تركيا.. انتخابات بلدية أم استفتاء على الحكومة؟

10:43 25 مارس 2014 الكاتب :   د. سعيد الحاج
جعلت منها استفتاءً على شعبية حزب "العدالة والتنمية" الحاكم وزعيمه رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان".

قد يختلف المراقبون فيما يخص توقعات نتائج الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في تركيا نهاية الشهر الجاري، لكنهم لا يختلفون أبداً أنها ما عادت مجرد انتخابات محلية لاختيار رؤساء بلديات المدن المختلفة، فالأزمة السياسية المستمرة في البلاد على خلفية ادعاءات الفساد التي طالت عدة وزراء في الحكومة وتداعياتها المستمرة في التصاعد بلا توقف جعلت منها استفتاءً على شعبية حزب "العدالة والتنمية" الحاكم وزعيمه رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان".

حملة قضائية أم مؤامرة على الحكومة؟

في السابع عشر من ديسمبر الماضي استفاقت تركيا على حملة اعتقالات شملت أربعة من أبناء الوزراء، ورئيس بلدية الفاتح أحد أكبر أحياء اسطنبول، وعدداً كبيراً من رجال الأعمال، ضمن عملية مكافحة للفساد المالي، مما أحاط الحكومة بعلامات استفهام كبيرة حول أدائها المالي وكيفية تعاملها مع الأزمة.

ورغم اتضاح معالم القضية لاحقاً واشتمالها على الكثير من التجاوزات القانونية والإجرائية التي تشكك بنزاهة أهداف من قام عليها، خاصة أنها تمت بدون إذن أو حتى علم الجهات المختصة، ورغم إخلاء سبيل كل المتحفظ عليهم إما لعدم كفاية الأدلة أو على أساس المحاكمة بدون اعتقال، إلا أنها تسببت في جدل كبير في الساحة التركية لا يتوقع له أن ينتهي قريباً، اعتمدت الحكومة على عملية التنصت غير القانوني، ودمج قضايا منفصلة تماماً في حملة واحدة، والتسريبات المتعمدة للإعلام، لتعتبر القضية حملة لتشويه صورتها قبيل الانتخابات البلدية، على شكل "انقلاب قضائي" كان يفترض أن يتم على يد "التنظيم الموازي".

التنظيم الموازي

يستعمل هذا المصطلح في الخطاب الحكومي ووسائل الإعلام التركية لوصف العناصر المتغلغلة في مختلف مؤسسات الدولة والمحسوبة على حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية "فتح الله كولن" (ولذلك تسمى أيضاً "جماعة كولن") المقيم في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كشفت الحكومة عن آلية عمل هذا التنظيم الذي يرتبط ببعضه بعضاً بشكل هرمي ويتلقى أوامره من خارج الأطر الحكومية.

بعد امتصاص الصدمة الأولى التي كلفت الحكومة استقالة الوزراء الأربعة، قامت الحكومة بحملتها المضادة بإقالة وتغيير مكان عمل الآلاف من ضباط الشرطة والأمن والقضاة والمدعين العامين، مما أوقع في يدها العديد من الملفات التي أظهرت خطورة التنظيم الموازي والخطط التي يدبرها، وعلى رأسها ملفات التنصت غير القانوني التي شملت مئات الآلاف من المواطنين على رأسهم كبار رجال الدولة، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء مروراً برئيس أركان الجيش ورئيس جهاز الاستخبارات.

وبعد إفشال "الانقلاب القضائي" في حملته الثانية في الخامس والعشرين من نفس الشهر، انتقل التنظيم الموازي إلى سلاح التسريبات الصوتية التي تشير إلى تورط "أردوغان" نفسه بالفساد، بل وتسري شائعات حول وجود تسريبات ستتهمه باغتيال قيادات سياسية إضافة إلى اتهامات أخلاقية.   

لعبة الأرقام

لكن سمعة "أردوغان" وحزبه على مدى 12 عاماً، وإنجازات الحكومة في مختلف المجالات، وعدم الثقة بالطرف الآخر، وعدم التمكن من التأكد من صحة التسريبات واستحالة استعمالها كدليل قانوني، إضافة إلى البعد الخارجي في المسألة متمثلاً بتصريحات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والتغطية الإعلامية المنحازة منذ أحداث حديقة "جزي" قبل 10 أشهر، كل ذلك أدى إلى اقتناع قطاع كبير من الشعب بوجود مؤامرة تستهدف الحزب الحاكم وتركيا كمشروع دولة عظمى، سيما وأن تاريخها مليء بالانقلابات العسكرية أو التدخلات في الحياة السياسية باستخدام التشويه الإعلامي والتسجيلات المفبركة.

لذلك، لم تظهر استطلاعات الرأي قبل أيام قليلة من الاستحقاق الديمقراطي تراجعاً كبيراً لـ"العدالة والتنمية"، بل تعطيه معظمها نسبة تتراوح بين 40 إلى 45% من أصوات الناخبين، مما يعني أنه سيتخطى نسبة الانتخابات البلدية السابقة عام 2009م (38%)، وربما يقترب من نسبته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2011م (49%).

لكن نسبة التصويت في عموم تركيا ليست المعيار الوحيد الذي تقيّم على أساسه الانتخابات المحلية، بل يضاف إليها عدد البلديات التي يفوز بها كل حزب، فضلاً عن مدن بعينها تحمل رمزية معينة، كإسطنبول أكبر المدن التركية والتي يرأسها "العدالة والتنمية"، وإزمير قلعة حزب "الشعب الجمهوري" الكمالي المعارض، وديار بكر أكبر المدن الكردية التي يرأسها حزب "السلام والديمقراطية"، إضافة إلى العاصمة أنقرة.. ورغم أن العدالة والتنمية يواجه تحالفاً غير معلن بين أكبر حزبين معارضين (الشعب الجمهوري، والحركة القومية) إضافة إلى "جماعة كولن"، فإنه يسير على ما يبدو نحو فوز مريح في إسطنبول ومنافسة شرسة في إزمير، وتحقيق مفاجأة في ديار بكر.

السيناريوهات المتوقعة

من الناحية النظرية، تحمل الانتخابات الوشيكة ثلاثة سيناريوهات لـ"العدالة والتنمية" ولـ"أردوغان" تحديداً، ربما تحدد وجهة ومصير تركيا في المستقبل القريب:

الأول: تراجع نسبة التصويت لـ"العدالة والتنمية" إلى أقل من 35%؛ مما يعني وجود مصداقية لاتهامات الفساد لدى الشعب، وهذا قد يضطره إلى الدعوة لانتخابات مبكرة غير مضمونة النتائج، وربما يدفع "أردوغان" لتغييره قراره والترشح مرة رابعة لرئاسة الحزب والحكومة، وهذا أقل الاحتمالات حظاً حسب المعطيات واستطلاعات الرأي الحالية.

الثاني: ارتفاع نسبة "العدالة والتنمية" إلى أكثر من 45%؛ مما سيعني أن مصداقيته لدى الشعب أقوى من مزاعم الفساد، وهذا سيعطيه دفعة قوية في حربه ضد ما يسميه التنظيم الموازي، وسيشجع رئيسه "أردوغان" على المضي في الترشح لرئاسة الجمهورية في أغسطس القادم بعد تعديلات دستورية تزيد من صلاحيات الرئيس، وهذا احتمال قائم وإن بنسبة أقل من السيناريو الثالث.

الثالث: فوز "العدالة والتنمية" بفارق مريح وإن لم يكن كاسحاً، بما يبقيه في صدارة المشهد السياسي، وبما يديم أيضاً حالة الجدل في الشارع التركي، ويؤجل المعركة للانتخابات الرئاسية بعد خمسة أشهر.

الحكومة والتنظيم الموازي.. الحرب تبدأ الآن

بناءً على كل ما تقدم، لا تبدو الانتخابات البلدية المقبلة هدفاً في حد ذاتها، خاصة بعد اتضاح عدم تأثير الأزمة على شعبية "العدالة والتنمية" بشكل كبير، وبالتالي فهي ليست مرشحة لإنهاء الصراع القائم بين مؤسسات الدولة التي تديرها الحكومة وبين الدولة الموازية التي تديرها جماعة الخدمة برئاسة "كولن".

على العكس من ذلك تماماً، يرى كثير من المراقبين أن ليلة الثلاثين من مارس الجاري ستحمل شارة بدء المعركة الصفرية بين الطرفين، فمن جهتها، ستعمل الحكومة على استمرار خطة اجتثاث أفراد التنظيم الموازي ورفع وتيرتها لإفقادهم القدرة على المناورة وتهديد حالة الاستقرار السياسي، ومن جهة أخرى يتوقع للتسريبات الصوتية أن تزداد عدداً ومستوى وأشخاصاً. 

بمعنى أن المنافسة الانتخابية الحالية تحمل بين جنباتها جينات وشيفرة تركيا المستقبل، إما نحو استقرار "العدالة والتنمية" في قيادة المشهد السياسي نحو تحقيق رؤية وأهداف عام 2023م في الذكرى المئوية للجمهورية التركية، وإما نحو عهد جديد يكون فيه الحزب الحاكم الحالي في صفوف المعارضة في أحسن الأحوال، بكل ما يعنيه ذلك من تغير بوصلة تركيا في مجال السياسة الخارجية والدور الإقليمي، الملف الأبرز في الخلاف مع المعارضة. 

هي حرب صفرية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والقضائية والإعلامية، وبكل تشابكاتها الداخلية والخارجية، وسيستعمل فيها الطرفان كل ما يملكان من أسلحة ودعم ونقاط قوة، وربما ستحمل نتائج هذه الانتخابات بعد أيام قليلة أولى إشارات ونتائج تلك الحرب.   

 

 

 

 

 

عدد المشاهدات 339

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top