الصبر في القرآن والسنة

17:08 13 فبراير 2014 الكاتب :   د. نور الله كورت

من متطلبات الوصول إلى الحياة الإسلامية المنشودة ،" الصبر "على تحمل الأذى والمشقة في سبيل أداء الرسالة الكبرى ، رسالة الإسلام التي كلف بتبليغها الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام – ومن بعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . 

إن أهمية مكانة الصبر لا تقل عن أهمية مكانة التقوى بالنسبة للعمل الاسلامي ، ولهذا نرى أن القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ذكرا الصبر في مختلف المواضع ، ومدحاه وجعلاه من أفضل الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة والعاملون في سبيل الله ، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، إن يريدون إلا الإصلاح ما استطاعوا اليه سبيلا ، والعودة بالبشرية جمعاء الى عبادة الله وحده  وقطع يد الظالم ، والوقوف بجانب المظلوم. 

 مكانة الصبر

 ومن هذا المنطلق فلنذكر بعضا من الآيات التي تبين مكانة الصبر بجلاء .

أولا - القرآن الكريم والصبر. 

قال تعالى : " ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين    " . 

وقال : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون    " . 

قيل في تفسير قوله تعالى : " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات " لما أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة ونهاهم عن القول بموت من يقتل منهم في سبيل الله بل هم أحياء  بين لهم السبب الذي من أجله خاطبهم بما خاطب وهو أنهم سيبتلون بما لا يتمهد لهم المعالي ولا يصفو لهم الأمر في الحياة الشريفة ، والدين الحنيف إلا به ، وهو الحرب والقتال ، ولا تدور رحى النصر والظفر على مرادهم الا أن يتحصنوا بهذين الحصنين ويتأيدوا بهاتين القوتين ، وهما الصبر والظفر ، ويضيفوا الى ذلك ثالثا وهو خصلة ما حفظها قوم الا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية القصوى من كمالهم ، واشتد بأسهم ، وطابت نفسهم ، وهو الايمان بأن القتيل منهم غير ميت ولا فقيد وأن سعيهم بالمال والنفس غير ضائع ولا باطل فان قتلوا عدوهم فهم على الحياة  - وقد أبادوا عدوهم وما كان يريده من حكومة الجور والباطل عليهم - ، وإن قتلهم عدوهم فهم على الحياة - ولم يتحكم الجور والباطل عليهم - فلهم احدى الحسنيين على أي حال . 

 طالوت والنهر

وقال تعالى : " فلما فصل طالوت بالجنود قال ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني الا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه الا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك وعلمه مما يشاء ..   " 

 لم ينكصوا عهدهم

 يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية التي بين أيدينا بعد أن ذكر لها مقدمة وهى : - ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد ، ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق - يقول : " فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم " .

هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل ... انه مقدم على معركة ، ومعه جيش من أمة مغلوبة ، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة . وهو يواجه جيش أمة غالبة ، فلابد  إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة . هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإدارة التي تضبط الشهوات والنزوات ، وتصمد للحرمان والمشاق ، وتستعلي على الضرورات والحاجات ، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها ، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء .. فلابد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه ، وصموده وصبره : صموده أولا للرغبات والشهوات ‎، وصبره ثانيا على الحرمان والمتاع .. واختار هذه التجربة وهم - كما تقول الروايات - عطاش . ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه ، ويؤثر العافية .. وصحت فراسته : " فشربوا منه الا قليلا منهم " .. شربوا وارتووا . 

 بذرة ضعف 

 فقد أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده ، تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف ! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم ،انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم ،وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف ، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة ، والجيوش ليست بالعدد الضخم ، ولكن بالقلب الصامد ، والارادة الجازمة والايمان الثابت المستقيم على الطريق . 

 دلت هذه التجربة على أن النية الكامنة وحدها لا تكفي ، ولا بد من التجربة العملية ، ومواجهة واقع الطريق الى المعركة قبل الدخول فيها   ودلت كذلك على صلابة عود القائد المختار الذي لم يهزه تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى ..بل مضى في طريقه . 

 وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - الى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد : 

فلما جاوزه ، هو والذين آمنوا معه قالوا : لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " .. لقد صاروا قلة وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته : بقيادة جالوت . انهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة ،تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . 

 وهذه لا يصمد لها الا من اكتمل ايمانهم ، فاتصلت بالله قلوبهم ، وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع ايمانهم، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم!. 

 الموازين الربانية

 وهنا برزت الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين الربانية : " قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين " .

هكذا .. " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " .. بهذا التكثير . فهذه هى القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله . القاعدة : أن تكون الفئة المؤمنة  قليلة لأنها هى التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي الى مرتبة الاصطفاء والاختيار  ، ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوة ، ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة الله الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي الظالمين ، وقاهر المتكبرين . 

 وهم يكلون هذا النصر لله : " باذن الله " .. ويعللون بعلته الحقيقية : " والله مع الصابرين " .. فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من الله لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل .. 

 اليقين بالله

 ونمضي مع القصة . فاذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء الله ، التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء ، وتستمد قوتها كلها من إذن الله ، وتستمد يقينها كله من الثقة في الله ، وأنه مع الصابرين ..إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة ، الثابتة التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته ، مع ضعفها وقلتها هي التي تقرر مصير المعركة . بعد أن تجدد عهدها مع الله ، وتتجه بقلوبها اليه ، وتطلب النصر منه وحده ، وهى تواجه الهول الرعيب .

"ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين فهزموهم باذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء  " .

 هكذا .. " ربنا أفرغ علينا صبرا " .. وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضا من الله يفرغه عليهم فيغمرهم ، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالا للهول والمشقة . " وثبت أقدامنا " .. فهى في يده - سبحانه - يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزلز ولا تميد . " وانصرنا على القوم الكافرين " فقد وضح الموقف ..ايمان تجاه كفر . وحق ازاء باطل . ودعوة الى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين . فلا تلجلج في الضمير ولا غبش في التصور ، ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق . 

 ستار القدرة

 وكانت النتيجة هى التي ترقبوها واستيقنوها : " فهزموهم باذن الله " .. ويؤكد النص هذه الحقيقة : " باذن الله " .. ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون ، ولطبيعة القوة التي تجريه ان المؤمنين ستار القدرة ، يفعل الله بهم ما يريد ، وينفذ بهم ما يختار .. باذنه .. ليس لهم من الأمر شيء ، ولا حول لهم ولا قوة ، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته فيكون منهم ما يريده باذنه .. وهى حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين .. انه عبد الله . اختاره الله لدوره . وهذه منة من الله وفضل وهو يؤدي هذا الدور المختار ، ويحقق قدر الله النافذ   ". 

 الله يحب الصابرين

 وبعد هذا التفسير الممتع لهذه الآيات السابقة ، نرجع مرة أخرى الى " القرآن والصبر " . 

وقال تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين   " 

وقال : " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين   " .

وقال : " وما تنقم منا الا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين   "  وغير تلك من الآيات القرآنية التي وردت في الصبر والتي من الصعب بمكان حصرها في هذه الرسالة الصغيرة .ومن هنا نترك المجال لبعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي وردت في الصبر كذلك . 

 ثانيا - السنة المطهرة والصبر 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، فقد جاء فيه : حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ   " . 

وجاء في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : "  يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ " فَقُلْتُ : بَلَى . فَقَالَ : " احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا   " .

 الصبر ..ضياء

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "  الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا   " . 

وفي سنن الإمام الترمذي : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَة ْالخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : " بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ " . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : " بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ " . قَالَ : أَبمو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ    . 

 وفي صحيح الإمام البخاري : حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : مَا فَعَلَ ابْنِي ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ : وَارُوا الصَّبِيَّ . فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ  فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : " أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ  :" اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا " . فَوَلَدَتْ غُلَامًا قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : احْفَظْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : " أَمَعَهُ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، تَمَرَاتٌ . فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ   فَمَضَغَهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ وَحَنَّكَهُ بِهِ وَسَمَّاهُ عَبْدَاللَّهِ   " 

 مرأة صابرة 

 عم أن هذه المرأة العظيمة مرأة صابرة عاقلة عفيفة تقية نقية صادقة مع ربها ، صادقة مع زوجها ، واننا لكم نحتاج الى مثل هذه المرأة الصابرة في دفع عجلة الحركة الاسلامية ؟ ولكم نحتاج الى مثل هذه الأمهات لتربية الأبناء ، وتجنيدهم لخدمة الاسلام اليوم ؟ فنتقدم شيئا فشيئا الى الأمام الى أن يتم نصر الله لهذه الأمة المستضعفة ، المظلومة من قبل كل ظالم مستكبر.  

يقول محمد جمال الدين القاسمي - واصفا الصبر والصابرين - : اعلم أن الصبر عبارة عن نبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى ، وباعث الدين هو ما هدي اليه الانسان في معرفة الله ورسوله ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب ، وهى الصفة التي بها فارق الانسان البهائم في فهم الشهوات ، وباعث الهوى هو مطالبة الشهوات بمقتضاها فمن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة التحق بالصابرين،وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين   ".  

 ويقول صاحب مختصر منهاج القاصدين : اعلم أن الصبر من خاصة الإنسان ولا يتصور في البهائم لنقصانها ، وغلبة الشهوات عليها من غير شيء يقابلها ، ولا يتصور الصبر أيضا في الملائكة لكمالها فان الملائكة جردوا للشوق الى حضرة الربوبية ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها . 

 أقسام الصبر .

1 - صبر بدني . كتحمل المشاق بالبدن . 

2 - صبر نفساني . وهو صبر النفس عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى ، وهذا الضرب ان كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وان كان الصبر في قتال سمي شجاعة ... الخ   " . 

 

عدد المشاهدات 5143

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top