قتل جماعي للمسلمين في أفريقيا الوسطى

17:04 08 أبريل 2014 الكاتب :   د. محمد البشير أحمد موسى
لفرنسا سوابق في الانقلابات العسكرية في أفريقيا، ومساندة الأنظمة الدكتاتورية ضد التوجهات المعادية لسياساتها

استمراراً للعملية العسكرية الفرنسية في أفريقيا الوسطى المسمىاة «سانجاريس»، وافق نواب الجمعية الوطنية، الثلاثاء 25 فبراير 2014م على تمديد العملية العسكرية الفرنسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحصل قرار التمديد على موافقة 428 صوتاً مقابل معارضة 14 فقط، وامتناع 21، وسيسري هذا القرار اعتباراً من الأول من أبريل القادم 2014م. 

 

وقد تناولت وسائل الإعلام المختلفة تدشين الرئيس «فرانسوا هولاند» يوم الثلاثاء 18 فبراير 2014م لنصب تذكارية لجنود مسلمين ضحوا من أجل فرنسا في الحربين العالميتين، وغطى الحدث معظم وسائل الإعلام العالمية.

وفي قراءة توقيت الحدثين، يدرك المرء أن فرنسا ماضية في سياستها المعادية للمسلمين في أفريقيا الوسطى، وأن الساسة البرلمانيين وافقوا على الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية في أفريقيا الوسطى، حيث يتمّ قتل مسلمين آخرين وتحت أعين القوات الفرنسية، وبتواطؤ فرنسي، حسب شهود العيان، ووسط تعتيم إعلامي كبير، وتغييب للحقائق، وفرض رأي واحد على مجريات الأحداث التي امتدت لأشهر منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حاولت فرنسا تنفيذها بتنسيق مع رئيس الوزراء السابق «نيكولا تينقاي» ضد أول رئيس مسلم وهو «ميشيل دوجوتيا». 

حرب أهلية

هذه الدولة عرفت حالات التمرد بشكل مستمر منذ الاستقلال (عام 1960م)، ولكنها لم تعرف حرباً أهلية أو طائفية إلا بعد التدخل الفرنسي تحت مظلة الأمم المتحدة وفقاً للقرار رقم (2127) الصادر بعد يوم من التدخل الفرنسي الميداني في دولة أفريقيا الوسطى، فمع وصول الأفواج الأولى من القوات الفرنسية إلى منطقتي «بوار وبوانسجوا» الغنيتين بالألماس والمعادن الثمينة، بدأت أولى عمليات التطهير العرقي ضد المجموعات العربية والفلانا والهوسا من قبل مجموعة «بيا» الإثنية، ومن ثمّ امتد النزاع ليدخل إلى عملية تطهير ديني في هذه الدولة التي لم تشهد أحداثاً بهذا الحجم منذ نشأتها الأولى.

امتداد خارجي

ووفقاً لفحوى هذه التسريبات، فإن القضية لن تقف عند أفريقيا الوسطى، بل هي ممتدة إلى دول الجوار وفق سياسة تم وضعها من قبل مجلس الكنائس العالمي، وخاصة تشاد المستهدف الرئيس من هذه الحملة، وخاصة بعد تعيين قس مشهور في السودان ساهم بشكل كبير في تقسيم السودان، يدير حالياً الكنيسة الكاثوليكية في تشاد بعد وفاة رأس الكنيسة الكاثوليكية في تشاد «متياس أنقارتيري ميادي» في ليون الفرنسية في 19/11/2013م.

التدخل الفرنسي

سوّغت فرنسا تدخلها الأخير في أفريقيا الوسطى في الخامس من ديسمبر 2013م بتحقيق الأمن والاستقرار، والقيام بأعمال إنسانية في مجتمع يشهد احتراباً أهلياً، إلا أنَّ كل الحقائق الميدانية والتصريحات التي أدلى بها المسؤولون الفرنسيون وعلى رأسهم الرئيس «هولاند» والعرف التاريخي لفرنسا تدل على أنها لم تشارك في أي عملية إنسانية في تاريخها، بل أثبتت الوقائع التاريخية أن العقيدة الرأسمالية لم تعرف العمل الإنساني إلا وفقاً لقاعدة تحقيق المصالح الخاصة للدولة الغربية.

أزمات متلاحقة

إذاً ماذا تفعل فرنسا في أفريقيا الوسطى؟ تعود الأزمات المتلاحقة في دولة أفريقيا الوسطى إلى النشأة الأولى للدولة الحديثة، فقد أنشئت هذه الدولة بعد فك الارتباط بينها وبين بعض دول الجوار، وخاصة تشاد، والكونغو الديمقراطية (زائير).

وبناء على الحدود التي نالت بها الاستقلال في 13/8/1960م، فقد جمعت أفريقيا الوسطى التي لا تتجاوز مساحتها 622.984 كم2 عدداً من القبائل والإثنيات المختلفة، بالإضافة إلى التعدد في الديانات والمعتقدات، ومن أهمها الإسلام في شمال البلاد حيث الممالك الإسلامية، والوثنية في الجنوب، ولم تنتشر النصرانية في أفريقيا الوسطى حتى عام 1846م.

الدولة الحديثة

فأنشئت الدولة الحديثة في أرض ما يعرف بأفريقيا الوسطى بناء على توجهات المستعمر، وليست المكونات الإثنية والدينية في البلاد، ومنذ ذلك التاريخ هيمنت الكنيسة وقبائل معينة تساندها في إدارة الدولة، بل إن كثيراً من القساوسة الذين تولوا سدة الحكم لم يكونوا من المجموعات المحلية، بل مجموعات تمّ إعداد وتدريبها لأداء المهمة في هذه الدولة.

منحى مختلف

وهذا ما جعل الأحداث الأخيرة تنحو منحى مختلفاً، بحكم عاملين أساسيين، وهما: العامل الاستعماري، والتدخل الفرنسي، بناء على عدد من المسوّغات من بينها دعوات راعي الكنيسة الكاثوليكية «ديودونيه نزابالاينجا»، منذ وصول ثوار سيليكا إلى الحكم بأن الخطر الإسلامي قادم، وبصلاة رئيس الجمهورية في الجامع المركزي في عيد الفطر الماضي أصبح الخطر محققاً، وهو ما عبر عنه بقوله: «إننا في مواجهة قنبلة، يمكن لأيّ مشعوذ شرير أن يفجر المنزل، لا أريد التقليل من المشكلة»، قاصداً أن الوضع خطير، والمشعوذ يعني «المسلم»، «فلابدّ من دعم المسيحيين بالسلاح، قبل أن يتفاقم الوضع، كما أنَّ القس «نيكولا غيري كويامي» الذي يترأس تحالف الإنجيليين في أفريقيا الوسطى صرح في أكثر من وسيلة إعلامية فرنسية، أنَّ ثمة «ابتزازاً» يجب تلافيه ومقاومته مع هذا المسلم الذي يتولى الحكم، والذي يقول: سنؤسلم البلاد». 

دولة علمانية

مع أنَّ رئيس الجمهورية وفي أكثر من موقف أكّد أن جمهورية أفريقيا الوسطى دولة علمانية، يعيش المسيحيون والمسلمون في دولة علمانية، صحيح أنني مسلم لكن من واجبي خدمة وطني، وجميع مواطني أفريقيا الوسطى، وشدد في أكثر من مرة على القول: «لم آتِ من أجل المسلمين، ولم آتِ فقط من أجل المسيحيين، جئت من أجل الجميع»، لكن هذه الكلمات لم تشفع له، ولم يحصل على اعتراف فرنسا والكنيسة به بل ذهبت منظمة «الأبواب المفتوحة المدافعة عن المسيحيين في العالم للزعم في نشراتها وتقاريرها الدورية أن المسلمين يقتلون المسيحيين فعلى دول العالم وقف حملات المليشيات المسلمة ضدهم»!!

عمليات تسليح

بناء على هذه الحملات والنداءات المتكررة من المنظمات المسيحية والكنائس الغربية والمحلية، بدأت عمليات تسليح وتدريب أفراد الجيش السابق للرئيس «بوزيزي» وبمساندة الرئيس الكاميروني لعاملين مهمين: العامل القبلي، والعامل السياسي خوفاً على منصبه، بأن تتكرر الصورة في بلاده ويحكم المسلمون البلاد من جديد بعد سنوات من الإقصاء والتهميش.

وتمَّ تكوين التحالف الدولي برئاسة فرنسا وعضوية مجلس الكنائس العالمي والمنظمات المسيحية المختلفة، وعضوية كل من الكاميرون والكونغو، ومسؤولين في الحكومة التشادية والكنيسة الكاثوليكية في تشاد ضمن هذا التحالف لإسقاط حكومة «سيلكا»، وإبراز هذه الحركة للعالم بأنها حركة إسلامية متطرفة متعطشة لدماء المسيحيين، وتم طرح بعض الحلول للخروج من هذه الأزمة المستمرة منذ عام تقريباً ملقياً باللائمة على مجموعة «السيليكا»، باعتبارها السبب الأساسي في الأزمة الحالية. 

القتل الممنهج

إلا أن الذي نسيته أو تناسته هذه المجموعة في تشخيصها للإشكاليات التي تمر بها دولة أفريقيا الوسطى، قوة العامل الخارجي القبلي أو السياسي في الأزمة الأخيرة وخاصة من قبل فرنسا والكاميرون وجنوب أفريقيا، وتدل كل الحقائق أن طريقة القتل الممنهج الذي تمارسه المليشيات المسيحية هذه لا يعرفها المجتمع الأفرووسطي، بل طريقة مستوردة من العصابات المسلحة في تشاد والكاميرون وجنوب أفريقيا، وهي طريقة تدل على الحقد الدفين، وهو ما يتنافى مع ما عرف عن المجتمع الأفرووسطي من حيث سلمية التعايش الاجتماعي. 

العامل الاقتصادي

العامل الثاني وهو الاقتصادي، ولعله العامل الأساسي في الأزمة الأخيرة كلها، حيث إن رؤية الشركات الفرنسية مع الحكومة المؤقتة برئاسة «ميشيل» لم تتوافق كثيراً وخاصة في الامتيازات التي طالبتها كل من مجموعة «فرانس تليكوم أريفا»، ومجموعة «كاستل»، ومجموعة «سوفو»، وبضغوط من رجال الأعمال منهم: «جان كريستوف ميتران»، و«ريتشارد أتياس»، و«كلود غيان»، و«لوران فوشر»، وغيرهم، وتحريك الصحافة والإعلام الفرنسي لتشويه سمعة المسلمين «وحركة سيلكا»، وإن كان المسلمون يشكلون الأغلبية تمهيداً للقضاء على هذه الحركة وتلقين المسلمين درساً لا ينسوه في جرأتهم على عدم الخضوع لإملاءات هذه الشركات، فكانت حركة تمويل التدخل الفرنسي مادياً وإعلامياً تتم من قبل رجال الأعمال وهذه الشركات الاحتكارية. 

فرنسا والانقلابات

لذا فإنَّ لفرنسا سوابق في الانقلابات العسكرية في أفريقيا، ومساندة الأنظمة الدكتاتورية ضد التوجهات المعادية لسياساتها التي تنص بنودها الأولى على أن الاقتصاد أساس السياسة الفرنسية مع مستعمراتها، لذا لم تكن أفريقيا الوسطى بدعاً من تلك الدول التي نفذت فيها فرنسا مباشرة أو عبر مرتزقتها عمليات انقلابية، فقد كانت فرنسا وشركاتها الاستثمارية تدير كلَّ العمليات الانقلابية في دولة جزر القمر منذ استقلالها عبر المرتزق «بوب دينار»، وكذا الحال في المستعمرة البلجيكية «كونغو الديمقراطية».

أول الانقلابات

أما في أفريقيا الوسطى، فقد وقعت أولى العمليات الانقلابية من قبل الفرنسيين على الرئيس «بوكاسا» حين كان في زيارة لليبيا، ولم يكن «بوكاسا» على توافق في سنواته الأخيرة مع فرنسا والغرب عموماً، وهو ما جعل الغرب يصوره وكأنه «آكل للحوم البشر، وشاركت فرنسا بدعم غير مباشر في العمليات الأخرى».

فلم تكن المهمة بأي شكل كان لإيقاف دم النازف، ولو كان الأمر كذلك لتوقفت تدفق دماء السوريين منذ ثلاث سنوات، ولكنها المصالح هي التي تحدد آليات التحرك والتدخل وإن كانت تحت مسوّغات إنسانية.>

 

عدد المشاهدات 3985

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top