الأدوية المزيفة.. وباء العصر

11:54 03 أغسطس 2014 الكاتب :   ترجمة: جمال خطاب
تجارة تزييف الأدوية تقدر بنحو 600 مليار دولار

مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي: تجارة تزييف الأدوية تقدر بنحو 600 مليار دولار

منظمة الصحة العالمية: 30% من الأدوية التي يتم توزيعها في العالم الثالث أدوية مزورة و50% من الأدوية التي تباع عبر الإنترنت أدوية وهمية

دراسة مصرية: - 7% من الأدوية المغشوشة في العالم موجودة بالسوق المصرية

- 60% من الأدوية في السوق اليمنية مزوَّرة

- انتشار الأدوية المزيَّفة يؤدي لتآكل الثقة العامة في نظم الرعاية الصحية وبائعي الأدوية الحقيقية الصحة العالمية: مليون حالة وفاة بالملاريا يمكن تفاديها لو كانت كل الأدوية المقدمة للمرضى حقيقية تقارير صحفية: وباء المنتجات الدوائية المزيَّفة يجتاح آسيا وأفريقيا

 

قاتل يتسلل إليك أينما كنت، بل إنك أنت الذي تقوم باستدعائه، وتقوم بالبحث عنه في كل مكان حتى تجده؛ فتدفع له الثمن وتحتفل به.. إنه الدواء المزيَّف، ذلك الوباء الذي انتشر انتشار النار في الهشيم في أنحاء العالم، وخصوصاً في الدول النامية!

ووفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، فإن تجارة تزييف الأدوية تمثل ما يقدر بنحو 600 مليار دولار في التجارة العالمية، وربما تصبح الجريمة الأبرز في المستقبل «جريمة القرن 21»، داء يرتدي ثوب الدواء ليقتل الملايين كل عام، حسب منظمة الصحة العالمية، ويجعل المرضى يفقدون الثقة في كل العلاج والمعالجين والدواء وكل المنظمات وكل المنظومة العلاجية.

 مصطلح «الأدوية المزيَّفة»، حسب قاموس «بلاك للقانون»، يستخدم لوصف الدواء الذي ينتجه شخص آخر أو هيئة غير الشركة المصنعة الأصلية، عن طريق نسخ أو تقليد المنتج الأصلي من دون سلطة أو حق، بغرض الخداع أو الغش، ومن ثم تسويق نسخ مزورة أو مقلّدة للدواء الأصلي.

والدواء المزيَّف، حسب تعريف منظمة الصحة العالمية: «هو واحد من الأدوية التي يتم إنتاجها عمداً بطريقة احتيالية، ووضع اسم وهوية ومصدر مزيف عليه، والتقليد يمكن أن ينطبق على كل من المنتجات ذات العلامات التجارية والمنتجات العامة والمقلدة، والمنتجات المقلدة قد تتضمن منتجات تحتوي على مكونات صحيحة أو مكونات خاطئة، بدون وجود للمكونات النشطة على الإطلاق، أو بوجود قليل أو غير كافٍ لها مع تعبئة وتغليف مزيَّف».

مدى خطورة الأدوية المزيفة

ومن المعروف أن مشكلة الأدوية المزيَّفة موجودة في كل من البلدان المتقدمة والنامية، ومع ذلك، فإن المدى الحقيقي للمشكلة لا يعرف على وجه الدقة؛ لأنه لم تُجرَ أي دراسة عالمية بشأنه حتى الآن.

وقد ظهرت مشكلة الأدوية المزيَّفة في التجارة الدولية لأول مرة في مؤتمر لمنظمة الصحة العالمية تحت عنوان «خبراء ترشيد استخدام الدواء في نيروبي» (عاصمة كينيا)، في عام 1985م، ومنذ ذلك الحين، نما الوعي العام لمشكلة الأدوية المزيَّفة، واهتمت كل من الجهات الحكومية والشركات المصنعة بالجهود الرامية إلى منع المشكلة، وتلقت منظمة الصحة العالمية تقارير تتعلق بالأدوية المزورة من بعض الدول الأعضاء فيها على أساس طوعي.. وبناء على هذه المعلومات، فمن المعروف أن المشكلة موجودة في كل من البلدان المتقدمة والنامية معاً.

ووفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، فإن تجارة تزييف الأدوية تمثل ما يقدر بنحو 600 مليار دولار في التجارة العالمية، وربما تصبح «جريمة القرن 21» الأبرز، وقد ورد 46 تقريراً سرياً يتعلق بهذه العقاقير بين يناير 1999 وأكتوبر 2000م من قبل منظمة الصحة العالمية من 20 بلداً، وجاء حوالي 60% من هذه التقارير من البلدان النامية، في حين تم الإبلاغ عن 40% المتبقية من البلدان المتقدمة، وعلى الرغم من أن التقارير التي وردت لم يتم التحقق من صحتها، تظهر المعلومات بوضوح أن المشكلة لا تزال موجودة، وتعكس البيانات أيضاً أن بلداناً قليلة على استعداد لتقديم المعلومات اللازمة حول الحالات المكتشفة.

وشملت الأدوية المقلدة التي رصدتها منظمة الصحة العالمية المضادات الحيوية والهرمونات والمسكنات، والمنشطات، ومضادات الهيستامين، وهذه الأدوية تشكل ما يقرب من 60% من المنتجات المبلغ عنها.

عوامل تشجيع تزييف الأدوية

متنوعة هي العوامل الجاذبة للتزوير، فالأدوية منتجات ذات قيمة عالية وعليها طلب لا نهائي، وعلاوة على ذلك، فالمزيِّف ينتج أدوية مزيَّفة بتكاليف منخفضة جداً؛ إذ إنه يقوم باستخدام بدائل رخيصة أو بدون مواد نشطة على الإطلاق.

والأدوية المزيَّفة لها قدرة أفضل على الخداع، وخاصة إذا تم نسخها بعناية وجعلها تبدو وكأنها المنتج الأصلي، وعلاوة على ذلك، فإن المرضى لا يقومون بالحصول على الأدوية الخاصة بهم بأنفسهم مثل السلع الاستهلاكية الأخرى؛ فالأطباء أو العاملون في مجال الصحة يصفون لهم الدواء، ولذلك يمكن أن يساهم العاملون في الحقل الصحي في الترويج؛ ومن ثم التربح من تلك التجارة، وها هي بعض العوامل التي تشجع تزييف الأدوية.

* انعدام الإرادة السياسية وعدم الالتزام بمقاومة التزييف:

لا ينبغي أن تعامل الأدوية، مثل السلع الاستهلاكية الأخرى، لأنها ذات أهمية حاسمة لتحقيق الأهداف المهمة لتحسين الصحة العامة، ولذلك لا ينبغي أن تعامل بنفس الطريقة كغيرها من السلع، فتطويرها وتصنيعها واستيرادها وتداولها ووضعها ضمن سلسلة التوزيع والاستخدام تتطلب معرفة متخصصة ومهارات خاصة؛ وبالتالي، ينبغي أن تتوافق مع المعايير المحددة، ويجب السيطرة على جودتها بدقة، وهذا يتطلب إرادة قوية والتزام الحكومة بإنشاء وتشغيل سلطة وطنية قوية ومنظمة للأدوية.

* عدم وجود تشريعات مناسبة للأدوية:

التشريعات واللوائح تشكل الأساس لتنظيم الأدوية، حيث لا توجد تشريعات ولوائح تعمل على سيطرة سليمة على الأدوية، ولا يتم التعامل مع النشاط الإجرامي بتزييف الأدوية كجريمة، وقد سن عدد قليل من الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية تشريعات وطنية خاصة لمعالجة مسألة الأدوية المزيَّفة، وعلاوة على ذلك، فالعقوبات المفروضة على المزورين في معظم الحالات ليست رادعة، وعدم وجود تشريعات رادعة يشجع المزورين؛ لأنه لا يوجد خوف من التعرض للاعتقال والمحاكمة.

* غياب أو ضعف المنظمات المختصة بالجودة:

الأدوية تحتاج أن تكون آمنة وفعالة وذات نوعية جيدة؛ من أجل إنتاج التأثير المطلوب، وضمان هذه الخصائص يتطلب إنشاء سلطة وطنية مختصة لمراقبة جودة الأدوية مع ما يلزم من الموارد البشرية وغيرها للسيطرة على تصنيع واستيراد وتوزيع وبيع الأدوية، وفي الوقت الحاضر هناك 20% فقط من الدول الأعضاء (191 دولة) في منظمة الصحة العالمية بها منظمات جيدة للأدوية تنمو نمواً جيداً، ومن الدول الأعضاء المتبقية، حوالي 50% بها منظمات أدوية في مستويات مختلفة من التنمية والقدرة التشغيلية، والـ30% المتبقية إما ليس لديهم تنظيم للأدوية على الإطلاق أو لديهم مقدرة محدودة جداً لا تكاد تعمل، وعندما تكون الرقابة التنظيمية على الأدوية غير كافية وغير فعالة أو ضعيفة فهذا يمكن أن يعزز الاستيراد غير المنظم وفوضى تصنيع وتوزيع الأدوية؛ مما يؤدي إلى انتشار الأدوية المزيَّفة في السوق الوطنية.

* ضعف إنفاذ العقوبات الجزائية:

سن تشريعات رادعة ضد تزييف وحده لن يحل المشكلة؛ لأنه يحتاج إلى أن يطبق، وتستمر الجريمة وتنمو عندما لا يتم فرض القوانين القائمة طالما لم يتم إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم، والعقوبات المخففة للجرائم تميل إلى تشجيع الأنشطة الإجرامية مثل تزوير الأدوية، وخاصة عندما تكون العقوبات على تزييف المنتجات غير الطبية أكثر شدة، وعلاوة على ذلك، فتجاهل حقوق العلامة التجارية قد يشجع تزوير العقاقير على نطاق واسع.

* الفساد وتضارب المصالح:

تتأثر كفاءة الموظفين سلباً بسبب الفساد وتضارب المصالح؛ مما يؤدي إلى عدم تطبيق القوانين، وإفلات المجرمين من العقاب، وتحتاج الحكومات إلى وضع إستراتيجيات للحد من الفساد، ويمكن أن يكون تمكين جماعات المصالح والمستهلكين والجمهور من المشاركة في تنظيم الأدوية ومحاسبة السلطات التنظيمية بشفافية.

* الطلب يتجاوز العرض:

في الحالات التي يكون فيها الطلب على الأدوية يفوق العرض، تميل «مافيات» التزوير للاستفادة من تصنيع وتوزيع الأدوية المزيَّفة بديلاً عن الأدوية الحقيقية، وغالباً ما يتم توزيع هذه الأدوية عن طريق قنوات غير شرعية لا تنتمي للقنوات الصحية التي تراقَب من قبل الدولة أو من قبل المستهلكين.

* ارتفاع أسعار الأدوية:

عندما تكون أسعار الأدوية مرتفعة وفروق الأسعار بين المنتجات الدوائية كبيرة؛ يصبح هذا حافزاً لتوريد الأدوية المزيَّفة الرخيصة، ويزيد الانخراط في تجارة الأدوية المزيَّفة لأن تكلفة تصنيع الأدوية المزيَّفة يقف عند الحد الأدنى والأرباح تكون كبيرة جداً.

* غياب التنسيق بين البلدان المصدرة ومناطق التجارة الحرة:

الأدوية المصنوعة للتصدير لا يتم تنظيمها من قبل العديد من البلدان المصدرة لتتطابق مع نفس المستوى الذي ينتج للاستخدام المحلي، وبالإضافة إلى ذلك، يتم تصدير الأدوية في بعض الأحيان من خلال مناطق للتجارة الحرة التي تتراخى في محاربة الأدوية المزيَّفة، والواقع أن مناطق التجارة الحرة يمكن أن توفر فرصاً أفضل للمزورين لإدخال المواد غير المشروعة في سلسلة التوزيع حتى التي تتوافر لها درجة عالية من التنظيم والمراقبة.

* احتكار قلة من الدول إنتاج أدوية معينة:

منع إنتاج بعض الأدوية المهمة بأسعار رخيصة تناسب جماهير العالم الثالث، واحتكارها لكثير من الأدوية، ووضع هوامش ربح مبالغ فيها؛ يفتح الباب واسعاً أمام التزوير والتزييف والتقليد في عالم الأدوية، والمستهلك وخصوصاً في العالم النامي هو الذي يدفع الثمن.

التأثير على الصحة العامة

نادراً ما تحتوي الأدوية المزورة التي تم اكتشافها على أي مادة فعالة، وهي في أغلب الحالات التي تم العثور عليها أن تكون بدون أي مكونات نشطة، واستخدام مثل هذه الأدوية يمكن أن:

- يطيل فترات العلاج وعدم استجابة المريض وتفاقم وضعه الصحي، فالعلاج بالأدوية المزيَّفة غير فعال، ويمكن أن يؤدي إلى ظهور الكائنات المقاومة للعقاقير، ويمكن أن يكون لها تأثير ضار على شريحة واسعة من السكان، وفي الحالات القصوى، تؤدي الأدوية المزيَّفة للوفاة.

- ومن الآثار الضارة للأدوية المزيَّفة أنها تؤدي إلى تآكل الثقة العامة في نظم الرعاية الصحية، وفي العاملين في مجال الرعاية الصحية، والموردين وبائعي الأدوية الحقيقية (غير المزيفة)، وفي صناعة المستحضرات الصيدلانية وسلطات تنظيم الأدوية الوطنية.

- ووضع العلامات التجارية غير الصحيحة يؤثر سلباً على سمعة ومكانة المنتج الأصلي؛ ومن ثم يؤدي لخسائر بالمليارات لأصحاب العلامة التجارية الأصلية.

ولا يوجد حل بسيط أو علاج يمكن تطبيقه للقضاء على الأدوية المزيَّفة، ولا يمكن حل المشكلة عن طريق شركة أو فرد أو حكومة، فقد أخذت المشكلة بُعداً عالمياً يحتاج نهجاً وحلاً عالمياً.

تدابير لمكافحة الأدوية المزيفة

على المستوى الوطني، يتعين على كل بلد وضع الخيارات المناسبة لسياسة الأدوية، والتشريعات، وإنفاذ الإستراتيجيات في ضوء أوضاعه الخاصة، وتوفير الأطر المؤسسية والمهنية والموارد المالية لذلك، وينبغي أن تهدف السياسات إلى إشراك الحكومات والوكالات، وصناع الأدوية والمستوردين والموزعين، والصيادلة، والمنظمات الحكومية، وجماعات المصالح العامة ومجموعات المستهلكين، وغيرها في الجهود المبذولة لمنع توريد الأدوية المزيفة، والتدابير غالباً ما تكون فعالة عندما تعمل جميع الجهات المعنية معاً.

وبشكل أكثر تحديداً، ينبغي على الحكومات في كل بلد إظهار الإرادة السياسية (الالتزام) بتطور برامج لمكافحة الأدوية المزيَّفة وتنفيذها، ويجب إظهار الإرادة السياسية والالتزام من خلال:

- سن قوانين جديدة أو للأدوية وتحديث القوانين القائمة لحظر العقاقير والأدوية المزيفة.

- إنشاء مؤسسات لتنظيم الأدوية، ويتحدد بشكل واضح في قوانين الأدوية، والسلطة، واجبات ومسؤوليات المؤسسة (المؤسسات).

- تدريب الموظفين، بمن في ذلك التنفيذيون، على تمييز ومن ثم مكافحة العقاقير المزيفة.

- توفير الموارد المالية اللازمة وغيرها.

- التأكد من أن قوانين مقاومة الأدوية المقلدة ستنفذ.

- تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الأدوية المزيَّفة، والدخول في اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف مع الحكومات الأخرى والمنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، والإنتربول، ومنظمة الجمارك العالمية (WCO).

ينبغي أن تعكس الإجراءات والسياسات القضائية خطورة المشكلة والجريمة، ويجب على المحاكم التصرف على وجه السرعة في القضايا التي تنطوي على الأدوية المزيَّفة، وفرض عقوبات شديدة على نحو ملائم على المجرمين المدانين، وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي للمحاكم القيام بمصادرة وتدمير الأدوية المزيفة.

فريق «إيمباكت» الدولي

اقترحت منظمة الصحة العالمية إنشاء فريق عمل International Medicinal Products Anti-Counterfeiting Taskforce. IMPACT فريق العمل الدولي لمكافحة تزوير المنتجات الطبية - «إيمباكت» فريق عمل عالمي يعمل بناء على المؤسسات الموجودة ويجمع الهيئات الخاصة والعامة والدولية ويعمل على خمسة محاور:

1- التقنية: ويرأس هذا المحور الصناعة ومنظمو الدواء؛ وهذا المحور متطور، وعلى باقي الفرقاء معرفة ما يتوافر واستخدامه، ولكن نظراً للفارق التقني بين الدول فلابد من نقل التكنولوجيا.

2- التشريع: مراجعة قوانين الدول وتقديم النماذج الجيدة والفاعلة، والبحث عن وسائل لتنسيق المقاربات من الوجهة التشريعية، وستقوم هذه المجموعة بتقديم مساعدة لمراجعة القوانين لتمكين الشرطة والجمارك والقضاء وهم المسؤولون المباشرون في التعامل مع الدواء المزور والمزورين.

3- التنفيذ: إيجاد وسائل للعمل المشترك بين الجمارك والشرطة والقضاء في مختلف البلدان؛ لمراقبة الحدود ومتابعة مسيرة البضائع المزورة ومصادرتها، ولا بد من قيام هذه المجموعة بالبحث بطرق تواصل فاعلة ربما عبر نظام معلومات مبني على تقنية المعلومات، وفي هذا السياق ستستفيد من منظمة الجمارك العالمية والإنتربول.

4- التنظيم: إيجاد طرق تمكن منظمي الدواء من العمل وتنفيذ الإجراءات التشريعية المتخذة ضد الأدوية المزورة، بما فيها ضمان معايير الجودة والأمان والفعالية وضبط سلاسل التوزيع بكفاءة.

5- التواصل في الخطر: التحذيرات والاستجابة، متى نتواصل مع الجمهور ونبلغ عن أخطار مواد مزورة في مجتمعهم المحلي؟

وباء في أفريقيا وآسيا

تشير تقارير صحفية إلى أن وباء المنتجات الدوائية المزيَّفة يجتاح آسيا وأفريقيا، وخاصة الأدوية الضرورية لإنقاذ حياة المرضى، كما هي الحال في أدوية الملاريا، حيث تم العثور على كميات مزيَّفة منها وصلت نسبتها إلى 53% أثناء عمليات جرد لعينات من هذه الأدوية في جنوب شرقي آسيا، كما تم العثور على كميات من عقاقير مزيَّفة من المضادات الحيوية وأدوية علاج السل، وأدوية الأيدز بل وحتى اللقاحات المضادة لالتهاب السحايا.

وفي أفريقيا، كشفت دراسات أن ما بين 30 - 40% من الأدوية مغشوشة، وفق نائبة مديرة الإنتربول «ألين بلانسون»، وقبل سنوات، توفي عشرات الأطفال في أفريقيا بسبب دواء مغشوش يحتوي على مادة نفطية توضع في البطاريات.

وتودي الأدوية المغشوشة بحياة 200 ألف مصاب بالملاريا سنوياً في العالم، وتقدر منظمة الصحة العالمية أن مليون حالة وفاة بالملاريا يمكن تفاديها لو كانت كل الأدوية المقدمة للمرضى حقيقية وتم تداولها بطريقة سليمة.

تقرير علمي

وهناك تقرير علمي حثَّ الاتحاد الأوروبي على وضع حد لانتشار الأدوية المزورة والتداول التجاري بها، ويفيد التقرير أن بعض الأدوية المزورة تحتوي على مواد سامة، وبعض الأدوية تتضمن كمية قليلة جداً من المواد الحيوية التي يتشكل الدواء منها، لكن أكثرية الأدوية المزوَّرة تخلو من المواد الحيوية الفعالة التي تشكل أساس الأدوية الأصلية.

والخطير في هذه المشكلة أن الأدوية المزوَّرة لا يتم إنتاجها في المنازل وبكميات قليلة، بل يتم إنتاجها على نطاق صناعي واسع؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 30% من الأدوية التي يتم توزيعها في بلدان العالم الثالث هي أدوية مزورة.

ومن الصعب تحديد مدى انتشار الأدوية المزورة، لكن منظمة الصحة العالمية تقدر انتشار الأدوية المغشوشة بما يتراوح بين أقل من 1% في الدول المتقدمة، وإلى أكثر من 30% في بعض البلدان النامية، وقد بلغ حجم هذه التجارة في عام 2010م نحو 55.5 مليار يورو، كما تصاعد عدد الأدوية المقلدة التي تمت مصادرتها في أوروبا وحدها عام 2005م لأكثر من نصف مليون منتج، وهي ضعف ما تم اكتشافه في العام الذي سبقه، بينما قفز العدد إلى 2.7 مليون منتج في عام 2007م، كما شكل التطور والتوسع في مجال التجارة الإلكترونية تحدياً إضافياً في الحرب الدوائية المغشوشة، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية مبيعات الأدوية المغشوشة عبر الإنترنت بـ50%.

وذكرت شبكة «سكاي نيوز» أن الوكالة البريطانية للرقابة على إنتاج الأدوية والرعاية الصحية البريطانية قالت: إن القائمين على تنفيذ القانون اعتقلوا 237 شخصاً على مستوى العالم في إطار حملة استمرت عشرة أيام استهدفت العقاقير المقلدة؛ مما أسفر عن ضبط أدوية مغشوشة وغير مرخصة قيمتها 31.4 مليون دولار.

وتضمنت الأدوية المضبوطة 8.4 مليون جرعة من الأدوية المشبوهة منها حبوب تخسيس وأخرى لعلاج العجز الجنسي إلى جانب منشطات تحسين الأداء.

وقالت الوكالة: إن الحملة التي جرى تنسيقها مع الشرطة الدولية (الإنتربول) أجريت خلال الفترة بين 11 و21 مايو الماضي.

واستهدفت الحملة أيضاً 10603 من المواقع الإلكترونية، مما أدى إلى إغلاقها أو تعليقها.

وقال «ألستير جيفري»، رئيس الوكالة البريطانية في بيان: «كانت الأدوية المضبوطة خلال تلك الحملات في حالة مزرية للغاية؛ مثل المباني القذرة ذات النوافذ المكسورة، فيما كانت الأدوية موضوعة على الأرض في أكياس جمع القمامة».

وأضاف: «المجرمون المتورطون في توزيع الأدوية بصورة غير مشروعة على الإنترنت لا يعنيهم صحتك، إنهم لا يهتمون إلا بأموالك»، وأضافت الوكالة أن الهند كانت تمثل مصدر 72% من الأدوية المغشوشة التي ضبطت في بريطانيا، فيما مثلت الصين 11% منها.

تحديات كبرى

ذكرت خدمة «إنتر برس سيرفس» أن أوروبا الوسطى والشرقية تواجه تحديات كبيرة في مكافحة الأدوية المزيَّفة، وهي قاتلة وغالباً تقدر بالمليارات، وقد تم تحديد المنطقة كطريق تهريب رئيس في التجارة غير المشروعة التي تتزايد كل عام.

وقالت «إنتربرس سيرفس»: إن الملايين من الأقراص المزيَّفة والأدوية المزورة التي يتم تهريبها سنوياً تحتوي على المعادن الثقيلة الفتاكة، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن 50% من الأدوية التي تباع عبر الإنترنت أدوية وهمية.

وفي حين سنَّت بعض دول أوروبا الشرقية قوانين وإجراءات صارمة لمكافحة المهربين، مازال يعتقد أن المجرمين في المنطقة مازالوا يعملون مع عصابات دولية في الدول المجاورة لجلب الأدوية المهربة إلى الاتحاد الأوروبي.

وقال «جابرييل توركو»، حسب «إنتر برس سيرفس»، الشريك في المؤسسة الأوروبية لمكافحة التزييف: «لقد تبين أن هناك أشخاصاً في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وأوروبا الشرقية يعملون مع العصابات المنظمة في البلدان المجاورة لجلب الأدوية المزيَّفة إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا يمثل تحدياً كبيراً للمنطقة».

والعقاقير المزيَّفة تماماً مثل تجارة المخدرات والاتجار بالبشر، تقدر قيمة صناعة الأدوية المزيَّفة بعشرات المليارات من اليورو سنوياً، وهي تتكاثر بسرعة في كل عام.

وقد قدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن العام 2013م شهد تجارة غير مشروعة في توفير الأدوية المزيَّفة تقدر بأكثر من 75 مليار يورو،  بزيادة قدرها 92% عن عام 2005م.

إعداد جيد

وتقول قوات الشرطة: إن الدواء المزيَّف، يعد إعداداً جيداً جداً يمكن أن يخدع حتى المتخصصين في الرعاية الصحية، ويجري شحنها من قبل المحتالين في شحنات غير مشروعة تماماً مثل المخدرات، من قبل عصابات ثم بيعها لتجار الجملة عديمي الضمير أو مباشرة إلى العامة عن طريق الإنترنت.

ويقدر خبراء الصحة أن الدواء المزيَّف - المصنوع من أي شيء؛ أي مواد غير فعالة وأحياناً ضارة أو سامة - قد يسبب ما يصل إلى مليون حالة وفاة سنوياً، وقالت الأمم المتحدة: إنها تسهم في زيادة مقاومة الجراثيم للأدوية.

وقال «كريستيان بارثولين»، الذي يشارك في إعداد اتفاقية مجلس أوروبا بشأن الأدوية المزيَّفة: «إن هذه التجارة القاتلة أسوأ مما نعتقد؛ لأن كثيراً منها يتم عبر الإنترنت، وهناك الكثير من المناطق السوداء المعنية من الصعب الوصول إليها أو الحصول على معلومات واضحة عنها».

ويعتقد أن الهند والصين هما البلدان المصدران الرئيسان للأدوية الوهمية، وقال ضباط جمارك: إنها يتم جلبها لأوروبا بنفس طرق التهريب المستخدمة في جلب المخدرات؛ من خلال أوروبا الشرقية والبلقان.

وقال «ستيف ألين»، مدير أول الأمن العالمي في شركة «فايزر» العملاقة للأدوية: «إن الدول - في أوروبا الشرقية - لديها حدود شاسعة مع الدول المجاورة، وهذه تشكل تحديات كبيرة لسلطات الجمارك وإنفاذ القانون ورصد حركة أي بضائع».

بحث علمي أوروبي: الوعي العام لأخطار الأدوية المزيفة في أوروبا مازال منخفضاً

وتذكر خدمة «إنتر برس سيرفس» أن إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجريت في أوروبا أظهرت أن واحداً من كل خمسة أشخاص في أوروبا الغربية كانوا سعداء لشراء الأدوية بدون وصفة طبية، ويعتقد أن الوعي - في وسط وشرق أوروبا - مشابه جداً لبلدان أوروبة الغربية.

7% من الأدوية المزورة في العالم في مصر: نقل موقع «سيف ميديسين» عن مسؤولين مصريين، أن تجارة الأدوية المزيَّفة بما في ذلك الأدوية المنقذة للحياة قد بلغت ذروتها قبل 2010م حوالي مليار جنيه مصري.

دراسة اقتصادية

وأظهرت دراسة اقتصادية عن «صناعة الدواء في مصر» أعدتها د. إيمان العيوطي، الباحثة بـالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن مصر تأتي في ذيل قائمة الدول من حيث حجم الإنفاق على البحث العلمي في مجال الأدوية، وأن نسبة الإنفاق لا تتجاوز 24% من الميزانية، فيما تنفق «إسرائيل» على الأبحاث الدوائية 4.5% من ميزانيتها سنوياً.

وأوضحت الدراسة أن القيمة المضافة للناتج القومي المصري من عائد الصناعات الدوائية، تتراوح بين 5 و6% فقط، من إجمالي الناتج، وهي نسبة ضئيلة جداً، مقارنة بالدول الأخرى المهتمة بصناعة الأدوية، كما أن العمالة في سوق صناعات الدواء المصري تبلغ نسبتها 3.5% من إجمالي حجم العمالة في البلاد، في وقت يصل فيه حجم تصدير الدواء 3% فقط من إجمالي الصادرات.

وأظهرت الدراسة أيضاً أن نسبة 7% من الأدوية المغشوشة في العالم موجودة بالسوق المصرية، وأن مصر من أكثر الدول التي تنتشر بها مصانع «بير السلم» غير الشرعية لصناعة الأدوية المزيَّفة.

ضعف الرقابة

وفي نفس السياق، قال د. أمنحتب أمين ميخائيل، الخبير بالجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء: إن انتشار ظاهرة غش الأدوية يرجع إلى ضعف الرقابة على المصانع، والفوضى الأمنية؛ مما أدى إلى انتشار مصانع «بير السلم» وزيادة عددها بشكل مخيف، مشيراً إلى أن نظام «مبارك» تعمد إهمال البحث العلمي في مجال صناعة الأدوية؛ مما أتاح الفرصة لمافيا الدواء المغشوش لفرض سيطرتها على الأسواق.

60% من الأدوية في السوق اليمنية مزورة:

وقد صرح نائب وزير الصحة العامة د. ناصر باعوم، أن نحو 60% من الأدوية الموجودة في السوق اليمنية تعتبر أدوية مهربة ومزورة، وأضاف، في ندوة طبية نظمتها مؤسسة «كايزن الطبية للتعاون»، بالتعاون مع وزارة الصحة والسكان والهيئة العليا للأدوية واتحاد مستوردي الأدوية: يعود تهريب الأدوية إلى صعوبة فعالية أجهزة الدولة الرقابية (جمارك، أمن، سلطة صحية).

كيف تتجنب الأدوية المزيَّفة؟

التمييز بين الأدوية المزيَّفة والأدوية الأصلية مهمة مستحيلة ليس على الأفراد العاديين فقط، ولكن حتى على الخبراء والمتخصصين الذين لن يتسنى لهم معرفة حقيقة الدواء إلا من خلال اختبارات معملية.

وأفضل طريقة لتجنب الأدوية المزيَّفة هو شراء الأدوية من خلال قناة توزيع مشروعة، لا تشتري الأدوية من المحلات من خلال الإنترنت، وعند شراء الأدوية في الخارج، من خارج بلدك، تأكد من أن المورد مفوض للدخول في تجارة التجزئة للمنتجات الطبية من البلد المنتج، فطلب الأدوية من خلال متاجر الإنترنت غير القانونية لا يشكل خطراً على صحتك فقط ولكنه جريمة استيراد لأدوية غير مشروعة.

المصادر

http://www.fimea.fi/for_public/travellers_medicines/counterfeit_medicines

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2738397/

http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs275/en/

http://en.wikipedia.org/wiki/Counterfeit_consumer_goods

http://www.gapyear.com/articles/167626/counterfeit-medicines

 

 

 

 

 

 

 

 

عدد المشاهدات 10071

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top