د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 16 ديسمبر 2015 08:06

مشرط الجراح.. وساطور الجزار!

ما بين يوسف زيدان، وحسام بدراوي؛ يتسلطن الجهل المقدس ويمد رجليه ويخرج لسانه ساخراً من الأمة ومن دينها ومعتقداتها وقيمها.

باح يوسف مؤخراً بسر الثورة الدينية التي أطلقها الجنرال، حين طلب من العمائم الحكومية الانقلابية أن تشعلها في أرجاء الإسلام والمسلمين، فلم يكن حديث يوسف - الذي ليس له من يوسف النبي عليه السلام إلا الاسم – يعبر عن نفسه، ولكنه كان يعبر عن الانقلاب الدموي الفاشي الحريص على ألا يزعج الكيان النازي الغاصب بأي شيء، أي شيء، حيث صار القتلة أصدقاء وأحباباً وأولاد عم!

يوسف أعلن أن الأقصى ليس هو المسجد المبارك الذي أسري إليه بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وعرج منه إلى السماء، وذهب يوسف يردد دعاوى الأعداء القتلة ويزعم مدعوماً بحماية إعلامية آثمة للجهل المقدس؛ أن الصراع بين العرب وبينهم "بكش" ومفتعل، وأن القتلة هم أصحاب القدس، وأن اسمها "إيلياء" هو اسم عبراني!

حسام بدراوي على الجانب الآخر لم يقصر في التعبير من خلال الجهل المقدس أيضاً؛ عن ولائه للجنرال، والإعلان عن عودته في سياق عودة نظام مبارك إلى مقاعده في واقع السياسة الميت، فصرّح بأنه لا بد من تعديل الدستور لتكون مدة رئيس النظام الانقلابي عشرين عاماً، بدلاً من أربع سنوات تتجدد بالانتخاب كما تقرّر في دستور "زليخة"!

لا ريب أن شعب البيادة يبدع من أجل مزيد من العبودية في أفكاره وسلوكه وإنجازاته، وأهم إبداعاته على الإطلاق جمع الصفوة المختارة من أبناء الوطن وإلقائهم وراء الأسوار، ويقوم مقدم درك يومياً بالإعلان عن عمليات استباقية بالقبض على العشرات ممن يسميهم الخلايا النائمة أو خطفهم تحت دعاوى معلبة ومحفوظة، حتى اكتظت السجون بعشرات الآلاف، فأعلن عن تخصيص 103.22 فدان في أسيوط لبناء سجون جديدة بدلاً من المدارس الآيلة للسقوط أو التي اكتظت بطلابها الفصول.

ثم يدخل في هذا الإنجاز (العظيم) انعقاد المحاكم المدنية والعسكرية يومياً لمحاكمة مئات الشرفاء وأنبل الناس وأكثرهم علماً وثقافة؛ لأنهم يرفضون الانقلاب على الديمقراطية، والحكم العسكري الفاشي، وهو إنجاز ضخم لا مثيل في أي دولة من دول العالم المتقدم أو المتخلف!

إبداع شعب البيادة يجعل برلمان مرجان أو برلمان الكنيسة والمخابرات يتصارع على تكوين تحالف يدعم الجنرال ويصفق لقراراته الظالمة، وتحويله إلى زعيم ملهم كما فعل مع البكباشي الأرحل والصاغ المغدور والفريق المخلوع! وقلبي معهم وهم يبحثون عن الرائد موافي الذي يخرج المسرحيات الدكتاتورية ويقنع بها شعب البيادة ويقدم لهم حكمة الزعيم الذي يأتيه وحي إذلال الشعب وقهره من حيث لا يدري الناس، ثم وهم يبحثون عن كمال الفولي الذي يقود نواب الدعم ويحرضهم على من يخالف أدني مخالفة، وعندما يفشلون يقوم بنفسه وينظر بازدراء واحتقار للنائب المشاغب، ويذكر له شيئاً من سيرته العطرة ضمن نواب سميحة أو نواب الكيف أو نواب السيديهات أو نواب التأشيرات أو نواب..

إبداع العبيد لا يختلف عن إبداع الخلف غير الصالح الذين بايعوا بالإجماع، واخترعوا تغيير الدستور بأطول مادة في تاريخ دساتير العالم تضمن ألا يترشح أحد ضد فخامة صاحب الضربة الجوية الذي يجب أن يحكم مدى الحياة، فاقتراح عشرين سنة لتكون مدة رئاسة الجنرال للدولة، هو أمر غير جديد ولكنه جاء في صياغة جديدة تتناسب مع طبيعة الانقلاب الفاشي ودمويته الصارخة، وهو ما جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي يقترحون على الأخ بدراوي أن تكون المدة إلى آخر العمر!

أما إبداع يوسف فقد صار محسوماً بولائه للعدو النازي اليهودي، وكراهيته الفاضحة للإسلام والمسلمين، ولم تعد المسألة مسألة القدس أو المسجد الأقصى أو الإسراء والمعراج، ولكنها معركة دين، فقد انزلق سعادته إلى ذكر رفيقه الراحل نصر حامد أبوزيد – يرحمه الله – الذي فسّر القرآن الكريم تفسيراً ماركسياً، وزعم أنه منتج تاريخي، أي ليس وحياً، وحين تصدى له أهل العلم قامت قيامة خصوم الدين من الشيوعيين والناصريين والليبراليين والانتهازيين ورجال كل العصور، ليتحدثوا عن حرية البحث وحق التفكير، ومواجهة الظلامية.. إلخ.

قال يوسف: إنه نصح رفيقه ألا يستخدم ساطور الجزار، يكفي استخدام مشرط الجراح، لتصل الأفكار تدريجياً إلى الناس خطوة خطوة؛ أي يجب أن تكون مهاجمة الإسلام وتدميره عن طريق الجرعات هينة لينة تشبه مشرط الجراح، وليس بالمواجهة المباشرة الخشنة التي تشبه ساطور الجزار كما فعل نصر حامد أبوزيد! المسألة إذاً فيها منهجان لتشويه الإسلام والتشهير به وتخريبه من الداخل.. الأول يعتمد فكرة التدرج في زعزعة الثوابت وخلخلتها مرحلة بعد مرحلة، والآخر المواجهة المباشرة والصريحة مثلما فعل نصر حامد أبوزيد، الذي استنكف أن يذكر اسم القرآن الكريم على كتابه فسمّاه النص، أي هو نص من نصوص أو مثل بقية النصوص!

لم يعد هناك إذاً سرّ مطويّ أو مكنون في هدف القوم من الثورة الدينية التي تجعل العبودية للجنرال وليس لله، ومن مقتضيات هذه العبودية استئصال الإسلام على المدى القريب والبعيد؛ لأن الإسلام هو العقيدة المزعجة لأهل الغرب والشرق جميعاً، ولأدعياء التحضر ومقاولي الدكتاتوريات والطغاة والفاشلين.

ثم وهو الأهم الاستجابة لمطالب الصهاينة الغزاة، بإزاحة الإسلام وتصوراته وفي مقدمتها الحرية والشورى؛ لأن ذلك يمثل خطراً على وجودهم الإرهابي الدموي، فقد دمروا قطاع غزة في ثلاث حروب وحشية حين فازت "حماس" الإسلامية في انتخابات الضفة والقطاع النزيهة، وأعلنت تسيبي ليفني أنها لن تسمح باستمرار نظام الديمقراطية الذي جاء بالرئيس الأسير محمد مرسي، ومن قبله الرئيس رجب طيب أردوغان، وقد أعلن آفي ديختر أنهم أنفقوا المليارات لإسقاط محمد مرسي وأسره وإهانته يومياً في محاكمات هزلية، ويحاولون الآن إسقاط رجب طيب أردوغان بكل الوسائل المحلية والإقليمية والدولية.

الجهل المقدس حين يسيطر على عقول البلاد والعباد؛ فبشّر بمستقبل لا يقل سواداً عن الليل، ويوسف زيدان، وحسام بدراوي من النماذج التي تتحرك بالجهل المقدس ولا تستحي، فالدنيا تحت أقدامهم تروّج لهم وتمنحهم ما يريدون، وإن كانوا لا يستحقونه.

ماذا قدم يوسف، وحسام للوطن البائس الفقير، الذي كان من أغنى البلاد وأجملها قبل الحكم العسكري الدموي الفاشي في عام 1952م؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم.

الخميس, 10 ديسمبر 2015 09:51

أنت مسلم.. إذاً أنت إرهابي!

برح الخفاء!

أعلن دونالد ترامب المرشح المحتمل لرئاسة الولايات المتحدة أن المسلمين يجب ألا يدخلوا البلاد لأنهم إرهابيون!

لم يقل المرشح الصليبي المتعصب: إن بعض المسلمين إرهابيون، ولكنه وضعهم جميعاً في سلة واحدة، وصرح بما يخفيه كثير من السياسيين الغربيين تجاه الإسلام!

من يصرح بما في داخله أفضل ممن يخفي، ويتحين الفرص للانقضاض، الصليبيون لا يكنون وداً للإسلام ولا للمسلمين، ولو مشى المسلمون بجوار الحائط، وقالوا: "داريني (خبئيني) يا حيط (حائط)".

كان الصليبيون في الماضي يكتفون بما يفعله مستخدموهم من بني جلدتنا، ولكنهم الآن يقومون بأنفسهم بسحق كل من يعلن عن إسلامه، عادت الحروب الصليبية التي أشعلها البابا أوربانوس عام 1095م، لا يترددون في العقاب الجماعي لكل المسلمين، وهو عقاب لا يلتزم بأي معايير حقوقية أو دولية أو خلقية، من تلك التي يعلنون عنها صباح مساء، إنه عقاب الانتقام الوحشي الذي تعف الوحوش عن ممارسته أحياناً.

يوم تم ضرب أبراج نيويورك في 11/ 9/ 2001م، أعلن الصليبيون في الولايات المتحدة أن الفاعل يسمى "تنظيم القاعدة" في أفغانستان، وعلى الفور أعلن جورج بوش الابن: إنها الحرب الصليبية! واندفعت جيوشه الجرارة إلى كابول، واحتل أفغانستان كلها بعد أن تم تدمير كل مرافقها ومدارسها ومساجدها، وقتل أكثر من نصف مليون مسلم بريء لا يعرفون أين تقع نيويورك!

ولم يكتفِ المجنون الصليبي بتدمير أفغانستان، ولكنه اندفع إلى العراق ليدمرها ويقتل أكثر من مليون عراقي بريء تحت ذريعة أن هناك مفاعلاً نووياً، وبعد التدمير والقتل لم يجد المجنون شيئاً، وكان متأكداً أنه لن يجد شيئاً، ولكنها الثقافة الصليبية، والتربية الصليبية، والوحشية الصليبية التي تتذرع بدعاوى ناعمة، فتدمر وتقتل وتستأصل، وانتقل الصليبيون إلى سورية، فلم يرضهم ما فعله المستخدم النصيري حاكم دمشق بقتل قرابة أربعمائة ألف من المسلمين السُّنة الأبرياء، وتهجير نصف الشعب السوري، وتدمير معظم المدن السورية العريقة، فجاء "التحالف" تحت ذريعة مواجهة "داعش" الذي صنعوه على أعينهم ليقتل المواطنين الأبرياء بأشد القنابل فتكاً، وبعد تسعة أشهر لم يشبع من الدماء، فاستدعي الصليبي المجنون الآخر من موسكو ليسحب وراءه الجيوش الجرارة بدعوى مكافحة "داعش"، ولكنه راح يقتل المسلمين السُّنّة أو من تبقى منهم بصواريخه وطائراته وبوارجه محفوفاً ببركات البابا الأرثوذكسي الروسي الذي وصف رحلة القتل والتوحش بالمهمة المقدسة، أي الحرب الصليبية من أجل سواد عيون اليهود الغزاة!

لم يستمع الصليبيون لما يقوله صوت العقل والرشد عن الإرهاب الذي تمارسه الحكومات الموالية لهم في بلاد المسلمين من قمع وقتل وتكميم للأفواه، ومطاردة للأحرار، وحرمان من حق التعبير والتفكير، ومن فقدان العدالة، واحتكار اللصوص الكبار لثروات البلاد ونهب أموالها، ولكنهم استهدفوا المسلمين والإسلام.

أضف إلى ذلك ما تفعله النخب التي صنعوها ومولوها بوصفهم أهل الزمر والطبل الذين يقيمون المهارج لأفكار الصليبيين وأكاذيبهم ويهيئون لجرائمهم التي ترتكب في حق الشعوب الإسلامية المبتلاة.

اقرأ مثلاً ما يقوله مرتزق أفاق عن الإسلام الذي يمثل مشكلة له وسبباً لكل مشكلات الأمة:

"كان الخطاب الديني السائد (يقصد الإسلام) هو المصدر الوحيد الآن، أو المصدر الأول على الأقل للتربية والتعليم، والتوجيه، والتفكير، والأخلاق، فهذا الخطاب الديني السائد هو المصدر الأول لكل ما نشكو منه في حياتنا الراهنة".

ويضيف المرتزق الأفاق:

"الخطاب الديني السائد يدفع المسلمين عامة، وليس المتشددين وحدهم، إلى النظر بارتياب وخوف للحضارة الحديثة، ويحذرهم من التعامل معها إلا في حدود الاستفادة من منجزاتها المادية، وفوائدها العملية، أما مبادئها الإنسانية، ونظمها السياسية والاجتماعية، وإيمانها المطلق بحق الإنسان في أن يفكر لنفسه، ويختار لنفسه، فهي خطر واقع أو محتمل في نظر الخطاب الديني السائد الذي يقوم على النقل والتقليد والسمع والطاعة".. والسؤال: هل هناك تربية أصلاً يا هذا؟

ويظهر ملحد صنيعة للغرب على شاشة إحدى القنوات ليقول: إن أمريكا تقف وراء التيار الإسلامي الذي سطا على الحكم في مصر، وكان لا بد من إزاحته بالقوة العسكرية، ويدعي أن "الإسلام السياسي" هو سبب البلاء والتخلف في بلادنا وليس الحكم العسكري الدموي الفاشي! والسؤال: ماذا عن اختيار الشعب يا هذا؟

ويظهر ثالث ليقول: إن الصراع مع العدو مفتعل، وإن المسجد الأقصى ليس مقدساً، وإن الإسراء والمعراج لم يكونا إلى القدس التي هي ملك لليهود! ويأتي هذا الكلام واليهود يعدمون المسلمين في شوارع القدس، ويعتقلون المئات منهم، ويحظرون التجول على الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، وكأنه يقول لهم: مزيداً من الإعدامات، ونؤيد وجودكم العدواني إلى آخر مدى!

ويظهر رابع وخامس وسادس، ليسبّوا الصحابة والبخاري والمسلمين الأوائل والأواخر، ويباركوا المسيحية التي ليس فيها إرهاب مسلح مثل الإسلام!

باختصار، يجب أن يتخلى المسلمون عن إسلامهم ليكونوا مواطنين صالحين غير إرهابيين، وأمامهم آلاف الطرق التي يسلكونها ليعبروا عن وطنيتهم الصالحة، بداية من الإلحاد حتى العمل في الملاهي الليلية وهي مهنة شريفة كما قال شيوعي انقلابي يكره الإسلام والمسلمين.

حين تكون مسلماً ومؤمناً بالقرآن والرسول – صلى الله عليه وسلم – فأنت إرهابي لا ثمن له ولا قيمة، ولا تستحق أن يدافع عنك جون كيري، ولا أن يبدي بان كي مون قلقاً من أجلك.

حين تكون شيوعياً أو ليبرالياً، أو مرتزقاً أفاقاً، فالأقلام تنهض لإطلاق سراحك لو اعتقلك النظام العسكري، حينئذ تكون مناضلاً جميلاً تحب بلادك، قديساً يذوب عشقاً لمصر وشعبها.. أما إذا كنت مسلماً فالويل لك، والصمت يخيم من حولك، لا يهم أن تكون بريئاً أو مظلوماً، أو ضحية تلفيق بتهم غليظة، الشيوعي أو الناصري أو الليبرالي، أو المرتزق يجب أن تقف الدنيا على قدم واحدة من أجله، خمسون أو ستون ألفاً من المسلمين الشرفاء الأنقياء وراء الأسوار ظلماً، لا يسمع بهم أحد، ولا يبدي جون كيري انزعاجاً من أجلهم، ولا يُعرب بان كي مون عن القلق بسببهم، ولا تخط أقلام السلطان حرفاً واحداً عنهم إلا بالسوء.

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الخميس, 03 ديسمبر 2015 10:11

شهداء.. وقتلة!

"اللهم اجعل دمي لعنة عليهم إلى يوم القيامة.. اللهم إني على دينك وفي سبيلك.. وأموت عليه.. اللهم هذا الطاغوت تكبّر وتجبّر.. اللهم رحمتك وجنتك يا أرحم الراحمين.. وإنا لله وإنا إليه راجعون..!

لقد كان - يرحمه الله – طويلاً شاحباً.. يتساند على جلاديه.. لم يكن خائفاً.. وإنما كان مريضاً.. لم يكن خائراً وإنما كان شيخاً، لم يكن ثقيل الخطى؛ وإنما كان علماً وقرآناً.. لم يكن بشراً لقد كان جبلاً من الإيمان والصبر واليقين.

بحثت عن يديّ ألطم بهما خدي.. لم أجدهما.. ما الذي انتابني.. ما الذي أصابني فأرى سيد قطب العالم الجليل والشهيد الكريم، صديقي في حب الأستاذ العقاد والإعجاب به، أحد الأنوار الكاشفة للإيمان والغضب النبيل من أجل الله وفي سبيله.. هل هو فرن الذي وقفنا به؟ فكل شيء لونه أحمر.. الجدران.. الأرض.. الوجوه الجامدة.. هل انفتحت جهنم جديدة.. حمراء هل حمراء ملتهبة ولكن الأعصاب هربت.. نزعوها، جعلوها حبالاً يتدلى منها سيد قطب؟! هل هو عندما دخل.. نزل.. مشى.. سحب أرواحنا.. فأصبحنا أشباحاً.. موتى وهو الحي الحقيقي.. هل هذا الجسم الهزيل الشاحب قد جمع كل قواه وقوانا وحشدها في حنجرته فزلزل بها المكان: لا إله إلا الله.. والله أكبر.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. لبيك اللهم لبيك.. اللهم إن الموت حق.. وإنك أنت الحق.. لبيك اللهم لبيك..

هل كان هذا صوته.. أو صوت الجدران والأبواب والنوافذ؟ هل استولى على حناجرنا؟ هل قفزت إلى قلبه قلوبنا وانضمت إلى صدره صدورنا؟ وبحثت عن رأسي لم أجده.. ذراعيّ أمدهما.. أسحبهما بعيداً عن الجمل.. هل رأيت دموعاً في عينيه.. أو إنها دموعي؟ هل سمعت عويلاً حولي؟ هل حقاً ما حدث؟ لا حول ولا قوة إلا بالله..

لم يشفع له علمه العظيم، لم تشفع له شيخوخته الحكيمة، لم يشفع له مرضه..

ومن بعده ألوف الأبرياء في السجون وغرف التعذيب.. وهتك الأعراض للأمهات والبنات أمام الأزواج والآباء.

إنه المسرح الرسمي للرعب الأكبر: كلاب وكرابيج.. ومسامير وجرادل البول والبراز تيجاناً على رؤوس المؤمنين بالله، الكافرين بالطاغية..

لا إله إلا الله، والله أكبر، ورسوله الأكرم، ودينه الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

هذا تصوير حيّ للمشهد الأخير في حياة الشهيد بإذن الله سيد قطب، كتبه أنيس منصور، نقلته بحروفه ونقاطه من كتابه "عبدالناصر المفترى عليه والمفتري علينا" (ط4، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1994، ص 164 وما بعدها).

كانت اللعنة قاسية هزيمة غير مسبوقة في عام 1967م، وكانت الفضيحة داوية، وكان العار مستمراً حتى يومنا، وبعد نصف قرن تقريباً يسأل الناس: هل تغيرت الصورة أو تبدلت أو تحسنت؟

الإجابة معروفة، فقد انتقلت الأمور إلى الأسوأ؛ القتل أو الإعدام أو التصفية تتم في البيوت والشوارع بالتهمة الخائبة: مقاومة السلطات، دون أن تكون هناك مقاومة أو أي أثر لهذه المقاومة، والإعدامات ليست بالعشرات، ولكنها بالمئات واقتربت من الألفين حتى كتابة هذه السطور، والقتل العمدي البطيء يتم بالإهمال في علاج المعتقلين كبار السن، وعدم إدخال الدواء أو العرض على الطبيب، والقتل بالتعذيب الذي خرج من السجون إلى الأقسام، والتفسير الخائب الذي لا يصدقه أحد: هبوط الدورة الدموية - سكتة قلبية، الدم صار أرخص من المياه، مما شجع الأشقاء العرب (؟) على قتل المصريين الغلابة في بلادهم، والتفنن في قتلهم.

ضابط الإسماعيلية الصغير المتهم بقتل صيدلي قبل أيام كتب على صفحته: إن الشعب المصري متخلف ومعفّن وأشكال مريضة، ولا يستحق غير الضرب بالجزمة القديمة وعلى القفا، فلسفة الباشا الصغير تلخص كل شيء، وتسلم الأيادي!

لا تتحدث عن الكفاءات والمواهب والعلماء الذين ألقي بهم وراء الأسوار، هؤلاء لا قيمة لهم في بيئة الجهل المقدس، تجاوزوا خمسين ألفاً واقتربوا من الستين، الغلة اليومية بالعشرات يتم خطفهم أو القبض عليهم تحت ذرائع معلبة: التظاهر بدون إذن، التخريب، الخلايا النائمة، الانضمام لجماعة محظورة حتى لو لم يكن المظلوم يعرف فرائض الوضوء.. الانتقام الوحشي، شريعة يونيو الجديد، بعد أن أذاقنا اليهود وحشيتهم في يونيو القديم 1967م.

لا حصانة لأحد ولا كرامة.. النساء في حلبة الانتقام الوحشي، طالبات.. معوقات.. كبيرات السن.. في السجن وتحت رحمة التعذيب والـ.. التهمة شارة الأصابع أو دبوس عليه الشارة، أو التظاهر، أو الكتابة على صفحات التواصل الاجتماعي..

دعك من عشرات الألوف من المطاردين والمنفيين رغم أنوفهم، وتكميم الأفواه، وتسليط الأوغاد من أبواق السوء والكذب والتضليل والبهتان للتشهير بالشرفاء وراء القضبان دون أن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم، ثم ينتظر ساري عسكر الانقلاب أن يذهب الناس للتصويت في برلمان مرجان.. محدش راح!

صرنا قدوة لحكومات العالم العربي والإسلامي التي تعادي الحرية ولا تؤمن بالديمقراطية وتعشق النبوت والترويع وصناعة جمهوريات الخوف!

إني أعيش الرعب يتبع خطوتي والخوف ينعس جفنه بدمائي!

السفاح ابن السفاح بشار الأسد يقتل ما يقرب من أربعمائة ألف من شعبه البائس بلا رحمة متفوقاً على أبيه ,الأذرع الإعلامية في أم الدنيا تدافع عنه، وعن جلب الروس القتلة لاحتلال الشام، وحفتر المجرم الذي انهزم في تشاد يستخدم الطائرات الليبية التي سيطر عليها بمساعدة الأعراب الخونة ليقتل شعبه، والعبادي والمالكي والحشد الصفوي يقتلون سنة العراق بالتحالف مع الصليبيين، وعفاش (صالح) مع جماعة الحوثي يقتلون شعب اليمن السعيد، والانقلاب الفاشي يشجع اللعبة الحلوة في القتل والتهجير والتعذيب! حتى بنجلاديش اتخذت من أرض النيل قدوة وأسوة، وراحت الشيوعية بنت الشيوعي حسينة واجد تعدم علماء الدين والقادة السياسيين المسلمين الذين بلغوا أرذل العمر بحجة كاذبة اسمها: ارتكاب جرائم حرب قبل أكثر من أربعين عاماً!

حسينة واجد تنتقم من الحركة الإسلامية التي رفضت انفصال بنجلاديش عن باكستان وتفرش الأرض ورداً لمنظمات التنصير وجمعياته حتى صار البلد المسلم الكبير محروماً من الإسلام!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

كلما همَمْنا بمناقشة قضايا الواقع وآلامه، خرج علينا صناع الهزائم السوداء والماضي البغيض بمحاولات لغسيل هذا الماضي وتنظيف هزائمهم المريعة من خلال مواصلة خداع الأجيال الجديدة التي لم تعش اللظى الذي أوقده البكباشي الأرعن حين قاد البلاد والعباد إلى ذل غير مسبوق، وهوان لم يحدث مثيله في التاريخ عام 1967م ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم.

البكباشي الأرعن حارب الإسلام، وأهان الأزهر وأفسده وحطمه، ونهب أوقافه لحساب السلطة، وانحاز إلى التمرد الطائفي الفاجر فلم يقترب من أوقاف الكنيسة، بل تملقه ببناء كاتدرائية غير مسبوقة على نفقة الدولة، وطارد كل صوت يرى الإسلام ديناً ودنيا، وعقيدة ودولة، وقام بتصفية كل صوت حر يعلن لا إله إلا الله بمفهومها الخالص، حيث لا يشرك معه الطاغية.

الأستاذ سامي شرف، السكرتير الخاص للبكباشي، يقدمه لنا في صورة الداعية المتبتل في محراب الدعوة الإسلامية والحريص على انتشارها ودعمها، كتب مقالاً في جريدة "الأخبار" الانقلابية بعنوان "كلام لا يحتاج لتفسير" في 14/ 10/ 2015م يخبرنا أن زعيمه بني 11 ألف مسجد بمصر، وهو عدد يفوق كل ما بني منذ مجيء عمرو بن العاص إلى مصر حسب زعمه، ويستشهد بقصيدة "ولد الهدى" لأمير الشعراء أحمد شوقي التي كتبها عام 1917م – أي قبل الثورة البلشفية – ووصف فيها نبينا محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه إمام الاشتراكيين، وجاء جمال عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات(!) ونادى بالاشتراكية التي تقوم على دعامتين أساسيتين هما كفاية الإنتاج وعدالة التوزيع، وذلك للقضاء على ظلم الإقطاع وسيطرة نصف في المائة من الإقطاعيين على أرزاق الملايين من الفقراء والغلابة المصريين، وذكر السيد السكرتير الخاص كثيراً مما رآه إنجازات لصاحبه في مجالات أخرى!

ساند السيد سامي شرف مقال طويل كتبته د. هدى عبدالناصر في "الأهرام" بتاريخ 26/ 10/ 2015م دافعت فيه عن مجانية التعليم المنسوبة إلى والدها، وتعتقد أن هناك تشويهاً معتاداً لما يسمى منجزات ثورة 23 يوليو على مدى أربعين عاماً.

أود أن أشير في البداية إلى أن أي إنجاز وطني أو قومي يقوم به الحاكم في أي مكان في العالم، هو واجب عليه، لا يمنحه عصمة ولا يوجب له قداسة، فالقداسة لله وحده، والعصمة لأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه، وما صنعه الغزاة اليهود في فلسطين المحتلة منذ بدأ الحكم العسكري الفاشي في مصر عام 1952م في رقعة محدودة من الأرض يفوق ما أنجزه الحكام العرب على مدى ستين عاماً آلاف المرات، فقد وفروا لعصاباتهم حياة رخية هنية، وحاربوا عشرات الحروب وانتصروا في أغلبها، وحققوا تقدماً مدنياً ملحوظاً في مجالات العلم والإدارة والصناعة والزراعة والاقتصاد والطب والتجارة والسياحة والسياسة والدبلوماسية والطاقة وغيرها، ولديهم الآن نحو ثلاثة عشر من الحاصلين على جائزة "نوبل" عدا الحاصلين على جوائز أخرى في المجال العلمي التطبيقي والاختراعات أو الاكتشافات العلمية.

لم يدّع زعماء اليهود الغزاة أنهم حققوا هذه الإنجازات تفضلاً على أتباعهم ومنّاً عليهم، وأنهم جعلوهم يعيشون حياة مرفهة بفضل هذا الزعيم أو ذاك، بل إنهم لا يتوانون عن محاكمة رؤسائهم وإدخالهم السجون إذا لمسوا انحرافاً أو اكتشفوا مخالفة للقانون، وعرفت سجون العدو رئيس دولة ووزراء، وغيرهم من كبار المسؤولين.

حين تقارن ما فعله اليهود الغزاة في الوطن الذي اغتصبوه، بما فعله البكباشي في الوطن الذي اغتصبه، وأسس فيه لحكم عسكري بائس ومتخلف ومنهزم وتابع، تجد الفارق كبيراً! انظر لدخل اليهودي الغازي في فلسطين المحتلة التي ثبّت البكباشي احتلالها، ودخل المصري، وتأمل الفارق بين الحرية التي يعيشها الأول والقمع الذي يعانيه الآخر، لترى أن البكباشي كان أكذوبة وخديعة وهزيمة هبطت بأم الدنيا إلى قاع سحيق، ويكفي أنها حلت اليوم تعليمياً في المرتبة قبل الأخيرة بدولة واحدة وفق مؤشر جودة التعليم الذي تصدرته سنغافورة، وحل فيه الكيان الصهيوني في المرتبة السابعة والثلاثين بين أربعين ومائة ودولة! ولا داعي لأن أذكر بأن مستوى التعليم في مصر يوم استولى عليها البكباشي كان يمنحها حق اختبار مستوى الأطباء الإنجليز (دولة الاحتلال) لمعرفة مستواهم العلمي ومدى صلاحياتهم، أما اليوم فانظر ماذا يفعلون بأطبائنا في دول لم يكن لها اسم على الخريطة قبل عقود قليلة.

ما يزعمه السيد الملازم سامي شرف عن بناء المساجد ينقصه أشياء نسي ذكرها، منها إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بقيادة زميله الملازم محمد توفيق عويضة، ووزارة الإعلام بقيادة زميله الملازم محمد فايق، وهي الوزارة التي أسست لإذاعة القرآن الكريم، وزميله الملازم أحمد عبدالله طعيمه الذي كان وزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر، وأقام مدينة البعوث الإسلامية، وهي كما نرى مؤسسات تشير لنشر الإسلام وتأكيد إسلامية فضيلة البكباشي الزعيم الملهم الحاكم.

الأمر في الحقيقة كان غير ذلك، فقد دمر البكباشي التعليم الأزهري بالقانون (103 لعام 1961م) كي يُسقط آخر معاقل المعارضة للدكتاتورية العسكرية الفاشية، لدرجة أنك اليوم لا تجد طالباً أزهرياً يحفظ القرآن الكريم إلا نادراً، ثم إنه طارد الدعاة واعتقلهم وأعدم بعضهم وشهَّر بهم كذباً وزوراً، وصنع طبقة من العمائم الفاسدة التي تفتي له حسب الطلب، سماهم الناس علماء السلطة وفقهاء الشرطة.

كانت مهمة مدينة البعوث الإسلامية صناعة الموالين للزعيم الملهم في بلادهم، مثلما كانت مهمة الملازم سكرتير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية تقديم الزعيم في البلاد الإسلامية التي يزورها بأفريقيا وآسيا، وتجنيد الموالين والمصفقين هناك بالمال.

الزعيم الملهم لم يكن أبداً في جانب الإسلام أو المسلمين، ولذا كان طبيعياً أن يكون انحيازه للمطران القبرصي المتعصب مكاريوس وموالاته ضد مسلمي قبرص الذين ظلمتهم منظمة "أيوكا" الصليبية وقتلتهم وهجّرتهم، كما كانت صداقته للهند على حساب باكستان المسلمة.

عندما أعلن الرئيس السادات سياسة الانفتاح، كان أبرز أعلامها رفاق الانقلاب العسكري في يوليو 1952م وأتباعهم، نهبوا القصور والعقارات والمجوهرات وأسسوا الشركات وحصلوا على التوكيلات التجارية، وحازوا مئات الأفدنة المستصلحة وغيرها، فهم الآن أصحاب الملايين والمليارات التي نبتت على أرض الاشتراكية التي يشبهها السيد الملازم سامي شرف باشتراكية الإسلام!

أما آن للسادة ورثة فضيلة البكباشي أن يعتذروا للشعب المصري عن إذلال مصر؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top