د. عصام الفليج

د. عصام الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

سألت صديقي: كيف استطعتم تربية أبنائكم هذه التربية الراقية وأنتم في ألمانيا؛ الشباب محافظون، والبنات محجبات أفضل من حجاب بلادنا، ويتسمون جميعاً بالأدب والخلق الرفيع والالتزام الديني الجميل، رغم ما يتعرضون له يومياً من مشاهد ومواقف؟ فأجاب: الفضل بعد الله تعالى يعود للنساء، فقبل سن المدرسة يأخذن الأطفال يومياً إلى المركز الإسلامي، وهناك يقمن بتعليمهم وتربيتهم تطوعاً وتعاوناً، منذ الصباح حتى العصر، ويستكملون باقي الأمور في المنزل، وإذا دخلوا المدرسة يحصلون على متابعة مسائية يومية من الوالدين، ويستكملون الباقي يومي السبت والأحد في المسجد، فحافظنا على هويتنا الإسلامية بكل ثقة واقتدار.. انتهى.

تتركز مشكلة العديد من الناس في الاتكالية وعدم المبادرة، فهم ينتظرون من يخطط لهم، ومن ينفذ لهم، وأحياناً من ينفذ عنهم، وهذه لعمري قمة الاستسلام للواقع حتى لو كان ضدنا.. فهم ينتظرون من يوفر لهم مكاناً للصلاة، ومن يفرشه، ومن يوفر التدفئة، ومن ينظم الدروس، و.. و..! وإذا لم يتوافر لهم ذلك، صلوا في رحالهم!

وهم أيضاً ينتظرون من يوفر لهم مدرسة، سواء نظامية أو مسائية، ولا يبادرون ولا يدعمون ولا يشجعون بقدر ما ينتقدون، وإذا لم يتوافر لهم ذلك، تاهوا أبناءهم في الشوارع والطرقات.

يقول صديق في بريطانيا: كنت فتى شقياً، لم أتعلم شيئاً من الدين ولا التربية، لانشغال والدي بالعمل طوال الأسبوع (كانوا في السابق يمتهنون العمالة الوافدة، فيعملون 6 أيام، 12 ساعة يومياً)، وكانت والدتي أمية، وحصل معي يوماً شجار عنيف أدخلني النظارة، وكاد أن يدخلني السجن، فشعرت بخطورة ذلك على مستقبلي، فبدأت أفكر بترتيب نفسي أولاً لدى شيخ المسجد، ثم قررت العمل لبناء مركز إسلامي يحوي مسجداً ومدرسة وأنشطة للشباب.. انتهى.

وهنا بيت القصيد.. «التعليم»، فنحن أحوج ما نكون الآن في بلاد غير المسلمين لإنشاء مدارس نظامية إسلامية الفكر والقيم والمنهج، ولتكن وفق قوانين البلد ومناهجه، لأن الطلبة سيعيشون في هذه البلاد.. كما نحتاج إلى مدارس مسائية أيضاً، تعلّم القرآن الكريم واللغة العربية والتربية الإسلامية، ومنها يقضي الطلبة وقت فراغهم بما هو مفيد.. أضف إلى ذلك مدارس السبت والأحد الشهيرة، وبالأخص في بلاد الغرب.

وينبغي للقائمين على تلك المدارس أن يواكبوا التطور العلمي والتقني، بحيث لا تكون المدرسة متواضعة لأنها إسلامية، ولا يجوز أن يكون المعلم المسلم أقل كفاءة من غيره، بقدر ما يسعى لتطوير نفسه فكرياً وثقافياً وعلمياً، ليستطيع استيعاب الطلبة الذين جاؤوا من كل منبع مختلف، ويحببهم تعلم أمور الدين لأنها جزء من حياتهم ومستقبلهم.

أعجبتني مبادرتين رائعتين؛ في أستراليا (إسراء)، وفي بريطانيا (نداء)، وهما مؤسستان تقومان على تهيئة المعلمين المسلمين بأفضل مستوى، كما توجهان المعلمين غير المسلمين إلى كيفية التعامل مع الطلبة المسلمين، والتعرف على القيم اليومية التي يعيشونها.. كانت مبادرات فردية، جعلت الجامعات ووزارة التربية تعتمد برامجهما، وتنسق معهما في ذلك.

لقد أشغلتنا الدول صانعة الحروب بعمليات الإغاثة، وتناسى الناس التنمية العقلية والفكرية والعلمية، فالتعليم أحد أبرز أهداف التنمية المستدامة في الأمم المتحدة، مثل الإغاثة والصحة والبيئة.. وغير ذلك، فلا ينبغي أن نضحي بأبناء المسلمين والانشغال عنهم، ولا بد من مبادرات محلية في أوروبا وأمريكا لإنشاء المزيد من المدارس الإسلامية عالية الجودة، والسعي لإضافة القيم الإسلامية في مدارس الدولة، بالتنسيق مع جهات الاختصاص، فأعداد المسلمين فاقت غيرهم، ويستحقون أن توليهم الحكومات الغربية الاهتمام الخاص.

لقد توقفنا عن إعطاء الفقير سمكة، وأعطيناه سنارة ليصطاد ويأكل ويبيع ويربح، لكننا لم نعلمه كيف يصنع السنارة!

والدعوة موصولة للدول الإسلامية الكبرى ورجال الأعمال لتبنّي بناء المدارس في بلاد غير المسلمين، ولو بشكل تجاري، فبعد التعلم الصحيح ستقل الأمراض والانحرافات الفكرية والأخلاقية، وترتقي القيم الإسلامية.. فهل من مبادر؟

اشتملت كلمة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، التي ألقاها سمو الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء، أمام الدورة (73) للجمعية العامة للأمم المتحدة على العديد من الملفات الدولية الحساسة، التي بعثت رسائل واضحة المعالم تجاه ما يحدث في العالم من اضطرابات سياسية وإنسانية، تحتاج إلى تدخل فاعل وحقيقي من الأمم المتحدة.

وتتميز كلمات سمو الأمير عادة بالشمولية، فقد بلغ عدد المواضيع التي حوتها الكلمة 12 موضوعاً، وهي: هيكلة الأمانة العامة للأمم المتحدة، وطلب عضوية عربية دائمة في مجلس الأمن، وإصلاح مجلس الأمن، والقضية الفلسطينية، والأزمة السورية، والأزمة اليمنية، وملف "الإرهاب"، وإعمار العراق، وإيران، وأقلية الروهنجيا المسلمة في ميانمار، وأهداف التنمية المستدامة 2030م، والمساعدات التنموية، وهذا يؤكد مدى حرص سموه على الاهتمام بالقضايا العالمية، وبالأخص القضايا الإنسانية، التي استحق أن يكون "قائداً إنسانياً عالمياً".

كان الدخول في الكلمة ذكياً، حيث تطرقت إلى أساس إنشاء الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وهو تجنب الحروب والعواقب الكارثية على الإنسانية. ولتغير الأوضاع السياسية في العالم؛ كانت المطالبة بتعزيز فعاليتها من خلال إعادة هيكلة الأمانة العامة.

وطالبت الكلمة تمثيلاً عربياً دائماً في مجلس الأمن، يتناسب مع عدد الدول العربية، وحجم مساهماتها في دعم أنشطة الأمم المتحدة، مع ضرورة إصلاح مجلس الأمن من أجل تعزيز مصداقيته.

وجاءت تلك المطالبات بعد ممارسة عملية ناجحة لدولة الكويت منذ شغلها رئاسة مجلس الأمن (رغم أنها عضو غير دائم)، والتعامل بموضوعية وحيادية مع مختلف القضايا، لإعلاء سيادة القانون الدولي، واحترام حقوق الإنسان.

وهذا يؤكد اهتمام دولة الكويت بالإنسان كإنسان، فاستحقت لقب "مركز إنساني عالمي".

وليس من الغريب أن تتصدر القضية الفلسطينية أول الملفات الدولية في الكلمة، فالكويت كانت وما زالت من أكثر الدول اهتماماً بالقضية الفلسطينية بمصداقية وشفافية وحب صادق.. ويصادف هذا العام 2018م الذكرى السبعين لصدور أول قرار أممي بشأن الاحتلال الصهيوني (رقم 56 عام 1948م)، وتلاه عشرات القرارات الأممية التي لم تطبق، وآخرها القرار (2334) الذي طالب بالكف عن التوسع الاستيطاني دون جدوى، لتستمر "إسرائيل" في تجاهل قرارات الشرعية الدولية.

وأشار سموه إلى تواصل "إسرائيل" هجماتها المدنسة لقدسية الحرم القدسي الشريف، وانتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان، مع اعتقال آلاف الأطفال والشباب دون جريمة، وعشرات الاعتداءات العسكرية على قطاع غزة ومحاصرته، واستخدام الأسلحة المحرمة التي راح ضحيتها مئات الأبرياء من الأطفال والنساء، مخالفة معاهدة جنيف عام 1949م لحماية المدنيين وقت الحرب.

تلى ذلك طرح ملف "الأزمة السورية" في عامها الثامن، مع أكثر من نصف مليون شهيد، وأكثر من مليوني جريح (بعضهم إعاقة دائمة)، وأكثر من 12 مليون لاجئ ونازح، واستمرار اعتداء النظام السوري على شعبه الأعزل، والقصف الروسي المتوالي على الأبرياء، والتدخل الإيراني المستباح، والدعوة لتنفيذ القرار (2401) الذي تم اعتماده بالإجماع، وتطبيق القرار (2254) بشكل سلمي.

وكان ملف "الأزمة اليمنية" حاضراً في عامها الرابع، واستمرار تهديد جماعة الحوثي لأمن المنطقة، وإطلاق الصواريخ على السعودية، والتأثير على الملاحة البحرية وباب المندب، وتدهور الأوضاع الإنسانية بسبب الانقلاب على الشرعية الأولى والثانية، والمطالبة بالحل السياسي استناداً للمرجعيات الثلاث: المبادرة الخليجية، والحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن والقرار (2216).

ثم جاء ملف "الإرهاب" في العالم أجمع، وبالأخص تنظيم "داعش"، وضرورة تكوين تحالف دولي لمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله.

وأشارت الكلمة لاستضافة الكويت لمؤتمر "إعمار العراق"، وتقديم كل الدعم لهم، وهذه لفتة إنسانية رائعة، رغم مأساة الاحتلال العراقي السابق للكويت.

وطالبت الكلمة من إيران ترسيخ حسن الجوار والاحترام المتبادل، فتدخلها الإداري والعسكري الممتد في العراق ثم في سورية، واختراق الدولتين لبنان واليمن سياسياً وعسكرياً، إضافة لخلايا التجسس وترسانة الأسلحة وإثارة الفتن في دول الخليج العربي، لها آثارها السلبية في استقرار المنطقة برمتها.

وتبقى أزمة "الروهنجيا" المسلمين في ميانمار، وضرورة محاسبة المسؤولين فيها عن الجرائم التي ارتكبت في حقهم، وتقديم المساعدة العاجلة للاجئين منهم في بنجلاديش.

وأكدت الكويت التزامها بتحقيق "أهداف التنمية المستدامة 2030م" تحت مظلة الأمم المتحدة، والمساهمة في القضاء على الفقر، والمساواة في التعليم والصحة، والتصدي لآثار تغير المناخ، واستيعاب المهاجرين واللاجئين، مع أهمية اعتماد "الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنتظمة".

وقدمت الكويت في ذلك رؤية مستقبلية "كويت جديدة 2035م"، والسعي لتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري وثقافي.

وتصدرت الكويت الدول المبادرة لتقديم "المساعدات التنموية" للدول النامية والدول الأقل نمواً، وحتى الدول المستقرة، متجاوزة 110 دول حتى اليوم.

وتعد هذه الكلمة المستفيضة رسالة عالمية لاهتمام الكويت بالإنسان والأمن والأمان، مناشدة الجميع الالتزام بمواثيق الأمم المتحدة، حتى يعيش الكل بسلام، مادة يد العون والمساعدة للجميع، فكانت معاني إنسانية رائعة، وفكراً سياسياً قديراً، وعمقاً دبلوماسياً، وفهماً إستراتيجياً لأحداث المنطقة.

ونسأل الله عز وجل أن يحفظ كويتنا الحبيبة وجميع بلاد المسلمين من كل شر.

الأحد, 02 سبتمبر 2018 11:29

لا نجاح بلا امرأة

أثبتت المرأة عبر التاريخ أنها النصير الأول للرجل في كل مكان، بدءاً من البيت والأسرة، ومروراً بجميع مناحي الحياة العملية والعلمية والأمنية والتربوية والاقتصادية.. وغيرها، فلا معنى ولا جمال للحياة بدون امرأة؛ أماً وأختاً وزوجة وابنة وجدة وحفيدة، ولا ميزة بدونها؛ معلمة وداعية وعالمة وطبيبة وباحثة ومهناً إنسانية بلا حدود.

كانت المرأة المؤنس الأول لآدم عليه السلام، وأم النبي عيسى عليه السلام، ونصيرة الرسل والأنبياء، وكانت المرجع الأمني لنبينا عليه السلام في بداية دعوته، والمرجع الشرعي بعد وفاته، و«سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديجة بنت خويلد، وآسية»، «وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، فهؤلاء نساء خلدهن التاريخ بلفظ نبوي كريم.

وكم حفظت المرأة بيتها عند خروج زوجها للجهاد، أو سافر للعمل، والمرأة التي علّمت أبناءها الأيتام حتى باتوا علماء عرفهم التاريخ، والمرأة التي ربّت أبناءها بعد اعتقال زوجها ظلماً وزوراً، والمرأة التي ساندت زوجها في المهجر ومواجهة صعوبات الحياة.

أكدت دراسة أمريكية بجامعة «جون هوبكنز» أن الزوج يشعر بالكآبة عندما تغيب عنه زوجته لفترة طويلة، والأزواج بعد عمر 55 سنة يهملون طعامهم وأعمالهم ومظهرهم الخارجي ويلزمون البيت عند غياب الزوجة، كما تبين الدراسة أن نسبة الوفيات بين الرجال الذين فقدوا زوجاتهم تصل إلى 63%.

ولا شك أن المرأة تؤثر كثيراً في المزاج النفسي للرجل، ففي إحصائية لشركة أدوية ألمانية أشارت إلى أن الرجل الذي توجد في حياته امرأة تكون صحته أحسن وأفضل من الرجل الذي يعيش وحيداً، كما يعاني الرجال نفسياً في حالة الانفصال.

وتقديراً لدور المرأة في الكويت، خصصت جائزة سنوية للأم المثالية، أنشأتها الشيخة فريحة الأحمد الصباح، يرحمها الله، ونكتشف كل عام إنجازات عظيمة لأمهات معظمهن غير متعلمات، فتجد أثرهن في ذرية طيبة؛ علماً وفكراً وثقافة وخلقاً وديناً.

وكما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

وهذه الأمة ولّادة من روائع النساء في كل زمان ومكان، مؤكدة وجودها ونجاحها في كل ميدان، وما علينا سوى الوثوق بها، وإعطائها حقها ومكانتها على كل مستوى، ومن هذه النماذج: م. زها حديد، المعمارية العراقية؛ أول امرأة تحوز جائزة «بريتزكر» للعمارة، وأ. توكل كرمان، الناشطة والكاتبة الصحفية اليمنية، اختيرت إحدى 7 نساء أحدثن تغييراً في العالم من منظمة «مراسلون بلا حدود»، وأول امرأة عربية تفوز بجائزة «نوبل للسلام» عام 2011م، ود. سميرة موسى، عالمة الذرة المصرية، التي رفضت العمل مع أمريكا، فتم اغتيالها عام 1952م، وأ. أمينة بليك، نائب رئيس الرابطة الإسلامية على مستوى بريطانيا، ود. غادة المطيري، السعودية الفائزة بجائزة الإبداع العلمي في أمريكا (3 ملايين دولار) لاكتشاف «الفوتون»، وهو معدن يتيح للضوء أن يدخل الجسد ويصل إلى الخلايا دون الحاجة لفتح الجسم لإجراء عمليات جراحية، وأ. معالي العسعوسي، الناشطة في خدمة المنكوبين باليمن وسط القصف، وغيرهن كثير.. كثير.

فلتبرز المرأة في كل مجال ومكان وزمان، ولتكن الداعم الرئيس للرجل؛ أباً وأخاً وزوجاً وابناً، وأقولها بكل صراحة: «لا نجاح بلا امرأة».

الثلاثاء, 28 أغسطس 2018 02:09

هل مازال التعلق بالشام قائماً؟!

بعد انطلاق الثورة المدنية السلمية في الشام، ومواجهتها من قبل النظام البعثي بالسلاح القاتل والمدمر، واضطرار خروج الآلاف من النساء وكبار السن والأطفال إلى البلاد المجاورة، تشكلت جبهات قتالية جهادية كثيرة في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأذكر في أول زيارة إغاثية للاجئين السوريين في الأردن، كنا ندعو لهم بالاستقرار والأمن والأمان، وعودتهم قريباً إلى البلاد، كانوا يتكلمون بكل تفاؤل بأنهم سيعودون بالكثير خلال أسبوعين، ومر العام الأول، ورمضان الأول، والعيد الأول دون أي تقدم يذكر، وازداد عدد المهجرين إلى الأردن بمئات الآلاف، وتجاوز عددهم في تركيا المليونين، ونظمت الهجرات المبرمجة إلى أوروبا لحوالي المليونين، ودخل النزال الجيشُ الإيراني، ثم الطيرانُ الروسي، وعلى استحياء السلاح الأمريكي، ومليشيات حزب الله، ومرتزقة أوروبا الشرقية، إضافة إلى "داعش" والجيش النظامي البعثي واختراقات أمنية لا حدود لها، حتى بات الشعب السوري الأعزل مطوقاً من كل هؤلاء؛ فتم قتل ملايين الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد من كل أولئك، وقصفوا الأحياء السكنية والتجارية والصناعية، ودمروا البنية التحتية، ومازال الوضع كما هو سياسياً، مع تراجع شعبي عسكري وأمني، وانسحاب تدريجي لقوى الدعم، وصمت الدول الكبرى أمام كل هذه المجازر.

واستحضرت في هذا العيد، وقد تجرعنا خلال 8 سنوات الألم والقهر، قصيدة الشاعر نزار قباني وكأنه يعيش الحدث معنا، التي قال فيها:

يا عيد عذراً فأهل الحيِّ قد راحوا *** واستوطن الأرض أغراب وأشباحُ

يا عيد ماتت أزاهير الرُّبى كمداً *** وأوُصِدَ الباب ما للباب مفتاحُ

أين المراجيح في ساحات حارتنا *** وضجَّة العيد والتَّكبير صدَّاحُ؟

الله أكبر تعلو كل مئذنة *** وغمرة الحبِّ للعينين تجتاحُ

أين الطُّقوس التي كنَّا نمارسها *** يا روعة العيد والحنَّاء فوَّاحُ؟

وكلنا نصنع الحلوى بلا مللٍ *** وفرن منزلنا في الليل مصباحُ

وبيت والدنا بالحبِّ يجمعنا *** ووجه والدتي في العيد وضَّاحُ

أين الذين تراب الأرض يعشقهم *** فحيثما حطَّت الأقدام أفراحُ؟

أين الذين إذا ما الدَّهر آلمنا *** نبكي على صدرهم نغفو ونرتاحُ؟

هل تذكرون صلاة العيد تؤنسنا *** وبعضهم نائم والبعض لمَّاحُ؟

وبعدها يذهب الإخوان وجهتهم *** نحو المقابر زوَّاراً وما ناحُوا

لكن أفئدة بالحزن مظلمة *** وأدمع العين بالأسرار قد باحُوا

كنا نخطِّط للأطفال حلمهم *** ونبذل الجُّهد هم للمجد أرواحُ

تآمر الغرب والأعراب واجتمعوا *** فالكل في مركبي رأس وملَّاحُ

وأين أسيافنا والجَّيش عنترة *** وأين حاتمنا هل كلهم راحُوا؟

يا عيد عذراً فلن نعطيك فرحتنا *** مادام عمَّت بلاد الشَّام أتراح

لكن القاعدة عندي أنه لا يأس مع الحياة، ولا قنوط من رحمة الله، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، والتفاؤل هو ديدني، فقد رأيت أهل الشام قد انتشروا في أوروبا ونشروا معهم الأخلاق العربية الأصيلة، من الأدب والكرم وحسن التعامل مع الآخرين، وأنشؤوا المساجد وحلقات القرآن الكريم، وفتحوا المطاعم والمحلات، وأثبتوا وجودهم كفئة منتجة لا تمد يدها لأحد، وقد سبقهم آلاف المهاجرين إبان مجزرة حماة الشهيرة عام 1982م، وكلهم ينتظرون تلك اللحظة التي يعودون فيها إلى بلادهم، ولم ييأسوا من ذلك الأمل، ولم يتفرنجوا أو يتغربوا، كما لم يستسلموا على الجانب السياسي رغم حجم الاختراقات الكثيرة؛ مسلمين ومسيحيين، رجالاً ونساء، واحتفظوا بلهجتهم الشامية الجميلة، لاقتراب موعد العودة إلى الوطن بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز.

جاء عيد وذهب عيد، وما زال الشام بيد من هم لغيرهم عبيد، ولكن المرابطين لم يخشوا من التهديد والوعيد، ولم ييأس المهاجرون من العودة من جديد، وما زالوا يخططون لعودة وطنهم البعيد، ويرثون الذكريات جيلاً بعد جيل لغد مجيد.

وأسأل الله أن يعجل عودة المهاجرين بأسرع وقت، ليعيشوا في وطنهم بأمن وأمان، بعيداً عن ظلم العسكر والبعث ومن والاهم، وهنيئاً لأهل الشام دعوة النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لنا في شامنا"، وأن "فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام"، وأمر الناس "عليكم بالشام" عندما تخرج النار من حضرموت قبل يوم القيامة، فأبشروا بالخير الذي لا نعلمه.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top