المرأة المسلمة.. بين تحرير الإسلام وسموم أدباء الإباحية والإعلام

16:38 23 فبراير 2014 الكاتب :   أ.د.سمير يونس

 

رفع الإسلام من قدر المرأة وقيمتها، وصان كرامتها، باعتبارها الابنة والزوجة والأم، ولكونها عضواً مؤثراً في المجتمع، وقبل ذلك باعتبارها إنساناً كرمه الله تعالى كسائر بني آدم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}" (الإسراء).

حتى نبوغ الرجال لا يخلو من أن تكون المرأة سبباً فيه، ولها إسهام مؤثر فيه، ونصيب عظيم وفير، وقد قيل: «وراء كل عظيم امرأة».

وبالنساء تتعطر حياة الرجال، فهن يُضفِِِِين على الجو شذاً يُنعش الرجال، ويبعث فيهم الحيوية، ولله در الشاعر، حيث يقول:

إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين

دور المرأة في العلم

كثير من الناس يجهلون - أو يتجاهلون عن عمد - قيمة المرأة ودورها، وخاصة في العلم، بيد أن الحقيقة تنطق بغير ذلك، فمن بين أمهات المؤمنين ونساء الصحابة والسلف، مَنْ بلغن مبلغاً عظيماً، ومكانة متميزة في العلم، والفقه، ورواية الحديث، بالإضافة إلى الشعر والأدب وفنون الكلام.

ولقد ثبت تاريخياً أن المرأة في ظل الإسلام وصلت إلى أسمى درجات العلم والثقافة، فكان من المسلمات؛ الكاتبة والشاعرة، من مثيلات: علية بنت المهدي، وعائشة بنت أحمد بن قادم، وولادة بنت الخليفة المستكفي بالله، وغيرهن الكثيرات.

وكان منهن الطبيبة؛ مثل: زينب طبيبة بني أود التي عُرفت بمهاراتها المتميزة في علاج أمراض العيون.

وكان منهن المحدِّثات من مثيلات سلمى النجارية خالة النبي [، وكريمة بنت أحمد المروزية إحدى راويات صحيح البخاري، ونسختها إحدى النسخ المعتمدة التي نوَّه إليها الحافظ بن حجر العسقلاني في «فتح الباري».

ومن المحدِّثات أيضاً السيدة نفيسة بنت محمد، وبلغت كثيرات منهن منزلة علمية رفيعة، فكان منهن الأستاذات والمعلمات للإمام الشافعي، والإمام البخاري، وابن القيم، وغيرهم، وهذا أكبر دليل على ما تمتاز به التربية الإسلامية من العناية بالعلم، والنبوغ الفكري، والثقافة الإسلامية المتنوعة.

الإسلام والمكانة الاجتماعية للمرأة

لقد أعطى الإسلام المرأة حقوقها الاجتماعية، ووضعها موضع الاحترام بصورة لم تجدها المرأة في أي دين آخر، ولا في ظل دعوات التحرر البشرية الواهمة، ولا المؤسسات التي يضل أعضاؤها: "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً {104}" (الكهف).

كفى المرأة المسلمة شرفاً وعزاً أن ألزم الإسلام ولي أمرها - إن كانت بكراً أو ثيباً - أو زوجها - إن كانت متزوجة - بحق الإنفاق عليها وإكرامها.

كما ساوى الإسلام بينها وبين الرجل في مطلق المسؤولية والجزاء، قال تعالى: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ {195}" (آل عمران)، وقال أيضاً: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}" (النحل).

وفي صورة متميزة - ليست مسبوقة - كرم الإسلام المرأة بأن أوصى أولادها بالإحسان إليها كأم، وكذلك الأب: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً {24}" (الإسراء).

بل أعطى الإسلام الأم حق الرعاية والصحبة، وقدمها على الأب، فأوصى النبي - صلى الله عليه وسلم- بها ثلاث مرات، قبل أن يوصي بالوالد، ودليل ذلك ما رواه الإمام البخاري أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم-  فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». (متفق عليه).

تضليل المرأة باسم الحرية

شعارات تحرير المرأة في بلادنا ليس حقيقة، إنما هو تضليل للمرأة وللبلاد والعباد، فلقد حرر الإسلام المرأة، وليس بعد تحرير الإسلام لها من محرر، وكل ما يقال عن هذا الأمر بُهتان وزور وتطاول على الإسلام، أو ربما خلل في الفهم، أو اتباع للهوى.

أعلم أن من النساء من تكره الإسلام ـ وهي مسلمة؛ خوفاً على شعرها الذي تريد أن تظهره للناس مشاعاً، وتستنكف أن تغطيه استجابة لأمر الله تعالى خالقها وخالق شعرها، وربما كانت إعلامية فحملت على الإسلام وذوي الفكر الإسلامي، فشوهت صورتهم، وكذبت عليهم، افتئاتاً وظلماً، وحسبك أن تشهد كثيرات من مذيعات الفضائيات والإعلاميات التي أضمرت كراهية للشرع والدين والمتدينين لهذا السبب، بل تدَّعي أنها هي المسلمة الفاهمة للإسلام الجميل، حتى شاهدنا وسمعنا في الأيام الأخيرة فنانة في مداخلة فضائية مع أحد المذيعين وهي تثني على الراقصات أمام عامة الناس، وتصف ذلك بأنه هو الإسلام الجميل!

إن الإسلام عندما شرع حجاب المرأة لم يرد بذلك كبتها، وإنما أراد صيانتها وتكريمها، وحمايتها من الفوضى والانفلات، وحفظ حقوقها وحق زوجها وذويها.

المرأة وأدباء الإباحية

كثير من الأدباء يُحرضون المرأة في أدبهم على الخروج على القيم والآداب الإسلامية، ويغرونها بأن تتشبه بالمرأة الغربية، وأن تسير في فلكها، ويسعون إلى شقائها، ويصورون شقاءها على أنه قمة السعادة، وهذا تيار أدبي ضار، وكان الأحرى بهم أن يكونوا رواد نهضة أخلاقية، تبعث في المرأة روح العفاف والوفاء والإخلاص لزوجها وذويها، وللحفاظ على كرامتها، وكرامة أهلها، ومن ثم يسهمون في تكوين مجتمع هادئ سعيد آمن، يأمن فيه الزوج على زوجته، والأب على ابنه وابنته، والأم على ولدها وابنتها، ومن ثم يوجدون مجتمعاً مبنياً على أساس من الإيمان والتقوى والعفاف، فيقوى المجتمع وتقوم الأمة.

إن هؤلاء من أدباء الإباحية يحملون في أيديهم معاول التهديم في صرح المجتمع، وهم بذلك يضرون المجتمعات والأمة، ويندفعون وراء أهوائهم وشهواتهم، ويبغون من وراء ذلك شهواتهم أو الثراء المادي أو الشهرة بنشر هذا الأدب الرخيص، ويثيرون الرجل والمرأة على السواء، ويدفعونهم إلى التبذل والتحلل القيمي والانحراف الخلقي، وخاصة أن جهات ومؤسسات مشبوهة في الداخل أو في الخارج ترصد لذلك الجوائز المادية والمعنوية، تشجيعاً لهم، بهدف إحداث التفسخ الأسري والاجتماعي، وشيوع الميوعة، وإثارة الغرائز والشهوات.

وإن تعجب فعجب أن يختار لإعداد دساتير البلاد الإسلامية راقصات وفنانات وأدباء الإباحية، وأعضاء من نوادٍ مشبوهة، فعبث هؤلاء جميعاً بقيم المجتمع وآداب الأسرة المسلمة، فأهانوا المرأة بما يظنون أنه تحرير لها، وهؤلاء جميعاً ينبغي أن يتعلموا أن شرف الكلمة مقدم على حرية الكلمة، وأن ثم فرقاً بين ترقية الطاقات الجنسية، والتردي بها، وبين تنظيم إشباعها بما شرع الله من زواج شرعي وكبتها.

ما أحوج المرأة العفيفة إلى أن تدرك أن أدباء الإباحية إنما هم لصوص سارقون لأشرف ما تحتفظ به الأمة من أخلاق، وأكرم ما تعتز به من فضائل.

وعلى كل أَبِيٍّ حر مسلم تبقّى أن يتصدى لهؤلاء قائلاً: اتركوا لنا بناتنا عفيفات، اتركوا لنا زوجاتنا وفيات خلوقات، اتركوا لنا شبابنا شباب نقاء وعفة وطهر وصفاء، لا شباب ميوعة وانحلال.

إن الذين يريدون أن يهدموا بيوتنا وأخلاقنا لا تصح أن نتركهم يتمون جريمتهم باسم الحرية والفن والإبداع، لا يليق بأي حر أبي غيور على زوجته وبناته وأمه وأخواته أن يترك هؤلاء العابثين يعبثون بأعراضنا، فيعيثون في البيوت لهواً وفساداً.

وعندما تشاهد المرأة عملاً درامياً مسموماً، فتنبهر به، لا تدري أنها تشرب السُّمَّ الزعاف وتسقيه لأبنائها وبناتها، ومن ثم فيجدر بها أن تنأى بنفسها وأبنائها وبناتها عن الأفلام الساقطة والمسلسلات الهابطة.

ومن العجائب أن تجد امرأة تحللت من قيمها وأخلاقها وأوامر ربها، وتدعي أنها الفاهمة للإسلام الصحيح، وتقذف العفيفات الطاهرات المحجبات والمنتقبات بالتشدد والإرهاب وسوء فهم الإسلام! بل تصف الستر والوقار بالرجعية والتخلف! سبحان ربي!

وعلى هؤلاء جميعاً من ذوات الهوى والتحلل تردُّ الشاعرة فاطمة عبدالله في ديوانها: «هموم امرأة فلسطينية»، فتقول:

لا تصفِي الستر برجعية فالحجب شعار النبوية أجهلتِ الخُطط المرسومة لتدمر طُهر العربية؟

أيقال: عمادُك عفتك؟ واعجباً كم أنت غبية! العفة باتت للطبّ يصنعها بئس العملية!

كاسية عارية أنت ويقال: لقد عشت تقية؟ لُفِّي أطلالك وانتبهي أجزاؤك صارت منسية

وصفوها رغم زخارفها أشياء دون العادية وتكابرها هو ينظر لي لُفِّي أطلالك وانتبهي

فالعفة ليست نظرية أخلاق تسبقها النية عودي لحيائك ما أحلى عودَك للدرب المرضية

دعوى المساواة

علت صيحات كثيرة تنادي بالمساواة بين الرجل والمرأة، حتى أثبتوا ذلك في دساتير البلاد، وهم في ذلك يقصدون بالمساواة: هدم الفوارق بين الجنسين، وتغيير فطرة الإنسان بالمفهوم الغربي، كي تنجذب المرأة لامرأة مثلها، والرجل لرجل مثله، على خلاف حكمة الله وقدره: " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ {49}" (القمر).

إن الله عز وجل وضع كل مخلوق في موضعه الملائم لفطرته، ومن ثم فإن تغيير الفطرة يؤدي إلى اضطراب في المجتمع، وانتشار للشذوذ والانحراف بالفطرة.

كيف تتساوى المرأة بالرجل تساوياً مطلقاً برغم الاختلافات الوظيفية وطبيعة كل منهما، ووظيفته في الحياة؟ وكيف يحفظ النسل؟!

وأنى لكل منهما بالمودة والرحمة والسكينة التي أرادها الله بين الزوج والزوجة؟ إن اختلاف الرجل عن المرأة ليُبرز حكمة الله تعالى في خلقه، تلك آية من آيات الله العظيمة، وهي منة امتن الله به على عباده: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {21}" (الروم).

 

 

عدد المشاهدات 1151

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top