طباعة

    "المجتمع" ترصد الوضع السياسي والإنساني في "إريتريا"

19:44 24 فبراير 2014 الكاتب :   صالح محمد عثمان

تطل إريتريا على مضيق باب المندب الممر المائي المهم في المنطقة، والذي يعتبر المنفذ الإستراتيجي الذي تمر به أكثر من (60%) من احتياجات الدول الغربية من الوقود، وتمتلك إريتريا أكثر من (1000كم) على الشاطئ الغربي للبحر الأحمر و(126 جزيرة) تتحكم على بوابة باب المندب، وهو ما جعل إريتريا محط أنظار القوى الاستعمارية من البرتغاليين والإيطاليين والبريطانيين والأمريكيين والإثيوبيين.

ولنفس الأهمية يصر الكيان الصهيوني على تواجده المستمر والمكثف متعدد الأوجه في إريتريا، سواء كان في فترة الاستعمار الإنجليزي في أربعينيات القرن الماضي، ومن بعده في فترة الاستعمار الإثيوبي الذي امتد إلى 1991م، أو من بعد استقلال إريتريا، حيث وجد الكيان الصهيوني الترحيب والتسهيلات اللازمة من نظام الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا حالياًً. 

وتزخر إريتريا بخيرات وفيرة من الذهب والغاز والمعادن المختلفة والأسماك، كما تتمتع بإمكانات السياحة، وكان من الممكن أن يعيش مواطنوها في رفاهية، بل وتفيض على غيرها، ولكنها ابتليت بفترات استعمارية متعاقبة، وحتى بعد إعلان استقلالها من إثيوبيا بعد نضال مرير في عام 1993م نكبت بحكم ديكتاتوري على مدى 21 عاماً، هنا نستعرض ملامح هذا النظام الذي يفتقد للشرعية الدستورية والشعبية، وأثره على واقع الحياة في إريتريا. 

حال النظام الحاكم 

لا يصدق غير المتابع عن كثب حالة هذا النظام، ويعتقد البعض أن «أسياس أوفورقي» مجرد دكتاتور يعتقل بعض السياسيين المخالفين له، ولكنه يعمل لتنمية البلد وتطويرها، ولكن الواقع أنه لا يوجد على البسيطة نظام مثيل له حتى الآن، ويمكن أن نوجز حالة هذا النظام في الآتي:

1- مضى على استقلال إريتريا أكثر من 20 عاماًً ولا يوجد ــ حتى الآن ــ دستور يقنن للحياة السياسية، ويحفظ الحقوق، ويكفل الحريات العامة، كما تعاني إريتريا من نقص واضح في التشريعات التي تتطلبها الدولة المدنية في جوانبها المختلفة.

2- لا توجد أي حريات سياسية، أو قضاء مستقل، أو حريات إعلامية، فهناك قناة واحدة في إريتريا ناطقة باسم النظام، وصحيفة واحدة تعبر عن وجهة نظر الرئيس، كما لا توجد انتخابات أو أي شكل من أشكال الأحزاب ولو ديكورية.

3- المعتقلات مفتوحة على مصراعيها؛ حيث بدأ بالدعاة والمعلمين الإسلاميين من خريجي الجامعات العربية، ثم بالصحافيين والسياسيين، ثم كل من يحمل رأياًً حراً مستقلاً، ولم يتم تقديم أي منهم إلى المحاكمة، ولا يعرف ذووهم مصيرهم؛ إن كانوا أحياءً أم أمواتاًً، وقد طالت الاعتقالات وزراء من النظام، وقد طالبت منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية بالكشف عن مصير هؤلاء المعتقلين، ولكن النظام لا يستجيب

4- فرض التجنيد الإجباري الذي لا ينتهي أمده على الجميع من عمر 18 سنة إلى عمر 50 سنة، ولا يُستثنى منه أحد حتى النساء، مما دفع الشباب الإريتري إلى الهجرة خارج وطنه بمعدلات مخيفة، وهو ما ينذر بمستقبل قاتم لهؤلاء الشباب، وللوطن الذي أفرغ من قواه الواعدة. 

5- التضييق على المواطن في معيشته؛ حيث لا يستطيع أن يتصرف في محصوله الزراعي إضافة إلى الضرائب الباهظة التي تفرضها الدولة وكأنها تتعمد إفقار الشعب، والأسوأ هو تجنيد كل القادرين على العمل في الجيش ليعملوا في مشروعات حزب الجبهة الشعبية، ومشروعات المتنفذين، ذلك دون مقابل (برنامج السخرة) هذا فضلاًً عن سيطرة واحتكار جنرالات النظام للتجارة ووسائل الإنتاج. 

6- قصر الوظائف الأساسية في الدولة على العنصر المسيحي؛ حيث توضح الإحصاءات أن نسبة المسلمين في الخدمة المدنية، وفي القيادات العليا في الجيش تشكل فقط 9% مع أنهم يعتبرون أغلبية السكان، كما خُص المسيحيون بالبعثات الدراسية الخارجية، وامتيازات الاستثمار.

7- توطين المسيحيين الموالين للنظام في مناطق المسلمين الخصبة. 

8- التضييق على اللغة العربية من خلال مضايقة المعاهد والمدارس العربية والإسلامية، ورفض المنح الدراسية التي قدمتها الدول العربية، كما رفض توظيف خريجي الشرق الأوسط في الدولة بذرائع واهية.

9- رفض النظام عودة اللاجئين الإريتريين الموجودين بالسودان الذين يتجاوزعددهم المليون لاجئ، والجدير بالذكر أن أكثر من نصف سكان إريتريا هم اليوم لاجئون في دول العالم، ولا تزال حركة اللجوء إلى دول الجوار مستمرة بمعدلات مخيفة، ويتعرض هؤلاء الشباب اللاجئ إلى مخاطر جمة في طريق بحثهم عن حياة آمنة، بسبب عصابات الاتجار بالبشر التي تتربص بهم، فضلاًً عن وعورة الطرق الأخرى التي يسلكونها، وهي في الغالب محفوفة بالمكاره، وأحياناًً بالموت المحتم. 

10- خلق توترات في الإقليم والدخول في حروب غير مبررة مع كل دول الجوار الإريتري، وتجييش الشعب الإريتري من أجل جعله وقوداًً لمعارك عبثية.  

11- الدخول في تحالفات مشبوهة مع الكيان الصهيوني، ومنحه كل الامتيازات في الجزر الإريترية، وقواعد مراقبة في عدد من الجبال العالية الواقعة جنوب إريتريا.

12- وللمزيد من إثارة القلاقل في المنطقة، فقد قدم نظام «أسياس أوفورقي» تسهيلات وامتيازات كبيرة لإيران على بعض الموانئ والجزر الإريترية، ومن خلالها ترسل إيران الأسلحة والمساعدات إلى الحوثيين في اليمن.

13- أصدرت عدة منظمات غربية لأعوام متتالية شهادات إدانة بحق نظام «أسياس أوفورقي» لانتهاكاته المتكررة لحقوق مواطنيه في كافة المجالات، مثل «هيومن رايس» و«منظمة العفو الدولية»، و«مراسلون بلاحدود» وغيرها، وقد أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم (1844) لعام (2008م) بفرض عقوبات دولية على إريتريا ثم أكده بالقرار رقم (1862) لعام (2009م) والقرار رقم (1907) لعام (2009م) وأخيراًً القرار رقم (2023) لعام (2011م).

المعارضة الإريترية 

يعارض غالبية الشعب الإريتري في الداخل والمهجر نظام «أسياس أوفورقي» سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى منظمات المجتمع المدني، وهناك تنظيمات سياسية إريترية معارضة تمثل كل ألوان الطيف السياسي تواجه هذا النظام بوسائل النضال المختلفة، وقد اتفقت هذه التنظيمات على إقامة كيان جامع يعبر عنها باسم (المجلس الوطني للتغيير الديمقراطي) انبثق من مؤتمر ناجح عقد في إثيوبيا في نوفمبر 2011م شارك فيه حوالي 600 شخص إريتري وفدوا من كل القارات، اتفقوا على ميثاق سياسي، وخارطة طريق وبرنامج المرحلة الانتقالية، ونظام أساسي، ومسودة دستور وطني، انتخب المؤتمر من بين عضويته مجلساً وطنياً يتكون من 127عضواًً ضم القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشباب والمرأة وقدامى المحاربين من الرعيل الأول، ومكتباً تنفيذياً من 22عضواً برئاسة د. يوسف برهانو، يسعى المجلس الوطني إلى تأطير الإريتريين المعارضين في الشتات، كما يسعى إلى نيل الاعتراف به كممثل شرعي للشعب الإريتري. 

الدور العربي والدولي المطلوب

 - دعم ومساندة المعارضة الإريترية ممثلة في المجلس الوطني للتغيير الديمقراطي، حتى يتمكن الشعب الإريتري من إسقاط النظام الاستبدادي الجاثم على صدر الشعب، والاتيان ببديل ديمقراطي تعددي يمثل الجميع. 

- حجب الدعم السياسي والاقتصادي عن نظام «أسياس أوفورقي» الدكتاتوري، والجدية في تطبيق العقوبات عليه دون أن تؤثر على الشعب المقهور المسجون داخل الوطن.

- تبني قضية اللاجئين الإريتريين الذين يفرون من قهر النظام، ويسقطون في أيدي مافيا الاتجار بالبشر بمجرد خروجهم من إريتريا طلباًً للأمن والاستقرار، حيث تُكرههم هذه العصابات على دفع فدية مالية كبيرة يعجز أغلبهم عن دفعها، وقد وثق ذلك عدد من الباحثين الأوروبيين الذين أكدوا مقتل أعداد تتراوح بين (5000 إلى 10000 لاجئ) في الفترة من 2009م إلى 2013م على يد تلك العصابات معظمهم من إريتريا. كما قدرت المبالغ التي ابتزتها هذه العصابات بـ 600 مليون دولار في صورة فدية  في الفترة المذكورة أعلاه، 90% من ضحاياهم من الإريتريين.

- وفي حالة عدم الدفع تقوم تلك العصابات بتقطيع أوصالهم وبيعها كقطع غيار! 

- تقديم الخدمات الضرورية الصحية والتعليمية والإغاثية للاجئين المكدسين في كل من السودان وإثيوبيا واليمن والذين يعيشون أوضاعاً مزرية بعد أن تناستهم المنظمات الدولية. 

- تبني معاناة الشعب الإريتري في المحافل الدولية والمنظمات الدولية من أجل الضغط على هذا النظام الدكتاتوري ليعدل من سلوكه أو يتم إزاحته.

الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية 

يعتبر امتداداًً لجهاد الشعب الإريتري المسلم منذ أربعينيات القرن المنصرم، ويسعى الحزب للدفاع عن المسلمين في إريتريا وعن حقوقهم الدينية والثقافية والقومية، يأخذ بمنهج الوسطية والاعتدال، وقد أعلن عن أهدافه وهي: ــ 

1- الحفاظ على إريتريا بحدودها المعترف بها أرضاًًً وشعباً، وصيانة الوحدة الوطنية الإريترية.

2- رفع الظلم الواقع على المسلمين الإريتريين، ورد الاعتبار إليهم كمواطنين باعتبارهم يشكلون الأغلبية السكانية. 

3- إعادة الاعتبار للغة العربية كلغة رسمية لإريتريا بجانب التقرينية كما أقرها الدستور الفيدرالي في عام (1952م) باعتراف الأمم المتحدة وقتئذ. 

4- السعي لبسط العدل والحريات والاستقرار والتنمية في إريتريا. 

5- العيش بسلام وتعاون مع الجوار الإريتري ودول العالم وحل الإشكاليات ــ إن وجدت ــ بالطرق السلمية.

 

عدد المشاهدات 1931