د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 17 نوفمبر 2018 21:12

هكذا بنوا الدولة العثمانية

السُّلطان أورخان بن عثمان
726 -761هـ/1327 -1360م

ورث حكم السلطان الغازي عثمان الأول، بعد وفاته ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم، والفتوحات. وفي عام 727هـ الموافق 1327م سقطت في يده نيقو ميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصُّغرى قرب مدينة إستانبول، وهي مدينة أزميت الحاليَّة، فأنشأ بها أوَّل جامعة عثمانيَّة، وعهد بإِدارتها إِلى داود القيصري أحد العلماء العثمانيين، الَّذين درسوا في مصر، واهتمَّ ببناء الجيش على أسسٍ عصريَّةٍ، وجعله جيشاً نظاميَّاً.

وحرص السُّلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية، ووَضْع خطةٍ استراتيجيَّةٍ تستهدف محاصرة العاصمة البيزنطيَّة من الغرب، والشَّرق في آنٍ واحدٍ، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده «سليمان» لعبور مضيق «الدَّردنيل» والاستيلاء على بعض المواقع في النَّاحية الغربيَّة.
وفي عام (758هـ) اجتاز سليمان مضيق «الدَّردنيل» ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإِسلام، ولما أدركوا الضفَّة الغربيَّة، استولوا على الزَّوارق الرُّوميَّة الرَّاسية هناك، وعادوا بها إِلى الضِّفة الشَّرقية، إِذ لم يكن للعثمانيِّين أسطولٌ حينذاك، حيث لا تزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفَّة الشَّرقية أمر «سليمان» جنوده أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إِلى الشَّاطئ الأوروبيِّ حيث فتحوا ميناء قلعة «ترنب» و «غاليبولي» الَّتي فيها قلعة «جنا قلعة» و «أبسالا» و «رودستو» وكلُّها تقع على مضيق «الدَّردنيل» من الجنوب إِلى الشَّمال، وبهذا خطا هذا السُّلطان خطوةً كبيرةً استفاد منها مَنْ جاء بعده في فتح «القسطنطينيَّة».

 

أوَّلاً: تأسيس الجيش الجديد (يني تشري):
إِنَّ من أهمِّ الأعمال الَّتي ترتبط بحياة السُّلطان أورخان تأسيسه للجيش الإِسلاميِّ، وحرصه على إِدخال نظامٍ خاصٍّ للجيش، فقسمه إِلى وحدات تتكوَّن كلُّ وحدةٍ من عشرة أشخاص، أو مئة شخصٍ، أو ألف شخصٍ، وخصَّص خمس الغنائم للإِنفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لا يجتمع إِلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصَّة، يتمُّ تدريبه فيها.
كما أنَّه أضاف جيشاً آخر عرف بالإِنكشارية شكَّله من المسلمين الجدد الَّذين ازداد عددهم بعد اتِّساع رقعة الدَّولة، وانتصاراتهم الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعدادٍ كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإِسلام، ثمَّ انضمامهم إِلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإِسلام، فبعد أن يعتنقوا الإِسلام ويتمَّ تربيتهم تربيةً إِسلاميَّةً فكريَّاً، وحربيَّاً يعيَّنون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء، والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حبِّ الجهاد، والذَّود عن الدِّين والشَّوق إِلى نصرته، أو الشَّهادة في سبيله، وأصبح شعارهم (غازياً أو شهيداً) عندما يذهبون إِلى ساحة الوغى.
ولقد زعم معظم المؤرِّخين الأجانب: أنَّ جيش الإِنكشارية تكوَّن من انتزاع أطفال النَّصارى من بين أهاليهم، ويجبرونهم على اعتناق الإِسلام بموجب نظامٍ، أو قانونٍ زعموا: أنَّه كان يدعى بنظام (الدَّفشرية)، وزعموا: أنَّ هذا النِّظام كان يستند إِلى ضريبةٍ إِسلاميَّةٍ شرعيَّةٍ أطلقوا عليها اسم «ضريبة الغلمان» وأسموها أحياناً «ضريبة الأبناء» وهي ضريبةٌ زعموا: أنَّها تبيح للمسلمين العثمانيِّين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كلِّ مدينةٍ، أو قريةٍ نصرانيَّة باعتبارهم خمس الغنائم الَّتي هي حصَّة بيت مال المسلمين، ومن هؤلاء المؤرِّخين الأجانب الَّذين افتروا على الحقيقة: كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب.
إِنَّ الحقيقة تقول: إِنَّ نظام الدَّثرمة المزعوم ليس سوى كذبةٍ دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان، ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيِّين قاطبةً، فلم يكن نظام الدَّثرمة إِلا اهتماماً من الدَّولة العثمانية بالمشرَّدين من الأطفال النَّصارى الَّذين تركتهم الحروب المستمرَّة أيتاماً، أو مشرَّدين، فالإِسلام الَّذي تدين الدَّولة العثمانيَّة به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمَّى بضريبة الغلمان الَّتي نسبها المغرضون من المؤرِّخين الأجانب إِليها.
لقد كانت أعدادٌ هائلةٌ من الأطفال فقدوا آباءهم، وأمَّهاتهم بسبب الحروب، والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيُّون إِلى احتضان أولئك الأطفال الَّذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم، وأمَّهاتهم، وحرصوا على تأمين مستقبلٍ كريمٍ لهم، وهل من مستقبلٍ كريمٍ، وأمينٍ إِلا في الإِسلام، أفإِن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشرَّدون التَّائهون الإِسلام، انبرى المفترون يزعمون: أنَّ المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمَّهاتهم، ويكرهونهم على الإِسلام؟!
الحقيقة تقول: كلُّ من ذكر ضريبة الغلمان، أو أخذهم بالقوَّة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليلٌ إِلا كتب المستشرقين، كالمؤرِّخ النَّصرانيِّ سوموفيل، أو بروكلمان، وهؤلاء لا يُطمأنُّ إِليهم في كتابة التَّاريخ الإِسلامي، ولا إِلى نواياهم تجاه الإِسلام، وتاريخ الإِسلام.
إِنَّ حقيقة الجيش الجديد الَّذي أنشأه أورخان بن عثمان هو تشكيل جيشٍ نظاميٍّ يكون دائم الاستعداد والتَّواجد قريباً منه في حالة الحرب، أو السِّلم على حدٍّ سواءٍ، فَشُكِّل من فرسان عشيرته، ومن مجاهدي النَّفير الَّذين كانوا يسارعون لإِجابة داعي الجهاد، ومن أمراء الرُّوم، وعساكرهم الَّذين دخل الإِسلام في قلوبهم، وحسن إِسلامهم.
وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر، وسطها هلال، وتحت الهلال صورةٌ لسيفٍ أطلقوا عليه اسم «ذو الفقار» تيمُّناً بسيف الإِمام عليٍّ، رضي الله عنه.
لقد كان علاء الدِّين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة، وكان عالماً في الشَّريعة ومشهوراً بالزُّهد، والتَّصوُّف الصَّحيح.
وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد، ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيِّين، الَّذين أسلموا، وحسن إِسلامهم، فضمَّهم إِلى الجيش، واهتمَّ اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربيةً إِسلاميَّة جهاديَّةً.
ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضمُّ آلافاً من المجاهدين في سبيل الله.
وخلاصة القول: إِنَّ السُّلطان أورخان لم ينتزع غلاماً نصرانيَّاً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانيَّاً واحداً على اعتناق الإِسلام، وأنَّ كل ما زعمه بروكلمان، وجب، وجيبونز كذبٌ، واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإِسلاميِّ.
إِنَّ مقتضيات الأمانة العلميَّة، والأخوَّة الإِسلاميَّة تضع في عنق كلِّ مسلم غيور، وخاصَّةً العلماء، والمثقَّفين، والمفكِّرين، والمؤرِّخين، والمدرِّسين، والباحثين، والإِعلاميِّين أمانة نسف هذه الفرية، ودحض هذه الشُّبهة الَّتي أُلصقت بالعثمانيِّين، وأصبحت كأنَّها حقيقةٌ لا تقبل النقاش، والمراجعة، والحوار.

 

ثانيًا: سياسة أورخان الدَّاخليَّة والخارجيَّة:
كانت غزوات أورخان منصبَّةً على الرُّوم، ولكن حدث في سنة (736هـ - 1336م) أن توفي أمير قره سي ـ وهي إِحدى الإِمارات الَّتي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الرُّوم، واختلف ولداه من بعده، وتنازعا الإِمارة، واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخَّل في النِّزاع، وانتهى بالاستيلاء على الإِمارة، وقد كان مما تهدف إِليه الدَّولة العثمانيَّة النَّاشئة أن ترث دولة سلاجقة الرُّوم في آسيا الصغرى، وترث ما كانت تملكه، واستمرَّ الصِّراع لذلك بينها وبين الإِمارات الأخرى حتَّى أيَّام الفاتح، حيث تمَّ إِخضاع آسيا الصُّغرى برمَّتها لسلطانه.
واهتمَّ أورخان بتوطيد أركان دولته، فعمد إِلى الأعمال الإِصلاحيَّة، والعمرانيَّة، ونظَّم شؤون الإِدارة، وقوَّى الجيش، وبنى المساجد، وأنشأ المعاهد العلميَّة وأشرف عليها خيرة العلماء، والمعلِّمين، وكانوا يحظون بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في الدَّولة، وكانت كلُّ قريةٍ بها مدارسها، وكلُّ مدينةٍ بها كلِّيتها الَّتي تعلم النَّحو، والتَّراكيب اللُّغوية، والمنطق، والميتافزيقا، وفقه اللُّغة، وعلم الإِبداع اللُّغوي، والبلاغة، والهندسة، والفلك وبالطَّبع تحفيظ القرآن، وتدريس علومه، والسُّنة، والفقه، والعقائد.
وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إِمارة «قره سي» عشرين سنةً دون أن يقوم بأيِّ حروب، بل قضاها في صقل النُّظم المدنيَّة، والعسكريَّة الَّتي أوجدتها الدَّولة، وفي تعزيز الأمن الدَّاخلي، وبناء المساجد، ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامَّة الشَّاسعة، ممَّا يشهد بعظمة أورخان، وتقواه، وحكمته، وبعد نظره، فإِنَّه لم يشنَّ الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسُّع، وإِنَّما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي الَّتي يتاح له ضمُّها، وحرص على طبع كلِّ أرضٍ جديدةٍ بطابع الدَّولة المدنيِّ، والعسكريِّ، والتَّربويِّ، والثَّقافيِّ، وبذلك تصبح جزءاً لا يتجزَّأ من أملاكهم؛ بحيث أصبحت أملاك الدَّولة في آسيا الصُّغرى متماثلةً، ومستقرَّةً.
وهذا يدلُّ على فهم، واستيعاب أورخان لسنَّة التدرُّج في بناء الدُّول، وإقامة الحضارة، وإِحياء الشُّعوب.
وفي عام 1358م أصاب زلزالٌ مدينة تراقيا، فانهارت أسوار غاليبولي، وهجرها أهلها ممَّا سهل على العثمانيِّين دخولها. وقد احتجَّ الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى ـ وكان ردُّ أورخان: إنَّ العناية الإِلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قوَّاته! وما لبثت غاليبولي أن أصبحت أوَّل قاعدة عثمانيَّة في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى الَّتي تُوِّجت في النهاية بالاستيلاء على كلِّ شبه جزيرة البلقان.
وحين انفرد حنَّا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة؛ أقرَّ كلَّ فتوح أورخان في أوربا في مقابل تعهد السُّلطان بتسهيل وصول الطَّعام، والمؤن إِلى القسطنطينيَّة، وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدَّعوة إِلى الإِسلام، ومنع تمكُّن النَّصارى من طرد العثمانيِّين من أوربا.

 

ثالثاً: العوامل الَّتي ساعدت السُّلطان أورخان في تحقيق أهدافه:
1ـ المرحليَّة الَّتي سار عليها أورخان، واسْتِفادتُه من جهود والده عثمان، ووجود الإِمكانيَّات المادِّيَّة، والمعنويَّة الَّتي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطيَّة في الأناضول، وتدعيم سلطتهم فيها. ولقد تميَّزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة، والحاسمة في توسيع دولته، ومدِّ حدودها، ولم ينتبه العالَم المسيحيُّ إِلى خطورة الدَّولة العثمانيَّة إِلا بعد أن عبروا البحر، واستولوا على غاليبولي.
2ـ كان العثمانيُّون ـ يتميَّزون ـ في المواجهة الحربيَّة الَّتي تمَّت بينهم وبين الشُّعوب البلقانيَّة ـ بوحدة الصَّفِّ، ووحدة الهدف، ووحدة المذهب الدِّينيِّ، وهو المذهب السُّنِّيُّ.
3ـ وصول الدَّولة البيزنطيَّة إِلى حالةٍ من الإِعياء الشَّديد، وكان المجتمع البيزنطيُّ قد أصابه تفكُّكٌ سياسيٌّ، وانحلالٌ دينيٌّ واجتماعيٌّ، فسهَّل على العثمانيِّين ضمَّ أقاليم هذه الدَّولة.
4ـ ضعف الجبهة المسيحيَّة نتيجةً لعدم الثِّقة بين السُّلطات الحاكمة في الدَّولة البيزنطيَّة، وبلغاريا، وبلاد الصِّرب، والمجر، ولذلك تعذَّر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السِّياسيَّة، والعسكريَّة للوقوف في جبهةٍ واحدةٍ ضدَّ العثمانيِّين.
5ـ الخلاف الدِّيني بين روما والقسطنطينيَّة؛ أي: بين الكاثوليك، والأرثوذكس، الذي استحكمت حلقاته، وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.
6ـ ظهور النِّظام العسكري الجديد على أسسٍ عقديَّةٍ، ومنهجيَّةٍ تربويَّةٍ، وأهدافٍ ربَّانيَّةٍ، وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيِّين.

 

المراجع:
1. أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التَّاريخ العثماني، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
2. إسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3. جمال عبد الهادي وآخرون، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
4. زيادة أبو غنيمة، جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيِّين، دار الفرقان، الطَّبعة الأولى 1403 ـ 1983م.
5. سالم الرشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
6. عبد اللطيف دهيش، قيام الدَّولة العثمانيَّة، الطَّبعة الثَّانية، 1416هـ/1995م، مطبعة النَّهضة الحديثة، مكَّة المكرَّمة.
7. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م.
8. محمد حرب، العثمانيُّون في التَّاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الأولى 1409هـ/1989م.

 

استقطبت الدراما التاريخية التركية وخاصة المسلسل التاريخي الأخير "قيامة أرطغرل" أنظار المتابعين حول نشأة الدولة التركية العثمانية في الأناضول، ومهما تداخلت الدراما ومبالغاتها مع المشاهد التاريخية الحقيقية ولكنها تعكس صورة وتعطي فكرة عامة عن بدايات نشوء دولة آل عثمان التي حكمت العالم الإسلامي قرونًا طويلة من الزمن.

لقد قَدِمَ العثمانيون الأتراك من بلاد الشرق وهم من أصول مغولية، أيّ من أبناء البشرة الصفراء إذا جاز التعبير، ودائمًا يحدث خلط كثير بين أصول هؤلاء الأقوام وموطنهم في الأناضول، وقبل قيام دولتهم في الأناضول دخل متطوعون ومماليك كثر منهم في الجيوش الإسلامية في العصر الأموي والعباسي والأيوبي، وتقلدوا أرفع المراتب العسكرية حتى وصلوا للسلطة فيما بعد، وشكلوا دولًا حكمت بلاد المسلمين سواء كانت الزنكية أو المملوكية أم السلجوقية وآخرها الدولة العثمانية.

1- نشأة العثمانيين وأصولهم:

ينتسب العثمانيون إلى قبيلة تركمانية كانت تعيش في كردستان وتزاول حرفة الرعي في القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي، واتصف الأتراك بأنهم قبائل بدوية امتهنت الحرب والفروسية والغزو في وقت مبكر، وقد كان هؤلاء من أشد المقاتلين صلابة وأكثرهم شدة في الحرب، ومنهم الفرسان الذين لا يشق لهم غبار، ونتيجة للغزو المغولي بقيادة جنكيز خان على العراق ومناطق شرق آسيا الصغرى، فإن سليمان جد عثمان غازي هاجر مع قبيلته من كردستان إلى بلاد الأناضول في عام (617هـ - 1220م)، فاستقر في مدينة أخلاط في شرقي الأناضول.

بعد وفاة سليمان شاه، غرقًا في نهر الفرات أثناء عبوره، خلفه ابنه الأوسط أرطغرل (628هـ - 1230م)، الذي واصل تحركه نحو الشمال الغربي من الأناضول، وكان معه حوالي 100 أسرة وأكثر من 400 فارس، وحين كان أرطغرل والد عثمان فارًّا بعشيرته التي لم يتجاوز تعدادها 400 عائلة، من ويلات الهجمة المغولية، فإذا به يسمع عن بُعد جلبة وضوضاء، فلما دنا منها وجد قتالًا حاميًا بين مسلمين ونصارى، وكانت كفة الغلبة للجيش البيزنطي، فما كان من أرطغرل إلا أن تقدم بكل حماس وثبات لنجدة إخوانه في الدين والعقيدة، فكان ذلك التقدم سببًا في نصر المسلمين على النصارى.

وبعد انتهاء المعركة، قدَّر السلطان السلجوقي في قونية هذا الموقف لأرطغرل ومقاتليه، فأقطعهم أرضًا "سوغوت" على الحدود الغربية للأناضول بجوار الثغور مع الروم البيزنطيين ولقبه أمير القبائل التركية في تلك النواحي، وفتح السلاجقة بذلك الطريق لأرطغرل وأبنائه للتوسع على حساب الروم، وكسب السلاجقة بذلك حليفًا قويًا ومشاركًا في الجهاد ضد الروم، وقد قامت بين هذه الدولة الناشئة وبين سلاجقة الروم علاقة حميمية نتيجة وجود عدو مشترك لهم في العقيدة والدين، وقد استمرت هذه العلاقة طيلة حياة أرطغرل، حتى إذا توفي سنة (699هـ/ 1299م) خلفه من بعده في الحكم ابنه عثمان؛ الذي سار على سياسة أبيه السابقة في التوسع في أراضي الروم والتعاون مع السلاجقة في حروبهم وتحالفاتهم وتنسيق العلاقات معهم.

2- عثمان مؤسس الدولة العثمانية:

ولد عثمان بن أرطغرل في عام 656ه - 1258م، وإليه تنسب الدولة العثمانية، وتزامنت ولادته مع الغزو المغولي لبغداد بقيادة هولاكو، وقد كان غزو عاصمة الخلافة العباسية من الأحداث العظيمة، والمصائب الجسيمة.

ولا يستعجل أهل الحق وعد الله عز وجل لهم بالنصر والتمكين، فلا بد من مراعاة السنن الشرعية، والسنن الكونية، ولا بد من الصبر على دين الله عز وجل: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد :4]. والله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه، وأتى به شيئاً فشيئاً، بالتدرج أو دفعة واحدة، وبدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وعندما نتأمل في سيرة عثمان غازي الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصه، كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات:

الشجاعة، والحكمة، والإخلاص، والصبر، والجاذبية الإيمانية، وعدله، والوفاء، والتجرد لله في فتوحاته، ولقد كانت شخصية عثمان متزنة وخلابة، بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقاً لتأييد الله وعونه، ولذلك أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة، وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكانة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، وقد كانت رعاية الله له عظيمة، ولذلك فتح الله له باب التوفيق، وحقق له ما تطلع إليه من أهداف وغاية سامية، لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة إلى الله؛ فقد فتح الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم إلى الحق، والإيمان بالله تعالى، وكان حريصاً على الأعمال الإصلاحية في كافة الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معادياً لأهل الكفران.

3- الدستور الذي سار عليه العثمانيون:

كانت حياة الأمير عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، جهادًا ودعوة في سبيل الله، وكان علماء الدين يحيطون بالأمير، ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة، ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت، وكانت تلك الوصية ذات دلالة حضارية ومنهجية شرعية، سارت عليها الدولة العثمانية واتخذها خلفاؤه دستورًا فيما بعد، يقول عثمان في وصيته لابنه:

أ- يا بني، إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين.

ب- إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً.

جـ- يا بني، أوصيك بعلماء الأمة، أدم رعايتهم وأكثر من تبجيلهم.

د- اعلم يا بني أن نشر الإسلام وهداية الناس إليه وحماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنقك.

هـ- يا بني، أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود.

و- ولا يغرنك الشيطان بجندك ومالك.

ز- وإن بالجهاد يعم نور ديننا كل الآفاق فتحدث مرضاة الله عز وجل.

حـ- من انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الأعظم يوم المحشر.

ط- يا بني، لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا وبالإسلام نموت.

هذه الوصية الخالدة هي التي نهضت بها دولة آل عثمان وسار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم، وترك عثمان الأول الدولة العثمانية، وكانت مساحتها 16 ألف كيلومتر مربع، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذًا على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم حاضرتين بيزنطيتين في ذلك الزمان؛ وهما أزنيق، وبورصة.

 

مراجع المقال:

1- أحمد بن يحيى البلاذري، فتوح البلدان، ص 405 – 409.

2- أخبار الأمراء والملوك السلاجقة، تحقيق: محمد نور الدين، ص. ص 2 – 4.

3- بارتولد، تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة أحمد العيد، ص 106.

4- عبد اللطيف دهيش، قيام الدولة العثمانية، ص 8.

5- علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار ابن كثير، بيروت.

6- محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي، ص. ص 12 - 13.

7- مراد الشوابكي، من هم العثمانيون، 1 مارس 2015، رابط: https://bit.ly/2JuRzfG

 


رسمت خطبة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه معالم الدولة الإسلامية الأولى ودستورها الرشيد بعد وفاة النبي الكريم (ص). فقد خشي جموع الصحابة ورجالات الأمة الكبار والمسلمين على مسيرة الدعوة وتماسك المجتمع الإسلامي، لكن الجواب أتى من خليفة رسول الله الصديق (ر). فقد بدت في خطبته سمات ومعالم طريق دولة الخلافة في عباراته: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله»1. فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي وتوطيد دعائم الحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفرادًا وجماعات ودولًا، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل 2. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل3، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
إن من أهداف دولة الإسلام إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بجميع أشكاله وأنواعه كافة، وعليها أن تفسح المجال وتيسر السُبل أمام كل إنسان يطلب حقه، أن يصل إليه بأيسر السبل وأسرعها دون أن يكلفه ذلك جهدًا أو مالًا، وعليها أن تمنع أية وسيلة من الوسائل من شأنها أن تعيق صاحب الحق عن الوصول إلى حقه. لقد أوجب الإسلام على الحكام، أن يقيموا العدل بين الناس، دون النظر إلى لغاتهم أو أوطانهم أو أحوالهم الاجتماعية، فهو يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق، ولا يهمه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء، أو أعداء، أو أغنياء أو فقراء عمالاً أو أصحاب عمل4. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة، آية: 8).
لقد كان الصّدِّيق رضي الله عنه قدوة في عدله يأسر القلوب، ويبهر الألباب، لأن العدل في نظره دعوة عملية للإسلام والسلام، فيه تفتح قلوب الناس للإيمان. لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في هذا العدل، وعرض القصاص من نفسه في واقعة تدل على العدل والخوف من الله سبحانه وتعالى5. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن أبا بكر الصّدِّيق رضي الله عنه قام يوم جمعة فقال: إذا كنا بالغداة، فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها: خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل، فأعطاه الخطام وقال: استقد ..... فقال عمر: والله لا يستقد ولا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ قال عمر: أرضه، فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلته ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها6.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء7.
كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟، فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريقة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس 8.
وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتى بها من البادية، ففرّقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في عهده مائتي ألف وزعت في أبواب الخير9، لقد اتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها ... إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه، الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيُؤمِّن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة10.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر11.
وبناء على ما سبق رفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض 12. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال13 .فكيف إن كانت دولة مسلمة وعادلة بآن معًا؟ هنا تتحقق عزة وقوة ورخاء ساكنيها جميعًا.

- المراجع:
1- البداية والنهاية (6/ 305).
2- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 455.
3- تفسير الرازي (10/ 141).
4- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 459.
5- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 128.
6- المصدر نفسه، ص: 128.
7- فقه التمكين في القرآن الكريم، ص: 461.
8- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
9- الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 201.
10- أبو بكر رجل الدولة، ص: 48.
11- أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص: 130.
12- المصدر نفسه، ص: 130.
13- المصدر نفسه، ص: 130.

الإثنين, 15 أكتوبر 2018 11:36

رجل النهضة في عصره.. نظام الملك

عند حديثنا عن الدولة السلجوقية وسلاطينها ألب أرسلان وابنه ملكشاه، لا بد من تناول دور الوزير الكبير الأتابك نظام الملك. إذ يعد الوزير نظام الملك حجر أساس في الدولة السلجوقية وأحد أهم ركائز نهضتها القانونية والعمرانية والإدارية، فقد قال له السلطان ملكشاه: "قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد. وحلف له، ولقّبه ألقابًا من جملتها: أتابك، أيّ الأمير الوالد". وقال عنه الذهبي: (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغّب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعُد صيته).

تنقلت الأحوال بالوزير نظام الملك إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الأوقاف. وأشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة، وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد، فقد كان من هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة. والذي قال عنه ابن كثير: (من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة).

وكذلك كان آق سنقر البرسقي أبرز قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميرًا للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون، وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكًا تركيًّا خيِّرًا، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدًا".

- الوزير الكبير وتنظيم شؤون الدولة:

لما تولى ملكشاه أمور الدولة، انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لأذىً شديد. فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة، والوهن، ودمار البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك. وسماه أتابك الدولة. وفعلًا برزت كفايته وشجاعته وحسن سيرته، مما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته.

- نظام الملك والحركة العلمية والأدبية في أيامه:

كان يحب العلم وخصوصًا علم الحديث، فقد كان شغوفًا به، وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية، ولكني أحب أن أربط في قِطار ناقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع من القشيري، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري.

وكان حريصًا على أن تؤدي المدارس النظامية التي بناها رسالتها المنوطة بها، فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة، ومما قاله أبو الحسن الواسطي من الشعر:

يا نظام الملك قد حــلّ ببغداد النظــــــام

وابنك القاطن فيهــــا مستهان مستضام

وبها أودى له قتلــــى غلام، وغــــــلام

عظُم الخطبُ وللحرب اتصـــــال ودوام

فمتى لم تحسم الــــداء أياديك الحســــام

ويكف القوم فـــــــي بغداد قتل وانتقام

فعلى مدرسة فيهــــــا ومن فيها السلام

لقد كان مجلس نظام الملك عامرًا بالفقهاء والعلماء، حيث كان يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: (إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهم وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا عليّ قالا: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما على ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبو علي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه...).

قال عنه ابن الأثير: (وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديِّناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبيين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح...).

كما كان الوزير الكبير من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل، واذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات، وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول: من لم يكن للوصال أهلاً فكلُّ إحسانه ذنوب.

وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق، قال في هذا المعنى: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه.

ومن تواضعه أنه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم.

ومن شعره:

تقوس بعد طول العُمر ظهري وداستني الليالي أيَّ دَوْسِ

فأُمسي والعصا تمشي أمامي كأن قوامها وتر بقوسِ

وكان يتأثر بسماع الشعر، فعندما دخل عليه أبو علي القومَسَاني في مرضةٍ مرضها، يعوده فأنشأ يقول:

إذا مرضنا نوَينا كل صالحةٍ فإن شفينا فمِنَّا الزيغ والزَّلَلُ

نرجو الإله إذا خفنا ونسخطه إذا أمنَّا فما يزكو لنا عمل

فبكى نظام الملك وقال: هو كما يقول.

- الإصلاحات الإدارية والقانونية للوزير الكبير:

اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية، فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد خلفه ملكشاه. فأشرف بنفسه على رسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية مستفيدًا من فهمه ودرايته في شؤون التخطيط والتنظيم الإداري. وقد تضمن كتاب سياسة نامه الذي ألفه هذا الوزير في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساسًا لنظام الحكم، وعمادًا لإدارة الأمم، وتظهر في صفحات الكتاب أهم الطرق الإدارية التي اتبعها الوزير الكبير في هندسة الدولة. ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شؤون الدولة حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها. كذلك كان يهتم بشكل خاص بنظام البريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار المناطق التابعة لهم. هذا فضلًا عن حرصه الشديد بإرسال المخبرين إلى الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والعقارين، يتنسمون الأخبار ويرسلونها للسلطان ولوزيره. وكما نجح الوزير بإحباط العديد من المؤامرات ضد الحكم بفضل ما كان يصله منهم.

عمل نظام الملك على الحد من استغلال الموظفين والولاة لسلطاتهم حتى لا يجوروا على الرعية، حيث كان يغير العمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضمانًا لعدم تلاعبهم في أعمالهم، ولما ألغى السلطان ألب أرسلان وظيفة صاحب البريد وصاحب الخبر رتب الوزير نظام الملك في كل منطقة رجلًا نزيهًا لمراقبة تصرفات العمال والقضاة وأصحاب الحسبة. وكان نظام الملك يصرف رواتب مجزية للموظفين في المناصب الحساسة خشية الاختلاس أو الرشوة، وكان حريصًا على مراجعة حسابات الدولة في نهاية كل عام لمعرفة الدخل والمنصرف والموازنة بينهما.

- نظام الملك والنهضة الاقتصادية في عهده

كان لنظام الملك دور مهم في إصلاح الأراضي في الدولة، وتنظيم توزيعها بين الناس. وجرت العادة لدة الخلفاء والأمراء أن تجني الأموال في البلاد، وتجمع في العاصمة. فلما اتسعت رقعة الدولة السلجوقية في عهد الوزير الكبير لاحظ أن دخل الدولة من خراج الأراضي قليل لحاجتها إلى الإصلاح، فضلًا عن عدم اهتمام الولاة بها، فوجد أن من الأصلح للدولة أن توزع النواحي على شكل إقطاعات على رؤساء الجند. وبالتالي يدفع كل مُقطع مبلغًا من المال لخزانة الدولة مقابل استثماره للأراضي التي أقطعت له، فكان هذا الإجراء سببًا في تنمية الثروة الزراعية، إذ اهتم المقطعون بمعارتها مما أدى إلى زيادة انتاجها، وظل هذا النظام قائمًا حتى نهاية الدولة السلجوقية. وكما طلب الوزير الكبير من العمال والولاة أن يكونوا على تواصل مباشر مع المزارعين، ويمدوا لهم المساعدة بتزويد من يحتاج منهم بالبذور والدواب، وأن يحسنوا معاملة الزراع حتى لا يضطروا إلى هجر مواطنهم. فالوزير استهدف من توزيع الأراضي على معظم أفراد الجيش لأنه أدرك أنه من قبائل مختلفة العناصر، فأراد أن يجعل الجماعات تستقر في أراض تقطع لها، فترتبط بالأرض وتشعر بشعور المواطنة مما يسهل على الدولة الإمساك بكل مفاصل البلاد، والتخفيف من المنازعات فيما بينها وكذل التخفيف من المصاريف والتكاليف الباهضة. والأهم من كل ذلك حماية الدولة من الأخطار المحدقة بها.

- وفاة الوزير نظام الملك:

يقال: إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية (الباطنية)، فانبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً، ومات شهيداً فقيداً حميداً. وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه. وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال:

كان الوزير نظامُ الملكِ لؤلؤة يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ

عزَّت فلم تعرفِ الأيامُ قيمتها فرَّدها غيره منه الى الصــــدف.

قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً، وإحياءً لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العالم، ثم ختم له بالقتل وهو مارٌّ إلى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا، ملكاً في الآخرة، رحمه الله.

 

المراجع:

  1. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط.
  2. الذهبي، سير أعلام النبلاء.
  3. ابن كثير، البداية والنهاية.
  4. محمد العبده، أيعيد التاريخ نفسه.
  5. ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
  6. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى.

يصادف تاريخ اليوم الذكرى السابعة والثمانين لرحيل شيخ المجاهدين عمر المختار، ففي مثل هذا اليوم في 16 سبتمبر 1931م، أعدم المحتل الإيطالي فارساً عربياً ومجاهداً عظيماً، كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال قدوة ومثلاً ، وخسرت الأمة العربية والإسلامية رمزاً كبيراً في تاريخها النضالي والبطولي، حيث انضم إلى صفوة التاريخ الإسلامي اسماً جديداً ضمن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فهو بنيان أسس على التقوى أصله ثابت وفرعه في السماء ، وشجرة طيبة تؤتي أكلها في كل حين، عاش مباركاً في حياته ومباركاً في مماته.

إنه المجاهد العربي الليبي المسلم عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي، ولد في 20/آب عام 1858م، في منطقة الجبل الأخضر في برقة، في قرية تسمى جنزور، واشتهر في العالم باسم عمر المختار، وقد لقب بالعديد من الألقاب منها (أسد الصحراء) و(شيخ المجاهدين) و(شيخ الشهداء)، ويعتبر عمر المختار قائد السنوسية في ليبيا، عاش حياته من أجل الجهاد ومحاربة الغزاة، أملاً في تحرير أراضي بلاده من الطامعين، واستطاع أن ينحت اسمه في التاريخ حتى أنه يعد من أشهر المقاومين العرب والمسلمين، حيث قاد الجهاد ضد الغزو الإيطالي لليبيا، وقام بقيادة المئات من المعارك ضد الإيطاليين.

تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور ثم سافر إلى الجغبوب، ومكث بها 8 أعوام للدراسة وتحصيل العلم على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية، في مقدمتهم الإمام المهدي السنوسي، قطب الحركة السنوسية، ودرس اللغة العربية، وعلوم الشريعة والحديث، وحفظ القرآن الكريم.

ظهر نبوغه وتميزه مما استدعي اهتمام ورعاية أستاذه (السنوسي)، ثم انخرط المختار في صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية، واستقر لفترة في (قرو) مناضلاً ومقاتلاً، ثم عين شيخًا لزاوية (عين كلك)، ليقضي فترة من حياته معلمًا.

وبعد وفاة الشيخ المهدي السنوسي في 1902، تم استدعاؤه وعين شيخًا لزاوية (القصور)، وعاش حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها، وعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911، وقصفت البارجات الحربية مدن الساحل الليبي، وكان عمر المختار مقيمًا في (جالو) بعد عودته من مدينة (الكفرة)، وبعد علمه بالغزو الإيطالي سارع إلى المجاهدين ونظم صفوفهم، حتي وصل أحمد الشريف السنوسي، المجاهد الليبي، من الكفرة.

وشهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، كانت معارك كر وفر تركز معظمها على مدينة درنة (شمال شرق)، منها معركة (يوم الجمعة) 16 مايو/ أيار 1913، دامت يومين، وانتهت بمقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400 آخرين ، ومعركة (بو شمال) في منطقة عين مارة وفي فبراير عام 1914 معارك (أم شخنب) و (شلظيمة) و(الزويتينة) كان خلالها المختار يتنقل بين جبهات القتال و يقود المعارك، مما اكسبه احترام الجميع بمن فيهم أعدائه.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، وبعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في أكتوبر 1922 وبعد انتصار جبهة إيطاليا، اشتدت الضغوط على إدريس السنوسي، الذي عقد صلحاً مع إيطاليا، وقد غضب عمر المختار وباقي شيوخ القبائل وقادة الحركة عند علمهم بذلك، فقدَّموا إليه وثيقة يبايعونه فيها زعيماً لهم، شريطة أن يكون ذلك للجهاد ضد الطليان فقط. ولم يكن لدى إدريس خيار سوى قبول البيعة، إلا أنَّه شد الرحال إلى مصر مدعياً المرض والحاجة للعلاج، وقد تبيَّن فيما بعد عند زيارة عمر المختار له هناك أنه كان بصحَّة جيدة. لكن بعد رحيل إدريس ومع اندلاع الحرب مجدداً في المنطقة أصبحت مسؤولية القيادة كلّها ملقاةً على عاتق عمر المختار، فأصبح هو زعيم الحركة الجهادية في منطقة الجبل الأخضر، وبات يجمع المال والسلاح ويحرّض القبائل ويترأس الهجمات ضد الطليان في برقة.

استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية وحققوا انتصارات رائعة من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ 28 مارس 1927م، ومعركة أم الشافتير (عقيرة الدم) وقد تكبّد فيها الطليان خسائر جسيمة. وواصل المختار كفاحه ضد المستعمرين الإيطاليين وكبدهم خسائر فادحة في أكثر من ألف معركة خاضها ضدهم في عشرين عاماً، ويذكر أن الإيطاليين فاوضوا عمر المختار وحاولوا إغراءه في مرات عديدة لكنهم فشلوا، فقد كان يقابلهم بجملة واحد هي: "ارحلوا من ليبيا كلها".

وفي النهاية تمكنت القوات الإيطالية من إلقاء القبض عليه، بعد أن وقع في أسرهم ، وذلك في إحدى المعارك في الحادي عشر من أيلول من عام 1931م، وذلك بعد يومين من القتال العنيف.

وانعقدت محكمة صورية في يوم 15 سبتمبر، وقضت بالحكم على شيخ المجاهدين بالإعدام شنقاً، وأُحضر المختار مكبلاً في اليوم التالي 16 سبتمبر في تمام الساعة التاسعة صباحاً، وسار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وأعدم أمام الآلاف من الليبيين بمركز سلوق (جنوب بنغازي) في عام 1931م.

أصبح المختار عند العرب عمومًا والمسلمين خصوصًا مثالاً للقائد الصالح صاحب العقيدة السليمة السويَّة ، وشهيدًا بطلًا بذل نفسه وماله للدفاع عن دينه وبلده ضدّ المحتل الغاصب، فكانت وفاته وقوداً جديداً للثورة التي انتهت بانسحاب الإيطاليين من البلاد عام 1943، وكانت كلماته من أبرز العبارات التي جالت على لسان المقاومين العرب في ثوراتهم الأخيرة ، كالكلمة الأخيرة التي قالها للضابط الإيطالي "الجنرال رودولفو جراتسياني" الذي حقق معه: "نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت.. وهذه ليست النهاية.. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه.. أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".

إنه عمر المختار البطل الذي لم ييأس أو يستسلم، ولم تغره أموال الدنيا آثر أن يبقى الرمز والأصالة، ظل في كبريائه حتى حين عضت السلاسل قدميه ويديه، حيث قال: "إن الظلم يجعل من المظلوم بطلاً، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء"." كن عزيزاً وإياك أن تنحني مهما كان الأمر ضرورياً، فربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرةً أخرى".

وحين أعدمه المستعمر الإيطالي ألهب خيال المبدعين وأضرم نار المقاومة في قلوب الملايين, إنه اللواء الذي يستنهض الوادي صباح مساء في رائعة الشاعر أحمد شوقي، وهو السيف العربي الذي استلّ من غمده ونافح حتى آخر قطرة من دمه, إن بطولة عمر المختار ستبقى أسطورة حقيقية حيّة نابضة في قرائح الشعراء, ومصدر وحي وإلهام في عيون المبدعين ومدرسة كفاح وطريق هداية للأجيال الحرة ، ولن ننسى مقولته الخالدة : "إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".

 

المراجع

- خليفة محمد التليسي، معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911-1931م. الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1983م.

- عصام عبد الفتاح، عمر المختار ورجاله "سيد شهداء القرن العشرين"، دار كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، الشيخ الجليل عمر المختار: نشأته، وأعماله، واستشهاده. المكتبة العصرية، صيدا-لبنان.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، أعلام التصوف السنّي : سيرة المجاهد عمر المختار، إسطنبول، تركيا، دار الروضة، 2017م.

- هاشم يحيى الملاح، "جهاد عمر المختار وتضحيات الجماهير". مجلة البحوث التاريخية، العدد (2)، يوليو 1988م.

 

- المصالحة يجب أن تكون بلسماً لمعالجة الجروح وإزالة الألغام الاجتماعية التي زرعها النظام السابق 

 - البعدان القبلي والجهوي تستثار فيهما النعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل 

 - لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة

 

يتبادر إلى بعض الأذهان أن مشروع المصالحة الوطنية التي نريد هو معالجة لما حدث أثناء ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا، متناسين أن هذه الثورة وما حدث فيها نتاج منطقي للظلم والفساد والاستبداد الذي عشش طوال الأربعة عقود الماضية، ولم يكن وليد اللحظة، ولا يمكن اختزاله في حادث معين أو قضية بعينها.
لقد شوه النظام السابق جهاد الأبطال الذين صنعوا الاستقلال، وشوه نضالاً وحراكاً ثقافياً واجتماعياً كان من أسس هذا الاستقلال، وشوه النظام نخبة ثقافية، وأودعها السجون حقبة السبعينيات، واستولى على أموال الموسرين بحجة تصفية البرجوازية، وصادر الممتلكات الخاصة وحارب الناس في قوت أولادهم، وانبرى يُطلق الأوصاف المقيتة لكل معارضيه، وأدخل البلد في حروب لا طائل من ورائها، ذهب جراءها آلاف الضحايا من أبناء هذا الشعب، وجنى الوطن من ورائها فقداً لعدد كبير من أبنائه بالإضافة إلى قائمة طويلة من اليتامى والمتضررين.
كما أعدم معارضيه على رؤوس الأشهاد، وزج بالآلاف من أبناء الشعب في السجون والمعتقلات ليواجهوا أقذر أساليب الكبت والتعذيب، وشرد آلاف الأسر من ورائهم في الداخل بقانون العقوبات الجماعية الذي هدم بموجبه حتى البيوت، أما من تمكنوا من الهجرة القسرية، فقد قام بملاحقتهم قتلاً وتهديداً ورصداً وتشويهاً، وحارب الناس في قوتهم وسهل سبل الفساد حتى صار الشعار «رزق حكومة»، «واخنب واهرب» و»اللي ما تأخذه، يأخذه غيرك».
ولم تكن هذه الانتهاكات تنفذ من رأس النظام مباشرة، بل استخدم فيها أذرعاً من أبناء الشعب، معتمداً في التغرير على تجاذبات قبلية وجهوية، وأطماع شخصية استجاب لها السذج وضعاف النفوس، ومعتمداً على الضيق في فرص العمل والكسب الذي نتج عن سياساته المتقلبة ونظرياته المزعومة، حتى ألجأ قطاعاً عريضاً من الموظفين والعاطلين والشباب بل وحتى من المتقاعدين والنساء المطلقات إلى العمل ضمن جهاز الأمن الداخلي في كتابة التقارير والوشاية بالمواطنين من أجل لقمة العيش، ليحصد الوطن جراء ذلك جرحاً غائراً بأياديه! فمن وقع عليهم الانتهاك هم من أبنائه، ومن مارس هذا الانتهاك من أبنائه أيضاً، وقد يتذبذب البعض بين الصنفين حيناً من الزمن.

المصالحة الوطنية
إن الانتهاك لدى البعض لم ينته بمجرد موت رأس النظام وهروب أعوانه المقربين وكتائبه، بل كل من مارس الانتهاك بطريق مباشر أو غير مباشر، لا بد أن يقع في دائرة استرداد الحقوق، وليس المقام لمناقشة هذه الرؤية ومدى أحقية هذا الرأي، ولكن يجب التأكيد على أن مشروع المصالحة الوطنية لا بد أن يكون البلسم الذي نعالج به -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- هذه الجروح، ونزيل به الألغام الاجتماعية التي خلفها نظام الظلم والفساد والاستبداد بين أبناء المجتمع الواحد.
إن مشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحو إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى، أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد آخر أو أفراد آخرين.
إننا يجب أن نجرد القضايا من البعد القبلي والجهوي؛ لأنهما بعدان تستثار فيهما الحميات والنعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل والمنطق والإنصاف، يجب أن ينحو مشروع المصالحة إلى تحديد المسؤولية الفردية فيما وقع ويقفل الطريق على كل ما من شأنه أن يخرق النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي.
ما حدث خلال العقود الأربعة الماضية يفوق الوصف، وبعض الجرائم لا يتخيلها العقل السوي وتأباها النفوس المتزنة؛ فما ذنب أطفال صغار يتم حرمانهم من حقوقهم المدنية حتى من لقمة العيش لجرم اقترفه أبوهم أو أحد أفراد أسرتهم، هذا إذا سلمنا بالجرم؟! ما ذنب أسرة يهدم عليها بيتها وتشرد في الشارع بلا مأوى ولا حتى سقف يظلهم لمخالفة اقترفها أحد أبنائهم، هذا إذا سلمنا بالمخالفة؟! كيف يستسيغ المنطق أن يمثل بجثث المعارضين وتنبش قبورهم؟!
ولكن على بشاعة ما حدث وفظاعته، فإن سفينة الأمان في المجتمع يجب ألا تخرق بأيادي العابثين، والمصالحة الوطنية يجب ألا تخول أحداً -كائناً من كان- أن يسترد حقه أو مظلمته بشكل فردي، مهما كان حجم الظلم الذي وقع عليه، بل لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر وترد الحقوق، حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة التي يأخذ فيها كلٌ حقه بيده.
بل إن مشروع المصالحة يجب أن يذهب أبعد من ذلك، بأن يعتبر كل فعل يمارس بذريعة استرداد الحقوق خارج الأطر القانونية، جريمة يعاقب صاحبها مهما كان بشاعة الظلم والانتهاك الذي وقع عليه، وهذا ليس استخفافاً بالانتهاكات ولا تهميشاً للمظلومين، بل حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع أدغال، ولأن ظاهرة استرداد الحقوق بشكل فردي ودون أطر قانونية، إذا فتح بابها، فإن المئات ستسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأعراض والممتلكات بحجة استرداد الحقوق، وحينها يُفقد الأمن الذي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ونقع في عين ما كان يعاب على النظام البائد.

 

(*) كاتب ومؤرخ إسلامي ليبي

الأربعاء, 01 أغسطس 2018 13:12

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع،: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته.

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لابدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل: 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59).

2- الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82). أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى:" مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

 

كانت بيعة الخلفاء الراشدين على كتاب الله وسنة رسوله متضمنة أهم أسس العدالة والحرية والكرامة والمساواة ومبادئ الحكم الرشيد، ولم يكن الصحابة ليعترضوا ببيعة الخلفاء الراشدين لو لم تكن وفق أصول النظام الإسلامي كما هي مقررة في الشريعة الإسلامية، وتضع لسلطة الحاكم قيوداً وحدوداً شرعية وقد تعرض عدد كبير من الباحثين المعاصرين لأسس العدالة في النظام الإسلامي ومنهم من سماها ضمانات الحكم الإسلامي، مثل محمد أحمد مفتي في كتابه "أركان وضمانات الحكم الإسلامي"، ومنهم عبد الغني بسيوني في كتابه "نظرية الدولة في الإسلام" وقد جعلها في ست ضمانات وهي وجود دستور إلهي. وتقرير المبادئ الدستورية الإلهية والحقوق والحريات العامة، وتقرير مسؤولية الحاكم، والفصل بين السلطات، وخضوع السلطة الحاكمة لرقابة القضاء. وقد جاء في خطبة الصّدِّيق حينما وُلّي الخلافة ما يوضح الحدود والقيود على سلطة الحكام التي تضمن سير العدالة. فقد نص برنامج أبو بكر الصّدِيق رضي الله عنه على النقاط الآتية:
أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا يشيع في قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. فنص الخطاب التاريخي يتضمن أهم شروط قيام الدولة الصالحة التي يلتزم بها إمام المسلمين. وفي خطاب أبي بكر لنا وقفات منها:
1. أول حاكم بعد الرسول: إن أبا بكر رضي الله عنه هو أول حاكم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، بشر لا يوحى إليه، فبهذه الصفة مؤهل لأن يكون نموذجاً للحكم الرشيد الذي فيه الدروس والعبر والقيم من خلال المجهود البشري الذي يخطئ ويصيب ومسترشد بالقرآن والسنة.
2. التواضع الكبير: إن نص هذه الخطبة يعتبر بمصطلحات وأقوال عصرنا هو البيان الوزاري للسلطة التنفيذية التي تمّت عليه البيعة العامة، وإعطاء الثقة في المسجد بعد البيعة الخاصة في السقيفة في ضوئه3.
3. البيان الوزاري للسلطة: إن قول أبي بكر رضي الله عنه: «وُلّيت عليكم ولست بخيركم» فكل حاكم يجب أن يعلم أنه معرّض للخطأ والمحاسبة وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي، وهذه العبارة تكفي للرد على جميع من يدّعون أن الحكومة الإسلامية يمكن أن تكون لها صفة دينية أو ثيوقراطية.
4. حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر رضي الله عنه: فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. وبالتالي فإن أبو بكر الصّدِّيق يقرّ بحق الأمة وأفرادها في الرقابة على أعماله ومحاسبته عليها، بل وفي مقاومته لمنع كل منكر يرتكبه، وإلزامه بما يتبرونه الطريق الصحيح والسلوك الشرعي، وقد أقر الصّدِّيق في بداية خطابه للأمة أن كل حاكم معرض للخطأ والمحاسبة، وأنه لا يستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعل له أفضلية على غيره، لأن عهد الرسالات والرسل المعصومين قد انتهى، وأن آخر رسول كان يتلقى الوحي انتقل إلى جوار ربه، وقد كانت له سلطة دينية مستمدة من عصمته كنبيٍّ، ومن صفته باعتباره رسولاً يتلقى التوجيه من السماء، ولكن هذه العصمة قد انتهت بوفاته صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح الحكم والسلطة مُستمدَّين من عقد البيعة وتفويض الأمة للحاكم.
إن الأمة في فقه أبي بكر لها إرادة حية واعية لها القدرة على المناصرة والمناصحة والمتابعة، والتقويم، فالواجب على الرعية نصرة الإمام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته في أمور الدين والجهاد، ومن نصرة الإمام ألا يهان، ومن معاضدته أن يحترم7. ولقد استقر في مفهوم الصحابة أن بقاء الأمة على الاستقامة رهن باستقامة ولاتها، ولذلك، كان من واجبات الرعية تجاه حكامهم نصحهم وتقويمهم، ولقد أخذت الدولة الحديثة تلك السياسة الرائدة للصّدِّيق رضي الله عنه وترجمت ذلك إلى لجان متخصصة ومجالس شورية تمد الحاكم بالخطط وتزوده بالمعلومات. ولعل مع ثورات الشعوب المتطلعة إلى الحرية، والكرامة والعدالة، تنجح هذه الشعوب الثائرة بالقيام بدورها في اختيار الأصلح ومراقبة الحكام ومناصحتهم وتستفيد من تجربة الصّدِّيق الرشيدة في إدارة الحكم.
5. الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم: قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصدق أمانة والكذب خيانة». أعلن الصّدِّيق رضي الله عنه مبداً أساسياً تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها، إنه خُلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلى الصدق. إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلى هذا النهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة على التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها على تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا، فتمنعهم من سرقة إرادتها وشرفها، وحريتها وأموالها.
6. إعلان التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك: قال أبو بكر رضي الله عنه: "وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل". لقد تلقى أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم صلى الله عليه وسلم، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهوى، والشر والخير، وأن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصّدِّيق الجهاد إحدى حقائق الحكم في دولته. ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد لكي يرفع الظلم عن المظلومين، ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين، ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.
7. العدل والمساواة بين الناس في خطبة أبو بكر الصديق: قال أبو بكر الصّدِّيق رضي الله عنه: «الضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله». فإن من أهداف دولة الصّدِّيق الحرص على إقامة مقاصد القرآن الكريم التي تساهم في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. وإن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً، ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل. يقول الفخر الرازي: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل، وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسنة.
أما مبدأ المساواة الذي أقره الصّدِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيُعدُّ أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر. وممّا ورد في القرآن الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات، آية: 13). وإن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس، أو اللون أو النسب، أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء. كما جاءت ممارسة الصّدِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك، وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مال المسلمين فيُعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد كان توزيع العطاء في عهده على التسوية بين الناس.
لقد قام الصّدِّيق رضي الله عنه، منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصّدِّيق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل، آية: 90). وكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلى دينهم، وحرية الدعوة إليه، وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيها على أساس من العدل المجرد عن الهوى. والحُكم على هذا الأساس يقتضي من الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين في حكمه، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة على إنكار الذات والتجرد لله تجرداً مطلقاً جعله يشعر بضعف الضعيف وحاجة المجتمع ويسمو بعدله على كل هوى، وينسى في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها ودقيقها، بكل ما أتاه الله من يقظة وحذر.
وبناء على ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة ذي سطوة أو مكانة. وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض. ومن أجمل ما قاله ابن تيمية رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.. بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال.
8. إعلان الحرب على الفواحش: قال أبو بكر رضي الله عنه: ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، والصّدِّيق هنا يذكر الأمة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا». إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام وحال الناس أدل شاهد. لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها.

...............................................................................
المراجع:
1. أبو بكر الصّدِّيق للصَّلاَّبي، ص 127.
2. أبو بكر رجل الدولة، ص 73.
3. الاجتهاد الفقهي المعاصر، ص 150.
4. الأحكام السلطانية للماوردي، ص 201.
5. البداية والنهاية، 6/ 305 ـ 306، إسناده الصحيح.
6. تفسير الرازي، 10/ 141.
7. صحيح الألباني، في ابن ماجه، رقم: 4019.
8. فقه التمكين في القرآن الكريم، ص 455.
9. فقه الشورى والاستشارة، ص 441.
10. نظرية الدولة في الإسلام، ص. ص 176 ـ 187.

إن تحقيق العدالة والمصالحة الوطنية فريضة شرعية وضرورة دينية، والثورات التي تنجح في تحقيق المصالحة الوطنية ستحقق أهدافها وتصل إلى مبتغاها، أما الثورات التي تفشل فإنها ستعجز عن الوصول إلى أهدافها.

والمصالحة الوطنية التي ندعو إليها مستمدة من كتاب الله جل جلاله، والسُّنة النبوية، والتجربة التاريخية الإسلامية والإنسانية، فهي من أولويات العمل الوطني، وهي مسؤولية كافة أبناء الشعب، وأساسها العدل والإنصاف القائم على إعادة الحقوق إلى أصحابها ورد المظالم، وجبر الضرر والاعتراف بحق الضحايا ورد الاعتبار إليهم وتكريس الإحساس بالمواطنة تحقيقًا للسلم والأمن الأهليين.

إن المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي بعد نجاح ثورته الوطنية، ضرورة دينية، وإنسانية، وحضارية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، وعقلانية، لا يستغنى عنها ليبي ولا ليبية من أجل تأكيد التلاحم بين أبناء الشعب، وترسيخ قواعد الوحدة الوطنية، وإشاعة أجواء المحبة والانسجام بين مكوناته المختلفة. ولمعالجة الآثار التي تركها النظام الدكتاتوري الاستبدادي، وظروف حرب التحرير من الظلم والجور والانتقام، فيجب على أبناء هذا الشعب شيبًا وشبابًا رجالًا ونساء السعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للوصول إلى الأهداف والمقاصد السامية والقيم الإنسانية الرفيعة التي خرجت من أجلها الشعوب.

يريد الشعب الليبي اليوم بعد ثورته بسبع سنوات الخروج من نفق الظلم ويلملم جراحه، ويبني مستقبله ويعمر بلاده "داراً داراً، شارعاً شارعاً، زنقة زنقة، مدينة مدينة، قرية قرية"، ويريد أن يحافظ على الحريات العامة وذلك بمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية، والمواثيق والمعاهدات الدولية للحقوق والحريات، والقيم والعادات والتقاليد الليبية الأصيلة.

ويتطلع إلى تحقيق طموحاته في الحرية والتنمية والعدالة والشورى، وأن يتأسس اقتصاد حر مستدام قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، ومتنوع وتنافسي كفيل بأن يلبي احتياجات المواطن الليبي الآنية، والمستقبلية، وتأمين فرص أفضل للجميع ومستوى معيشي مرتفع، مع تقريب الفوارق بين الطبقات، وأن يرى مؤسسة قضائية مستقلة تكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع الليبي بكافة مؤسساته وأفراده؛ وضمانة جوهرية لاستقراره وحفظ حقوق أفراده، وهذا لا يمكن بدون عدالة ومصالحة وطنية لتجاوز مرحلة الحرب والآثار التي تركتها.

فالله عز وجل قال في محكم كتابه: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10}) (الحجرات)، وقال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

وقد كان للملتقى الأول لمجالس الحكماء والشورى بليبيا (من أجل المصالحة الوطنية) في الزاوية جهود مشكورة وبيان ختامي جميل أصدر فيه المجتمعون من العلماء والحكماء مجموعة من التوصيات، من أهمها:

التأكيد على أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية لأي مصالحة وطنية.

التعجيل بإصدار قانون العدالة الانتقالية وبما يحفظ حقوق الليبيين وتفعيل الأجهزة الأمنية والضبطية والدوائر الجنائية بالمحاكم والتعجيل بإحالة المحتجزين والمتحفظ عليهم إلى القضاء.

ضرورة تقديم كل من سفك دماء الليبيين أو انتهك أعراضهم أو اختلس أموالهم أو شارك أو حرض على ارتكاب هذه الجرائم ضدهم إلى المحاكم.

إنشاء صندوق مالي تموله الدولة لتعويض المتضررين من اعتداءات قوات وأعوان الطاغية، ويشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

العمل على خلق البيئة المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة لتحقيق السلم والأمن الأهليين، وذلك بالإسراع بتأسيس الجيش والأمن الوطنيين وتنظيم حمل السلاح، واستيعاب الثوار فيها وفقاً لرغباتهم وتأهلهم مهنياً، وخلق فرص عمل مناسبة لهم لإدماجهم في المجتمع الجديد الذي ثاروا من أجله.

العمل على وضع ميثاق شرف لوسائل الإعلام بحيث تلتزم هذه الوسائل بالعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية أو المذهبية.

إعادة النظر ومراجعة السياسة التربوية، والمناهج التعليمية بحيث ترسخ روح الوحدة الوطنية وتسهم في نشر ثقافة التسامح والسلم الاجتماعيين ونبذ العنف وتأكيد ثقافة الحوار بين الأفراد والجماعات وزرع روح المصالحة في أوساط الشباب.

عدم اللجوء إلى ممارسات العقاب الجماعي، كالتهجير وحرق المساكن والحرمان من الخدمات العامة.

وهذه الخلاصات والتوصيات مهمة، وتحتاج لتحقيقها ثقافة واسعة في مفهوم العدالة والمصالحة، وتسعفنا التجربة النبوية في فتح مكة، عندما تمكن من أعداء الدعوة الإسلامية الذين اعترضوا على الوحدانية، وكذبوا باليوم الآخر، واعترضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته، واعتبروا القرآن الكريم ضرباً من الشعر.

 

المراجع:

1- علي الصلابي، العدالة والمصالحة الوطنية: ضرورة دينية ودنيوية، إستانبول، دار الروضة.

2- آمال نصير، التوبة في ضوء القرآن الكريم، ص 123.

3- أحمد شوقي، دليل حول العدالة الانتقالية، ص 45 – 50.

في حديثنا عن مكانة القضاء والقدر وثمراته وآثاره في حياة الإنسان المؤمن، وفي عقله ونفسه ووجدانه وإدراكه، وفي حياته بصفة عامة نجد أن أهم ثمار الإيمان بالقدر وآثاره تتمثل بــ:

8- المؤمن لا يعيش قلقًا بين "لو" و"ليت":

إن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر وخوفه من المستقبل. وإن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل شهوراً وأعواماً آلامها، ويستعيد ذكرياتها القائمة، متحسرًا تارة، متمنيًا أخرى، شعاره: ليتني فعلت،، وليتني تركت، وأني فعلت كذا لكان كذا. ولذا ينصح الأطباء والمرشدون الاجتماعيون، ورجال التربية، ورجال العمل، أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولَّى لا يعود.

قد صور هذا المعنى أحد المحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تصويراً بديعاً لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة.. أصابعهم، فعاد يسألهم: وكم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه، وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة فعلاً. وكذلك الحال مع الماضي: فعندما ينتابكم القلق لأمور حدثت في الماضي، فاعلموا أنكم تمارسون نشر النشارة!

نقل هذا التصوير ديل كارينجي في كتابه "دع القلق وأبدأ الحياة"، كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاً تماماً، كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو: أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو يصيبك بقرحة في المعدة.

9- الخوف والحذر من الله:

فالمؤمن بالقدر على حذر من الله، قال تعالى: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ {99}) (الأعراف)، وقلوب العباد دائمة التقلب والتغير، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، والمؤمن يحذر دائماً أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة والإكثار من الصالحات ومجانبة المعاصي والموبقات، كما يبقى قلب العبد معلقاً بخالقه، يدعوه ويرجوه ويستعينه ويسأله الثبات على الحق، كما يسأله الرشد والسداد.

10- الخلاص من الشرك:

لا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شيء في الكون، وأن إرادته ماضية في خلقه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل المعذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، والإيمان بالقدر مفرق طريق بين التوحيد والشرك، فالمؤمن بالقدر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد ومعبود واحد، ومن لم يؤمن هذا الإيمان فإنه يجعل من دون الله آلهة وأربابًا.

11- الاستقامة:

إن الإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سببًا في استقامة المسلم وخاصة في معاملته للآخرين، فحين يقصر في حقه أحد أو يسئ إليه، أو يرد إحسانه بالإساءة أو ينال من عرضه بغير حق، تجده يعفو ويصفح، لأنه يعلم أن ذلك مقدر، وهذا إنما يحسن إذا كان في حق نفسه، أما في حق الله فلا يجوز العفو ولا التعلل بالقدر، لأن القدر إنما يحتج به في المصائب لا في المعايب.

والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء لا تبطره النعمة، ولا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله، لا بذكائه وحسن تدبيره؛ (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) (النحل: 53)، ولا يكون حاله حال قارون الذي بغى على قومه واستطال عليهم بما أعطاه الله من كنوز وأموال.

12- القضاء على الأمراض التي تعصف بالمجتمعات:

الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، لأنه هو الذي رزقهم وقدر لهم ذلك، وهو يعلم حين يحسد غيره إنما يعترض على المقدور. وهكذا فالمؤمن يسعى لعمل الخير، ويحب للناس ما يحب لنفسه، فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمد الله وشكره على نعمه، وإن لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع، ولم يحقد على غيره ممن نال من الفضل ما لم ينله، لأن الله هو الذي يقسم الأرزاق فيعطي ويمنع وكل ذلك ابتلاء وامتحان منه سبحانه وتعالى لخلقه.

قال ابن سيرين: ما حسدت أحدًا على شيء من أمور الدنيا، لأنه إن كان -أي هذا الرجل- من أهل الجنة، فكيف أحسده على شيء من أمر الدنيا وهو مصيره إلى الجنة، وإن كان -هذا الرجل- من أهل النار فكيف أحسده على شيء من أمور الدنيا، وهو يصير إلى النار.

فالذي يؤمن بالقدر يحمل قلباً نظيفًا طاهرًا من الغل والحقد والحسد والضغينة لإخوانه، لأنه إن نظر إلى أخ من إخوانه ووجده في نعمة فهو يعلم يقينًا أن الذي أنعم عليه بهذا هو الله، فهو يحب لأخيه النعمة ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى الذي رزق أخاه أن يرزقه بما رزق أخاه فهذه كلها أمراض القلب لا تداوى إلا بالإيمان بالله سبحانه وتعالى. والمؤمن بالقدر يعلم بأن الله يعطي ويمنع لحكمه، فإن من العباد من لا ينفعه إلا الغنى، ولو أفقره الله لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمه الله لأفسده ذلك ومن العباد من لا يصلحه إلا المرض ولو صح لأفسده ذلك فلا يوجد شيء في الكون بدون حكمة وبغير حكمة، فالله هو الحكيم الخبير، سواء علمنا الحكمة أم جهلناها، فالله جل وعلا يقدر بحكمة وعلم.

13- الاستعانة بالله:

ومن ثمار الإيمان بالقدر يعلم العبد يقيناً أن الأمر كله بيد الله خلقاً ومشيئة وتقديراً وإيجاداً، فالمستعان على حصول المراد هو الله وحده دون غيره، ولهذا فهو يستعين بالله على حصول مراده، ولأمر ما كانت سورة الفاتحة تقرأ في كل صلاة، بل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، كما جاء في الحديث الشريف وفي هذه السورة الكريمة، قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5}) (الفاتحة)، فإذا استعان بالله وباشر السبب وحصل المقصود فهذا من فضل الله وإن لم يحصل المقصود لم ييأس المسلم فقد يكون في تأخير حصول المطلوب خير لا تعرف وجهه، فالله يعلم ونحن لا نعلم، وما نعلمه من حكمته تعالى شيء قليل للغاية بالنسبة لما لا نعرفه من هذه الحكمة وعليه -أي على المسلم- أن يجدد السعي مستعيناً بالله ولا يعجز عن ذلك ولا يقبل لو إني فعلت كذا كان كذا، فإن هذا الكلام لا يفيد شيئاً وإنما يفتح باباً لعبث الشيطان.

14- الاعتماد على الله وحده:

صاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الأسباب بيده ولكن اعتماده على الله وحده لا على السبب، وهكذا كان حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اختفى صلى الله عليه وسلم في الغار وهذا منه صلى الله عليه وسلم مباشرة لسبب الخلاص من المشركين ولكن ما كان اعتماده في الخلاص من المشركين على هذا السبب ـ ولا على غيره من الأسباب ـ ولكن كان اعتماده على الله وحده، قال تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40).

فثقة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وسكينته وأمله في الخلاص، إنما كان ذلك بسبب تلك المعية الخاصة المتأنية من اعتماده على الله لا بسبب الاختفاء بالغار، وفي معركة بدر بعد أن نظم صلى الله عليه وسلم الجيش وباشر الأسباب المادية للمعركة رجع إلى العريش المنصوب له يدعو ربه ويكثر من الدعاء لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن النصر بيد الله والاعتماد في تحصيله يجب أن يكون على الله لا على الأسباب التي باشرها وإن كان لابد من مباشرتها، وهذا هو التوكل الصحيح الذي هو من ثمرات الإيمان الصحيح بالقدر، ومن ثمرات التوكل كفاية الله (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).

15- الاعتراف بفضل الله:

الإيمان بالقدر يجعل موقف صاحبه عند فعل الحسنات موقفًا صحيحًا سليمًا تترتب عليه طهارة قلبه من أرجاس كثيرة وبالتالي يستقيم سلوكه وتزكوا أخلاقه، وتفصيل ذلك أن صاحب الإيمان بالقدر يشاهد القدر ويستحضره في ذهنه عند فعل الحسنات وعمل الصالحات وهذه المشاهدة تثمر في نفسه الاعتراف بأن ما صدر منه وهو بمحض فضل الله عليه ليس له فيه شيء، وهذا يؤدي بدوره إلى قمع نوازع الكبر والغرور والعجب بنفسه والمن على الناس ونحو ذلك من الأقذار القلبية، لأن هذه الأقذار إنما تكون في الإنسان لاعتقاده أن فيه من معاني الامتياز على غيره ما يدعوه إلى التكبر عليهم والعجب بنفسه والغرور ونحو ذلك، سواء كانت هذه المعاني أعمالاً صالحة أو عبادة أو فعل حسنات أو قوة أو علماً أو سلطاناً أو مالاً أو كثرة اتباع ونحو ذلك، فإذا شاهد القدر عند فعله الحسنات، أو عند حصول شيء مما ذكرنا في يده، وعلم أن ذلك كله من عند الله وحده وما حصل على يديه هو محض فضل الله عليه، زال منه العجب والكبر والغرور والمنة على الله وعلى الناس، وبالتالي تجره هذه المشاهدة وما يترتب عليها إلى حمد الله وشكره وهكذا يفعل المؤمنون.

16- الاستغناء بالخالق عن الخلق:

ومن ثمرات الإيمان بالقدر الاستغناء بالخالق عن المخلوق والحرص على رضا الله وحده ورجاؤه والخوف منه، والتوكل عليه والاستعانة به وتفويض الأمر إليه والانكسار بين يديه وتبليغ رسالات الله بدون وجل ولا تردد ولا خشية من أحد على وجه الأرض (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً {39}) (الأحزاب).

فالسعيد الذي لا يعنيه إلا رضا الله، ولا يعنيه الشر إطلاقًا، لا يلتفت إلى الخلق، لأنه على يقين أن رزقه بيد الخالق، لا بيد الخلق وأن قلوب الخلق لا تقبل إليه بالحب والبغض إلا بتقدير الخالق، فهذا لا يعلق قلبه بالمخلوقين لا بثنائهم، لا ببغضهم، ولا بذمتهم، ولا بحمدهم، بل يعلق قلبه بربهم جل جلاله، فلا يعنيه إلا أن يقول: قال الله: قال رسوله بما يرضي الله سبحانه لا بما يُحصّلُ به رضا الناس، فمن قال لله لا يخشى في الله لومة لائم، بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، أسعده الله في الدنيا والآخرة.

17- الاعتراف بالذنب والمسارعة للمغفرة والتوبة:

وصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يشاهد نفسه عند فعل السيئات وارتكاب المنهيات ولا يحتج بالقدر على عصيانه لأنه لا حجة لأحد فيه، كما بيّنا، وإنما يرجع إلى نفسه ليوبخها من كبوتها حالاً كما ينهض من الوحل، إذا وقع فيه ويعقد العزم على عدم العودة إلى الذنب، ويتوجه إلى الله بالاعتراف بالذنب بانكسار قلب، وبهذا كله علّمنا القرآن وضرب لنا الأمثال وقص علينا موقف أنبيائه الكرام في مثل هذه الأحوال، قال تعالى عن نبيه آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ {23}) (الأعراف)، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص: 16).

في النهاية يمكن القول: إن المؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أن العاقبة للمتقين وإن قدرة الله في ذلك نافذ لا محالة، فلا يدب اليأس إلى قلبه، لا يعرف إليه طريقًا مهما زادت ظلمة الباطل، وعزاؤه في ذلك علو الهمة والقناعة والسكينة والرضا بالواقع والعمل على النهوض به نحو بناء مجتمع سليم وقوي، ويكسب المرء بذلك سعادة الدنيا والآخرة.

 

المراجع:

1- أحمد القطان، شيخ الإسلام ابن تيمية: جهاده ودعوته، ص 101.

2- عبدالرحمن المحمود، الإيمان بالقضاء والقدر، ص 454.

3- علي الصلابي، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت.

4- علي الصلابي، الوسطية في القرآن الكريم، ص 344.

5- عمر الأشقر، القضاء والقدر، ص 112.

6- القرضاوي، الإيمان بالقدر، ص 88.

7- محمد إبراهيم الحمد، الإيمان بالقضاء والقدر، ص 32.

8- محمد حسان، الإيمان بالقدر، ص 250.

9- محمد قطب، ركائز الإيمان، ص 426.

10- مرعي الحنبلي، الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، ص 34.

11- النووي، شرح صحيح مسلم، 6/ 224 - 225.

الصفحة 1 من 6
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top