د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أينما ولّيت وجهك في عواصم العرب والمسلمين تجد حضوراً اقتصادياً مكثفاً لدولة الصين الشيوعية، بدءاً من المشروعات الكبرى لشق الطرق واستثمار المزارع والمصانع وإدارة المؤسسات التدريبية والتعليمية المختلفة، إلى التوريدات والمحلات التي تكتظ بالسلع والبضائع الصينية التي تلبي حاجات الناس في المجالات كافة، ما يحتاجه المطبخ والمدرسة والجامعة والمصنع والمزرعة..

يأتي المندوبون من بكين والمدن الأخرى إلى عواصم العرب والمسلمين ويعودون محملين بعقود مالية ضخمة، ويذهب الأذكياء والفهلوية من تجار العرب فيتعاقدون على ملء السفن بالبضائع الرخيصة البسيطة التي يكسب تجار الصين من ورائها عشرات الملايين، كما يتوجه إلي عاصمتهم مئات الآلاف من المرضى الذي يزرعون الكبد أو القلب أو يعالجون من أمراض مزمنة!

مئات الملايين من الدولارات التي يملكها العرب والمسلمون تدخل بطريقة شبه يومية إلى جيوب الحكومة الصينية وتجارها، ومع ذلك لا تخدم الصين قضية عربية أو إسلامية واحدة، لأن أصحاب الملايين العرب والمسلمين لا يتحدثون عن قضاياهم ومصالحهم العامة، إنها علاقة بين تاجر ذكي ومليونير ذاهل! التاجر يخدع المليونير بالكلام ويضحك عليه ويستنزف ما يملك! والمليونير مشغول بحياته اللاهية البائسة، لا يتذكر ما يفرضه الدين وما توجبه الأخلاق، وما تحتمه الأخوة والمروءة والإنسانية.

تعلن الصين الشيوعية أنّ "الإسلام مرض أيديولوجي"، وتقود حرباً غير متكافئة ضد أقلية الأويجور المسلمة لتمحو إسلامهم، وتمزق وجودهم في مناطقهم فتفرقهم في مناطق أخرى لينسوا إسلامهم وعقيدتهم وحضارتهم.

لقد هدمت الصين كثيراً من المساجد وحرّمت على مسلمي الأويجور ملابسهم التقليدية التي يؤدون بها الصلاة بالإضافة إلى تحريم الحجاب والنقاب، كما حرّمت عليهم اقتناء القرآن الكريم، وأفادت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن مصادر أويجورية بالمنفى أن السلطات الصينية أمرت أقلية الأويجور بتسليم جميع المصاحف وسجاجيد الصلاة أو غيرها من المتعلقات الدينية، وإلا سيواجهون "عقوبة"، لقد منعتهم السلطة الشيوعية من دفن موتاهم بالطريقة الإسلامية، وفرضت عليهم إحراق جثثهم على الطريقة الصينية!

وأخيراً كانت الطامة الكبرى باحتجاز نحو مليون مسلم أويجوري فيما يسمى مراكز "مكافحة الإرهاب"، بالإضافة إلى إجبار مليونين آخرين من مسلمي الأويجور على حضور معسكرات ما يسمى إعادة التأهيل للتلقين السياسي والثقافي، وتعلّم لغة الماندرين الصينية وتلاوة مدائح للحزب "الشيوعي الصيني"، ولم يسلم الأطفال من طغيان الحزب الشيوعي الصيني، الذي أقام أيضاً معسكرات ومدارس يُفصل فيها الأطفال المسلمون الأويجور، عن عائلاتهم ولغتهم ودينهم وثقافتهم، كما أشارت إلى ذلك لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة.

إن حملات القمع التي تشنها الحكومة الصينية الشيوعية ضد مسلمي الأويجور ما زالت متواصلة مع استنكار الأمم المتحدة وبعض الدول وأصحاب الضمير في العالم، وكثيراً ما خرجت من وراء سور الصين مآسٍ عديدة، وجرائم وحشية ضد المسلمين في شينجيانج (تركستان الشرقية) وغيرها، وعلى سبيل المثال:

يحكي تور جونجان (44 عاماً) إلى أنه "كان يملك محلاً للمجوهرات، وكان يسافر بانتظام بين تركيا والصين على مرِّ أربع سنوات، وفي إحدى هذه الرحلات في منتصف العام 2017م، ألقي القبض على أفراد عائلته دون أي تفسير وجُمِّدت حساباته البنكية".

يقول جونجان: "ليس لديّ ما أخسره بعد أن اعتقلوا زوجتي بلا سبب، ولا أعرف مكان طفلي الصغيرين التوءم وولدي المراهق".

ويضيف: "كل ما نريده هو السلام والأمن والديمقراطية والحرية، يُقدِّم أمثالي ممَّن يعيشون خارج الصين وفقدوا التواصل بأفراد أسرهم، تضحياتٍ هائلة من أجل السلام".

لقد أعربت الأمم المتحدة أكثر من مرة عن قلقها بعد ورود تقارير عن اعتقالات جماعية للأويجور، ودعت لإطلاق سراحهم وإخراجهم من معسكرات ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، تعترف بكين باعتقال بعض المسلمين ولكنها تزعم أنهم متشددون يدعون للانفصال عن الصين وإثارة الاضطرابات، ولكن المعتقلين كثرة كاثرة من الأئمة وعلماء الدين والموظفين والمعلمين والتجار والنساء والشباب، وجريمتهم أنهم يرفضون الإلحاد، ويمتنعون عن الاستسلام لإرادة الحزب الشيوعي.

لقد كان الأويجور في أوائل القرن العشرين يتمتعون بالاستقلال، ولكن بكين الشيوعية أخضعت مناطقهم بالكامل لسيطرتها عام 1949م.

واليوم يهدف الشيوعيون إلى مسح ذاكرتهم وهويتهم وتاريخهم تماماً حتى لا يرفعوا صوت الأذان في بلادهم المحتلة.

إن الصين الشيوعية تعتمد في حملة القمع والإذابة على الحجة البليدة الرخيصة التي ترفعها دول وحكومات قمعية في أرض الإسلام وخارجها، وهي الإرهاب لتقضي على المسلمين الأبرياء، وتستأصل الإسلام من جذوره في نفوسهم وأفئدتهم.

من المفارقات العجيبة والغريبة أن سفراء 22 دولة غير إسلامية لدى الأمم المتحدة منها أستراليا وكندا وبريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا، قاموا بالتوقيع على رسالة لمسؤولي حقوق الإنسان في المنظمة الدولية، تدين ممارسات حكومة بكين الشيوعية ضد مسلمي الأويجور في تركستان الشرقية، بينما قامت 11 دول عربية -ضمن 37 دولة أخرى- بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه مسلمي الأويجور، وتشيد بما وصفته إنجازات الصين في مجال حقوق الإنسان، وتزعم الرسالة النكدة أن الصين الشيوعية الظالمة تواجه تحدياً خطيراً يتمثل في القضاء على الإرهاب والتطرف في الإقليم.

وتجاهلت الدول العربية الإحدى عشرة ومعها بقية الدول السبع والثلاثين، ما يعانيه المسلمون الأويجور في تركستان من قمع واضطهاد وقهر تحدثت به الركبان، وأشارت إليه لجان الأمم المتحدة، بل وتشيد بما تسميه إنجازات صينية في مجال حقوق الإنسان!

لماذا يا دول العرب الإحدى عشرة تخذلون أشقاءكم، وتؤذونهم بدعم جلاديهم، بينما دول غير إسلامية تقف إلى جانبهم وتدعمهم؟!

لماذا نسيتم تعاليم الإسلام في نصرة المظلوم؟ لماذا لا تقفون مع الحق والجانب الضعيف المظلوم؟ هل قرأتم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضُهُ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَتُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ" (أخرجه البخاري وأبو داود والبيهقي).

لماذا لم تسكت الدول العربية إذا لم تكن تود نصرة الأشقاء المسلمين؟ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (رواه البخاري، ومسلم).

لم تعد حكاية مسمار جحا المسماة بالإرهاب تنطلي على أصحاب العقول، لأن الإرهابيين في معظم الأحيان لا يصيبهم أذى ولا عقاب، الأذى ينزل بالأبرياء والمظلومين.. هل نذكر لكم آلاف الضحايا الذين قتلوا بأشد أنواع الأسلحة فتكاً تحت لافتة مكافحة الإرهاب في بلاد العرب والمسلمين؟

للأسف لم يقتصر الأمر على الحكومات، ولكنه انتقل إل بعض القوى العلمانية والملحدين وخصوم الإسلام، الذين يرددون كلاماً رخيصاً يدعي أن الإرهابيين والمتشددين تسللوا إلى قلب الأويجور فحرضوهم على الثورة! كيف يثورون وهم في المعتقلات والسجون وتحت القمع الدموي الذي لا يرحم؟

إني أناشد التجار والأفراد والشركات والمؤسسات الذين يملكون ضميراً إنسانياً حياً أن يقاطعوا الصين اقتصادياً، حتى تفيء إلى الصواب، وترفع يدها عن الأشقاء المسلمين في تركستان الشرقية.

أما الحكومات فأمرها إلى الله، لأن الشعوب العربية لم تعد تملك إزاءها شيئاً بعد أن قويت قبضتها، وصارت حساسيتها مفرطة ضد كل ماله علاقة بالإسلام، ونطلب من الله الرحمة واللطف.

عندما أجهش الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي على شاشة التلفزيون وهو ينعى الرئيس الشهيد محمد مرسي، كانت الأبواق المأجورة المعادية للإسلام والأخلاق والحرية تتجاوز التقاليد الإسلامية والأعراف الشعبية التي تفرضها حالات الموت، فراحت تسبّ الشهيد، وتنال منه، وتكذب على الله والناس، وتنفذ تعليمات بائسة بالتشويش على مشاعر الأمة التي اهتزت في كل مكان لاستشهاد الرئيس، لدرجة أن إحدى المذيعات قرأت الخبر الذي أرسل إليها حول الحادث، واختتمت بجملة خارج السياق: "تم الإرسال من جهاز سامسونج"! في إشارة لا تخفى على الجهة التي أرسلته!

أياً كان الخلاف السياسي أو الاجتماعي أو العقدي بين الناس في المجتمع المسلم، فهو يتوقف عند جلال الموت، أياً كان الميت وأياً كان انتماؤه.

أحزنني أن القوم يعيّرون المسلمين ويتهمونهم دائماً في حملات محمومة أنهم لا يعزّون الكفار والنصارى واليهود، ويرتبون على ذلك أحكاماً جائرة وظالمة، وهو كلام له غرض وهوى، فإذا افترضنا جدلاً أن محمد مرسي واحد من هؤلاء فلماذا لا يسمحون بالتعزية فيه، والمشاركة في تشييع جنازته أو الصمت على الأقل احتراماً لجلال الموت؟

والأغرب أن وكالات الأنباء حملت خبر اعتراض نائبة في برلمان عربي على "قراءة الفاتحة والترحم على مرسي"، وطالبت النائبة العلمانية بعدم "أخونة" البرلمان، ودعت إلى تصنيف من دعا إلى قراءة الفاتحة وكتلته حركة إرهابية، قراءة الفاتحة "أخونة" و"إرهاب"؟ أي خلل أصاب العقل العربي؟ وأيّ غلّ يحكم خصوم الإسلام؟

الأعجب من هذا أن يتصدى للحديث عن رحيل الرئيس الشهيد واحد من علماء السلطان الذي لم يتورع في نفاقه الفج عن وصف بعض المسؤولين بالأنبياء، فيقول عن مرسي رحمه الله: "لا شماتة في الموت، مفيش شماتة بس في ارتياح وراحة قلب"!

ما راحة القلب التي يقصدها عالم السلطان المنافق؟ هل كان الرجل يقتل الأبرياء؟ هل كان يحشر عشرات الآلاف في السجون؟ هل كان يحارب كل من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ويطارده؟ هل كان يخص نفسه أو أناساً بعطايا الدولة وأموالها؟

لقد ظل في مسكنه الخاص طوال فترة رئاسته، ولم ينتقل إلى القصر، وكان يمضي بسيطاً بين الناس، ولم يتقاض مليماً واحداً من منصبه الرئاسي، وكان معاونوه من المتخصصين الذين يستدعيهم لدراسة بعض القضايا أو التشاور في بعض الأمور لا يشربون في القصر الجمهوري غير الشاي فقط، وتصدق بعرضه فلم يحاسب السفلة والأوغاد الذين كانوا ينالون منه في الإعلام والصحافة، ولم ينم ذات ليلة إلا بعد أن أصدر قراراً بقانون ليمنع حبس صحفي سافل أساء إليه إساءة بالغة!

من أي شيء يستريح قلب عالم السلطة وفقيه الشرطة الذي طوع الإسلام لإرادة المستبدين وأعداء الحرية والإسلام؟

لقد عومل الرئيس الشهيد معاملة لا تليق بإنسان فضلاً عن رئيس انتخبه الشعب في أول انتخابات نزيهة عرفتها مصر وآخرها أيضاً، واحتُجز، كما قالت المفوضية العليا لحقوف الإنسان، في حبس انفرادي لفترات طويلة، وهناك مخاوف بشأن ظروف احتجازه، وقال المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل: أي وفاة مفاجئة في أثناء الاعتقال يجب أن يتبعها تحقيق سريع وحيادي وشامل وشفاف من جانب هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة.

لقد وصفت جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة!) التي ينتمي إليها مرسي الوفاة بأنها «جريمة مكتملة الأركان» وطالبت بإجراء تحقيق دولي، والسؤال هو: هل يستجيب أحد لإجراء هذا التحقيق؟ لقد أعلنت إدارة ترمب أنها علمت بوفاة مرسي، وليس لديها أي تعليق، أي إنها توافق ضمناً على إغلاق ملفه! فأمريكا والغرب واليهود يريدون طيّ ملف الإسلام وكل ما يمت إليه بصلة، ولا يجدون حرجاً في استئصال الحرية في كل بلاد المسلمين؛ لأن الحرية أو الشورى أو العدالة تزعجهم وتسبب لهم حرجاً وصداعاً يتطلب المواجهة، وهم ممتنّون لمن يوفر عليهم هذ المواجهة!

صرح المحامي عبدالمنعم عبدالمقصود، الموكل عن مرسي: «الرئيس مرسي منذ فترة مريض وتقدمنا كثيراً بطلبات لعلاجه بعضها تم الاستجابة له وبعضها لا».

لقد تمنى الناس أن يعامل مرسي في معتقله مثل أي محكوم، ولكن محكومي المخدرات كانوا أسعد حظاً منه، فهم يستطيعون رؤية ذويهم كل أسبوع، ويمكنهم الحصول على ما يريدون من أطعمة وأغراض بطريقة رسمية أو غير رسمية، أما مرسي فقد ظل منفرداً في محبسه، ولم يلتق بأحد طوال سنوات ست إلا مرتين أو ثلاثاً، حيث رأي بعض أفراد أسرته.

في موضوع يحمل عنوان "مبارك يستمتع بتقاعده بعد 30 سنة من الدكتاتورية.. ومرسي الديمقراطي يموت سجيناً"، قارنت مجلة "إيكونوميست" بين الرئيس المنتخب بطريقة ديمقراطية ومبارك الذي ظل بالقوة على سدة الحكم ثلاثين عاماً، وذكرت أن القضية ضد محمد مرسي التي مضى عليها ستة أعوام أخذت منذ وقت طويل منحى يشبه العالم الكابوسي للروائي فرانز كافكا، ففي كل أسبوع كان على الرئيس الأول المنتخب ديمقراطياً الذي أطيح به بانقلاب عام 2019 الظهور أمام المحكمة لمواجهة اتهام أو آخر، فقد اتهم بالتجسس وسرقة مواش والتعذيب، ولم يعد المصريون يهتمون بقضيته، إلا أن عجلة العدالة المصرية المعيبة ظلت مستمرة ثم توقفت فجأة، فقبل الساعة السادسة مساء في 17 يونيو أعلن "التلفزيون الرسمي" وفاته من نوبة قلبية أثناء المحكمة، وكان عمره 67 عاماً.

وتشير المجلة إلى سلفه مبارك، الرجل الذي أساء حكم مصر حين واجه المحاكمة بعد الثورة، لكنه لم يعتقل في سجن طرة ولا في سجن عسكري بل كان يقيم في مستشفى فاخر، ويزوره كل من يريد ويحصل على كل ما يريد.

تقول "الإيكونوميست": مرسي في سنواته الأخيرة وحيداً في السجن؛ مقطع أخير تراجيدي في الثورة المصرية، وهامش في بلد عاش سنوات طويلة تحت حكم الدكتاتورية.

المفارقة أن الرئيس الشهيد ردد قبل انتقاله إلى بارئه بدقائق أنه متمسك ببلاده حتى وإن جارت عليه، مؤكداً عدم البوح بأسرار بلاده حتى مماته، وتلا البيت الشهير:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة            وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام!

المفارقة الأخرى أن المسلمين في أرجاء العالم صلوا عليه صلاة الغائب، عدا وطنه الذي جار عليه وعلى الإسلام، وبعض الدول العربية التي تخشى الضغوط والعقاب، فقد أصدر النظام في مصر قراراً بحظر صلاة الغائب في أي مسجد، ومنعتها بعض الدول العربية لعدم الإحراج، ومع ذلك فقد تمت الصلاة عليه في المسجد الأقصى الأسير، الذي عرف صورة مرسي أول رئيس عربي ترفع عليه، وعلى امتداد المعمورة كان المسلمون يؤدون الصلاة على روح الشهيد، الذي ارتقى في حرب ضروس شنها أعداء الحرية والإسلام، بعد أن حرم من الدفن في قريته حسب وصيته، ولم يشيعه إلا أولاده والمحامي الموكل عنه!

رحم الله الشهيد الذي قال: "لا تقتلوا أسود بلادكم فتقتلكم كلاب أعدائكم"!

وليتنا نفيء إلى الحق ونفهم أن أعداء الحرية والإسلام لن يبقوا على الموالين لهم ولا المعارضين.

السبت, 08 يونيو 2019 14:44

وداع أرطغرل.. واستقبال عثمان

بالحلقة الخمسين بعد المائة التي أذيعت أواخر مايو 2019م، انتهى مسلسل "قيامة أرطغرل" الذي ملأ الفضائيات وشغل الناس على مدى خمس سنوات، وشاهده نحو ثلاثة مليارات نسمة في خمس وثمانين دولة على امتداد العالم، وحمل رسائل مهمة إلى العالم الإسلامي وغير الإسلامي.

في البداية طالع المشاهدون المسلسل وهم يظنونه مسلسلاً تاريخياً عادياً سيملّونه بعد حلقتين أو ثلاث، ولكنهم استمرّوا معه خمسة مواسم، يشاهدون في كل موسم ثلاثين حلقة، كل حلقة في ساعتين أو أكثر، ويصمدون أمام الشاشات أو "اليوتيوب" ليتابعوا الأحداث الشائقة، والأداء المبهر، واللغة الجديدة التي افتقدوها في مسلسلات الأشاوس والنشامى حيث تمتلئ بالغثّ والمبتذل، والشتائم والسطحية والعري، والنماذج الشائهة، والتقليد الأعمى لمسلسلات الغرب.. ثم وهو الأخطر تشويه الإسلام وتنفير المشاهدين منه، وتقديمه في صورة مقزّزة ومتوحشة ومعادية للإنسانية والفطرة البشرية!

أيضاً فقد درج العلمانيون الأتراك على تقديم مسلسلات لا علاقة لها بتركيا العثمانية الإسلامية، إنها تقدم تركيا التغريب ورفض الإسلام واللغة العربية والاندماج في المجتمع الغربي بسلبياته وموبقاته، دون التفات إلى إيجابياته ومحاسنه.

وللأسف فقد قدموا التاريخ العثماني مشوّهاً، وبائساً، ومتخلّفاً كما حدث بالنسبة لمسلسل السلطان سليمان القانوني الذي عرض تحت اسم "القرن العظيم"، وعرفه العرب باسم "حريم السلطان"، فقد صوّروا السلطان سليمان في صورة الخليفة المشغول بالنساء، والغارق في الملذات والشهوات، وذهب خيال كاتبة المسلسل العلمانية إلى تشويه الرجل الذي قاد أقوى دولة في زمنها، وتسيّد العالم أرضاً وبحراً، فتحول لدى العلمانيين إلى صورة مبتذلة يحتفي بها الإعلام العربي الفاسد الموجه، وصار العرب وغيرهم ينشغلون بتاريخ مزيف صنعه معادون للإسلام، موالون للغرب.

لقد ذكّر أردوغان ذات يوم حكام أوروبا وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي في مناسبة اجتماع لهم؛ بقيمة السلطان سليمان القانوني، حين أهداهم رسالة استغاثة وطلب العون بعثها ملك فرنسا فرنسيس الأول للسلطان سليمان عندما وقع أسيراً في يد الإسبان، فطمأنه السلطان ووعده بنجدته وخاطبه قائلاً: "أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين، أنا متوّج الملوك، ظلّ الله في الأرضيين، أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر.."، ولكن الكاتبة العلمانية التي كتبت حريم السلطان لم تعلم بذلك وجعلت سليمان القانوني زير نساء!

لقد استاء الأتراك الطيبون من تشويه سلطانهم القوي العادل الذي لقب بـ"القانوني"، وقدموا عشرات الشكاوى لمن يعنيهم الأمر، وعبّر أردوغان عن غضبه من المسلسل وصانعيه، ولكن الرد العملي كان تقديم التاريخ العثماني في صورته الحقيقية الأصيلة، التي شوهها المغرضون والمعادون للوحدة الإسلامية.. فرأينا مجموعة من المسلسلات الطويلة المهمة التي صاغت التاريخ العثماني في عصور مختلفة: "أرطغرل"، "السلطان عبدالحميد"، "كوت العمارة".. من خلال قصص فنية شائقة، وإخراج متقن، وتمثيل فائق، وتصوير رائع.

حظي مسلسل "قيامة أرطغرل" باهتمام كبير لأنه وجه رسالة متعددة الأغراض إلى الداخل التركي والعالم الإسلامي، لعل أهمها: مقاومة الغزاة المعتدين مهما كانت قوتهم إيماناً بالحق وطلباً للشهادة، تطهير الصفوف من الخونة والمنافقين، الوقوف بجانب المظلومين وإقامة العدل، العمل على وحدة المسلمين والتعاون فيما بينهم.. وكل ذلك في إطار القيم الإسلامية التي ترفض الظلم والبغي والعدوان، ولا تفرط في الحقوق والواجبات، وتسعى لتقديم الرحمة والعطف، ومنح المخالفين بل الأعداء فرصة التحول إلى الصواب من خلال التعرف على الإسلام وقواعده وقيمه من خلال الوفاء بالعهود والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، وعدم التمييز بين رعاياهم أياً كانت معتقداتهم ومذاهبهم، وكان هناك دائماً عالم الدين الذي يشرح قواعد الإسلام والسيرة النبوية ويحث على بناء العقل الوجداني بالعلم والمعرفة وتقوية الشعور بحب الله والإخلاص والشهادة، ويأتي في سياق فني يلتحم بالعمل الفني دون افتعال أو تكلف.

مع أن أرطغرل كان بطل المسلسل، فإنه يمكن القول: إن فريق التمثيل حقق نوعاً من البطولة الجماعية التي تصور مجتمعاً إسلامياً متكاملاً يتحرك فيه بشر يصيبون ويخطئون، ويحظى المصيب بالتقدير، والمخطئ بالتصويب، والنفوس البشرية في المسلسل ليست ملائكية، أو محصنة، ولكنها تبدع وتقوى غالباً، وتضعف وتتهاوى أحياناً فيقومها المجتمع أو يقف إلى جانبها حتى تعود سيرتها الأولى.

إن المجتمع الذي تمثله القبيلة التي ينتسب إليها أرطغرل (القايي)، يتشارك المسرات والأحزان، ويرتفع بجهاده، ويسقط بفعل العدوان عليه والغدر به من جانب الخونة أو المعتدين، ولكنه ينهض مرة أخرى، ويقاوم، ويستعيد مكانته من جديد.

لقد عالج المسلسل الخيانات -وما أكثرها في زماننا بين العرب والمسلمين- وتخطيط الأعداء من الصليبيين والمغول، وشراء الخونة والجواسيس من أقرب المقربين إلى القادة، وهؤلاء كانوا يتسببون عادة في انهيارات وانكسارات تعصف بالمسلمين، وتقهرهم، ومع أن المخ المعادي كان يعمل ويخطط بذكاء وينفق الذهب بسخاء على العملاء، فإن أرطغرل وصحبه كانوا يواجهون مخططات الأعداء بالعمل والعقل والتدبير المحكم لاصطياد الخونة وكشفهم ومعاقبتهم.

بعض السذج يرون أن معاقبة الخونة تحريض من المسلسل على الشقاق وهز أركان المجتمع، وهدم الدولة!

كانت المرأة في مجتمع "القايي" مثالاً للمرأة الفاعلة المنتجة المقاتلة التي تشارك بالرأي والفكر، بل القيادة في بعض الأحيان، وهي قيادة تتسم بالحكمة والحنكة والصواب.

وهي في كل ذلك محتشمة غير مبتذلة، وللأسف فإن بعض ضيقي الأفق يتهمون المرأة في المسلسل بالسفور والتبرج وعدم الالتزام، ويرتبون على ذلك تحريم مشاهدته، وقد توالت فتاوى عديدة ذات هوى لتحريم المسلسل، معتمدة على أسانيد واهية، كأن يتهمونه بالدعوة إلى الصوفية الباطنية، أو اختلاق وقائع لم تحدث، وهذه أحكام مغرضة تداري العجز الذي تعيشه بعض الجهات التي أخفقت في تقديم أعمال محترمة تشد الجماهير، وتغزوها بالفكر الناضج والتصورات الظافرة.

أياً كانت المآخذ الفنية القليلة على المسلسل، فهي لا تقلل من قيمته التي تجعله تحفة فنية ناعمة صارت -كما وصفها بعضهم- حديث العرب والعجم، وأثرت في كثير من غير المسلمين وجعلتهم يغيرون الصورة السلبية المرسومة في أذهانهم عن الإسلام.

ويكفي المسلسل إيجابية أن المشاهد شنفت أذنيه وأمتعت عينيه آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ومنظر الصلوات الفردية وصلاة الجماعة وخطبة الجمعة، وتلاوة القرآن في أكثر من مكان بتلقائية وعفوية، وهو ما تخلو منه مسلسلات بني جلدتنا الهابطة.. بل إن ختام المسلسل عرف تلاوة جميلة لجزء من سورة الفتح يعبر عن انتصار المسلمين حين يعتصمون بحبل الله، ويعملون بدأب وإصرار حد الشهادة لنصرة الدين الحنيف، وإقامة دولة العدل ونصرة المظلوم.

لقد ودع المشاهدون أرطغرل ليستقبلوا بعد شهور مسلسلاً مكملاً، هو "قيامة عثمان"، ابن أرطغرل حيث تنهض دولة بني عثمان قوية شابة في السنة ذاتها التي سقطت فيها بغداد تحت أقدام المغول (656هـ)، ويمارس التاريخ لعبته في الوقوف إلى جانب من يأخذون بالأسباب مع الإيمان، والتخلي عن أهل الأنانية، والتفرق والتشرذم، والولاء لغير الله!

لقد استحق كاتب المسلسل ومخرجه إشادة من المشاهدين والنقاد ومحبي الإسلام، وهو الذي بذل جهداً كبيراً في تقديم عمل يشهد له يوم القيامة، خدمة للإسلام والمسلمين.

لعلها مفارقة طريفة أن تنجب قرية نجريج مركز بسيون محافظة الغربية اثنين من المشاهير؛ الأول الشيخ محمد عياد الطنطاوي المولود في أوائل القرن التاسع عشر (1810 – 1861م)، ومحمد صلاح غالي؛ لاعب كرة القدم الدولي في أواخر القرن العشرين (1992- ..م)، فكانت شهرة الثاني الفائق في اللعب أقوى وأعمّ من شهرة الأول الذي كان صاحب ريادة طيبة في خدمة العربية وآدابها.. إنها مفارقة عطاء الرأس الفكري وحركة القدم في الملاعب.

الطنطاوي من أبناء الأزهر الشريف، وكان ميدان تفوقه اللغة؛ لغته الأم واللغة الأجنبية (الفرنسية والروسية)، وامتد جهده الفكري والأدبي في خدمة اللغة العربية داخل البلاد وخارجها، واستيعاب اللغة الأجنبية وعياً ودراسة وتأليفاً وترجمة.

حياة الطنطاوي تؤكد دور الأزهر وعلمائه في النهضة الحديثة التي أضحت ضرورة في عهد محمد علي حين بعث أبناء الأزهر الشريف إلى أوروبا لدراسة العلوم المختلفة ونقلها إلى مصر، فأدوا مهمتهم وعادوا إلى البلاد ينشرون ما حصلوه من علم وفكر. 211000.jpg

هناك من يحاول طمس دور الأزهر في النهضة الحديثة، ويقلل من قيمة جهوده الوطنية والإسلامية والإنسانية، وخاصة في مجال الآداب والفنون الرفيعة، مع أنه ظهر من علمائه ورجاله المعلمون والخطباء وقادة الفكر والصحافة، والأدب شعراً ونثراً، وزعماء الجهاد الوطني ضد الاستعمار والاستبداد والفساد، ورواد العمل الخيري والاجتماعي، وكانوا ألسنة ناطقة بخير الأمة العربية والإسلامية في كل مكان يحلّون به.

إن تجاهل هذه الجهود الأزهرية التي كان الطنطاوي في المقدمة من روادها، أو التهوين من شأنها يصب في اتجاه تحييد الأزهر بتجاهل جهود رجاله وعلمائه، وحصره في دائرة بعيدة عن الثقافة الحديثة، والحركة السياسة والاجتماعية المعاصرة.

لقد حاول «د. براون»– وكان أستاذاً في مدرسة الطب المصرية على عهد محمد علي- أن يجرد الأزهر من كل فضل حضاري في مضمار التقدم الفكري، فكتب إلى سكرتير الجمعية الآسيوية يحدثه عن انبثاق النهضة العلمية في مصر، فجعل من نفسه- كما يزعم- مشعل التوجيه العلمي مع من وفد من أوروبا للتدريس في مصر، أما علماء الأزهر الذين تعلم على أيديهم وقاموا بتصحيح مؤلفاته العربية وتنقيحها، وعاونوه في تحديد المصطلحات وتعريفها، فلا يعرفون شيئاً ما.

نسي «براون» أن الشيخين محمد عياد الطنطاوي، ومحمد عمر الطوانسي هما من علّماه اللغة العربية حتى برع فيها، و»كان زميلاً لرفاعة الطهطاوي، وحضر مجالس الشيخ حسن العطار مع العلماء في منزله، وخاضوا في مسائل كثيرة كانت موضع التفاته، وإذا كان «براون» قد اعترف بفضلهما فهما لم ينشأا من فراغ، لا استثناء من القاعدة، بل هما من تلاميذ الشيخ حسن العطار، وبهديه استطاعا أن يتفرغا لعلوم كثيرة، وأن يحتذيا رفاعة الطهطاوي في مجالات مسبقة» (السابق، ص 478).

لقد اختير الشيخ الطنطاوي واعظاً دينياً في جيش إبراهيم باشا، ولما عاد إلى مصر شارك في تحرير الكتب العلمية بمدرسة الطب، و»كانت مدرسة أبي زعبل قد أنشئت، وأخذ النَّقلة في ترجمة كتب الطب وغيرها، فعُيّن مصححاً، وأعجب به «د. براون» وارتاح إلى أدبه، فقرأ عليه «كليلة ودمنة»، ولمع نجمه في التحرير والتصحيح، وامتاز بين زملائه بمعرفة المصطلحات العلمية العربية، فكانوا يرجعون إليه في تحقيقه ويطلقون عليه «مصحّح كتب الطب»، وكانوا إذا أرادوا أن ينقلوا كتاباً في أوائل إنشاء مدرسة الطب وجدوا مشقة في إيجاد الألفاظ العربية الملائمة للألفاظ الإفرنجية في الكتب المترجمة، فيرجعون إليه في تحرير الكتب» (د. محمد كامل الفقي، الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة، ص78).

وهذا الدور الذي نهض به الطنطاوي يؤكد أهمية ما قام به هو وزملاؤه الأزهريون من المصحّحين والمترجمين في خدمة اللغة العربية وتعريب المصطلحات الأجنبية، فكأنهم قاموا بما نسميه الآن التحقيق العلمي للمخطوطات، والنقل عن الكتب الأجنبية، والمطابقة بين المصطلحات المنقولة ونظائرها في اللغة العربية.        

وقد خصص «كراتشكو فسكي» كتاباً عن حياة الشيخ محمد عيّاد الطنطاوي، نشره عام 1929م، وترجمته السيدة كلثوم عودة، وطبعه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر عام 1964م.

لقد طلبت السفارة الروسية من إسطنبول أستاذاً بمعهد الدراسات العربية في سانت بطرسبرج، فوقع الاختيار على الشيخ الطنطاوي، فنهض بما عهد إليه على أكمل وجه، وظل محافظاً على زيّه الأزهري وسمته الشرقي، يقول عنه أحد معاصريه من الروس: إنه رجل وسيم، يرتدي حلة شرقية، وعمامة بيضاء، وله لحية فاحمة سوداء، وعينان براقتان، ووجه متوقد الذكاء، وهو يسير الهوينى شامخ الرأس.

ومن المفارقات أن المستشرقين الذين وفدوا على مصر في عهد محمد علي للعمل في وظائف مختلفة، وكانوا يبذلون جهوداً حثيثة ضد الثقافة الإسلامية، تأثر بعضهم بالشيخ الطنطاوي، مما قلل من سرعة عدوانهم على هذه الثقافة، ونظراً لحاجتهم تعلم العربية بدأت علاقه الشيخ بهم، ومنهم: الفرنسي «فرنيل»، الذي قدم إلى مصر عام 1831م، والفرنسي «بايرون»، الطبيب بقصر العيني، والألماني «فايل»، مدرس الآداب الشرقية في جامعة هايدلبرغ، والألماني «برونر»، والإنجليزي «إدوار وليم لين»، صاحب كتاب «المصريون المحدثون»، ومترجم «ألف ليلة وليلة»، وكان من تلاميذ الشيخ عياد الطنطاوي من المستشرقين الروس «موخين»، و»فرين». 10-3-6.jpg

والطنطاوي من أوائل من كتبوا الرحلة في العصر الحديث «هدية العاقل» قبل رحلة رفاعة «تلخيص الإبريز»، ولكنها لم تطبع ولم يكتب لها الذيوع.

أيضاً، فإن رفيقه الشيخ الطوانسي كتب رحلة «تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان» يصف رحلته إلى الواحات والسودان، وقد طبع في باريس مع ترجمة فرنسية قام بها «سيديليو»، وكتب عنها بالمجلة الآسيوية.

وللأسف تتجاهل الرسائل الجامعية هاتين الرحلتين، تبدأ برفاعة، وتقفز إلى عبدالله فكري والشدياق، تاركة ما كتبه هذان الرائدان (انظر: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين،ج2، ص481).

لقد ألف الطنطاوي في مصر مجموعة من الكتب في العقائد، وفي قواعد اللغة، والبلاغة، والعروض والقوافي، إضافة إلى الجبر والميراث والحساب، وأسماء الناس والخيل الأصيلة وتدبيج الشروح والحواشي على مصنفات غيره، وألّف بالفرنسية «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»، وهو كتاب أكسب الطنطاوي شهرة واسعة في كل أوروبا، كما أنشأ قاموساً عربياً فرنسياً طبع في قازان عام 1849م، وله 3 مقالات باللغة الفرنسية، كما كتب بالروسية مجموعة حكايات وملاحظات في تاريخ الخلافة والشرق الإسلامي، وقواعد اللغة العربية، وترجم إلى الروسية مجموعة أمثال عربية، وترجم «تاريخ روسيا الصغير» لـ»أوسترالوف».

وفضلاً عن ذلك فله كتاب «تحفة الأذكيا بأخبار بلاد الروسيا»، ويعد من أهم مؤلفاته إن لم يكن أهمها جميعاً، ويروي فيه رحلته من القاهرة إلى سانت بطرسبرج، ويتناول روسيا وأحوالها.

لقد كرمه الروس وعيّنوه مستشاراً في الدولة الروسية، وقلّده القيصر وسام «ستانيسلان» ووسام «القديسة حنة»، كما قلده القيصر خاتماً مرصعاً بالألماس الغالي، وجعلت الدولة الروسية مدفنه لديها أثراً تاريخياً ضمن آثارها التاريخية.

هذا التكريم الروسي للشيخ محمد عياد الطنطاوي يطرح علينا سؤالاً مهماً: ماذا فعلنا نحن أهله وبلده من أجله؟

أتصور أن إجابة السؤال يمكن أن تتحقق في النقاط التالية:

أولاً: طبع كتاباته العربية، وكتاباته بالفرنسية والروسية بعد ترجمتها إلى اللغة العربية، مع تعريف بها وإلقاء الضوء على محتوياتها.

ثانياً: التعريف بالرجل من خلال ما كتب عنه، مع نشره على القراء في مصر والعالم العربي.

ثالثاً: توجيه الباحثين والكتّاب إلى دراسة الفترة التي بدأت فيها النهضة الحديثة، واستكمال ما أشار إليه جرجي زيدان حول هذه المرحلة، لإنصاف الأزهر وعلمائه، وإبراز الجهد الذي قام به، فضلاً عن إزاحة التعتيم الذي فرض على دور الأزهريين في المجالين الأدبي واللغوي.

إن الشيخ محمد عياد الطنطاوي يعيدنا إلى دائرة الاهتمام بالثقافة الإسلامية المظلومة من أبنائها قبل أعدائها، وهو فأل طيب نستبشر به خيراً إن شاء الله.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top