د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 15 أغسطس 2019 15:21

الحج وترقية شؤون المسلمين

 

لو أردنا أن نستقصي ما يمكن أن يثمره الحج للمسلمين كافة من وجوه المنافع الأدبية والمادية لضاق علينا المجال، فإن لم يكن فيها إلا تعارف الشعوب الإسلامية، وإلمام بعضها بحاجات بعض، لكفاها ذلك عاملاً قوياً في دفعها إلى تبادل الوسائل والتعاون على سد المفاقر، ولوصلت جميعاً على هذا النحو من التكافل إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم.
ولكن هذه الثمرات الاجتماعية الجليلة لا يمكن أن تكون إلا إذا تطورت فكرة الحج لدى المسلمين حتى تبلغ المفهوم من مراد الله من الحج، فإن المشاهد لدى أكثر المسلمين الآن أنهم لا يلحظون فيه إلا الناحية الروحية وحدها، وكان لتجريده لهذه الناحية أثر ظاهر في حصره في طبقة من المسلمين لا تتعداها إلا نادراً.
إذا تقرر هذا كان من أوجب واجباتنا أن ننوه بمنافع الحج للدين والدنيا معاً، وأن نكثر من ترويج هذه الحقيقة في الأذهان، وأن ننبه خطباء المساجد إلى ملاحظة هذا الأمر الجلل في شهور الموسم من كل عام.
حين جاء الإسلام جعل الحج ركناً من أركانه الخمسة، وهو أشد أركانه كلفة، لذلك أحاطه بكثير من وجوه الإعفاء جرياً على أسلوبه الحكيم في دفع الحرج عن متبعيه مصداقاً لقوله تعالى: ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) سورة الحج: آية 78. وقوله: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)) سورة المائدة: آية 6. فاشترط له الاستطاعة من صحة ومال، وكره أن يرهق فيه أحد نفسه ولو تطوعاً وتطلباً لزيادة الأجر.
لقد أقر الإسلام الحج، ولكنه لم يدعه على ما كان عليه في عهد الجاهلية، فإن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الأجساد رجالاً ونساءً مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقد سجل الله عليهم ذلك، فقال تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية)) سورة الأنفال: آية 35. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لما قوي سلطان الإسلام أن لا يدخل البيت عريان.
ونظم صلوات الله وسلامه عليه الحج فجعل له أميراً يتقدم الناس ويتفقدهم، ويدفع بوائق الطريق عنهم، حتى إذا انتهوا إلى البيت تولاهم هو وخطباؤه بالإرشاد لخيري الدنيا والدين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تعميم العلم بأمر من الأمور خطب به الناس في الموسم، أو أوعز إلى أميره أن يخطب الناس به هنالك.
فحوَّل الإسلام الحج على هذا الوجه من عبادة جسدية لا روح فيها إلى عبادة اجتماعية روحية ذات أثر بليغ في ترقية شؤون المسلمين، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المزايا العظيمة بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)) سورة الحج: الآيتان 27ـ28. وقد فسَّر العلماء المنافع بأنها دينية ودنيوية معاً، وهذا شأن الإسلام في كل ما فرضه على الناس: يراعى فيه مصلحة الحياتين جميعاً.

____________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 04 أغسطس 2019 11:31

رحلة الحج زاد الجسد والروح

أوضح علماؤنا أن من الممكن قياس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام، فلدفع هذه الشبهة نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة: 198)؛ أي تطلبوا عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والاسترباح منها.

كما أن في الآية إشارة إلى أن ما يبتغيه الحاج هو من فضل الله مما يعينه على قضاء حقه ويكون فيه نصيب للمسلمين أو قوة للدّين، فهو محمود، وما يطلبه لاستبقاء حظه، أو لما فيه نصيب نفسه، فهو معلول.

ثم إن الشبهة كانت حاصلة في حرفة التجارة في الحج من وجوه، منها: أن الله سبحانه منع الجدال وفي التجارة جدال، وأن التجارة محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: لما أمر الله سبحانه بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخّص في التجارة وهي من فضل الله.

ومن رحمته سبحانه أن سمّى إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، ابتغاءً من فضله، ليشعر مَنْ يزاولها أنه يبتغي من فضله، حين يتجر، وحين يعمل بأجر وحين يطلب أسباب الرزق.

ومتى ما استقر في قلب الحاج إحساس بأنه يبتغي من فضل الله حين يكسب ويحصل على رزقه، فهو، إذن، في حالة عبادة لله تعالى، لا تتنافى مع عبادة الحج.

ومن أجل ذلك، فلقد أمر عز وجل عباده المسلمين الحجاج بالتزود لرحلة الحج، فقال سبحانه: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197).

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: أمر الله سبحانه عباده باتخاذ الزاد، حيث كانت طائفة من العرب تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد.

وغير خاف أن التزود يشمل التزود للأسفار الدنيوية، والتزود للأعمال الصالحة، فقد قال علماؤنا: أمر عز وجل بالتزود لسفر العبادة والمعاش، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، وبالتزود لسفر المعاد، وزاده التقوى والعمل الصالح.

كما أن في الآية دعوة للتزود في رحلة الحج، زاد الجسد وزاد الروح، فقد جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عام، والتقوى زاد القلوب والأرواح.

إن الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر بشري عظيم، يجد فيه المسلمون أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، الحج مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع المادية الاقتصادية والمعنوية الفكرية والثقافية والإعلامية.

يقول عز وجل في كتابه العزيز: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {26} وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ {28}) (الحج).

قال المفسرون رحمهم الله: إن الله سبحانه لما أمر بالحج في قوله: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)، ذكر حكمة ذلك الأمر بقوله: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

واختلف المفسرون في هذه المنافع، إذ حملها بعضهم على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم الآخر حملها على منافع الدنيا، وهي التجارة في أيام الحج.

والأولى حملها على الأمرين جميعاً، يقول ابن الجوزي رحمه الله في تفسيره: والأصح مَنْ حملها على منافع الدارين جميعاً، لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع.

ثم إن المنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة، فهناك المنافع الروحية التي تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وهناك المنافع الاقتصادية المادية إذ يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية، كما أن في الحج رواجاً اقتصادياً للمسلمين من خلال توزيع وتبادل وبيع وشراء السلع والخدمات اللازمة، إضافة إلى منافع البُدْن والذبائح للفقراء والمساكين والمحتاجين، ومنافع التجارة وكسب المعيشة أيام الحج خاصة. ولذا، قال عز وجل في محكم كتابه وهو يخاطب سبحانه عباده المؤمنين الحجاج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ).

 

___________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 01 أغسطس 2019 14:58

البطالة من منظور اقتصادي

 

يحتاج الاقتصاد إلى كفاءات متنوعة، وطبيعة المواهب المكتسبة لا تتوقف عن التبدل وذلك بوتيرة متسارعة، فاليد العاملة شديدة التنوع، والاقتصاد الحالي مختلف جداً، وخصب جداً، ومتنافر جداً، وجيوب الركود مجاورة للفروع الصناعية المزدهرة، والنتيجة هي أنه من غير الممكن منذ الآن فصاعداً إيقاف البطالة بفضل ترسانة التدابير البسيطة والعمومية؛ لأن البطالة نفسها أكثر تنوعاً في أصولها.

لذا، يمكن إحصاء سبعة تيارات متميزة على الأقل وهي ترفد البطالة الشاملة.
قبل كل شيء، هنالك البطالة البنيوية التي تدين لاستبدال صناعات الموجة الثانية بصناعات الموجه الثالثة، وهذه ظاهرة عالمية، إن الصناعات التقليدية العتيقة التي تتصدع أو تهاجر تترك ثقوباً فاغرة في اقتصاديات البلدان المصنعة، ويجد ملايين من الناس أنفسهم محرومين من العمل.
وتثير هذه البلبلة، إلى جانب أمور أخرى، اشتداد المنافسة على مستوى المبادلات العالمية، ولجوءاً إلى إغراق الأسواق بالبضائع، واختلالات، واندفاعات محمومة مفاجئة، وارتباكات مباغتة تهز السوق العالمية، هذا الوضع يخلق تياراً ثانياً من فقدان الوظائف: أي البطالة المرتبطة بالتجارة.
ثم إن هناك توتراً عاماً آخر يهدد الوظيفة، ويبرز بمقدار ما ترتقي التقنية، ومع التساوي على صعيد الإنتاج تتناقص الحاجة إلى الأشخاص بالتدريج، وهذه هي البطالة التقنية الشهيرة التي يدور حولها جدل كثير.
وهناك بطالة أسبابها محلية محضة أو إقليمية، فائض منتظم في الإنتاج، تغير في أذواق المستهلكين، اندماجات، مشكلات بيئية.. إلخ، ونطلق عليها اسم «البطالة العادية».
كما أننا نذكر معدلاً لبطالة تخمينية أن مستوى البطالة الذي لا يمكن تجنبه هو بشكل جوهري مؤقت وتنشئة الحواس –عمل بانتظار وظيفة جديدة– أعلى من المعدل العادي، وإنه لمن الواضح كلما سارت الأمور بسرعة؛ تسارع التغيير وتضخم هذا الرقم.
شكل آخر من البطالة هو البطالة التي تعود بمجملها تقريباً إلى انقطاع المعلومات، فالوظائف القابلة للتبادل فيما بينها تزداد ندرة بمقدار ما يصبح تقسيم العمل أكثر دقة، والمشكلة التي تتمثل في إقامة توافق بين الكفاءة والمهمة المتوجب إنجازها سهلة الحل نسبياً عندما كانت توكل إلى العمال أعمال روتينية وقابلة للتبادل فيما بينها، وهي تصبح الآن شاقة إلى درجة كبيرة، ولكي نواجهها لا بد من نظام للمعلومات أكثر حداثة بكثير من هذا الموجود حالياً، وإلى أن يصبح هذا النظام حقيقة قائمة سيكون علينا أن نتوقع للبطالة الإعلامية مستوى يزداد ارتفاعاً.
وسوف نذكر أخيراً ما يطلق عليه اسم «البطالة الخرقاء»؛ وهي البطالة التي تغذيها -دون تعمد- سياسة حكومية خرقاء، ترمي في الغالب إلى زيادة عدد الوظائف، وأظن أن جزءاً مهماً من البطالة غير البنيوية يرتد إلى هذه المقولة الأخيرة، إنها مرض يحدثه الطبيب ولا شفاء منه على الأرجح، ولسوء الحظ أنه لا يمكن ملاحقة السياسيين والاقتصاديين أمام العدالة بسبب خطأ مهني لا علاج له.
ومن الممكن أيضاً تعداد كثير من التيارات المغذية للبطالة وهي تتقاطع فيما بينها، وتتراكب بعضها فوق بعض، ولقد كان الهدف من وضع هذه القائمة أن نبرهن بوضوح على أننا لا نجابه مشكلة واحدة وحسب، بل نجابه عديداً من المشكلات المتشابكة ذات التعقيد الهائل.
وعليه، يجب ألا يغرب عن بالنا، مثلاً، أنه عندما يقال: إن التقنية يمكن أن تلد البطالة، فإنه لا يؤخذ بالاعتبار غير واحدة من نتائجها؛ إذ يمكن أن تخلق كذلك وظائف في أماكن أخرى، ولكن دائماً داخل النظام، وهذا هو ما يجري بصورة عامة.
والحقيقة أن البطالة ذاتها تخلق الوظيفة، فهي تقود إلى تجنيد عمال اجتماعيين وأطباء وجهاز شرطة، وفي بعض الصناعات تغير سلم الأجور ويمكنها أيضاً أن تفتح إمكانات جديدة لتشغيل العمال بأصغر كلفة ممكنة في المشاريع المعنية.
إن جميع المبادرات التي اتخذت كانت لها نتائج متعددة، وهذه بدورها كانت لها نتائج من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة والدرجة الألف، وكلما تجرد النظام من طابعه المكثف وتخلص من التعقيد؛ فقدت الصيغ الموجودة القوة التي كانت لها في الماضي.
وفي كل حال، إن الفكرة القائلة بأن البطالة هي مشكلة إجمالية وبأنها من طبيعة كمية لا كيفية، هي فكرة تصنيعية نمطية تم تجاورها، وهي مبنية على أساس أننا ما نزال نواجه اقتصاداً مكثفاً تقليدياً.
وعلى غرار ما يجرى في الاقتصاد ذاته، فإن أسباب البطالة وبالتالي العلاجات المقترحة لإيقافها هي مختلفة دائماً، فكل شكل من أشكال البطالة يتطلب تدابير مقابلة له، ونحن ما نزال نحاول أن نداوي المرض بمساعدة مضادات الحيوية ذات الطيف الواسع بدلاً من اللجوء إلى علاجات «ذكية» ونوعية بالمعنى الضيق.
____________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الثلاثاء, 30 يوليو 2019 10:28

نشوة من التبذير وإسراف في السرعة

أن يكون المصير الثقافي للفرد تابعًا مباشرة للتنمية الاقتصادية، وأن تكون إدارة هذه التنمية قضية سياسية في جوهرها، فإن هذا نوع من الإشكالية يسلِّم به الاقتصاديون وعلماء الاجتماع والفلاسفة.

بيد أنه كذلك حقيقة تبقى وسائل تحقيقها محصورة؛ إما في الدائرة التقنية، وإما في منطقة العموميات.

والمراد في الحالة الأولى رفع التناقضات التي يمكن أن توجد بين الغايات الفردية، والغايات الجماعية من خطة التنمية؛ من أجل عقلنة العلاقة بين الأهداف، والوسائل الواجب استخدامها.

والمراد في الحالة الثانية أن نؤيد بحرارة أهداف الأنسنة التي ينبغي على كل خطة تنموية اقتصادية واجتماعية أن توضحها كبيان عن مبادئ، وتؤكد هذه العموميات أن تكاليف الإنسان لا يمكن أن تقتصر على نفقات صيانة قوة العمل، بل ينبغي أن تأخذ بالحسبان حاجات الفراغ والإعلام والثقافة.

إذ إن الفراغ يظل في المجتمع الصناعي عملاً استهلاكيًّا والإعلام تكييفًا دعائيًّا، والثقافة نثارًا مؤذيًا من بيوت أو ندوات.

إن كلفة الإنسان لا تبنى عليها قيمة الإنسان، إلا إذا كان المقصود قيمته التجارية أو الاقتصادية.

ومن الأسئلة المهمة في هذا المجال، كيف يمكن للنظام الاقتصادي أن يهتم بسد الحاجات الأنفع؟ وهل من العقلانية أن التسلُّح والمخدرات والكحول، أو السلع البدائية والحيوية التي أصبحت اقتصادية في حساب موجودات الإنتاج؟

فلو طُبق المفهوم الاقتصادي للاستهلاك على الإنسان والبيئة، لرأينا أن هناك أُممًا وفئات اجتماعية دخلها سالب؛ أي إن طاقتها الكامنة البشرية والتقنية تستنفذ بأكثر مما تنمو مواردها الظاهرة.

كتب بول فاليري يقول: إن العالم الحديث منهمك في استغلال الطاقات الطبيعية استغلالاً يزداد على الدوام فعالية وعُمْقًا.

ويقول أوزيريس سيكوني في كتابه "التنمية الاقتصادية والتخلف الثقافي": إن الإنسان الحديث في نشوة من التبذير؛ من إسراف في السرعة، وإسراف في الإنارة، وإسراف في المخدرات والمنشطات، وإسراف في كثرة المطبوعات، وإسراف في التسهيلات وإسراف في العجائب، إن كل عيش حالي لا ينفصل عن هذا الإسراف.

لا ريب في أن جميع الناس لا يعرفون أنه قد قدر لكلِّ فرد منهم أكثر من طن من المتفجرات، إن مؤلفات التخيُّل تغذي من آن لآخر ذهان الرعب والعجب، إنه تعارض يقويه المحللون النفسيون، ولكنه يدل على استخدام القوة لا على معنى النزعة.

إن المعرفة العلمية التقنية يمكن أن تصنع من الكرة الأرضية جنة عدن، وهذا مدعاة للعجب، ويمكنها أن تسبب كارثة أرضية هائلة لا تُرد وهذا مبعث الرعب!

إن الوسائل الإعلامية المختلفة من صحافة وتلفزيون وسينما وقنوات فضائية وبث مباشر تُحدث في جهازنا العقلي والأخلاقي قلقًا يفسد نمط العيش؛ فلا ثقافة تحت التهديد المباشر للحرب، بل بالعكس شعور منتش بالقلق، ومن هنا كانت الحاجة إلى التناسي في اللذة.

إن عالمًا بدون ثقة تنذر فيه القوة بموت المستهلك المفاجئ، وإذا قلنا: قلق لا خوف، فذلك لأن غرض التهديد وموعده وأسبابه ونتائجه كلها ليست معينة ومحددة بوضوح، إنه خطر مادي، اجتماعي، حياتي.

فبعد سنين من قنبلة هيروشيما، بقي سرطان الذرّة يفتك بالناس، هذا بشأن الخطر المادي الذي لا يزال قائمًا، رغم أنه يبدو في طريق الاضمحلال منذ أن قلَّ عددُ التجارب النووية، والخطر البيولوجي يصعب حصره كذلك، قد يتعدى الماديات إلى نفس الكائنات الحية بحيث تَنسِف مستقبل الجنس.

كتب روستان يقول: إذا لم تؤثر البيئة والظروف البتة في عناصر الوراثة، وإذا بقيت طريقة عيش الفرد وفاعليته وتجربته دون أثر في الإرث، فإنه يمكن أن يحدث تحول يؤثر بصورة عامة في اتجاه الانحسار: عمى الألوان، نزق المزاج، زيادة عدد الأصابع، فقدان البصر، الصمم والبكم، البلاهة الولادية.

والحال أن شروط العيش الحالية تتيح أن يبقى على قيد الحياة أفراد كان سيقضي عليهم نمط العيش القديم.

وفي الوقت الذي تزيد فيه الحضارة دون توقف من كمية الحياة البشرية، ومن كمية البروتوبلازما البشرية الموجودة على الكرة الأرضية، فإنها تقلص من نوعيتها البيولوجية.

إن الكرة الأرضية في وقتنا الحاضر تتميز قبل كل شيء بالفارق الذي يتزايد خطره بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، والحال أن خبراء الأمم المتحدة يسلِّمون على ما يبدو بأن معيار التخلُّف سكاني.

وربما كان هناك مجال لبحث ما إذا كان الانفجار السكاني سببًا للبؤس أم نتيجة له، أو ما إذا كان يقيم مع التخلُّف علاقة سلبية.

وبعد هذا، فإن مجموع العلاقات بين المجتمعات الصناعية والعالم الثالث يتركز على الانتقال الضروري من الإحسان إلى العدالة.

إن العالم الثالث يؤلف، من الناحية الكمية ثلثي العالم، إن لم نقل ثلاثة أرباعه، والعالم الثالث من الناحية النوعية العالم المقصي عن التنمية الاقتصادية، والخاضع لسيطرة الغرب، وللأشكال المتعددة من الاستعمار الجديد أو الاستعمار الخفي الاقتصادي والسياسي.

والازدحام السكاني: هو تلوث ولده التخلف الذي به تضمن البلدان المصنعة لنفسها قسطًا كبيرًا من وفرتها، وازدحام المدن ينتج هو أيضًا عن نمو اقتصادي نموًّا عشوائيًّا.

والازدحامان؛ الأول: بسبب نمط العيش البائس، والثاني: بسبب نمط العيش المترف، ليسا من طبيعة واحدة، فهما يعكسان سبيبتين متنافرتين، سبيبة الفاقة، وسبيبة الأنانية.

إن جميع تحليلاتنا تتجه آخر الأمر نحو المعنى الثلاثي لانحطاط نمط العيش الصناعي: انحطاط البيئة وتدهورها، والطابع الاجتماعي المفكك، وأنانية الإنسان وتسلطه الذي تلخصه عبارة: تنمية اقتصادية وتخلف ثقافي.

والعلاج الذي يقترحه الاقتصاديون الغربيون ليس سوى علاج كاذب؛ فَهُم يعتقدون بتحقيق عقلانية اجتماعية بمجرد تأخير التنمية كميًّا؛ أي: دون تغيير البِنَى التقنية الاقتصادية.

فإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط البيئة وتدهورها الذي يزداد أثره السلبي، فإن المحاسبة الاجتماعية تستطيع مواجهتها، مع مراعاة أن الهواء النقي والهدوء والفراغ الحقيقي سلع اقتصادية ذات مغزى ثقافي.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الطابع الاجتماعي المفكك، فإن التحليل الاجتماعي الاقتصادي الموجهين في حدود معيارية ينبغي أن يلاحظا أن كل خلل في توازن العلاقات الاجتماعية ينتج عن اعتداء على مجموع العلاقات التي يقيمها الإنسان مع وسطه، ويكن لهذا المجموع أن يكون ماديًّا، بيولوجيًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا، ثقافيًّا، اقتصاديًّا.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الإنسان نفسه، فإننا نعود بطبيعة الحال إلى التأمل في الوضع الصناعي للمزدوجة حاجات قدرات؛ حيث إن نمو الحاجات يتجاوز بمراحل تطور نمو القدرات.

وحاصل القول:

فإن البشرية لا تطرح على نفسها -ولا ريب- سوى القضايا التي تستطيع حلها، فكيف يمكن للبشرية أن تتكيَّف مع الأنسنة والعقلنة في هذا القرن الجديد؟

 

_____________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من الطريف أن أول من أشار إلى أهمية الاستهلاك التفاخري هو "ثورشتاين فبلن" في كتابه "نظرية الطبقة المترفة"، وهو بذلك يشير إلى أن بذور هذا المجتمع الجديد قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية القرن الماضي، ولم ينظر إلى أثر الاستهلاك كقيمة اجتماعية في النظرية الاقتصادية إلا عندما كتب "دوزنبري" عن "أثر التقليد"، حين بيَّن أن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون، وبذلك أدخل فكرة التداخل بين أذواق المستهلكين في تحديد ذوق المستهلك.

ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية، فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب، وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه، ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث.

وإذا كان الاستهلاك ونوعه وتنوعه يحدِّد في العصر الحديث -إلى حد ما- مكانة العائلة الاجتماعية، فإن ذلك لم يكن كذلك دائماً، ففي القديم لم يكن المركز الاجتماعي يتحدد للفرد بمقدار ما يستهلكه، بل إنه من مدعاة السخرية أن يحاول الفرد أن يجاري النبلاء في حياتهم، وأن يحاول أن يستمد مركزه الاجتماعي من زيادة إنفاقه الاستهلاكي.

ومع ذلك، فإن الاستهلاك في ذاته قيمة اجتماعية كبرى، ويقاس مركز الفرد الاجتماعي بقدر ما يستهلكه من السلع والخدمات، ومدى قدرته على التغيير المستمر، "الموضة" دائماً في تغيير، حتى يشعر الفرد بحاجته إلى التغيير في استهلاكه، مما يؤدي إلى الاستهلاك المستمر.

إن التقدم الفني الهائل المتاح الآن والمستخدم في أساليب الإنتاج قد وفر القدرة المستمرة على زيادة الإنتاج والإنتاجية مما زاد من فرص الاستهلاك، وقد نجم عن ذلك أن الاستهلاك في المجتمع الحديث قد زاد بشكل لم يكن معروفاً فيما سبق، كما نجمت عنه مجموعة من القيم والقواعد التي تنظم حياة المجتمع في ضوء زيادة الاستهلاك، فزيادة الاستهلاك في حد ذاتها، وبصرف النظر عن الحاجات التي يشبعها هذا الاستهلاك المتزايد، قد أصبحت من قواعد الإنتاج في العصر الحديث.

وقد كان لهذه الظاهرة آثار بعيدة على الاقتصاد، كما لها آثار ونتائج خطيرة على السلوك الاجتماعي.

يقول "فرانسوا دال" في كتابه "مستقبل السياسات الإدارية": "إن غزو المستهلك لشيء مثير.."، إن ما تعمد إليه بعض الشركات المنتجة من إحلال سلع مماثلة أقل جودة، وبالطبع أقل سعراً، ليقبل الناس عليها، حتى تزول السلع الأصلية من السوق، وعندها ترفع سعر السلعة المثيلة، إن هذا نموذج من نماذج إغراء المستهلك، وأسلوب من أساليب غزوه.

تقول الإحصاءات الأخيرة: إن من العوامل التي تمثل نمطاً في الحياة يؤذي البيئة: السيارات، والبيوت الفخمة، ومراكز التسوق الكبرى، والسلع الاستهلاكية، ونوع الطعام المرتكز على الإفراط في أكل اللحوم، والغذاء غير الصحي.

إن السلوكيات الاستهلاكية بدأت تتغير اليوم، إما بسبب ثورة المتغيرات والإنتاجية الكبيرة، أو لأننا ننتهج مسلكاً استهلاكياً لإخفاء شيء معين في نفوسنا، كمستوانا المالي أو الثقافي مثلاً، ولذلك كان خيارنا عشوائياً، حسب ما يمليه ذوق المصمم أو حسب النص الإعلاني في التلفزيون، ولا خيار لنا كمستهلكين، ففي بعض الأحيان نشتري بضاعة لا لتلبية حاجة خاصة، بل لأنها ظهرت في إعلان مثير، إن شريحة كبيرة في مجتمعنا الاستهلاكي لا تتابع بدقة واهتمام وموضوعية مجريات الأحوال السوقية داخل وخارج بلادنا، ثم إن كثيراً من المستهلكين تستهويهم وتثير أحاسيسهم الاستهلاكية عقدة الندرة، فكل شيء نادر، يتسابق الناس لاختطافه من الأسواق!

 

__________________________________________

(*) الكاتب مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الأربعاء, 29 مايو 2019 12:25

رمضان مفتاح حل أزمة الاستهلاك

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 20 مايو 2019 10:04

للصوم سمات اقتصادية مميزة

يرى دافيد سترى أنَّ الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمِّم نفسه بنفسه.

وفيما يلي نستعرض أهم السمات الاقتصادية لفريضة الصوم:

أولاً: الصوم والاستهلاك: من الواضح أنَّ هناك علاقة طردية بين شهر الصوم المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيأ للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك.

إنَّ هناك تبذيراً وإسرافاً إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان، على الرغم من أنه لا يحتوي إلا وجبتين فقط.

ثانياً: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.

إنَّ من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق، ثم إنَّ الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدرٌ لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدرٌ لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدرٌ لسلوك قويم هو القناعة.

إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلّم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.

كما إنَّ شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد، على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقاً من قوله سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل واشربْ والبسْ ما أخطأتك خصلتان: سرفٌ ومخيلة".

ثالثاً: نتائج وتوصيات:

1- إنَّ هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطاً بقوى اقتصادية، مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة، على مستوى الأفراد ضبطاً لاستهلاكهم، وتقويماً لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيراً للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

2- إنَّ في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل، منها: أن يُحدث الصوم أثره في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توفر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.

3- إنَّ خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيماً إنتاجية أو قيماً استهلاكية رشيدة.

إذن؛ الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدِّد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!

 

_______________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كافٍ؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76 - 83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن الجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك المفرط، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات والمهرجانات التسويقية التي تحاصر الأسرة في كل مكان وزمان ومن خلال أكثر من وسيلة، فالزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية والمرء نفسه لديه حالة شراهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك وبكميات أكثر من اللازم.

ومن الأسف أن اعتاد بعض الناس على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان التي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي وهي ليست من الإسلام.

ومن ثم فإن الزوجة التي تـُعد وتطبخ والزوج الذي يجلب وينفق كلاهما متهم بالشراهة الاستهلاكية التي تنتاب مجتمعنا في رمضان وغير رمضان.

لذا، يمكن القول، بصفة عامة، إن الإسراف في هذا الشهر (رمضان) وفي غيره، سمة من سمات منطقتنا العربية، فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية تختلف عن الأشهر العادية، وتبدأ بمضاعفة استهلاكها، ويكون النهار صوماً وكسلاً والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.

إنّ صفة استهلاك المسلم هي الكفاية لا التبذير، وإن منفعته وإشباعه يتحقق ليس فقط بالإشباع المادي بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه، وإن منفعته تتحقق حتى في قيامه بواجبه نحو المسلمين وقبل ذلك أهله وزوجته وولده.

ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نعمه ويحمده ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله ونيل ثوابه عز وجل.

إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي ثم فرصة لترتيب سلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.

ثم إن شهر رمضان فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا..." هذه القاعدة، ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

لقد أكدّ الباحثون حقيقة مهمة تنص على أن فوضى الاستهلاك تبرز بوضوح، حينما تبدأ الزوجة بعرض نفقاتها لتكون نفقات من السلع والمواد الغذائية التي تبتلع فعلاً الدخل الشهري حتى آخر قرش فيه.

وتنتقل عدوى التبذير إلى الأطفال؛ فينمو معهم انعدام الحس بقيمة الأشياء فلا يحافظون بالتالي على ألعابهم أو كتبهم، وفي ظل ذلك، لا يعود قضية وقتية حالية، بل مسألة تمتد إلى المستقبل ولا يعود التبذير والترف مقتصراً على الأسرة بل والوطن كذلك، فشهر رمضان يجري تحويله عاماً بعد عام إلى مناسبة للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع، وتسهم في ذلك بقوة مختلف وسائل الإعلام وفنون الدعاية ووكالات الإعلانات.

 

________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأربعاء, 03 أبريل 2019 11:29

اقتصاد اللامساواة

إذا كان من المهم التمييز من حيث المفهوم بين فكرة الفقر كنقص في القدرة والفقر كنقص في الدخل، فإنه ليس في الإمكان ربط المنظورين بعضهما ببعض ما دام الدخل وسيلة مهمة للحصول على القدرات. وحيث إن القدرات المعززة من أجل بناء الحياة تنزع طبعيا إلى توسيع قدرة المرء ليكون أكثر إنتاجية وأقدر على الحصول على دخل أكبر.

إن الأمر لا يقتصر على أن، كمثال، توافر تعليم أساس أفضل ورعاية صحية أفضل من شأنهما أن يؤديا إلى تحسن نوعية الحياة مباشرة، بل إنهما أيضاً يزيدان من قدرة الشخص على الحصول على الدخل والتحرر من فقر الدخل أيضاً. وكلما زاد المدى الذي يتحقق بفضل التعليم الأساس والرعاية الصحية أصبح من المرجح أكثر أن تتوافر لمن يتوقع حالة من الفقر فرصة أفضل للتغلب على ما يعانيه من عوز.

وإذا كان من المهم تأكيد هذه الروابط بين فقر الدخل وفقر القدرة، فإنه من المهم أيضاً ألا تغيب عن نظرنا حقيقة أساسية وهي: أن خفض فقر الدخل وحده ربما لا يكون الحافز النهائي للسياسة المناهضة للفقر. وثمة خطر من النظر إلى الفقر بمعنى ضيق ومحدود هو الحرمان من الدخل، ثم تبرير الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وغير ذلك على أساس أنها وسائل جيدة لبلوغ الغاية وهي خفض دخل الفقر، إذ إن هذا خلط بين الوسائل والغايات.

إن القضايا التأسيسية الرئيسة تلزمنا بأن نفهم الفقر والحرمان في ضوء الحياة التي يمكن للناس عمليا أن يحيوها، والحريات التي يمكن فعليا أن يحظوا بها.

فالفقر المدقع يتركز الآن، بكثافة شديدة الوطأة، في إقليمين محددين في العالم: جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. إذ إن بها من بين جميع مناطق العالم أدنى المستويات من حيث دخل الفرد.

بيد أن هذا المنظور لا يعطينا فكرة واضحة وكاملة عن طبيعة ومحتوى حالات الحرمان في كل منهما ولا عن فقرهما النسبي. إننا بدلا من هذا، إذا نظرنا إلى الفقر باعتباره حرماناً من القدرات الأساسية، فسوف نحصل على صورة أكثر وضوحاً ودلالة من المعلومات عن مظاهر الحياة في هذه الأجزاء من العالم.

إنَّ هناك من ينتقد الاقتصاديين أحياناَ لإفراطهم في التركيز على الفعالية دون المساواة. وقد نجد بعض العذر لهذه الشكوى، ولكن يجب ملاحظة أن ظاهرة عدم المساواة حظيت باهتمام الاقتصاديين أيضاً على مدى تاريخ البحث العلمي.

إن آدم سميث الذي غالباً ما يراه البعض "أباً للاقتصاد الحديث" كان معنياً للغاية بالهوة بين الغني والفقير.

كذلك فإن بعض العلماء الاجتماعيين والفلاسفة كانوا جميعاً من المعنيين موضوعياً بهذه الظاهرة، وهم اقتصاديون نذروا جهدهم لدراستهم.

والملاحظ في السنوات الأخيرة ازدهار الدراسة الاقتصادية لظاهرة عدم المساواة كموضوع دراسي، وذلك على أيدي رواد عظام.

وليس معنى هذا إنكار أن تركيز الاهتمام على الفعالية واستبعاد الاعتبارات الأخرى مسألة شديدة الوضوح في بعض المؤلفات الاقتصادية. ولكن الاقتصاديين كمجموعة لا يمكن اتهامهم بإغفال ظاهرة اللامساواة كموضوع للدراسة.

ختاماً أقول وإذا كان ثمة سبب للامتعاض، فإنه ينصب على الأهمية النسبية التي توليها أغلب الدراسات الاقتصادية لحالة عدم المساواة داخل نطاق محدود، أعني اقتصاد اللامساواة.

 

___________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 10 فبراير 2019 10:44

سوق رأس المال الفكري

 طوال التاريخ، نشب جدال حول طريقة إحراز تقدم اقتصادي.

لكن مفهوم أن التجارة تنتج تقدماً بشرياً وأن فقدانها يحكم على الناس بعيش الكفاف، لم يقبله الجميع، فهذه العداوة القديمة نحو التجارة والمتاجرة، كوسيلة لزيادة ثروة الأمم، من الصعب أن تموت، وحتى القرن الثامن عشر، قلّما كان ينظر إلى التدفق الحر للتجارة بأنه مفيد.

إن الخرائط التي ننظر إليها الآن، والعلاقات التجارية التي نعتبرها الآن كأمر مُسلّم به، تحمل القليل من شبه تلك الخرائط والعلاقات التي كنا نعرفها قبل جيل من الزمن.

فالسوق هي الطريقة الوحيدة المعروفة لتوفير معلومات تمكّن الأفراد من أن يحكموا على المزايا النسبية لمختلف استعمالات الموارد التي ليست لديهم عنها معرفة مباشرة، التي عن طريق استعمالها، سواء قصدوا ذلك أم لا، يخدمون احتياطات أفراد بعيدين غير معروفين، وهذه المعلومات مشتتة تشتتاً جوهرياً ولا يمكن جمعها معاً وإيصالها إلى هيئة مفوّضة بمهمة خلق نظام خلقاً متعمداً.

لقد كانت قدرة الدول ذات السيادة التقليدية هذه تتآكل تقريباً بنفس السرعة التي تتآكل فيها سلطات الدول الفردية في التحكم بالتقلبات قصيرة الأجل في قيم عملاتها الخاصة، وتتآكل على نحو كبير؛ لأن المفهوم الكلاسيكي للتجارة الدولية آخذ في أن يصبح مهجوراً.

وقد ظلّ العالم يتحرك بخطوات متقطّعة، ومع حدوث عدد كبير من التراجعات، نحو اقتصاد عالميّ منذ بداية الزمن تقريباً، لكن هذه العملية تسارعت كثيراً في العقود القليلة الماضية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى أن شبكة المعلومات العالمية المتنامية والأسواق المالية العالمية والتحسينات في النقل قد سهّلت كثيراً صعوبات التجارة والإنتاج الدولية.

ولقد نتج عن هذا التسارع نحو اقتصاد عالميّ تغيير أساسي في عمل العالم، والقوة الدافعة لهذا التغيير هي تقنية المعلومات، وخاصة الأهمية النسبية لرأس المال الفكري بعلاقته برأس المال المادي.

فرأس المال الفكري -الذكاء الإنساني- أصبح الآن العامل المسيطر في الإنتاج، وأهم سوق في العالم، جوهرياً، هي سوق رأس المال الفكري.

والدول التي تحترم حرية رأس المال الفكري، وتتكيف معه تبعاً لذلك، ستزدهر في الاقتصاد العالمي، أما الدول التي تتخيل أنه يمكن استبعاد أو تذليل هذا الشكل الأقوى من رأس المال، فإنها ستذوى.

إن انفجار التجارة العالمية الهائل لم يخلق سوقاً عالمية فقط، بل إن شبكة المعلومات العالمية جعلت في الإمكان كذلك نقل تقسيم العمل عبر جميع حالات الإنتاج والتسويق مع اكتساب قيمة مضافة في عدة أقطار.

إن الكثير من هذه التجارة، وخاصة التقنية الغنية بالمعلومات، تتم أو تسهّل بشبكة معقّدة بدرجة متزايدة من التحالفات بين شركات تشترك في موارد تقنية وفكرية ثمينة، وهذه المشاركة في رأس المال الفكري قد تأخذ شكل منتوجات متطوّرة تطوراً مشتركاً، تصبّ كل منها في خطوط إنتاج الآخرين أو تورد مكونات حدود قاطعة للآخرين، أو ببساطة توفير أفضل وأحدث التنافسات التقنية فائقة السرعة.

الصفحة 1 من 31
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top