جهاد الأوروبيين في سورية الحقيقة والتداعيات والخلفيات

17:46 12 أبريل 2014 الكاتب :   باريس: د. محمد الغمقي

وبحسب «جيل دو كارشوف»، المسؤول عن مقاومة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، فإن فرنسا وبريطانيا وأيرلندا وألمانيا من أهم الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الشباب الذين يُستدرجون أو يبادرون بالذهاب إلى سورية بنيّة مقاومة النظام وحلفائه هناك.. ولو تم الأخذ بالاعتبار حجم سكان البلاد الأوروبية، فإن بلجيكا وهولندا هما البلدان الأعلى نسبة في هذه الظاهرة. 

إحصائيات وبيانات

وتشير إحصاءات أجهزة المخابرات إلى وجود 600 حالة في أوروبا منها 200 حالة في فرنسا، وعلى ذكر فرنسا، فإن حالات الاستيعاب والاستقطاب لهؤلاء الشباب تتم أغلبها في ثلاث جهات فيها كثافة سكانية، ويقطنها نسبة كبرى من المسلمين من أصول مهاجرة وهي جهة الشمال والشرق والجنوب الشرقي. 

وفي الفترة الأخيرة، تم تقديم خمسة شباب يحملون الجنسية الفرنسية أمام حاكم التحقيق لمقاضاتهم بتهمة «السرقة باستعمال أسلحة في علاقة مع مشروع إرهابي»، بعد الهجوم على مطعم وسرقته لاستعمال هذه الأموال، حسب مصادر استخباراتية لتمويل السفر إلى سورية بنيّة الجهاد.  

تفسير الظاهرة

وتقول نفس المصادر: إن شبكات ممولة ومنظمة تقوم باستيعاب شباب يتراوح عمرهم من 15 - 25 عاماً، وتقدم وسائل الإعلام حالات من الأهالي الذين يعبّرون عن استغرابهم لسلوك أبنائهم «غير الطبيعي»، و«غير المفهوم». 

وتحاول المؤسسات المختصة من علماء النفس وعلماء الاجتماع تفسير هذه الظاهرة، وبعضهم يرجع ذلك إلى استغلال قلة النضج والوعي لدى شباب مراهقين لتجنيدهم، خاصة إذا كانوا يعيشون ظروفاً نفسية غير مستقرة، في حين يرى البعض الآخر أن الظاهرة امتدت إلى شباب دون مشكلات ومندمجين في المجتمع، معللين ذلك بنزعة بطولية لدى الشباب تغذيها أفلام ومسلسلات العنف، والتنافس بين هؤلاء الشباب في إبراز شخصيتهم عبر الانخراط في منظمات قتالية جهادية. 

وقلما يشار في مثل هذه التحليلات إلى تأثيرات المنهج التربوي الذي يتربى عليه الشباب في الغرب، والقائم على التشجيع على الاستقلالية في القرار، والتحرر من كل القيود إلا قيود القانون الوضعي. 

وثبت أن لهذا المنهج إيجابيات في تشكيل شخصية متكاملة فيها جرأة وشجاعة وعقلية منفتحة ونقدية، ولكن في المقابل هناك المفعول العكسي للثقافة السائدة متمثلاً في بعض الجوانب السلبية؛ وأهمها التشجيع على التحرر من كل القيود ومنها التحرر من السلطة العائلية.. فالشاب وهو ما يزال في سن المراهقة يريد أن يتصرف تصرف الكبار، ويتخذ القرارات التي يريد بكل حرية ودون استشارة، وبناء عليه، تحصل إشكالات خطيرة أحياناً. 

وقد ثبت أن بعض الشباب الذين سافروا إلى سورية اتخذوا قرارهم بمفردهم وعبروا تركيا ودخلوا إلى سورية والتحقوا بصفوف المقاومة هناك دون علم ذويهم، بما يحدث إرباكاً كبيراً داخل العائلات المسلمة. 

التشدد في الأفكار

وتشير بعض المصادر إلى أن هؤلاء الشباب ينتمي بعضهم لعائلات مسلمة وقد خالطوا شباباً يحملون تصورات متشددة في فهم الإسلام وعلاقته بالواقع، واقترفوا في المرحلة الأولى من حياتهم أنواع المحرمات والانحرافات، وهم يبحثون اليوم عن «تكفير ذنوبهم» بالمشاركة في الجهاد والمقاومة حتى يلقون الشهادة.. بينما ينتمي البعض الآخر من هؤلاء الشباب إلى عائلات أوروبية وقرروا اعتناق الإسلام، لكن بمقارنة وفهم يتسمان أيضاً بالتشدد، وبمنحى تكفيري للمجتمع والقطيعة معه.. وهؤلاء يكونون «فريسة» سهلة لدعاة تكفير المجتمعات الأوروبية والتمرد عليها، ويجدون في الخط الجهادي ضالتهم، وتذكر وسائل الإعلام الفرنسية حالة رئيس مؤسسة في «جويان» (من المقاطعات الفرنسية ما وراء البحار) اعتنق ابناه الإسلام، ويقول هذا الأب: إن ابنيه كانا أرادا الشهادة، وإن أحدهما استقال من عمله وقال: إنه ذاهب إلى تايلاند، وقال لوالده: «لن تراني إلا في الجنة بشرط أن تكون قد اعتنقت الإسلام»، وظهرا في فيديو على الإنترنت يدعوان فيه الرئيس الفرنسي إلى الدخول في الإسلام، كما يدعوان المسلمين إلى الالتحاق بهما في المقاومة. 

الهوية والأقليات المسلمة 

وإذا كانت ظاهرة الإقبال على الجهاد في سورية ليست منتشرة بالشكل الذي يمكن تصوّره باعتراف المسؤولين الأوروبيين، وأنها تحت الرقابة والرصد، فالسؤال هنا: لماذا تتخوف أوروبا من بعض الشباب المتحمسين للجهاد بعيداً عن الأرض الأوروبية؟

يمكن إرجاع عوامل التخوف لعدة أسباب، من بينها: 

- أنهم شباب في زهرة العمر قرروا التضحية بحياتهم من أجل قضية يعتقدون أنها قضية حق، وهذا يعني أن محاولات دمج الشباب المسلم في المنظومة الفكرية الغربية العلمانية لم تفلح كثيراً، وبتوجههم لسورية لمحاربة نظام «الأسد»، فهم يعبّرون عن استنكار شديد لمحاولات التطويع والترويض والمساومة على الهوية.

- أن من سيعود من هؤلاء الشباب إلى بلدانهم الأوروبية سيكون حاملاً لتجربة تجمع بين الروح النضالية والخبرة القتالية، وربما يتحول في يوم من الأيام إلى قنبلة متفجرة في العمق الأوروبي، أو إلى داعية لتكفير المجتمعات الأوروبية، والانتقام من الأنظمة الغربية التي تهاونت في ردع جبروت النظام السوري وبطشه، وبالتالي تعتبر شريكة بشكل مباشر أو غير مباشر في إسناد هذا الظلم ودعمه، وبدون شك فإن مثل هذا الخطاب يجد قابلية للرواج بين صفوف المسلمين المقيمين في أوروبا والغرب عامة، في ظل ازدواجية الموقف الأوروبي الغربي في تعامله مع ملفات العالم الإسلامي مقارنة بالموقف إزاء ما يحصل في أوكرانيا على سبيل المثال.

- أن تزايد أعداد المقبلين على الجهاد في سورية يقود إلى تقدير وجود شبكات لاستقطاب الشباب، تبدأ عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتنتهي في ميدان العمليات، بما يعني صعوبة السيطرة على ظاهرة الإقبال هذه، على الرغم من القوة المخابراتية في ترصدها ومحاصرتها، والحديث اليوم يدور حول تحوّل سورية إلى أفغانستان جديدة، وهي تستقطب العديد من «عشاق الشهادة» الذين لا يقيمون وزناً للمخططات الأمنية الغربية وما يسمى بخارطة الطريق لمفاوضات جنيف.

- أن الوضع المتفجر فيما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط ستكون له تداعيات وانعكاسات غير محسوبة على الواقع الأوروبي، ومن بينها حالة التعايش بين مكونات المجتمع، وكذلك على العلاقات الأوروبية العربية الإسلامية فيما يتعلق بموضوع الحوار الثقافي الحضاري بين الطرفين، ومزيد من التشكيك في مصداقية الخطاب الغربي حول احترام الشعوب العربية المسلمة في حقها في تحقيق مصيرها، وقد يدفع الوضع الكارثي في سورية وتزايد المقبلين على الجهاد هناك وتداعياته في أوروبا، شريحة من الرأي العام الغربي إلى الضغط من أجل التدخل الفعلي للحسم.>

 

 

 

التركيز على مثل هذه الأحداث سياسياً وإعلامياً يفسّر وجود خلفية تسعى لترسيخ ظاهرة التخويف من الإسلام، أو ما يطلق عليها «الإسلاموفوبيا»، فالرأي العام لا يفرّق تحت الدعاية الإعلامية بين المتشدد والمعتدل، كما أن إثارة موضوع الجهاد في سورية يشغل الناس عن الأزمات التي يعيشونها على مستويات مختلفة اقتصادية واجتماعية، ويساعد على التغطية على عجز الحكومات المتعاقبة عن إيجاد حلول لها، خاصة كلما اقتربت مواعيد الانتخابات، كما هي الحال في فرنسا التي تعيش أجواء الانتخابات البلدية التي تزامنت مع تحدث وسائل الإعلام عن فضائح سياسية كبرى.

 

عدد المشاهدات 1851

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top