مسلمو جمهورية القرم.. والاختيار الصعب

20:34 01 أبريل 2014 الكاتب :   أحمد الشلقامي
لا يزال مسلمو القرم يبحثون عن موقع قدم بعد التغيرات الجيوسياسية التي طرأت على منطقة هجروا منها في يوم ما وعادوا إليها بحثاً عن استقرار

موسكو - المجتمع: د. أحمد عبدالله 

لا يزال مسلمو القرم يبحثون عن موقع قدم بعد التغيرات الجيوسياسية التي طرأت على منطقة هجروا منها في يوم ما وعادوا إليها بحثاً عن استقرار، أصبح اليوم شبه مفقود لعدم وضوح الرؤية لديهم والتغيرات الجسيمة التي حصلت في شبه الجزيرة. 

وبالرغم من التطمينات التي تلقاها مسلمو القرم من روسيا عبر مبعوثين رسميين، وهما رئيسا جمهورية تتارستان السابق "مينتمير شايمييف"، والحالي "رستام مينيخانوف"، واللذان أكدا احترام روسيا لوضعيتهم وتاريخهم ولغتهم، لكن تتار القرم في نهاية الأسبوع الأخير من شهر مارس في المؤتمر العام لمجلس تتار القرم الممثل الرئيس للمسلمين في شبه الجزيرة، طالب بحق تقرير المصير كأقلية إثنية، والحصول على استقلال ذاتي، دون تحديد هل سيكون هذا الاستقلال داخل روسيا الاتحادية أم أوكرانيا.  

استقلال إقليمي

اللافت للنظر أن مجلس تتار القرم أعلن التخلي عن فكرة طرح استفتاء بين سكان شبه الجزيرة على غرار الاستفتاء الذي قامت به موسكو، ووضع المجلس في مؤتمره هدفاً جديداً يتعلق بالحصول على حكم ذاتي، وهو ما اعتبره الخبراء بمثابة تليين لموقف المجلس ومواصلة للمساومة على النفوذ في المنطقة بين الحكومة المحلية الموالية لروسيا والمجتمع المحلي التتاري.

حقيقة أن تتار القرم ينوون السعي للحصول على حكم ذاتي، حكماً إقليمياً وليس ثقافياً، جاء على لسان رئيس مجلس تتار القرم "رفعت تشوباروف" في كلمته أمام المؤتمرين في مدينة "باختشي سراي". ويرى "تشوباروف" أن طلبهم هذا يستند إلى الدستور الروسي والقوانين المتعلقة بالأقاليم الروسية، لكن "تشوباروف" لم يحدد ضمن أي دولة، يمكن إنشاء مثل هذه الاستقلالية، هل هي ضمن أوكرانيا أم روسيا؟ بل صرح بأنه "سيقوم بالتفاوض مع روسيا وأوكرانيا، وأيضاً مع الأمم المتحدة ومجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي".

وقد أشار "تشوباروف" إلى أن الوسيط في المفاوضات مع روسيا سيكون رئيس تتارستان "رستام مينيخانوف"، الذي عبر عن قبوله للقيام بهذا الدور، وقد كان "مينيخانوف" زار قبل الاستفتاء شبه جزيرة القرم، حيث التقى مع قادة المجلس، وكلف حينها بالقيام بمهمة لروسيا وهي الحصول على دعم من تتار القرم في الاستفتاء على ضم شبه الجزيرة إلى روسيا، رئيس مجلس المفتين في روسيا "راوي عين الدين" الذي حضر المؤتمر وعد بتقديم المساعدة في تنظيم اجتماع ممثلي المجلس التتاري مع المسؤولين الروس وعلى رأسهم الرئيس "فلاديمير بوتين".

 

الحكومة المحلية في شبه الجزيرة التي تتابع تصريحات وتحركات مجلس تتار القرم باهتمام وعن كثب، وعدت تتار القرم، عشية المؤتمر، بتوفير مقاعد مضمونة في الحكومة المحلية.. من جهته أعلن النائب الأول لرئيس وزراء شبه جزيرة القرم "رستم تيمورغالييف"، الذي ينتمي لتتار قازان وليس لتتار القرم، بأن الحديث هنا عن حكم ذاتي وطني ثقافي للتتار، وشدد على أن المطلب ليس المقصود منه خلق كيان مستقل بحدود معينة ضمن شبه الجزيرة، وهو أمر اعتبره المراقبون محاولة من "تيمورغالييف" للتظاهر بأن مطالب تتار القرم ليست انفصالية، وأشار إلى أن "مجلس الدولة في شبه جزيرة القرم سيقوم، في بداية الأسبوع، بمناقشة ترشيحات ممثلي مجلس تتار القرم للانضمام إلى الحكومة، ومن المقرر أنهم سوف يتولون مناصب وزير الصناعة ورئيس اللجنة الوطنية لشؤون القوميات، إضافة إلى منصب نائب رئيس الحكومة".

ليونة في الموقف

السيناريو الحالي لعلاقات تتار القرم مع القيادة الروسية عبر عنه رئيس معهد الإستراتيجية الوطنية "ميخائيل ريميزوف" بأنه "أكثر ليونة مما كان عليه في الماضي، المجلس لم يعد يصر على أن شبه جزيرة القرم جزءاً من أوكرانيا، وبعبارة أخرى، فإن المجتمع المحلي التتري يعمل على تحقيق المصالح العرقية الخاصة بدلاً من تحقيق مصالح كييف"، التي في حقيقة الأمر غير واضحة المعالم في تعاملها مع قضية انضمام شبه الجزيرة إلى روسيا، ومع ذلك، يؤكد الخبير، بأن "إنشاء حكم ذاتي منفصل في شبه جزيرة القرم خاص بالعرقية التتارية، أمر غير مقبول بالنسبة للسكان السلاف والجماعات العرقية الأخرى"؛ ولذلك فإن المجموعات العرقية الأخرى مثل "الأرمن واليونانيين و البلغار والألمان وغيرهم ينظرون إلى هذا المطلب بشكل سلبي للغاية. وسيدخلهم، كما يرى "ريميزوف"، في مواجهة مع معظم سكان شبه جزيرة القرم".

المواجهة المسلحة

من جهة أخرى، فمن الناحية العملية، فإن تنفيذ هذه المتطلبات معقد إلى درجة كبيرة، وتكمن في حقيقة أن التتار يستقرون في مناطق مختلفة لا تشكل منطقة واحدة مندمجة ضمن حدود معينة. 

ولذلك يرى المراقبون أن النشطاء السياسيين التتار يستخدمون العامل العرقي كورقة للمساومة السياسية للحصول على أكبر عدد ممكن من الامتيازات، مع اقتناعهم بأن مطلب الحكم الذاتي أمر غير ممكن التحقيق على أرض الواقع، مع تأكيدهم بأن ذلك لن يؤدي إلى نشوب حرب في شبه الجزيرة، نظراً إلى أن مجلس تتار القرم مستعد للتفاوض ولا يطرح مسألة الكفاح المسلح ضد الحكومة المحلية للحصول على مكتسباته، وهو ما أكده "ريميزوف" حيث قال: إنه "على الرغم من تعقد المشكلات؛ فإن روسيا ليست خائفة من حصول مقاومة مسلحة من تتار القرم"، وأضاف "بالطبع، هناك فئة معينة داخل المجتمع التتري قاتلت في سورية، وهناك عدة آلاف من أعضاء المنظمة الإرهابية الدولية "حزب التحرير الإسلامي"، ولكن إذا قام تتار القرم بعمليات تخريب وحرب إرهابية، فإنهم سيصبحون أعداء، ليس فقط أمام سلطات إنفاذ القانون في روسيا، ولكن أيضاً لجماعات الجريمة المنظمة المحلية".

وقد تضاربت أقوال الخبراء حول كيفية رد فعل السلطات الروسية، والتكتيكات التي سوف تستخدمها ضدهم، فإنها إما أن تتعامل بطريقة المواجهة الشديدة، ما يعني إمكانية حصول رد فعل مسلح وموجة من التطرف، أو أنها ستكبح "فراملها" وتستخدم مع هذه الجماعات أساليب ووسائل أكثر ليونة.

وفي هذا الصدد، وبعد الانتهاء من أعمال المؤتمر، أعلن "رفعت تشوباروف"، رئيس مجلس تتار القرم، والنائب في البرلمان عن عدة ملاحظات مهمة في مؤتمره الصحفي اليوم، أعلنا الحق في تقرير المصير لشعب تتار القرم، ونحن نعتقد أن لدينا هذا الحق وهو أمر لا جدال فيه، ننتظر رد فعل البرلمانات والحكومات، وليس لدي أي شك في أن أول المستجيبين لدعوتنا سيكون البرلمان الأوكراني، هل سيناقش البرلمان الروسي أو غيره من الدول المجاورة مطلبنا فهذا ما لا أعرفه، وأشار أيضاً "تشوباروف" إلى أن "هذه الوثيقة (إنشاء الحكم الذاتي المستقل)، الذي ناقشناه ليس اعترافاً بأن شبه جزيرة القرم قد تمت فعلياً ضمها إلى روسيا، أو أن أوكرانيا قد خسرتها تماماً"، وهو ما يعني أن تتار القرم لا يزالون يرفضون، ولو ضمنياً، نتائج الاستفتاء الذي قامت به روسيا في شبه الجزيرة والذي بموجبه تمت إجراءات ضم القرم إلى روسيا.

احتمالات القادم

وبالرغم من أن المسلمين في شبه جزيرة القرم فعلاً في وضع حرج، نظراً إلى انفتاح كل الاحتمالات تجاههم، لكن الأرجح أن يرتفع صوت العقل سواء لدى قياداتهم أو لدى السلطات الروسية، التي تحاول احتواء الموضوع بأي طريقة لحرصها على إرساء الاستقرار المنشود في منطقة أعلنت أنها ستكون منطقة خاصة اقتصادياً واجتماعياً، وترى لها مستقبلاً في جلب الاستثمارات الداخلية والأجنبية، وهو ما يعني استبعاد شبح الحرب أو ردود الفعل غير المحسوبة تجاه مسلمي القرم، ومع ذلك فإن نائب رئيس مركز التكنولوجيات السياسية "روستيسلاف توروفسكي"، يعتقد أنه بسبب مطالب تتار القرم فإن الوضع السياسي في شبه الجزيرة لا يزال إلى الآن غير مستقر، وسوف يظل كذلك لوجود العديد من القادة الراديكاليين: على سبيل المثال، مصطفى جميل (الأب الروحي لتتار القرم) المعروف منذ الحقبة السوفييتية بتوجهاته الانفصالية والراديكالية، والذي سوف يدافع عن مطالبه بجميع السبل الممكنة، بطبيعة الحال، فإن تتار القرم لم تكن لديهم النية بأن يصبحوا جزءاً من روسيا، فأوكرانيا مناسبة لهم، ولذلك هم اليوم في موقف صعب، في شبه جزيرة القرم تشكل بسرعة واقع سياسي جديد، ومن الواضح أنهم لا يستطيعون الاعتراف بوجودهم رسمياً كجزء من روسيا، حسب تعبيره. 

ويعتقد "توروفسكي" أن هناك احتمالين اثنين للمساومة الحالية التي يقوم بها تتار القرم "فلغة تتار القرم ستكون واحدة من اللغات الرسمية، أما على مستوى العلاقات الرسمية فسيتم استقطاب عدد من زعماء تتار القرم إلى السلطة، فالانقسام، كما يقول الخبير، كان دائماً حاضراً في حركة تتار القرم، التي تنقسم إلى راديكاليين وإلى أشخاص مرنين مستعدين للتعاون مع السلطة".. ويرى "توروفسكي" أن "هذا الانقسام في الوقت الحاضر سيزداد، مما سيؤدى إلى تفاقم الوضع الداخلي في حركة تتار القرم، وتبعاً لذلك فإن الجزء الذي لن يقدم تنازلات، سوف يكون أكثر توجهاً نحو التطرف، وهذا يشكل تهديداً خطيراً للغاية". 

إلى أين ستسير الأمور في شبه الجزيرة؟ أمر ستكشفه الأيام القادمة التي نعتقد أنها ستكون حبلى بالمفاجآت، ونتمنى أن تكون سارة للجميع بعيدة عن شبح الحرب الذي سيكون الخاسر فيه الجميع.

 

 

 

عدد المشاهدات 1097

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top