مستقبل الجنرال "مشرف"

20:16 07 أبريل 2014 الكاتب :   باكستان: ميديا لنك
عد أن أدانته المحكمة العليا واعتبرته مذنباً، ووجهت إليه تهمة "الخيانة العظمى" التي تعني في القانون الباكستاني حكم الإعدام أو المؤبد

عاد الحديث مجدداً عن الرئيس الباكستاني السابق الجنرال المتقاعد "برويز مشرف" بعد أن أدانته المحكمة العليا واعتبرته مذنباً، ووجهت إليه تهمة "الخيانة العظمى" التي تعني في القانون الباكستاني حكم الإعدام أو المؤبد في أقل التقدير، وأصدرت المحكمة العليا حكمها في حق "مشرف" يوم الإثنين 31 مارس 2014م، واعتبرته شخصاً مذنباً يستحق عقوبة قاسية، وأعلنت المحكمة العليا أن "مشرف" قد عطل دستور البلاد في نوفمبر2007م، وفصل قاضي القضاة وجميع قضاة المحكمة من مناصبهم بطريقة غير دستورية وغير قانونية، وأراد أن يفرض رأيه على البلاد؛ الأمر الذي عرضها للخطر والفتن وهدد مؤسسات الدولة برمتها.

وبناء على هذه الاتهامات جرى إدانته بتعريض أمن البلاد للخطر؛ وهذا يعني في عرف القانون في باكستان "الخيانة العظمى"، وأعلنت المحكمة أنها تنتظر الطعن من محامي "مشرف" على الحكم والدعوة إلى استئنافه، حيث أمهلته فرصة للدفاع عن نفسه وتقديم أدلته بأنه غير مذنب، وفي حالة لم يطعن في الإدانة وحكم المحكمة فإنها ستقوم بإصدار حكمها الأخير في حق "مشرف"، وستوجه إليه حكم الإعدام نظير خيانته للدولة، وسينتظر بعدها موقف الرئيس الباكستاني حيث يسمح له دستور البلاد وقانونها بإصدار عفو عن المتهم وإنهاء عقوبته أو التصديق على العقوبة التي أصدرتها المحكمة العليا، وتحدث الرئيس الباكستاني "ممنون حسين" أنه سيتشاور مع رئيس الوزراء "نواز شريف" حول إصدار عفو عن "مشرف" أو عدمه بعد أن أدانته المحكمة العليا. 

وكان "مشرف" قد قدم طلباً بالسماح له بمغادرة البلاد بشكل مؤقت لرؤية والدته التي ترقد في العناية المركزة في الإمارات بعد أن تدهورت صحتها؛ بسبب سماعها نطق المحكمة على ابنها "مشرف"، ومازال ينتظر أن توافق المحكمة على السماح له بمغادرة باكستان باتجاه الإمارات ليجتمع بوالدته ويزورها في المستشفى، وكانت تقارير باكستانية قد تحدثت أن دولة عربية لم تسمها بأنها أرسلت طائرة خاصة لنقل الرئيس السابق من مقره في روابندي إلى الإمارات ضمن موافقة المحكمة على عيادة والدته وموافقة الحكومة لدواع إنسانية على المغادرة. 

وتقول التقارير: إن ساعة انتهاء ملف "مشرف" المعقد قد قربت، ويظهر أنه في مواجهة سيناريوهات، وهي:

- إما أنه سيواجه حكم الإعدام بعد إدانته بالخيانة العظمى، ثم تتدخل الحكومة لتخفيف الحكم الصادر في حقه حتى تظهر أنها تحترم القيم الإنسانية، وأنها لا تريد أن تظهر بأنها تنتقم منه بسبب ما صنعه مع "شريف"، وقد يصل الموقف الرسمي إلى إصدار عفو شامل عن "مشرف" والسماح له بالانتقال إلى الإمارات ومغادرة باكستان نهائياً، وبعد الحديث عن تدهور صحة والدته ووصول طائرة خليجية إلى مطار روابندي والإشارات الصادرة عن صناع القرار، فإن المشهد بات يتزايد بأن هناك قراراً بالعفو عنه بعد محاكمته والسماح له بمغادرة باكستان.

- وتذهب تحليلات أخرى إلى القول: إنه سيصدر في حقه حكم مشدد ليتم تخفيفه، وسيقضي سنوات قادمة في السجن نظير ما ارتكبه خلال حكمه بين عام 1999 و2007م من تعريض استقرار البلاد للخطر، لكنه سيقضي من العقوبة بعض الوقت ليتم العفو عنه رسمياً؛ وبالتالي تكون الحكومة قد حافظت على ماء وجهها ومنعت المسلحين من الانتقام، حيث ستجعلهم ينسون الثأر بعد طيها ملف "مشرف" وسجنه لبضع سنوات على أن تنهي باقي عقوبته وتخرجه من السجن.

ويقول المراقبون: إن السلطة الحالية تدرك جميع التهديدات المرتبطة بقرارها القادم إزاء "مشرف".. فهي لا تريد الظهور بأنها تصدر قرارات انتقامية ضده، وتريد أن تحافظ على شعار دولة القانون لا غير، كما أنها لا تريد الظهور أمام المجتمع الدولي وأصدقائها الخليجيين أنها رضخت للمسلحين والإسلاميين المتشددين المطالبين بإعدام "مشرف"؛ إذ إن هذا الأمر سيعطي انطباعاً بأن حكومة "شريف" أرادت إرضاء الانفصاليين في بلوشستان، و"أنصار المسجد الأحمر"، وحركة "طالبان"، و"تنظيم القاعدة" ولبت طلباتهم بإعلانها الإعدام لـ"مشرف"، ويقول الخبراء: إن "شريف" درس الأمر من كل جوانبه دون أدنى شك، وإنه سيحاول إرضاء الجميع وخاصة المجتمع الدولي وأصدقاء باكستان خاصة الدول الخليجية؛ وبالتالي فإنه لا يتوقع أن يتم إعدام الجنرال السابق ولا حتى تغييبه في السجن وإلى الأبد.. ويقول المعلقون السياسيون: إن هناك طرفاً آخر يمثل صناعة القرار في باكستان؛ وهو الجيش الذي سوف لن يقبل بحكم قاسٍ ضد أحد قادته السابقين، وهذه هي المرة الثانية التي تشهد باكستان حكماً قاسياً بحق أحد قادتها الكبار؛ حيث سبق أن تم الحكم على رئيس باكستان الأسبق "ذو الفقار علي بوتو" في السبعينيات من القرن الماضي بالإعدام في زمن حكم الجنرال "ضياء الحق"، وجرى تنفيذ الحكم عليه رغم تدخل دول عدة في العالم العربي والإسلامي ووساطات على أعلى مستويات، وتقول التقارير: إن هناك اليوم وساطات ودعوات لمنع هذا الحكم في حقه، وهناك حتى صفقات سرية يجري الإعداد لها في السر، وإنها قد طبخت فعلاً وستظهر على حقيقتها خلال الفترة القادمة، ولا يتوقع أن يتسامح أصدقاء "مشرف" ويتركونه يواجه هذا الحكم القاسي. 

وأياً يكن الأمر، فإن السلطة اليوم تواجه متاعب بسببه، وتواجه اختباراً كبيراً، وسيمثل القرار الذي سيقرره "شريف" إزاء "مشرف" مستقبل السلطة الحالية؛ إذ إنها في حالة قررت الذهاب إلى النهاية مع "مشرف" وقررت إعدامه فعلاً ورفضت الاستماع إلى نداءات الأصدقاء لباكستان وإلى المنظمات الدولية وغيرها؛ فإن "مشرف" قد يضع نفسه في موضع لا يحسده عليه أحد، والأسوأ هنا أن العلاقة بين الجيش والحكومة المدنية قد تنفجر وتشهد تصعيداً سيكون الخاسر الرئيس فيه هو "شريف"، وسيعرض مستقبل الديمقراطية للخطر؛ إذ إن احتمالات عودة الانقلابات العسكرية إلى باكستان ستكون غير مستغربة، وفي حالة قرر "شريف" التصعيد فإنه قد يمنح الضباط الساخطين مبرراً لعودتهم إلى السلطة، وستكون هذه المرة أسوأ؛ لأن "شريف" سيدفع ثمناً باهظاً قد تكون حياته، وكان الجنرال "ضياء الحق" قد دفع ثمن إعدامه "ذو الفقار" حياته نفسها، حيث جرى قتله بطريقة شارك فيها الجميع حتى لا يقع دمه على طرف بعينه، ولم يتوصل إلى معرفة من يقف وراء مقتله، رغم مرور 26 عاماً، ويبدو أن "شريف" يقف على هذا التاريخ ويعرف أكثر من غيره ما ينتظره في حالة قرر ارتكاب هذا النوع من "الأخطاء"، ويعرف "شريف" أن طريق الحفاظ على عرشه ومملكته اليوم يمر عبر عدم التصعيد مع الجيش، وعدم الذهاب معه إلى النهاية، ومعرفة موازين القوة في البلاد، والعمل على عدم منح فرصة لخصومه حتى يتحدوا مع بعضهم بعضاً ضده، ويجد نفسه يواجه الجميع، ومشكلة "شريف" أنه سبق له في ولايتين من حكمه أن فتح على نفسه عدة جبهات، ودخل في مواجهة مع الجميع، وبات يحارب على عدة مواقع حتى وجد نفسه خارج اللعبة ومطروداً منها؛ إذ إنه لم يتمكن من إكمال حكمه؛ بسبب عقليته الشمولية وانفراده بالقرار السياسي؛ إذ إنه حكم باكستان لمدة عامين ونصف عام في أول مرة تولى فيها السلطة في عام 1991م، ثم جرى إبعاده عن الحكم عبر انقلاب عسكري بقيادة "مشرف" في عام 1999م، ويقول المراقبون: إن "شريف" إذا كان قد تعلم الدرس فإنه لن يكرر أخطاءه من جديد، ولن يعطي لخصومه أي فرصة للإطاحة به وتغيير نظام حكمه، وإذا كان قد عرف اللعبة السياسية جيداً؛ فإنه من المستبعد أن يُدخل حكومته في مواجهة جديدة مع العسكر وصناع القرار في باكستان، وسيسعى إلى حماية نفسه وحكومته حتى تكمل مدتها القانونية وهي 5 سنوات كاملة بمثل ما صنعه "آصف زردراي" الذي واصل حكمه حتى نهايته لأول مرة في تاريخ باكستان؛ بسبب حنكته ومهارته ومعرفته بقواعد اللعبة السياسية، رغم أنه دخل إليها في آخر الوقت ولم يكن يتمتع بتلك التجربة الكبيرة كما هي الحال مع "شريف". 

 

عدد المشاهدات 1634

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top