د. عصام عبداللطيف الفليج

د. عصام عبداللطيف الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 26 فبراير 2019 12:50

الشيخ العالم.. والتاجر الغامض

يروى أن عالماً ذا حكمة وبصيرة، كان جالساً مع طلبة العلم، وبينما هم كذلك، إذ دخل عليهم رجل غريب لا يعرفه أحد منهم، ولا يبدو عليه مظهر طلاب العلم دخل وسلم، وجلس حيث انتهى به المجلس، وأخذ يستمع للشيخ بأدب وإنصات، وبيده قارورة فيها ما يشبه الماء لا تفارقه.

أنهى الشيخ حديثه، والتفت إلى الرجل الغريب، وتفرس في وجهه، ثم سأله: ألك حاجة نقضيها لك، أم لك سؤال فنجيبك؟

فقال الرجل: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر، سمعت عن علمك وخلقك ومروءتك، فجئت أبيعك هذه القارورة التي أقسمت ألا أبيعها إلا لمن يقدر قيمتها، وأنت دون ريب حقيق بها وجدير.

تناول الشيخ القارورة وأخذ يتأملها ويحرك رأسه إعجاباً بها، ثم التفت إلى الرجل فقال له: بكم تبيعها؟ قال: بمائة دينار.

فرد عليه الشيخ: هذا قليل عليها، سأعطيك مائة وخمسين. فقال الضيف: بل مائة كاملة، لا تزيد ولا تنقص.

فقال الشيخ لابنه: اذهب البيت وأحضر مائة دينار.

أخذ الشيخ القارورة، وتسلم الرجل المبلغ، ومضى في حال سبيله حامداً شاكراً، ثم انفض المجلس وخرج الحاضرون، وجميعهم متعجبون من هذه القارورة التي اشتراها شيخهم بمائة دينار.

دخل الفضول ولده، فلما عادا إلى البيت، فحص القارورة لمعرفة ما فيها، فتبين له أنه ماء عادي، فذهب إلى والده مسرعاً في غرفته وهو منفعل: لقد خدعنا الغريب، فوالله ما زاد على أن باعك ماءً عادياً بمائة دينار، ولا أدري أأعجب من دهائه وخبثه، أم من طيبتك وتسرعك؟!

فابتسم الشيخ الحكيم ضاحكاً، وقال لولده: يا بني.. لقد نظرت ببصرك فرأيته ماءً عادياً، أما أنا.. فقد نظرت ببصيرتي وخبرتي فرأيت الرجل جاء يحمل في القارورة ماء وجهه الذي أبت عليه عزة نفسه أن يريقه أمام الحاضرين بالتذلل والسؤال، وكانت له حاجة إلى مبلغ يقضي به حاجته لا يريد أكثر منه.

والحمد لله الذي وفقني لإجابته وفهم مراده وحفظ ماء وجهه أمام الحاضرين. ولو أقسمت ألف مرة ان ما دفعته له فيه لقليل، لما حنثت في يميني. انتهى.

تروي هذه القصة موقفاً إنسانياً، فيه من الحكمة والشهامة، فقد يكون أقرب الناس لنا بحاجة ما لكنه لا يطلب أحداً عزة في نفسه، وينبغي علينا التفرس بأقربائنا وجيراننا وأصدقائنا كوننا أقرب الناس لهم، ولكن الحياء والعفاف وحفظهم لماء وجوههم قد منعهم الكلام، ومن ثم تبني حاجتهم، وقد جاء في الأثر: ارحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر.

أعجبني موقف لأحد التجار عندما زاره صديق متقاعد، فعرض عليه وظيفة إشرافية تليق به، وراتباً مجزياً في إحدى شركاته، فتصنع الاعتذار ثم قبل، فقد كان هذا الصديق مسؤولاً قيادياً له وضعه الاجتماعي، وخدم الناس بما استطاع، فلما تقاعد فقد الوضع الاجتماعي والراتب العالي، فكف عنه حرج السؤال وبادره بالعرض.

نعم.. إن استطعت أن تفهم حاجة أخيك قبل أن يتكلم بها فافعل، فإذا لم تستطع أن تسمع صمت أخيك، فلن تستطيع أن تسمع كلماته.

الثلاثاء, 19 فبراير 2019 17:23

تزوج رجل مسن شابة ومات!

تزوج رجل مسن ثري زوجة ثلاثينية بعد وفاة زوجته، فاعترض إخوانه وأبناؤه على هذا الزواج خوفاً على الورث، وقالوا له: هذه لا تصلح لك، هذه صغيرة وأنت مسن.

فقال: أنا أحتاج زوجة قوية تساعدني في حياتي، أتكئ عليها، وتسندني عند القيام والمشي، وأريد زوجة تعالجني لا أعالجها.

فقالوا: إنها من عائلة بسيطة، وأنت من عائلة كبيرة.

فقال: أريد زوجة تخدمني في خصوصياتي، في الملابس والاستحمام.. وغير ذلك، ولو تزوجت امرأة غنية ومن عائلة كبيرة، فلن يسمح لها وضعها الاجتماعي (برستيجها) بخدمتي، وستطلب لي خادماً شخصياً.. وباءت محاولاتهم بالفشل.

استمر الزواج عدة سنوات بشكل مستقر، حتى توفي الثري، فأعطوا الزوجة الأرملة مبلغاً من المال كبيراً بالنسبة لها، وضئيلاً بالنسبة لهم، واشتروا لها بيتاً صغيراً في منطقتها، ورضيت بالقسمة، لأنها لا تعلم أملاك زوجها.

وصل الخبر لمحام نشط، فقال لها: حقك أكثر من ذلك، فعملت له توكيلاً، وكسب القضية، ونالت حقها عدة ملايين، وحصل على نسبة منها.

أعلم أن كل شخص سيبدأ يتساءل.. من المقصود بهذه الحكاية؟ والرد باختصار: القصة متكررة بفكرتها، متعددة بطريقتها بين عدة أسر، والمقصد هنا هو العبرة من الظلم الذي يمارسه البعض من أجل الاستحواذ على الورث بحجج واهية، وأن الزوجة دخيلة، أو خدعته، أو سحرته.. إلخ من قصص النساء، أو أن الزوج مخرف، و"يدلع روحه".. وغير ذلك من قصص الرجال.

ولعلنا سمعنا عن قصة مشابهة لمسن تزوج وافدة لنفس الهدف، وقامت على خدمته، وتحملت أذاه ومشاكله، وعندما توفي أعطوها مبلغاً من المال، وقالوا لها إننا نريد الغرفة لأولادنا، أو سنبيع البيت، وقد كبرت فلا هناك من يتزوجها، فتهيم على الأرض لتعيش بقية حياتها ذليلة.

الفكرة ذاتها، ولكن بأسلوب آخر.

والله إنه لأمر معيب أخلاقياً قبل أن يكون محرماً دينياً، فتلك الزوجة أصبحت جزءا من الأسرة، وقد خدمت زوجها المسن بما لا يعلمه إلا الله، والذي لن يستطيع أو يبادر أحد من أبنائه أو إخوانه بالقيام به، ولعلها لم تستمتع معه كزوج بقدر ما خدمته كرجل، وأخذ منها شبابها لأجل خدمته، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

ثم إن من اختارها هو الزوج.. الأب أو الأخ، فهل هذا بر الوالد، أو تقدير الأخ؟! والله ما هذا إلا كبر وظلم.

لقد كان من الأولى عدم الاعتراض على الزواج من حيث المبدأ، ولن يستطيع تقدير الحاجة إلا من عاشها، والأجدر بعد وفاته إعطاؤها حقها كاملاً من الورث، فهذا أمر شرعي لا اختياري أو مزاجي، وأن تكرم بشكل يليق بزوجة خدمت والدهم، فالأبناء أصبحوا محارم لها.

فلنتق الله في الأمانات.
_____________________


ينشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

انتشرت في الآونة الأخيرة دورات تدريبية، أقل ما يقال عنها: إنها مشبوهة فكرياً وعقدياً وقيمياً، تختص بالطاقة وغيرها، فيتم نقل أفكار إلحادية أو وهمية أو استفزازية، بجهل أو كبر من المدرب، ويلحقه تلقائياً المتدرب.

إن من أبرز آفات التدريب التقليد والنقل دون فلترة، مما زاد من انتشار تجار التدريب، أو مدرب شنطة، الذي يتكلم بكل فن دون سقف أو حد، ودون مراعاة للبيئة والدين والقيم الاجتماعية، ودون تقدير لمستوى المتلقي فكرياً وثقافياً ودينياً، وتحول التدريب إلى تجارة أسماء وهمية متواضعة المضمون، حتى إذا تم اختبار المتدرب لا تجد مستواه يتعدى "جيداً".

ودخل عالم التدريب آفات جديدة، أدت إلى أمرين خطيرين في المجتمعات العربية:

أولاً: مشكلة دينية تبدأ بالضعف الإيمانية، وتنتهي بالإلحاد.

فالمدرب يدعو للتفكير وإعمال العقل، ويضرب المثل في العبادات، وبغروره يبدأ بانتقاد علماء الدين دون غيرهم، ويطلب الأدلة والتبريرات الفكرية والعقدية من أناس غير شرعيين، وغير محصنين عقدياً، معتقداً أنه نما التفكير لديهم، فيبدأ الشك يدخل في قلوبهم، ويدخل الغرور في نفوسهم بأنهم قادرون على الفهم والاختيار، وينسفون ما قاله العلماء، حتى رأينا بعض النساء ألقين الحجاب، وبعض الشباب تطاول على الصحابة، ووصل الأمر لدى قلة منهم إلى بوادر الإلحاد، وكل ذلك باسم الفهم والعقل، وهم رجال ونحن رجال، نتيجة لتلك الدورات التخريبية.

ثانياً: مشكلة اجتماعية، تبدأ برفض المرأة للضوابط الاجتماعية، وتنتهي بالطلاق، فالمدرب يدعو المرأة إلى أن.. عيشي حياتك، ‏ابحثي عن ذاتك، ‏استمتعي بعمرك.. إلخ، من الشعارات الجاذبة، دون وضع أطر أو حدود لها، فتتطاول على المجتمع وقيمه، ولا تضع وزناً لا لزوج ولا أب أو أم، ويبقى همها نفسها فقط.

وانتقلت العدوى إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي يستسلم لها الناس بشكل غريب، وكأنه كلام منزل.

يقول د. حمود القشعان: نبهت من طلاق العشرينيات والخمسينيات بعد علم وخبرة ودراسات أكاديمية ميدانية مع حالات منذ عام 1989م، بهدف «التحذير من أشباه المدربين والدخلاء على الاستشارات»، فكم من بيت هدموه بدورات وهمية، والنهاية خراب بيوت، ‏فالأول طلاق متعجل والثاني طلاق مؤجل، ‏وكلاهما يأتي نتيجة تأثير الصديقات، وأشباه المدربين والمدربات بما يسمى دورات التنمية البشرية والطاقة. (بتصرف).

وعادة لا تتدخل الحكومات في مثل هذه الأمور، لاعتبارها اختيارات شخصية، لكن لا بد من رموز المجتمع من التدخل للتحذير والتوعية، قبل أن تقع الفأس في الرأس، فما ترونه اليوم، قد يصل إليكم في الغد، وفي الفم ماء.

ألا هل حذّرت، اللهم فاشهد.‏

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الثلاثاء, 05 فبراير 2019 14:53

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم

دعا موظف وافد بسيط مديره عند زيارته دوام المساء على العشاء، فاستجاب له، وتكررت الدعوة كلما حضر المدير الذي استغرب من الأكل الذي يحضره، فالكمية كبيرة، والنوعية من الأسماك الطازجة الغالية، فسأل صاحبه عن حكايته، فقال: بدأ هذا الموظف عمله في الكويت منذ 20 سنة، وأحضر زوجته، ورزقهما الله الذرية، إلا أنه كان يقتر على نفسه في المأكل والملبس، ويرسل المبلغ لإخوته لعمل استثمار مشترك للمستقبل، وبعد سنوات اكتشف أنهم استحوذوا على كل الاستثمار، وحملوه الديون، فصدم من عمل إخوانه المقربين، فقرر بعدها أن يمتع نفسه وأسرته بما أنعم الله عليه من خيرات في الكويت، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لا يختلف اثنان على أن كل وافد إنما جاء للعمل لأجل الاسترزاق، وزيادة دخله في بلده، سواء في الخليج أو أوروبا أو أميركا، ولا شيء في ذلك، فهذه سنة الحياة، إلا أن الفرق يكون في خطة ذلك الشخص، رجلا كان أو امرأة، هل هناك نية استقرار أم عودة؟ هل سيعمد إلى التقتير على نفسه من أجل الآخرين (أهله، أقربائه، قبيلته..)، أو لأجل بناء مستقبله في بلده (استثمار، عمارة..)، على حساب نفسيته ومظهره وصحته؟ هل سيعمل ليل نهار لتحقيق أهدافه المالية؟ أم يعيش حياته في بلد العمل (المهجر) بالاستمتاع بما أنعم الله عليه هو وأسرته، واستقطاع مبلغ محدود لأهله وللاستثمار بحسب مستوى دخله؟

نعم.. هو صراع نفسي عند اتخاذ القرار، تحكمه ظروف عديدة، وفق البيئة والتنشئة ومستوى الدخل، والطموح.

عزيزي المقيم في أي بلد.. لا تكن حارسا للمال ليأخذه غيرك، بل كن فاعلا ومستثمرا له، واستمتع بحياتك، ولا تنس أقرباءك بالحسنى، والبس جيدا، واحرص على صحة عيالك، وادخر لمستقبلك، كل وفق دخله وإمكاناته.

ولا أعني الإسراف بأي حال من الأحوال، إنما الحكمة.

يقول أحد المهاجرين في بريطانيا: جئت قبل 55 سنة، والنية أن أقضي عاما أو اثنين بالكثير لأجني المال، ثم أعود إلى وطني، وتجري بي الأيام ليتبين لي أنني لم أحقق الهدف المالي، فأخذت أمدد سنة بعد أخرى، وتزوجت ودرس عيالي في بريطانيا، ولم أحقق الهدف المالي، وتوفيت زوجتي وتقاعدت ولم أحقق الهدف المالي، ولم أملك بيتا لا في وطني ولا في بريطانيا، ولم أستمتع بحياتي.

أيها الوافدون.. استمتعوا بحياتكم، فالأرزاق بيد الله.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top