د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 06 أبريل 2016 15:31

"أسد" الداخلية جاء يشرب "شاياً"!

أخبرنا النائب جون طلعت، عضو مجلس النواب الانقلابي، أن اتفاقاً نهائياً تم بين الدير المنحوت والدولة يوم السبت 26 مارس 2016م،  لتنفيذ طريق الفيوم/ الواحات بمحمية وادي الريان بالفيوم، والطريق يشق سور الدير المنحوت الذي أقامه الرهبان حول 13 ألف فدان من أراضي المحمية المملوكة للدولة، أضاف طلعت في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه تمت الاستجابة لطلبات الرهبان(!) التي تضمنت إنشاء سور حول مساحة 3 آلاف فدان حول القلايات والمساكن الخاصة بهم، بالإضافة إلى سور آخر حول 1000 فدان مزارع وتسترجع الدولة باقي المساحة حيث يتم إنشاء الطريق! هل سينشئون دولة مثل موزمبيق؟

وأكد النائب أنه تم التوافق بين جميع الأطراف، في حوار وطني(؟) بين الدولة والرهبان لإعلاء مصلحة الدولة، جدير بالذكر أن الأيام الماضية كانت قد شهدت خلافاً كبيراً(!!) بين رهبان الدير المنحوت بوادي الريان بمحافظة الفيوم وبين الدولة عقب بدء تنفيذ طريق الفيوم/ الواحات، الخلاف ليس سرقة أراضي الدولة؟

كان عدد من الرهبان قد قاموا بإشعال النيران في معدة تابعة لشركة المقاولون العرب التي تتولى تنفيذ المشروع، وتم تبادل إطلاق النار وألقى القبض على الأنبا بولس الرياني، وعقب ذلك وقعت انشقاقات بين الرهبان، وقدم الراهب مارتيروس الرياني المؤيد لشق الطريق بلاغاً ضد 12 راهباً وطالبي رهبنة في الدير، وأكد أنهم معارضون لشق الطريق ويقفون ضد تنفيذ إرادة الدولة، ووجه لهم العديد من الاتهامات، وبعد ذلك قرر عدد من النواب البرلمانيين بقيادة النائب جون طلعت التدخل في حوار وطني(؟)، وتم التوصل إلى اتفاق نهائي. (لم يشر أحد إلى استخدام اللصوص للسلاح!).

يذكر أن أزمة الدير المنحوت بدأت منذ عام 1998م، حيث بدأ الدير في الاستيلاء على أراضي المحمية الممنوع البناء عليها وفقاً للقانون وضمها للدير، وازدادت الأزمة في أعقاب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م، عندما قام رهبان الدير المنحوت بالتعدي بوضع اليد على ٨٣٠٠ فدان أخرى من أراضي الدولة بمنطقة المحمية الطبيعية، وأقاموا بعض المنشآت عليها واستكملوا تنفيذ سور بطول نحو ١١ كم يرتكز على جبلين؛ الأمر الذي أعاق تنفيذ طريق وادي الريان - الواحات البحرية، وكذلك منع تردد الأهالي على منطقة المحمية الطبيعية والعيون المائية المتدفقة منها.

قام رواد التواصل الاجتماعي بنشر فيديو صادم ومحرج، ظهر فيه الراهب بولس وكيل دير المنحوت يطرد اللواء ناصر العبد مساعد وزير الداخلية، ومدير الأمن، وكذلك المستشار وائل مكرم محافظ الفيوم من دير المنحوت بمساعدة بعض رهبان الدير، فقد كانوا يقومون بزيارة الدير لكي يتوصلوا إلي السبب وراء اعتراض الرهبان على مد طريق الفيوم الواحات، وكذلك لكي يتناقشوا في قيام الرهبان بالاستيلاء على ألف فدان من أراضي الدولة زاعمين أنها ملك لهم، كما قام الرهبان بوصف المحافظ ومن معه من شخصيات مهمة بالخونة والجبناء، ثم انصرفوا جميعاً دون أن يقوموا بنطق كلمة واحدة!

قيل: إن اللواء ناصر العبد تودّد كثيراً إلى الرهبان، وتحدّث معهم بلغة رقيقة مهذبة للغاية، وأفهمهم أنه جاء ليشرب الشاي معهم لا لينفذ القانون، ولكن القوم بحكم انتمائهم إلى طائفة متمردة يقودها الأنبا تواضروس، المرشد الأعلى للانقلاب العسكري الدموي الفاشي، لم يلقوا بالاً للواء ولا المحافظ ولا بقية الرهط الحكومي المبارك! وشيعوهم بالسباب والتهم الغلاظ!

ويعلم القراء أن اللواء العبد اشتهر بأنه الرجل (الحمش) الذي أبلى بلاء غير حسن في استئصال شأفة المسلمين الرافضين للانقلاب في الإسكندرية ثم الفيوم، فقد تعامل معهم بأشد اللغات فظاظة ووحشية وكم شهد الدور الرابع في أمن الإسكندرية كثيراً من الانتهاكات والتعذيب والصعق بالكهرباء لشباب مسلم بريء يقول ربي الله، لم يسرق أو يقتل، أو يستولي على آلاف الأفدنة من أراضي الدولة.. ولكن ماذا تقول في أسد الداخلية الذي يتحول إلى إنسان رقيق مهذب أمام اللصوص الطائفيين؟

الإنسان المسلم في عرف اللواء العبد هو الحائط "الواطئ" وهو المستباح وهو الذي بلا ثمن، أما الطائفي اللص المجرم فالحوار معه ضرورة حتى لا تحدث فتنة طائفية تتحدث عنها الركبان في الإعلام الصليبي الفاشي، وتابعة الإعلام الانقلابي الفاشي، فسرقة 13 ألف فدان أمر يسير وهين، ولا يستوجب أن تنفذ الدولة إراداتها، ولا الحكومة قانونها، ولكنها توجب اقتحام البيوت السحل والتعذيب والقتل للمسلمين ولو كانوا أبرياء، تصور مثلاً لو كان هناك مسلمون استولوا على بضعة أفدنة تعد على أصابع اليدين أو اليد الواحدة، ولا تعترض إنشاء طريق دولي أو محلي، ماذا كان يفعل بهم اللواء العبد ورهطه المبارك ومجموعاته القتالية الملثمة؟

بالتأكيد كان سيتم سحقهم مع من يقف إلى جانبهم أو يتفرج عليهم، ولكن رعايا دولة المرشد الأعلى للانقلاب وزعيم دولة الكنيسة لهم كل المودة والتقدير والحديث همساً، ولو كانوا لصوصاً يسرقون آلاف الأفدنة، ويمنعون إنشاء طريق للمصلحة العامة!

تنزع الدولة الملكية الخاصة من أجل الملكية العامة حين تقيم جسراً أو مشروعاً أو مدرسة أو مستشفى أو حتى مركز شرطة أو قسم بوليس، ولا تتفاوض مع صاحبها المسلم أو أصحابها المسلمين، وتماطل في دفع التعويض البخس سنوات طوالاً، ولكنها مع أبناء دولة الكنيسة شيء آخر، ويتحول لواءاتها إلى حمائم رقيقة مستأنسة تغني أعذب الألحان وتعزف أرق النغمات، اللواء العبد والمحافظ مكرم رفضا أن يعقبا أو يصرحا بشيء عن إهانتهما من جانب الرهبان اللصوص، وامتنعا عن الإفصاح عما جرى لهما، طبعاً من أجل الوحدة الوطنية كل شيء يهون، وليذهب القانون إلى الجحيم!

محمود محمد، طفل "التي شيرت" الذي كان مكتوباً عليه "وطن بلا تعذيب"؛ تم تعذيبه مع زميله الطالب الجامعي إسلام وبقيا في السجن سنتين وسبعين يوماً، ثم أفرج عنهما بعد ضجة عالمية، وكفالة ألف جنيه لكل منهما، ولكن اللواء العبد يتحسس كلامه عن الراهب الذي قبض عليه هارباً من تنفيذ ثلاثين عاماً حبساً تتفاوت أسبابها.

الإعلام الانقلابي لم يتحدث كثيراً عن السلاح الذي استخدمه الرهبان اللصوص لحماية دولتهم التي سرقوها من محمية الريان الطبيعية، وسخر بعضهم: هل في الأديرة سلاح؟ وهل يلجأ الرهبان إلى حرق معدات المقاولون العرب؟

تم التعتيم على تبادل إطلاق النار الذي قام به اللصوص مع السلطة، لأن ذلك من خصائص المسلمين الأبرياء الذي تتم تصفيتهم بالمجموعات القتالية الملثمة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

السبت, 02 أبريل 2016 13:31

يصلي في السجن ويدعو

أذكر في صباي قبل خمسين عاماً أو يزيد قصة طريفة لها دلالتها المعنوية والقيمية، سرق أحدهم معزة أو عنزاً من أحد الجيران، وتصادف حادث السرقة مع زفاف أحد أبناء اللص، وأقيمت الوليمة وأكل الناس وشبعوا، وبعد أيام قلائل شب حريق هائل في دار العريس وأبيه، وفوجئ الناس بأحد الجيران يصيح وسط الناس الذين حضروا للإطفاء:

- كفاية يا محمد.. كفاية يا محمد!

ذهل الناس من هذا الصياح الذي تكرر، وسألوا من يكون محمداً؟ وماذا يقصد الصائح بكلمة كفاية!

عرف الناس أن المقصود بمحمد: صاحب العنز المسروقة، وأن الاتهام يتجه مباشرة إلى أصحاب الفرح الذين شبت النار في بيتهم، وأن صاحب العنز المسروقة رجل طيب، لا يملك إلا الدعاء في كل صلاة على من سرقها وحرمه منها، وهو في حاجة إلى ثمنها، وآمن القوم أن الحريق انتقام إلهي من اللص وابنه!

في تفسيرهم لما يحدث في مصر من فضائح سياسية وأمنية قال أهل البلد البسطاء:

- إن "مرسي" يجلس في سجنه يصلي، ويدعو على الانقلابيين الذين ظلموه، وينتقم الله له ممن غدروا به وآذوه، ونكلوا بالأحرار شر تنكيل!

الرئيس الشرعي المختطف محمد مرسي أمضى ألف يوم في غيابات الجب، ينكل به الجنرال، الذي وثق فيه مرسي، وصعّده رتبتين، واستأمنه على الجيش والبلاد، فإذا به يضعه وراء القضبان، ويتفنن في إيذائه، ومرمطته يومياً في المحاكم، ويقدمه إلى محاكمات متعددة، بتهم ظالمة وملفقة، ويطلق عليه كلاب الحراسة ونعال البيادة في الفضائيات، والصحف، والمنتديات، والمنشورات تشوه صورة الرجل، وتشهر به وبغيره من المسلمين، لدرجة أن بعضهم وصل به الانحطاط والسفالة إلى الادعاء أن العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد مرسي قدم طلباً إلى المسؤولين يطلب فيها أن يوفروا له عنزتين ليكونا معه في زنزانته!

لم يقل لنا هذا الشخص الذي نسيت اسمه: لماذا طلب الرئيس المختطف هاتين العنزين؟ وماذا سيفعل بهما وهو أسير لا يرى النور خارج الجدران العالية؟ ولكنه اللدد والتسافل والخسة التي تتملك من لا يملكون الشرف ولا المروءة ولا النخوة، فيستأسدون على الأسرى والذين لا يملكون من أمرهم شيئاً!

الرئيس مرسي بعد ألف يوم ما زال شامخاً أبياً رائعاً، لم يستسلم، ولم يتنازل، ولم يتخل عن شعبه وحريته، وقال قولته الخالدة التي سمعها العالم: الحرية ثمنها حياتي!

لقد زعم الانقلابيون أنهم سينقذون الشعب من الانقسام والانهيار، وأنهم سيمنعون مصر من العودة إلى العصور الوسطى (بالمفهوم الأوروبي الكنسي)، وأعلنوا أنهم شعب، وطلاب الحرية والكرامة والشورى شعب آخر، فإلى أي مدى وصل الانقلابيون في جريمتهم النكراء؟

سفكوا دماء الآلاف في الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح والقائد إبراهيم وأكتوبر وكرداسة وناهيا ودلجا والبسارطة والشوارع والميادين والقرى والنجوع.

غيّبوا وراء الأسوار المظلمة أكثر من ستين ألفاً من أشرف الناس وأنبلهم بدعاوى بائسة وكاذبة، ولأول مرة في تاريخ مصر تنضم المرأة المصرية المسلمة إلى قائمة الضحايا والمعتقلات والمغتصبات على يد الوحشية الدموية الانقلابية، وما زال عدد الأسرى يزداد مع اقتحامات الانكشارية كل ليلة للبيوت الآمنة الوادعة التي تؤمن بالإسلام!

صادروا الحريات والأموال الحلال، وطاردوا الأبرياء في الداخل والخارج، وأغلقوا القنوات والصحف ودور النشر التي تنتمي إلى الإسلام والحرية والشورى، وتركوا المجال لكلاب الحراسة ونعال البيادة كي ينهشوا لحوم الأبرياء والأحرار والشرفاء!

زيّفوا ودلّسوا وضلّلوا وزوّروا، وقالوا لنا كما قال فرعون لقومه الفاسقين: أنا ربكم الأعلى!

محمد مرسي في غيابات الجب منذ ألف يوم لا يملك من أمره شيئاً، يصلي ويدعو ويستجاب له، هكذا يفسر استجابةَ الدعاء، الوجدانُ الشعبي الذي خدعته الأكاذيب قبل قرابة ثلاثة أعوام فخرج يهتف لـ"الدكر"، واليوم يبكي الغافلون والمغيبون والمخدوعون على حالهم المتردية في كل شيء؛ اقتصاداً ودولاراً وتعليماً وصحة وأمناً وسياحة وزراعة وصناعة وتصديراً..!

لو أن الانقلابيين صبروا على الرئيس المسلم، ولا أقول: ساعدوه، لكانت مصر تجاوزت كثيراً من العقبات والفضائح، ولكان وزراء ومحافظون نابهون وممتازون من عينة باسم عودة، ويحيى حامد، وسعد الحسيني، وزملاؤهم حققوا إنجازات يفخر بها الوطن والأمة، وكانت مصر الآن ترتب لانتخابات رئاسية جديدة يتقدم إليها من يجد في نفسه الكفاءة، ويتم تداول السلطة بطريقة متحضرة، ولكن القوم أبوا إلا أن تكون شريعة النبوت والعداء للإسلام هي الدستور والقانون والقضاء والمنهج!

فضائح بلادي تجعل كل من يملك ذرة من إخلاص أو ضمير يتوارى خجلاً مما يجري ويحدث حين يضاء اللون الأخضر للصوص كي يستمروا في نهبهم وعبثهم واستهانتهم بالضعفاء والفقراء والقانون، هل رأيتم ما جرى للرجل الذي يراقب الفساد؟ أقصد هشام جنينة الذي لم يصبروا عليه كي يكمل أربعة شهور تبقت في مدة تكليفه، وذبحوه في منتصف الليل ببيان يخرج لسانه للشعب الذي يبحث عن الطهارة، ويغني لشعب البيادة واللصوص أعذب الألحان.

انظروا مثلاً ما جرى في مجال واحد من مجالات الأمن أثر على مصر سياحياً واقتصادياً وسياسياً وسيادياً؛ أعني أمن المطارات أو أمن الأجانب، سقطت الطائرة الروسية بعد دقائق من إقلاعها في شرم الشيخ، وقُتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، وخُطفت الطائرة المصرية في رحلة داخلية من برج العرب إلى القاهرة، وهبطت في قبرص!

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

عاش المصريون طوال القرن الماضي وقد تواضعوا على أن النيل خط أحمر، لأنه شريان الحياة للإنسان والحيوان والزرع، وأي اعتداء على المياه أو الانتقاص منها يعني إعلان حرب على الشعب المصري، ويفرض عليه الدفاع عن النفس، وبذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على شريان الحياة.

ما تفعله إثيوبيا ودولٌ في حوض النيل من بناء لسد النهضة وسدود أخرى، يهدد حياة المصريين وحيواناتهم وزراعاتهم، ويحوّل مصر بعد سبعة آلاف سنة إلى صحراء جرداء قاحلة، بعد أن كان العالم يحسدها على جريان النيل في أرضها، ويعدّه ثروة أغلى من النفط والذهب.

لا شك أن الحكم العسكري الذي بدأ في عام 1952م مهّد للكارثة المنتظرة، وأسهم في تجرّؤ الآخرين علينا، فقد تخلى البكباشي الأرحل عن السودان وأجزاء من أوغندة وإريتريا (ما يعادل مليوني كم مربع؛ ضعف المساحة الحالية لمصر تقريباً)، ليجلس على كرسي مملكة مصر والسودان، ولم يعبأ بالمضاعفات التي ترتبت على ذلك من تقسيم السودان، واشتعال الحرب الضروس بين أبنائه، وفقدان السيطرة على النيل، وإغلاق الطريق العربي الإسلامي إلى قلب القارة السمراء.

ثم كان بناء السد العالي بطريقة عشوائية تجعل أعداء مصر والإسلام قادرين على إغراق البلاد والعباد لو تمكنوا من ضربه، بدلاً من بناء سدود متعددة على امتداد النهر، تنتج مزيداً من الكهرباء، وتحافظ على الطمي الذي يزود الأرض الزراعية بالمناعة ويسمدها تسميداً طبيعياً، ولكن "الذكاء العسكري للبكباشي" جعله ينجز بالانفعال المشروع الضخم دون أن يُصغي للآراء المتعددة أو يمنح الخبراء فرصة التداول الهندسي (السدّ يخلو من هويس واحد يمرّر المياه الزائدة المخلوطة بالطمي ويفتح مجال الحركة للسفن من الجنوب إلى الشمال أو العكس)، وصارت المياه الزائدة تلقى في مفيض توشكي الذي يشفطها ويصنع منها القذافي نهره العظيم (توقفت فكرة النهر العظيم بعد قتل الطاغية).

وجاءت عصور العسكر المتتابعة لتهمل النيل وترضى بتسميمه وردمه والبناء على طرحه وتحويله إلى بحيرة آسنة تمتلئ بالصرف الصحي للجزر والعوامات والمصانع ومباني طرح النهر، وتتوقف فيه حركة الملاحة النهرية الآمنة التي كانت مزدهرة قبل عام 1967م وتنقل البضائع من وادي حلفا حتى الإسكندرية ودمياط، ثم كان التراخي المشين في متابعة ما يدبره المجرمون الدوليون من خلال دول حوض النهر بمحاولات تغيير الاتفاقيات الدولية، وإقامة السدود، ومنع الإفادة من قناة جونجلي!

وبناء على عشق سياسة الأمر الواقع التي يدمنها النظام العسكري الحاكم منذ ستين عاماً أو يزيد، تم توقيع ما يسمى الاتفاق الثلاثي بين رئيس وزراء إثيوبيا وحاكم السودان وقائد الانقلاب المصري، لقبول سد النهضة بوصفه أمراً واقعاً، لا سبيل لتغييره أو التمرد عليه، مع أنه يعني ببساطة شديدة تعطيش مصر إنساناً وحيواناً ونباتاً والتحكم في حياة الملايين المصريين والسودانيين.

الشعب المصري المقموع لا يملك غير التنكيت، مثل الذهاب إلى أديس أبابا للاستحمام أو تقديم طلب لاستيراد "قُلة" للشرب مملوءة بالماء من إثيوبيا وغير ذلك مما لا يضحك.

النظام الانقلابي لا يقدم إجابة على تساؤلات المصريين المعلنة أو المكتومة، كل ما يقدمه نوع من الاستخفاف بالشعب، واستهانة بإدراكه، وتشجيع ضمني للأخ الإثيوبي كي يواصل عدوانه وحربه على المصريين التعساء، واقرأ:

- قائد الانقلاب يقول: "أنا قلقان مع الشباب بسبب الفقر المائي.. وإللي عاوز الحل يجيلي وأنا أقوله"، بخصوص سد النهضة، سيتم الاتفاق على حجز المياه مع إثيوبيا لعدة سنوات"، ثم متسائلاً: "طب المية دي هعوضها منين، هسيب الفلاحين من غير مياه، واللي عايز يفهم يجيلي وأنا أقوله الحكاية إيه"، "حجم المياه التي تتم معالجتها حوالي 10.5 مليون متر مكعب..".

- وزير الري المبجل يحكي لنا عما يسمى مبادرة حوض النيل بهدف توفير الدعم الفني والمالي والمؤسسي لدول حوض النيل من خلال برنامج الرؤية المشتركة، كما انطوت المبادرة علي برنامج مشروعات الأحواض الفرعية.. ثم يردف بالحديث عن نزهته على شواطئ بحيرة فيكتوريا، ومدينة كسومو الصغيرة والجميلة، التي تذكره بمدينة الإسكندرية في ستينيات القرن الماضي، ومشاركته في الاحتفال بيوم النيل في كينيا الموافق 22 فبراير من كل عام، ويشير معاليه إلى وجوب وجود حلول للتحفظات المصرية علي الاتفاقية الإطارية للنيل بشكلها الحالي!

- لم يحدثنا معاليه عن محنة سد النهضة التي وصفتها صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية بأنها تحُول دون إعطاء مصر حصتها المنصوص عليها في اتفاقية موقعة بين دول حوض النيل والتي تقدر بـ 55.5 مليار متر مكعب من الماء، وأن مصر تواجه تهديداً حقيقياً بسبب عدد سكانها الضخم وتعرضها لمشكلة وجودية تتمثل في إمكانية انقطاع المياه عن نيلها؛ مما سيؤدي إلى زيادة مطردة في واردات الأغذية، وتضطر مصر إلى اقتراض الأموال لشراء 32% من احتياجات السكر، و60% من الذرة الأصفر، و70% من القمح، و70% من الفول، و97% من زيوت الطعام، و100% من العدس، معاليه يتفاوض اليوم على زيادة عدد فتحات المياه في سد النهضة، ولكن الطرف الآخر يرفض بوقاحة سافلة!

- سفير إثيوبيا في القاهرة محمود درير ينفي ما تردد بأن قائد الانقلاب تناول مع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس السوداني أزمة سد النهضة على هامش المنتدى الأفريقي بشرم الشيخ.

- قال وزير المياه الإثيوبي موتوا باسادا: إن بلاده لن تتوقف عن بناء سد النهضة ولو للحظة، وأنها ستواصل العمل فيه خلال فترة إجراء الدراسات الفنية والمقدرة بنحو عام، وأضاف باسادا، خلال مقابلة مع «بيبيسي»، أن إثيوبيا ستعمل على افتتاح السد رسمياً في موعده المحدد في العام 2017م، مشيراً إلى أنه لا يوجد سبب لتأجيل افتتاح السد.

النظام الانقلابي يعلن استسلامه الكامل لإثيوبيا، ويبشرنا بمعالجة مياه الصرف الصحي (؟!) لنشربها ونزرع بها، أي قتل الشعب المصري ببطء، ويتطوع بعضهم بالحديث عن تحلية ماء البحر، و"اللي مش عاجبه من المصريين يخبط دماغه في الحيط!"، مصر هبة النيل تتحول إلى مصر هبة الصرف الصحي في عهد العسكر!

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 19 مارس 2016 09:26

بركاتك يا مرسي!

تذكرون يا قراء قصة صحفي جريدة "الدستور" الذي شتم الرئيس المختطف محمد مرسي وسبّه وهو في منصبه، ورأت النيابة أن تحبسه احتياطياً، وقامت قيامة نقابة الصحفيين وأهل اليسار وأشباههم لإطلاق سراحه، ورأي الرئيس أن يتسامح في حقه ليفرج عن الشتّام السبّاب، فاتصل بوزير العدل ليطلب من النيابة أن تخلي سبيله كي لا يبيت في السجن، ولكن وزير العدل المستشار أحمد مكي رأى أن ذلك لا يجوز، وأن الحل هو إصدار قانون بقرار جمهوري يمنع حبس الصحفيين احتياطياً، وصدر القرار، ولم يبت الصحفي الشتام السباب في محبسه، وخرج إلى الهواء الطلق دون أن يوجه كلمة شكر إلى الرئيس المتسامح إلى آخر حدود العالم!

اليوم تقول مذيعة في التلفزيون كلمة خارجة عن النص الانقلابي؛ فتُمنع من دخول مبنى التلفزيون إلا للتحقيقات التي ينتظر أن تعصف بها وبالمقربين منها إلى الأبد!

هذا هو الفرق بين نظام يؤمن بحرية التعبير إلى آخر مدى، ونظام لا يسمح بكلمة تتجاوز حدود النص المكتوب في تلمود الانقلاب!

في زمن الخديعة والغش، والمكر والخيانة، والكذب والهوان، والقمع والقهر لا يملك المرء إلا أن يرفع يديه إلى السماء لتنفذ عدلها ورحمتها بالعباد.

ليلة اختطاف الثورة المصرية وسرقة الحرية وتغييب رئيس الدولة وإلغاء دستورها وإعلان الحرب على الإسلام واستباحة دماء المسلمين في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح وأكتوبر وكرداسة وناهيا والشوارع والمدن والقرى؛ مارَسَ المنافقون من اليسار والناصريين والليبراليين والمرتزقة وعملاء كل العصور أدوارهم الرخيصة، وتحولوا إلى مسامير في بيادة الاستبداد، ورحبوا بشطب الديمقراطية، والتشهير بالإسلام والمسلمين.. على سبيل المثال:

ظهر حمدي الفخراني يحمل حذاء على شاشة التلفزيون يوجهه إلى الرئيس مرسي، بعد إلقاء آخر خطاب له قبل ليلة اختطاف الثورة، كان الرجل منتشياً ببشائر الانقلاب العسكري، مبتهجاً أن الحكم العسكري سيمنحه دوراً مرموقاً من خلال منصب أو مكانة تجعله زعيماً بارزاً في دولة الناصريين الموعودة، ولكن شاء ربك أن تحل عليه بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، ويدخل السجن بتهمة مخلة بالشرف، تفرد لها صحف الانقلاب صفحات ممتدة، وشاشاته ساعات طويلة.. واللهم لا شماتة!

مخرج "الفوتوشوب" خالد يوسف، الناصري الكبير، الذي حول بضعة آلاف في ميدان التحرير إلى ثلاثين مليوناً ليسوغ الانقلاب العسكري، كان ينتظر موقعاً مهماً في جمهورية الخوف، فسمحوا له أن يكون عضواً في لجنة صياغة دستور زليخة، وبعدها لم يهتموا به، فترشّح لانتخابات برلمان مرجان، ولحقته بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، فظهرت فضائح السيديهات بيد الإعلامي الأمني الشقيق التي عرضها على الملأ في مشهد لا يُمحى من ذاكرة الشعب، وطُرح الأمر على القضاء، الذي مازال يتداول وقائع الفضائح وأحداثها، واللهم لا شماتة!

المستشار الزند كان حاداً في عدوانه على الرئيس مرسي، وصدرت عنه تصريحات عديدة عنيفة، وفتح نادي القضاة لأعداء الثورة في مشهد بارز، وطالب فيه بتدخل الرئيس أوباما لينقذ مصر من الحكم الديمقراطي الذي لا يعجبه، ولم يقل له الرئيس المختطف: إنك قاض وتعمل بالسياسة وذلك لا يجوز، كان الرئيس مرسي متسامحاً إلى آخر حدود الدنيا، ولكن سيادة المستشار لم يكن كذلك بدليل زلة لسانه التي وقعت عند حديثه عن حبس النبي – صلى الله عليه وسلم – في سياق غضبه من أجل ما رآه إساءة من بعض الصحفيين له ولبعض أقاربه.

الزند كان يقاوم الإصلاحات التي وضعها الرئيس مرسي ليحقق العدالة بين المصريين، فأعلن أن تعيين أبناء القضاة حق مقدس، وأن القضاة سادة وغيرهم العبيد، ولم يخافت بكراهيته للإسلاميين، وقال: لو كنا نعلم أن صناديق الانتخابات ستأتي بهم إلى مجلسي الشعب والشورى، ما أشرف القضاة على الانتخابات، ثم كان تصريحه العنصري الفاشي الذي يجعله غير صالح للجلوس على منصة القضاء وهو أنه يجب قتل عشرة آلاف من الإسلاميين مقابل كل فرد من غيرهم، فأي قاض هذا الذي تحركه عاطفة الانتقام والثأر والغل والكراهية، وهو المطالب أن يحكم بين الناس بالعدل؟ إن هذا التصريح وحده كفيل بمحاسبته أمام التفتيش القضائي والنظر في صلاحيته، ولكن الرجل كان يشعر أنه زعيم سياسي يقود جمهورية مستقلة عن جمهورية مصر العربية، وهذه الجمهورية المستقلة فوق الجمهورية الأم تفرض عليها إرادتها وآراءها.

هل رأيتم صيغة الرفض لإقالته من جانب نادي القضاة؟

أعلن نادي القضاة أن مجلس الإدارة في حالة انعقاد دائم لبحث قرار إعفاء الزند!

النادي الموقر لم يعلن ذلك عندما تم إعفاء الوزير السابق محفوظ صابر بعد تصريحه العنصري عن ابن الزبال الذي لا يحق له أن يلتحق بالقضاء ولو كان فائقاً!

يتراجع النادي بعد رؤية العين الحمراء قائلاً: لن نقود حملة تصعيدية، ونطالب المستشار الزند بالعودة للمنصة، نحن إذاً أمام حالة من القبلية الفئوية قائمة على العنصرية تتعصب للمنتمين إليها بالرفض أو القبول، ولسنا أمام قانون يتم تطبيقه على الناس جميعاً، وليس من بينهم نبي الله وحبيبه، المعصوم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.

وللأسف تبارى بعض أبناء القبيلة في الإعلان عن رفضهم لإقالة الزند. مثلاً السيدة تهاني الجبالي، الناصرية الطليعية وصديقة سوزان مبارك تصرح أن إقالة "الزند" قرار سياسي خاطئ لرجل ترك بصمة تاريخية، وأنه كتب اسمه بحروف من نور في تاريخ مصر والقضاء المصري، وأن هناك خططاً ممنهجة لإقصاء الرموز الوطنية من المشهد!

انضم إلى القبيلة دفاعاً عن الزند نفر من العمائم الأمنية وبعض صحفيي البيادة الذين زعم بعضهم أن الزند وقف بوجه الإخوان وصد هجمتهم ضد القضاء(!)، وأن مشهد إقالته تنقصه الدقة واللياقة، ونسي نعل البيادة أنه قيل للزند: استقل لتخرج بلياقة، ولكنه رفض وتصور نفسه زعيماً فوق السلطة التي عينته وزيراً! في كل الأحوال فقد لحقته بركات مرسي، فأقيل في يوم زينته واستعراض قوته، واللهم لا شماتة!

لا شك أن الرئيس مرسي الذي طالب الشعب بالحفاظ على الثورة، وأن ثمنها حياته، ستحل بركاته بإذنه تعالى على من سرقوا الثورة، وينتقمون بوحشية ممن شاركوا فيها، والسؤال الآن: هل سيقدَّم الزند إلى المحكمة لتحاسبه على ازدراء الأديان؟ صحيح أنه اعتذر، لكن هل يقبل اعتذاره لو كان أعلن أنه سيحبس المسيح أو تواضروس؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top