أبيض من الثلج

06:30 06 يوليو 2012 الكاتب :  

وقدر الله أن أسافر لأكمل دراستي العليا في الأردن، وإذ بالثلوج تتساقط علينا من كل حدب وصوب

كنت أتخيل في صغري لون الفتاة الصغيرة التي طالما حكت لي أمي قصتها والتي تضاهي بلون بشرتها لون الثلج، وبما أن الثلوج لا تتساقط في بلادي، فقد كنت أكتفي بالصور التي تقرِّب إليَّ المنظر، وقدر الله أن أسافر لأكمل دراستي العليا في الأردن، وإذ بالثلوج تتساقط علينا من كل حدب وصوب، في السنة الأولى كان المنظر بالنسبة لي مهيباً غريباً، الأجواء الباردة التي تجمد الأوصال، ومنظر السماء في الليل وكأنها مضاءة بالمصباح، والسكون الذي يعم المكان، وفي هذه السنة كان لي مع الثلج حكاية أخرى.

 

 

بما أن الثلوج الكثيفة قد سدت الطرق، وتكاثرت على الأزقة، فقد تعطلت المدارس والجامعات وبعض مراكز العمل لمدة عشرة أيام، ورأيتها مدة كافية للتفكر، والتأمل وسبر أغوار النفس، فإننا حين ننشغل، نشغل عن عمليات التفتيش والتنقيب ونتغافل عن التجديد والتغيير.

بدأت أراقب تساقط حبات الثلج والتي تهطل برقة، وبسرعة متوسطة، من غير أن تحدث أي ضجة أو عويل، ومع ذلك فهي مع تراكمها تُحدث الكثير، والدليل أنها قد سدت الطرق وشلت حركة السير، وأخذتُ أقارنها بحياة الناجحين.. إنهم يركزون دوماً على الإنجاز ولو كان عملاً ضئيلاً ويتطلب دقائق معدودة، ومع تراكمه فإنه يُحدث فارقاً كبيراً في حياتهم.

لذلك كانت ركعتان في الظلمة، وصدقة بشق تمرة، وتسبيحة وتهليلة، وبسمة عابرة، وكلمة طيبة؛ سبباً لإعلاء منزلتك في الجنة وتقربك من رب العزة؛ لأنها بتراكمها تُحدث الفرق وتصنع التغيير.

وجلستُ أتأمل لون الثلج الذي طالما تخيلته ورأيت نقاءه وصفاءه على حقيقته، وأخذتْ ابنتي ذات الأعوام الثلاثة تسألني بلهفة عن مصدر الثلوج، وعندما أخبرتها أنه من عطايا الرحمن، تنبهت إلى قول زميلتي التي علقت على بياض الثلج قائلة: انظري إليه، يهبنا إياه الرحمن نقياً أبيض ثم حينما يختلط بتراب الأرض يتغير ويتبدل، وكذلك انفطرت القلوب ثم تدنست بأفعال البشر! تذكرت حينها على الفور الحجر الأسود المعلق هناك في إحدى زوايا الكعبة المشرفة، إنه شاهد حي لصحة ما تقول.

وتمنيت حينها لو كانت حبات الثلج المتساقطة تمسح ذنوبي المتراكمة، ليرجع قلبي أبيض نقياًً كما وهبني إياه الرحمن.

وبما أن الصقيع قد دبَّ في أوصالي وأنا في عقر داري، وقد لبست الثقيل من الثياب، وأكلت الدافئ من الطعام والشراب، وقد تنعمت بدفء المدافئ والأغطية والوسادات، جلست أتساءل عن حال من توسد التراب، والتحف السماء، أنَّى له أن يصبر في مثل هذه الأحوال؟ ولم يطل انتظاري لأعرف الجواب، فقد أنبأني المذياع أن منهم من فاضت روحه بسبب برودة الأجواء، وانتفضت حينها لأني تذكرت قوله عليه الصلاة والسلام لمن أمر الجُنب أن يغتسل في البرد: «قتلوه قتلهم الله»، ورأيت أن تركنا نصرتهم، وإيواءهم وإمدادهم، يعني باختصار قتلنا لهم.

وأخذتُ أردد على وجل: اللهم ارحم بحالنا وبحالهم، والطف بهم، واجبر تقصيرنا وتخاذلنا في حقهم، ويسِّر لنا طرق نصرتهم وإمدادهم.

وحينما اشتد البرد أدركت أننا لن نشعر بالدفء إلا إذا أحطنا أنفسنا بدفء المشاعر، تحلقت حينها حول أسرتي التي تغربت بسببي، وقدمت بين يدي كعكة دافئة، وجلسنا نتسامر ونتجاذب حلو الحديث، وأخذت أرى جزيل نعم الله علينا حتى في هذه الجلسات الودية الحميمة، فكم من محروم منها، وكم من معرض عنها وهو لا يدرك قيمة ما افتقد!

ومما زاد من دفئي تواصلي مع أحبتي وأخواتي، فقد أضفن معاني أخرى من المرح وروح الدعابة، والإخبار بآخر التطورات الثلجية.

لا أخفيكم أن هذه الأيام القليلة قد أضافت لي الكثير في رصيدي التأملي، وإن تبرم منها البعض، وضاقوا بشدتها، إلا أني قد رأيتها منحة وعطية من رب الأرباب منزل السحاب، وهذا ما أكدته جارتي بعد أن عددت لي فوائد الثلج، ثم أردفت ذلك بقولها: «يا أختي، هذا من عند الله، وكل شيء من عند الله رحمة ونعمة».

اللهم عرفنا نعمك بدوامها، ولا تعرفنا نعمك بزوالها.


  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top