طباعة

    بين حنين الماضي المجيد والصراع مع الحاضر الأليم

19:52 26 مايو 2011 الكاتب :   خاص-المجتمع
زنجبار.. إنها الجزيرة التي تقع في ساحل الشرق الأفريقي، والتي حكمت قروناً أراضي شاسعة من الصومال شمالاً إلى موزمبيق جنوباً، أصبحت اليوم جزءاً صغيراً من تنزانيا، فلا صوت يعلو فيها ولا سلطة بأيدى أهلها ولا ثروة التي طالما تمتعت بها لقرون وهي على بعد 35

 

تألق نجم زنجبار بعد أن وصل إليها سلطان عمان سعيد البوسعيدي، وجعل زنجبار مقر إقامته وعاصمة له، وفي عهده نشطت التجارة فيها وجلب العمانيون إليها إرثهم الحضاري والتاريخي، وكان السلطان أول من أدخل القرنفل إليها من جزيرة «موريشيوس»، وقام السلطان سعيد بإنجازات مهمة، ومن أهم تلك الإنجازات ما يلي:

1- قام ببرنامج إصلاحي يشمل العملة والرسوم الجمركية.

2- أدخل زراعة القرنفل في زنجبار، واهتم بتنمية تجارته بين مسقط وأفريقيا حتى أصبحت زنجبار فيما بعد الأولى في تصدير القرنفل عالمياً.

3- اهتم بتجارة الذهب والعاج، وعمَّ الرخاء في سلطنة زنجبار بعد اكتشاف مناجم الحديد في ممباسة، كذلك تطورت صناعة الأقمشة.

4- ومن أهم ما قدَّمه سلطان سعيد هو مكافحة تجارة الرقيق عندما وقَّع اتفاقية مع بريطانيا عام 1822م، حيث كان شرق أفريقيا قبل هذه المعاهدة هو المصدر الأساسي لهذه التجارة؛ مما يدحض مزاعم الغرب حول دور المسلمين في الترويج لهذه التجارة.

وحين توفي السلطان تشاجر أبناؤه على الحكم من بعده، وانتهى خلافهم بأن يتقاسموا السلطة، وتنفصل زنجبار عن سلطنة عمان بزعامة سلطان ماجد، وتبقى عمان تحت سيادة ثويني بن سعيد.

وتولى حكم سلطنة زنجبار بعد موت ماجد السلطان برغش بن سعيد الذي امتدت في عهده زنجبار لتصل المدن الساحلية الصومالية شمالاً وموزمبيق جنوباً.

وبعد موته أصبحت زنجبار محمية بريطانية، ومازالت على هذه الحالة حتى نالت الاستقلال عام 1963م، واختير سلطان جمشيد سلطاناً ورئيساً لزنجبار بعد أن فاز في الانتخابات، ولم تدم سلطته طويلاً، وتلت بعد دحره من الحكم أبشع المجازر التي عرفها شرق أفريقيا.

الانقلابالدمويمؤامرةالاستعمار

قبل 9 سنوات من إعلان الاستقلال الرسمي الوهمي، بدأت بريطانيا في تنفيذ سياستها «فرِّق تسُد»، فعمدت إلى تكوين حزبين سياسيين يفرقان بين المسلمين من أصل عربي، والمسلمين من أصل أفريقي وشيرازي؛ تمهيداً لحرب أهلية تطيح بالعرب المسلمين وحكمهم، وهذان الحزبان تشكلا كالآتي:

1- حزب زنجبار الوطني: وتكوَّن عام 1955م على أساس عضوية مفتوحة لكل الأهالي.

2- الحزب الأفروشيرازي: ويضم الأفريقيين والشيرازيين في جبهة واحدة بزعامة عبيد كرومي، وجرت انتخابات وفاز فيها «حزب زنجبار الوطني».

وفي عام 1964م قام الحزب الأفروشيرازي بثورة مسلحة في غفلة من النظام الحاكم ومن الشعب، وقام بعض المأجورين من الأفارقة والشيرازيين بهجوم شامل على العرب، واستمرت المذبحة أربعة أيام متتالية، وانتهت باستشهاد 20 ألف عربي مسلم، وشرد الآلاف، وكان القس «نيريري»، رئيس تنجانيقا، يدير الانقلاب عن كثب؛ طامعاً في زنجبار لهضمها وجعلها جزءاً من أراضيه.

محوالهويةالعربية

توحدت زنجبار مع تنجانيقا بدمج الاسمين باسم تنزانيا، فأصبح «نيريري» رئيساً للبلاد، و«عبيد كرومي» نائباً له ورئيساً لزنجبار - التي تتمتع بحكم ذاتي - لها رئيسها ومجلس النواب وهناك رئيسان للوزراء وحكومتان ودستوران، لكن الحكومة الاتحادية هي التي تدير سياستها الخارجية والدفاع والأمن والتعليم والمالية، وفي عام 1977م تم دمج حزب «اتحاد تنقانيكا الوطني الأفريقي» مع «حزب زنجبار» وهو حزب «الأفرو شيرازي» وتأسس «حزب تنزانيا الثوري».

وحاربت الحكومة الأولى - التي كان يترأسها «كرومي» والتي كان يحكمها «نيريري» من وراء الستار - الثقافة الإسلامية، وكانت واضحة في عدائها كل من هو عربي وله ملامح إسلامية؛ حيث أغلقت كل المؤسسات الإسلامية الفعالة؛ كالمعهد الإسلامي الذي أدى دوراًً كبيراً في خدمة الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وكذلك حورب التعليم في زنجبار حتى وصلت إلى أضعف مستوياتها بعد أن كانت تعتبر من أهم الدول في شرق أفريقيا من حيث التعليم أيام السلاطين.

وهكذا أصبحت زنجبار جزءاً من تنزانيا لا تمتلك من أمرها شيئاً، وبعد أعوام من التهميش والتنكيل وتجويع الشعب وإخضاعه لما يريدونه حكام تنزانيا الفيدرالية، استيقظ الناس من سباتهم العميق، وتيقنوا أن العرب المسلمين الذين تم ذبحهم في طرقات وأزقة زنجبار كانوا إخوانهم، لكن الندم لا يغير شيئاً من واقعهم المشؤوم.

تهجيرالسكانالأصليين

من العجيب واللافت للأنظار، أن من يسافرون ويغادرون زنجبار هم الزنجباريون الأصليون؛ لما تعانيه الجزيرة من تدهور اقتصادي ملحوظ، ومعاناة أهلها من الفقر المدقع، على الرغم مما تمتلكه الجزيرة من خيرات وفيرة، فعائدات السياحة تذهب إلى دار السلام، وزادت ضريبة موانئ ومرافئ زنجبار لتذهب السفن إلى دار السلام والموانئ التنزانية الأخرى؛ هذا ما أدى إلى انتشار البطالة وسط الشباب؛ وأدى ذلك إلى مغادرة مئات من الزنجباريين الجزيرة، وفي المقابل يتدفق سكان تنجانيقا وغالبيتهم من المسيحيين فيسكنون ويستوطنون فيها؛ مما قد يؤدي في المستقبل القريب إلى أن تتغير معادلة سكان زنجبار، ونسبة المسلمين فيها الآن 98%.

وبدأت الحركات التنصيرية تتغلغل في زنجبار، حتى إن عدد الكنائس وصل إلى كنيسة لكل مائة نصراني، وانتشرت الكتب النصرانية والإنجيل مترجمة باللغات المحلية انتشاراً واسعاً؛ بحيث تصل إلى أيادي المسلمين الذين يفتقرون إلى العلم الديني وفهم القرآن؛ وبذلك يتمكنون من سلخ المجتمع عن دينه والقضاء على الروح الإسلامية في المجتمع.

دورالمؤسساتالإسلامية

بعد أن هُُمش بالكامل دور الثقافة الإسلامية واللغة العربية في ربوع الجزيرة، وتخبط أهلها في الجهل؛ لاحت مؤسسات إسلامية في الأفق، وأنشأت في زنجبار مدارس وجامعات، وكان من بين طليعة الهيئات الإسلامية التي كثفت أنشطتها في زنجبار:

«منظمة الدعوة الإسلامية»: فقد اهتمت هذه المنظمة بزنجبار اهتماماً كبيراً باعتبارها بوّابة الإسلام إلى شرق أفريقيا، وذلك من عام 1984م إلى 2000م، فقد قامت بمشروعات عديدة، أكثرها تعليمية، وألفت أكثر من 12 كتاباً منهجياً في مادتي اللغة العربية والتربية الإٍسلامية، وكانت تشرف على المعهد الإسلامي لتدريب المعلمين التابع لوزارة التربية، كذلك أنشأت مدارس قرآنية، كما قدمت منحاً دراسية لأبناء الجزيرة إلى الجامعات في السودان.. ولكن في العقدين الأخيرين، قلَّ نشاط المنظمة، وركزت أنشطتها وجهودها خارج الجزيرة في تنزانيا.

«جمعية العون المباشر - لجنة مسلمي أفريقيا»: قامت جمعية العون المباشر الكويتية بأعمال جبارة في زنجبار، وركزت أنشطتها على جوانب عدة؛ كالبرنامج الدعوي؛ حيث يقوم دعاة بتصحيح المسار الدعوي الصحيح ومحاربة البدع والخرافات وإصلاح ما أفسدته الحركات التبشيرية والتنصيرية، كذلك قامت الجمعية بفتح المكاتب القرآنية، إضافة إلى بناء دور لرعاية الأيتام فيها، وأيضاً ركزت الجمعية أنشطتها في التعليم وبذلت جهداً كبيراً لإنعاش التعليم في الجزيرة، وخاصة الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وعلى هذا الأساس فتحت مدرسة الإحسان الثانوية للبنات، ومدرسة ابتدائية،  كما أنشأت الجمعية عام 1998م كلية التربية في زنجبار التابعة أكاديمياً إلى جامعة أفريقيا العاليمة بالسودان، وكانت الدراسات الإسلامية واللغة العربية أول التخصصات التي تدرس في الجامعة؛ فتخرج فيها مئات من الأكاديميين الزنجباريين وغير الزنجباريين، حاملين جميع التخصصات المختلفة في التربية وفي مقدمتها الدراسات الإسلامية واللغة العربية، وكان الهدف من إنشاء تلك الكلية إعداد معلمين أكفاء يحملون الأمانة العلمية للجيل الناشئ ولخدمة المجتمع والبيئة المحلية.

دار الإيمان السعودية: هي مؤسسة ثقافية تعمل في النهوض بالمجتمع الإسلامي الزنجباري، فقد أنشأت جامعة باسم «جامعة زنجبار تونجو»، وتتكون من كلية الشريعة والقانون، وكلية الاقتصاد والإدارة، وكلية الآداب، وهي ثاني جامعة في زنجبار، والشيء الغريب أن أول جامعة تابعة للدولة أنشئت عام 2004م.

جمعية تحفيظ القرآن الكريم: وهي جمعية مسجلة رسمياً لدى الدولة، ومتعاونة مع الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، وأهم أعمالها: الإشراف على مدارسها القُرآنية، وبناء المدارس القُرآنية النموذجية، وإقامة مُسابقات للقُرآن الكريم محلياً وإقليمياً.

أولحكومةائتلافية

تحكم زنجبار الآن حكومة ائتلافية جاءت عقب إجراء استفتاء، على أن يقتسم السلطة الحزب الحاكم (حزب تنزانيا الثوري)، والحزب المعارض (حزب الجبهة الشعبية الموحد)؛ تفادياً للتوترات التي طالما حدثت بعد الانتخابات التي كان يراها المراقبون أنها كانت تزوَّر لصالح الحزب الثوري الحاكم؛ إبعاداً لحزب الجبهة الشعبية الموحد المعارض بزعامة سيف شريف حمد من الحكم الذي له توجهات إسلامية، ويضم غالبية السكان من ذوي الأصول العربية.

وأسس حمد «حزب الجبهة الشعبية الموحد» بعد عزله عن منصبه كرئيس للوزراء في زنجبار عام 1988م، وطرده من المجلس الثوري بحجة معارضته لأهداف الحزب، وتعريض وحدة تنزانيا للخطر، ورئيس زنجبار الحالي هو علي محمد شين الذي كان نائب رئيس تنزانيا سابقاً والمنتمي لحزب «تنزانيا الثوري».

ويرجع الفضل الكبير لتسوية الخلافات في زنجبار والتعايش السلمي فيما بينهم إلى رئيس تنزانيا الحالي «جكايا ككويتي» المسلم الذي عمل كثيراً لصالح المسلمين في تنزانيا وزنجبار، وأصلح كثيراً ما أفسده «مكابا» رئيس تنزانيا السابق المسيحي؛ واختار التنزانيون «ككويتي» لولاية رئاسية ثانية عام 2010م، وخاصة المسلمين منهم الذين يشكلون الأغلبية في تنزانيا، ليكمل من خلالها مشاريعه العملاقة التي بدأها، وليتمكن من إزالة عقود من الظلم والتهميش التي تعرضت له الأغلبية المسلمة.>

 

 

 

انكشف للزنجباريين حقيقة الخديعة العظمى المسماة «الاتحاد بين الدولتين والدمج بينهما»، وتيقنوا أن الاتحاد ما كان إلا استيلاء واستحواذاً على أراضيهم، وبرزت العداوة بعد انتخابات عام 2000م، والتي اتُهمت الحكومة في حينها بتزوير الانتخابات في زنجبار لصالح «أماني كرومي»، نجل قائد الانقلاب الدموي، ولم يقبل حزب «الجبهة الشعبية المتحد» المعارض بقيادة «سيف شريف حمد»، نائب الرئيس الحالي، نتائج الانتخابات، وأدى ذلك إلى أعمال عنف راح ضحيتها 23 شخصاًً، ونزح كثيرون إلى شتى بقاع الأرض.

عدد المشاهدات 3437

موضوعات ذات صلة