بعد تقليم أظفار الدولة العميقة في تركيا.. الدولة الموازية تكشِّر عن أنيابها

06:30 06 يوليو 2012 الكاتب :   أنقرة: د. محمد العباسي

الحملة ضد الفساد التي بدأت في تركيا يوم 17 ديسمبر 2013م، واستهدفت رجال أعمال محسوبين على الحكومة، وأبناء 3 وزراء تحت زعم استغلال النفوذ، تبدو في ظاهرها حامية لحقوق الشعب، لكن باطنها يحمل مؤامرة دولية وداخلية تستهدف أن تكون تركيا بدون «رجب طيب أردوغان» اعتباراًً من عام 2014م؛ لذا فإن رئيس الوزراء التركي وصف التحقيقات بأنها عملية قذرة لتشويه حكومته وتقويض تقدم البلاد. 

وقال: إن من يقفون وراء التحقيق يحاولون إقامة دولة داخل الدولة، بل وربط «أردوغان» التحقيقات بالاحتجاجات المناهضة لحكومته في الصيف الماضي والمعروفة بأحداث «حديقة ميدان تقسيم»، وإنه بعد فشلهم في تحقيق مآربهم يقومون بخطوة جديدة.

ولفهم ما يحدث في تركيا حالياً لا يمكن فصل التحقيقات عن الانتخابات المحلية التي ستجرى في مارس المقبل، وتشير معظم استطلاعات الرأي العام إلى فوز حزب «العدالة والتنمية» بها؛ ما يعني تجديد الثقة في حكومة «أردوغان»؛ لذا رأى الناقمون على «أردوغان» استخدام بعض العناصر في النيابات العامة ودوائر شرطة مكافحة الفساد للقيام بعملية اعتقالات واسعة النطاق لرجال أعمال وأبناء وزراء تحت زعم استغلال النفوذ، وفي الوقت نفسه، إحداث مواجهة داخل الصف الإسلامي لتفتيت أصواته من خلال التأسيس لمواجهة بين حزب «العدالة والتنمية» وجماعة «فتح الله جولان» الإسلامية التي تسيطر على قيادات في وزارة الداخلية ومواقع حساسة في النيابة العامة، إذ تم استخدام بعض هذه العناصر لإحداث الوقيعة على خلفية قرار الحكومة بإغلاق المدارس التي تعد الطلاب لدخول الجامعات والمعروفة باسم «الدرسانة»، وهي المدارس التي تسيطر على أغلبيتها الجماعة، ووفقاً للأرقام المتداولة وليست الموثقة، فإنها تقدم دخلاً يقارب 5 مليارات دولار للجماعة.

وبتحليل ما سبق، فإن حكومة «رجب طيب أردوغان» هي أول من بدأ حملة مكافحة الفساد في تركيا، وقضت على المافيات والاحتكارات، بل إن «أردوغان» أكد أن ابنه لو ارتكب فساداًً لكان أول من يقدمه للعدالة، وبفضل حملة مواجهة الفساد التي نجح فيها «أردوغان» بدأت الاستثمارات تتدفق على تركيا من الغرب والشرق، وتحققت النهضة الاقتصادية التي يتحدث عنها العالم أجمع؛ إذ أصبحت تركيا في المرتبة الـ15 اقتصادياً، وسعى «أردوغان» لوضعها في المرتبة العاشرة خلال سنوات معدودة، فالاستثمار الأجنبي والنهوض الاقتصادي لا يمكن أن يتحققا في بنية فاسدة، وهذا لا يعني عدم وجود عناصر فاسدة تنمو بين الحين والآخر وتقوم الحكومة بانتزاعها بشكل دائم.

لكن طريقة بدء الحملة الأخيرة، والتي لا يعلم بها رؤساء من قاموا بها، وطريقة تغطيتها إعلامياً، تشير إلى عنصر المؤامرة، إذ فقَدَ الاقتصاد التركي خلال أيام معدودة مائة مليار دولار؛ بسبب المخاوف التي نتجت عنها، وهذا ما أشار إليه «أردوغان» بقوله: «في وقت نكافح فيه لجعل تركيا ضمن العشر دول الأولى في العالم، ينخرط البعض في جهود لوقف نمونا السريع، وهناك الموجودون في الخارج وهناك امتدادات في الداخل».

بل إن «بولنت أرينش»، نائب رئيس الوزراء، أكد في بيان عقب اجتماع لمجلس الوزراء أن الحكومة لن تدافع عن أي شخص يثبت تورطه في قضية الفساد وتلقي الرشوة، ونفى أن تكون «حركة الخدمة»، في إشارة إلى «جماعة فتح الله جولان»، لديها علاقة بالتحقيقات، مشيراً إلى أن الحركة جماعة نزيهة، وتقدم خدمات جليلة لتركيا، وأنهم يكنون لها الاحترام والتقدير.. وكلمات «أرينش» لا تعني عدم تورط منتسبين في الحركة في عملية التشويه، لكنه يتحدث عن قيادة الحركة وجمهورها العريض في محاولة لتفويت الفرصة على من يسعون لحدوث صدام بين الحركة وحزب «العدالة والتنمية»، خصوصاً وأن التحقيقات لم تنتهِ بعد؛ لذا فإن جريدة «جمهوريت» اليسارية العلمانية خرجت علينا بعناوين حول خطة الحكومة لتصفية عناصر «جماعة فتح الله جولان» في دوائر الدولة المهمة، وتحول الإعلام العلماني بقدرة قادر إلى مدافع عن هذه الجماعة التي طالما نكلوا بها معنوياً!

لذا، فإن «أورهان أرديملي»، محامي «جولان»، نفي في بيان صحفي علاقة موكله بالتحقيقات، وليست لديه معلومات بشأنها، إلا أن أول تعليق مسجل على الإنترنت لـ«جولان» يوم الجمعة 20 ديسمبر يؤكد علمه بمجريات الأمور، وقد يكون مشاركاً فيها؛ إذ دعا «فتح الله جولان» الله تعالى أن ينزل عقابه على المسؤولين عن حملة تطهير ضباط الشرطة والنيابة التي تقوم بها الحكومة حالياً، إذ قال بالنص: «أولئك الذين لا يرون اللص ويتعقبون من يحاولون الإمساك به، والذين لا يرون جريمة القتل، ويحاولون تشويه الآخرين باتهام الأبرياء، اللهم احرق بيوتهم وخرِّب ديارهم وفرِّق جمعهم».

ويبدو أن الجماعة أو بعض قياداتها يقومون بدور حزب «النور» السلفي في مصر عندما تم تحالفهم مع العلمانيين للإطاحة بالرئيس الشرعي «محمد مرسي» وإنهاء حكم الإخوان في مصر، بل وقدمت حركة «جولان» فرصة ذهبية للمعارضة العلمانية للنيل من الحكومة، وإقامة «جولان» في الولايات المتحدة الدائمة وارتباطاته المعلنة بالحاخامات الإسرائيليين تحت زعم المحبة والتسامح؛ تعزز من احتمالات أبعاد تحركه مع القوى التي تستهدف «أردوغان».

والتحقيقات التي طالت مصرف «خلق» تشير إلى البعد الدولي للمؤامرة ضد «أردوغان»، إذ تقدم 47 سيناتوراً أمريكياً قبل رفع الحظر جزئياً عن إيران بطلب وضع البنك في قائمة المنظمات الداعمة للإرهاب؛ لأن إيران استخدمت هذا البنك في عملية مواجهة الحظر الدولي، واستخدمته طهران في عمليات تجارة ذهب تقدر بـ80 مليار دولار؛ لذا فإن زيارة «ديفيد كوهين»، مستشار وزارة الخزانة الأمريكية، والمشرف على تطبيق العقوبات على إيران، لإسطنبول بالتزامن مع التحقيقات، ولقاءه مع مصرفيين أتراك شرح لهم طريقة الحظر المفروض على إيران والإجراءات التي سيتم اتخاذها في ذلك الصدد تشير إلى حجم المؤامرة، خصوصاً وأنه لم يزُر أنقرة من قبل.

بل إن الكاتب الإسلامي «عبدالرحمن ديلباك»، أشار في مقال له بجريدة «أكيت» إلى أن هناك سيناريو يستهدف تشويه 40 نائباً من حزب «العدالة والتنمية» من خلال نشر فيديوهات خارجة عن العرف لإجبارهم على الاستقالة من الحزب بعد تشويههم؛ وبالتالي تدميره، وهو ما يتحدث عنه ناشطون عبر شبكة التواصل الاجتماعي دون أدلة، في إطار حملة الافتراءات الممنهجة التي تتحدث أيضاًً عن استقالة نواب جماعة «جولان» من الحزب؛ وبالتالي إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الحركة القومية» بدعم من هؤلاء النواب أيضاً، على أن يتم تأجيل الانتخابات المحلية وإجراؤها بالتزامن مع عملية الانتخابات الرئاسية، هكذا هو السيناريو الذي يتوقعه «ديلباك».

لكن الوعي الشعبي لحجم المؤامرة، ونجاح الحكومة في احتواء آثارها من خلال عمليات مواجهة مع الدولة الموازية التي نمت وترعرت أثناء انشغال «أردوغان» بالقضاء على الدولة العميقة، سيُفشلان هذه المؤامرة الدولية للإطاحة بـ«أردوغان» والتي تشارك فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني خارجياً، وعناصر من «جماعة فتح الله جولان»، والأحزاب العلمانية واليسارية، فهؤلاء جميعاً يسعون لأن تبقى تركيا في قفص التبعية للغرب.


  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top