طباعة

    المسيح

20:05 23 يوليو 2012 الكاتب :  

يحتفل مسيحيو العالم هذه الأيام بما يعرف بـ«عيدالميلاد المجيد»، وهو عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، حيث يحتفل به مسيحيو الغرب يوم 25 ديسمبر، في حين يحتفل به مسيحيو الشرق يوم 7 يناير، وتفسير هذا الخلاف يدعونا لأن نقوم بإطلالة جديدة على حياة المسيح.

كلمة «المسيح» من الفعل «مسح»؛ ويقال: «مسح الأرض»؛ أي حدَّ أبعادها، ومنها «المسَّاح» الذي تكون حرفته قياس الأبعاد لمساحات معينة في الأرض وتحديدها.. و«مسح الأرض» تأتي أيضاً بمعنى جـال وصـال فيـها، أو بمعنى «ساح في الأرض»؛ أي تنقَّل بيـن جنباتها.. و«مسح الشيء» يعني أزال ما عليه من أوساخ أو ما شابه ذلك، ومنها «ممسحة»، ومنها ماسح الزجاج أو أي سطح ذي لمعة وتعلق به أوساخ.

و«المسيح» هو لقب نبي الله ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام، وجاء لقبه بـ«المسيح» إما لأنه ساح في الأرض، أو لأن رسالته انتشرت في كل الأرض، ونرى أن هذا تفسير ضعيف، وأن الصواب هو جاء «ماسحاً» ومزيلاً ومطهراً ما علق ببني إسرائيل من القبائح والرذائل.

فلقد بعث الله عيسى عليه السلام في قوم غضب الله عليهم، وما فعلوا من المنكرات ما لم يقتـرفها أحد قبلهم أو حتى بعدهم، فهم قوم «مجرمون» ولا يتسـع المقـام هـنا للحديث عن إجرامهم وقبائحهم في مناسبة الحديث عن مولد المسيح، الذي جاء سبباً من الله ليمسح به ما علق في نفوس هؤلاء القوم من منكرات استحسنوها، وقبائح طابت لها أنفسهم، وفتن استمرؤوها، وأباطيل زينوها لأنفسهم.

وهو عند أتباعه يسمى «يسوع»؛ وهي تعني في اللغة العبرية «المخلص»، وقد ورد ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام في القرآن الكريم 25 مرة في 25 آية كريمة، كما وردت كلمة «المسيح» في القرآن الكريم 11 مرة.

متىولدالمسيح؟

ميلاد السيد المسيح عليه السلام المفروض أن يكون قد مر عليه الآن 2014 سنة، باعتبار أن مولده يؤرخ به في أغلب بلدان العالم، على أساس أن سنة (1) من هذا التقويم هي السنة التي ولد فيها المسيح.

لكن لا يجوز أخذ هذا الكلام على إطلاقه، فليس ذلك بحقيقة مؤكدة، وإنما هي «حسبة» تقريبية، ذلك أن مولد المسيح لم يتخذ أساساً لحساب السنين إلا بعد مولده بفترة زمنية تتراوح ما بين خمسة وستة قرون، حيث عاش في تلك الفترة راهب يدعى «دينوسيس الصغير»، وحسب السنوات التي مرت على مولد السيد المسيح، فوحدها - طبقاً لحسابه هو - 532 سنة، ومن يومها بدأ اتخاذ ميلاد المسيح أساساً لتأريخ كل الأحداث.

ويتفق أغلب - إن لم يكن كل - المؤرخين ورجال الدين المسيحي أيضاً على أن السيد المسيح ولد قبل ذلك بعدة سنوات، والأدلة على ذلك كثيرة، منها أنه ولد في زمن «هيرودوس» الطاغية الروماني الذي كان يحكم هذا الإقليم من الإمبراطورية الرومانية، والثابت أن «هيرودوس» مات قبل الميلاد - بحسابه هذا - بأربعة أعوام، إذن فالحساب الحالي لتاريخ ميلاد المسيح غير دقيق، والمفروض أنه ولد قبل ذلك بزمن يتراوح بين 5 و7 سنوات.

ويستخلص مما تقدم أن مرور 2014 سنة على مولد السيد المسيح - في وقتنا هذا - هو رقم تقريبي، وليس ثابتاً على وجه اليقين، وذلك لطول المدة الزمنية الممتدة بين ميلاده وبين بداية اتخاذ سنة ميلاده حساباً للأحداث، وهي تزيد بكثير على خمسة قرون في زمن لم يكن فيه أيّ من مظاهر المدنية التي نراها اليوم تسجل الأحداث ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة، وإنما كان المصدر الوحيد لذلك هو الروايات المتناقلة من على الألسنة جيلاً بعد جيل.

وبالنسبة ليوم ميلاده، فالمنتسبون إليه في الغرب يحتفلون به في يوم 25 ديسمبر، أما عندنا في الشرق فيُحتفل بميلاده في السابع من يناير من كل عام.

قصةميلادالمسيح

المسيح عيسى ابن مريم - عليه وعلى أمه السلام - ينتسـب إلى مريم ابنة عمران، وآل عمران ينتسبون إلى آل إبراهيم عليه السلام، وآل إبراهيم ينتسبون إلى آل نوح عليه السـلام، وآل نوح ينتسبون إلى آدم عليه السلام، ذرية بعضها من بعض، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه القرآن الكريم في سورة آل عمران: { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ {33} ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {34}}(آل عمران)، هذا عن أمر مريم وأمها - رضي الله عنهما - أما عن مولد المسيح عليه السلام، فقد ذُكر تفصيلاً في سورة «مريم».

ومن قراءة النص القرآني، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد خص عيسى ابن مريم بعدة أمور من قبيل «المعجزات» التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، كل بحسب ظروف عصره وطبيعة القوم المبعث إليهم، وكان ميلاد عيسى ذاته بغير أب هو أعظم إعجاز خصه به، وتلك قدرة الله تعالى الذي خلق آدم من التراب، وتكلم عيسى في المهد، فكان أحد ثلاثة أعانهم الله على ذلك، وأحيا الله الموتى على يد عيسى، وقد أحيا الله من قبل ميتاً على يد نبيه موسى عليه السلام في قصة البقرة المعروفة حتى أخبر بقاتله ثم مات مرة ثانية، وأشفى الله المرضى على يد عيسى، فمنهم من كان كفيفاً فأبصر، ومن كان أبرص فبرئ، وأوحى الله إليه بعلم بعض الأمور من الغيبيات الدنيوية النسبية، وهي أمور لم يخص الله بها أحد من عباده غير رسله المبعوثين.

وعيسى عليه السلام كان نبياً رسولاً، لكن رسالته لم تكن تحمل في طياتها منهج حياة متكاملاً، ولم يرسله الله بشريعة تغطـي كافة جوانب الحياة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي، ولم يأتِ بقواعد تحكم العلاقات والمعاملات بين البشر، وإنما كانت رسالته «أخلاقية» خالصة، كانت دعوة حب سامية، فهو وبحق صاحب أعظم دعوة للحب والتسامح ونبذ الشر والكراهية بين البشر، لأن عيسى عليه السلام أرسله الله إلى بني إسرائيل بما عُرف عنهم من صفات لا يكفي ما في كافة معاجم كل لغات البشر من نعوت قبيحة للتعبر عنها، فهم قوم مفسدون وعدوانيون، شهيقهم الحقد والغل، وزفيرهم البغضاء والكراهية، مفطورون على الإجرام، فيجيدونه بدون معلم، لا يرتـاح بالهم إلا إذا نكلوا بالآخرين، إذا أكرمتهم تمردوا، وإن ضربتهم بالنعال فوق أمهات رؤوسهم يهابوك! يحبون الدنيا ومتاعها، وفي سـبيل ذلك يقترفون ما شاء لهم وما أمكن لهم أن يقترفوه، غايتهم امتلاك الأرض والتسيد عليها لاستعباد من ليس منهم، وكل الوسائل أمامهم مباحة للوصول إلى غايتهم رغم أن غايتهم أكبر بكثير من حجمهم ومن إمكاناتهم.

من هنا أرسل الله عيسى عليه السلام بينهم ليكون آخر أنبيائهم الذين لا تستطيع حصرهم، فهم ولشدة فسادهم أرسل الله إليهم من الأنبياء والرسل ما لم يرسل لباقي أمم الأرض كلها، وكانت عادتهم أن يقتـلوا كل نبي يبعـثه الله فيهم، ومن لم يقتلوه يرجمونه، ومن ينجح من هذا وذاك يتعرض لصنوف وألوان من الإهانات والافتراءات ما تذهل النفس عند الإحاطة بها علماً.

من هنا كان بعث عيسى آخر رسلهم مؤيداً من الله بمعجزات خارقة حتى يصدقوه ويؤمـنوا به، فأطلق عليه من آمنوا به «يشوع» بمعنى «المخلص» وهي التي تُنطق حالياً «يسوع».

عاش عيسى عليه السلام سنوات عمره بين بني إسرائيل، سياحاً جوالاً في الأرض يدعو إلى المعروف وينهـى عن المنكر، دعوته هي الحب والتسامح، ونبذ شهوات الدنيا، والتطلع إلى نعيم الآخرة الخالد.

نهايةحياةعيسىعلىالأرض

ولأن الغدر من شيم اليهود منذ أن خلقهم الله.. غدر اليهود بعيسى ابن مريم ذلك الرسول الذي بعثه الله ليعلمهم مبادئ الأخـلاق، ويبث فيهم المثل العليا، فلم يرُق ذلك لهم، فكـان أن وشى به اليهود إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان، فأمر الملك «داود بن فودا» بقتله وصلبه.. وعليه حاصره رجاله من اليهود في بيت المقدس عشية يوم جمعة، فلما حان وقت دخولهم عليه ألقى الله شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا في مجلسه، ورفعه الله تعالى من فتحة في سقف المسجد أمام كل الحاضرين، فلما دخل اليهود أمسكوا بالشاب الذي ألقى الله تعالى بشبه عيسى عليه ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ {54}}(آل عمران).

وعلق المجرمون هذا الشاب شبيه عيسى على الصليب سبعة أيام وهم يظنون أنه عيسى، وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة «النساء»: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً {157} بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً {158}}(النساء).

بولـس.. وعبادةالمسيح 

جاء بعد خروج المسيح من الدنيا بزمن، أحد أحبار اليهود، ذلك المسمى «بولس الرسول»، وما هو برسول مرسل من عند الله، ولا حتى هو بنبي، إنما هو رجل يهودي ترهبن، وعبَدَ المسيح عيسى، وأسس ديناً جديداً من عنده منسوباً إلى المسيح، وهو أول من نادى بعبادة المسيح، وقال: إن المسيح هو «ابن الله»! ونعوذ بالله من غضبه أن كتب قلمنا الضعيف هذه الجملة، وأستغفر الله لي ولكل من يقرأ هذه الجملة التي تنسب إلى الله بُنوّة هو منزّه عنها، ولولا أن هذه الجملة موجودة في القرآن الكريم وفي سُنة خاتم المرسلين - عليه أفضل الصلوات والتسليمات - لمـا تجرأت على كتابتها.

ويصور القرآن الكريم هول وبشاعة هذا الزعم فيقول في سورة «البقرة»: { وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ {116} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ {117}}(البقرة).

الصليب.. أصلالحكاية

لما صلب اليهود شبيه عيسى على صليب خشبي، ألقوا جثـة المصلوب والصليب الخشبي في مكان نجـس، تُلقى فيه القمامة وجيف الميتات والحيوانات النافقة.. وظل هكذا أكثر من 300 عـام حتى زمن الإمبراطور الروماني قسطنطين ابن قسطن (باني مدينة القسطنطينية)، إذ انشغلت أمه «هيلانة» بقصة صلب المسيح هذه، وبحثت في آثاره حتى وصلت للموضع الذي رميت فيه هذه «الخشبة» التي أخذت شكل الصليب، وكانت مدفونة تحت أكوام من القاذورات.

قيل: إن كل من لامس هذه الخشبة وكان ذا مرض شُفي وعوفي.. وقد يكون هذا صحيحاً كنوع من الابتلاء الإلهي، ليعلم الله أياً من عباده الأقوى إيماناً، فلا ينصرف عنه إلى هذه الأوثان، إلا أن الغالبية عظَّموا هذه الخشبة، وعبدتها طائفة منهـم، ومن لم يعبدوها عظموها وازدادت تعظيماً مع مرور الأزمان حتى صارت نداً للإله، وجعلوها رمزاً لعقيدتهم وشعاراً لهم، وأصبحت تصنع من الذهب والمعـادن النفيسـة وتطعـم بالماس والأحجار الكريمة.. يتبركون بهذا الشكل «الصليب» وكأن هذا الشيء الذي تصنعه أيدي البشر هو النافع والضار، وهو الذي يجلب المنافع ويدرأ الأخطار، ويوسع الأرزاق، ورغم ما وصل إليه الإنسان في هذا الزمن من علم وحضارة ومدنية، فإن هناك سـواداً أعظم مازالوا يعتقدون في هذه البدعة الغريبة، التي ما قال بها خالق السماوات والأرض، ولا أرسل الله المسـيح لصرف الناس إلى وثن، وإنما كل نبي كان يدعو إلى عبادة الله عبادة خالصة خالية من أي عقائد أخرى باطلة، وإذا دققنا في أصل هذه البدعة سنجد أن وراءها اليهود الذين يعملون على هدم الأديان ببث العادات الوثنية بين الناس، كما فعلوا مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأشاعوا بين المسلمين بناء القباب والمقامات وإقامة «الموالد» حول هذه الأضرحة، وصرفوا المسلمين عن عبادة الله إلى التبرك بهذه الأضرحة التي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، فكيف تملك للغير النفع والضر؟!

أمرت الإمبراطورة هيلانة بإزالة القمامة من ذاك المكان، وإلقائها فوق الصخرة التي كانت قبلة اليهود، ثم شيدت كنيسة ضخمة فخمة مزينة بكافة أنواع الزينة والرسوم والصور، أطلق عليها في البداية «كنيسة القمامة» نسبة إلى المكان الذي أقيمت فيه، ثم تغير اسمها بعد ذلك إلى «كنيسة القيامة» على أساس أن جسد المسيح سيقوم منها! وأقام الإمبراطور «قسطنطين» كنيسة فخمة في بيت لحم محل ميلاد المسيح عليه السلام، واعترف بالمسـيحية ديناً مسموحاً به ضمن الديانات الأخرى في الإمبراطورية الرومانية.

وفي عام 380م أصدر الإمبراطور الروماني «تيودوسيوس الأول» مرسوماً بجعل المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، ثم أصدر مرسومين في عامي 392 و394م حرم بهما كافة العبادات الوثنية الأخرى.

 

 

بعد انتشار المسيحية كدين رسمي للإمبراطورية الرومانية على امتداد أطرافها، حدث مع بداية القرن الخامس الميلادي خلاف كبير بين كنيسة الإسكندرية بمصر وكنيسة القسطنطينية، إذ اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، إذ قالت الكنيسة المصرية بأن للمسيح طبيعة واحدة (بشرية)، في حين ذهبت كنيسة القسطنطينية إلى أن للمسيح طبيعتين (بشرية وإلهية)، وأقر مجمع «حلقدونية» الديني بالقسطنطينية بأن للمسيح طبيعتين، وأن مذهب الكنيسة المصرية كفر وخروج على الدين الصحيح، وقرروا حرمان «ديسقورس» بطريرك كنيسة الإسكندرية من الكنيسة، لكن بطريرك الإسكندرية ومعه كل مسيحيي مصر رفضوا ما أقره بطاركة القسطنطينية، وأطلقوا على أنفسهم «الأرثوذكسيين»، وهي كلمة يونانية معناها أتباع الديانة الصحيحة، ومازال غالبية المسيحيين في مصر من أتباع هذا المذهب.

موضوعات ذات صلة