وأعربت عن سعادتها به ، وقالت: إن الانقلاب كان مخططاً له قبل مدة، إلا أن أحداث "نيس" الفرنسية أخرته لأيام ! وسخرت الأعرابية قائلة : "عندي عرض للأتراك، نعطيهم مرسي ويعطونا أردوغان، لأن سجن طرة ينادي..."!

وعندما أعلن أن الانقلاب قد تم دحره قالت مذيعة في قناة أعرابية : للأسف فشل الانقلاب ! وكانت القنوات الأعرابية قد تبنت الانقلاب من أول لحظة ، ورحبت به ، وخلطت فرحتها بالأخبار الواردة من إسطنبول وأنقرة ، وبشرت بمقتل أردوغان ، أو هروبه أو لجوئه إلى ألمانيا أو موسكو ..

الأمر نفسه كان حاضراً بقوة في إعلام السفاح السوري وإعلام المجوس والإعلام المضاد للثورات العربية حيث امتلأت الشاشات والصفحات والموجات بالأفراح والليالي الملاح لسقوط أردوغان والإسلام السياسي والحكم الديني اليميني الرجعي ، وقيام الجيش التركي البطل بثورة عظيمة من أجل الديمقراطية (!) وقال نعال البيادة المصرية وخاصة من اليسار الخائن في تغريداتهم : إن ثورة الجيش التركي عقاب إلهي لمن يتحدى جنرال الانقلاب في مصر ، واللى ييجى على مصر ما يكسبش ،هو أردوغان فين ؟ .. خلي مرسي و موزة ينفعوك دلوقتي !! الجزيرة في عزاء !! جماعة الإخوان الإرهابية إلى مزبلة التاريخ ! اركن جنب إخواتك ، زمان أردوغان بيسجل خطبة للشعب دلوقتي بيقول فيها كلمة الشرعية 59 مرة برضه. وقال مصطفى بكري : ذهب أردوغان وبقي بشار ، سبحان مغير الأحوال ، النصر للجيش العربي السوري ..، وقال حمد المزروعي من الإمارات :خروج آلاف الأتراك تهتف للجيش وتلعن أردوغان!

 وظلت هيستيريا الفرحة بالانقلاب العسكري حتى بدت نذر تراجعه وانهياره ، فزعم الأوغاد أنها مسرحية أو تمثيلية من إخراج أردوغان !

المفارقة أن إعلام العدو النازي اليهودي كان أكثر رصانة وأقل إسفافاً من إعلام الأعراب والمتعاقدين معهم ، فقد بدت حالة من الارتياح على الإعلاميين اليهود الغزاة يتحرك العسكر في تركيا وانصرفوا إلى رصد الأسباب التي "تبرر" قيام الجيش بالانقلاب العسكري، من وجهة نظرهم . ثم أجمع المعلقون الغزاة اليهود على أن نجاح الانقلاب يحسّن من المكانة الإقليمية والعالمية لكيان الغزو النازي اليهودي في فلسطين .

ومع بزوغ الفجر، حدث تحول جذري حيث استحال الارتياح إلى شعور كبير بخيبة الأمل، سيما بعد اضطرار وسائل الإعلام اليهودية إلى نشر صور ومقاطع فيديو توثق إلقاء القبض على الانقلابيين.

وقال الصحافي إنشيل بيبر، المعلق بصحيفة "هآرتس"، في موقعه على "تويتر": "لا شك في أن المساجد لعبت الدور الأبرز في فشل الانقلاب، وهذا يدلل على التحولات التي مرت بها تركيا منذ آخر انقلاب نجح هناك". وقال الصحافي تساهل هندل، في حسابه على "تويتر": "يبدو أن الديموقراطية التركية انتصرت وأردوغان سيظل في الحكم لمدة 20 عاماً أخرى".وقد وبّخ الصحافي عراد نير، زملاءه الذين تحمسوا للانقلاب قائلاً: "أخطأتم التقدير، أنتم لا تعرفون الشعب التركي، لن يسمح بمصادرة وجوده".

أردوغان بنى بلاده ، ونقلها من القاع إلى القمة . بناها بالعلم ومشاركة الشعب كله ، ولم يبنها بالأغاني والرقص والعوالم والغوازي والطبالين والزمارين والأذرع الإعلامية .لقد صنع أول دبابة وأول طيارة وأول قمر صناعي عسكري، وزرع ثلاثة مليارات شجرة ونقل تركيا من الترتيب العالمي 111 إلى الترتيب 16 اقتصادياً ، وسدد الديون ورفع الصادرات من 23 ملياراً إلى 153 مليار ، وخطط لتفريغ 300 ألف عالم للبحث العلمي في غضون عشر سنوات ، واحتلت الخطوط الجوية التركية المركز الأول أوربياً، والشعب وحده هو الذي يحاسب الحكومة بصناديق الانتخابات، وبدلاً من أن يقول الولد الإعلامي للفاشلين الذين يعمل في مسح بيادتهم : استحوا من خيبتكم في كل شيء حتى إدارة الامتحانات، يقول لأردوغان : اركن على جنب!

يا نعال البيادة : لماذا تكرهون الإسلام أكثر من سادتكم الصليبيين واليهود ؟

الله مولانا .اللهم فرّج كرْب المظلومين . اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم !

     

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top