د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 26 نوفمبر 2016 13:27

المأساة الكبرى!

اقتصاديونا مثلهم مثل اقتصاديي الأمم الأخرى أصناف ثلاثة:


فالأول: انتهازي يهتم بالأمور العاجلة والملحة أو التي تواجه الأمة على المستقبل المنظور، بقدر اهتماماته بالتقرب من السلطة؛ طمعًا في منفعة آنية أو مَزَيَّة من مزاياها، أو عرض من الحياة الدنيا لا يزيده إلا سقوطًا في أعين الناس.

وصنف ثاني ذو رؤًى ذاتية يعتقد أن الأمور الاقتصادية تحتاج إلى معالجة مبدئية باللونين الأسود والأبيض، ولا مجال لأي لون رمادي، ويغلب على هذا الصنف أساتذة الجامعات والمحللون الاقتصاديون الشباب الذين يفتقدون الخبرة الحياتية والممارسة العملية، بينما يغلب على قناعاتهم واقع ومآل النظريات الاقتصادية السائدة، أو أفكار أساتذتهم التي تولدت؛ إما بناءً على دراسات نظرية سابقة، أو نظريات راحلة عبر التاريخ، أو بناءً على تجارب ذاتية اكتسبت بالممارسة العملية في مجتمعات أخرى قد تكون أكثر تقدُّمًا من الناحية الاقتصادية والتقنية، وقد لا تكون مختلفة عن واقع مجتمعنا وظروفه ومستقبله، وآماله وآلامه.

ويشكِّل الصنف الثالث مجموعة رجال عمليين يجمعون درجات متفاوتة من العلم إلى الخبرة والتجربة العملية، وهؤلاء يهتمون كثيرًا بالهدف والغاية.

ولذلك كانت العلوم الاقتصادية النظرية في نظرهم لا تفيد في واقع الحياة شيئًا وكأن النظريات الاقتصادية مجرد سفسطة كلام لا مبرّر لها إن لم تفد في تطوير ثروة الفرد والمجتمع.

والمشكلة أن معظم مفكرينا من الاقتصاديين الذين تخرَّج معظمهم في الخمسينيات والستينيات، وحتى السبعينيات من القرن الماضي - آمنوا بالارتباط بين المثالية الفكرية والمطلق من الأفكار من ناحية، على حد رأي الدكتور محمد رياض الأبرش، وما بين واقع العمل الاقتصادي المعاش اليومي من ناحية أخرى.

وتدريجيًّا ألزموا أنفسهم بما ارتأوا أنه الحقيقة والصواب العلمي، وأن ما عداه هو مجرد الخطأ المطلق.

وهكذا أصبحوا يعيشون المأساة الكبرى التي تتلخص في أنهم عاشوا؛ ليروا أن كل ما بنوه من أفكار جعلوا من أنفسهم أسرى لها، تهاوت في غضون أشهر قليلة، وأن العالم الذي آمنوا به تهاوى كبيت من ورق أو زجاج.

والأدهى من ذلك أن يجدوا أنفسهم فجأة بلا مثال يحتذى، ولا فكر يقود الخطى أمام واقع يكذب ما عاشوا من أجله سنين طويلة.

الإثنين, 21 نوفمبر 2016 13:24

حقائق اقتصادية مهمة!

لقد أصبحت البشرية الآن على بيّنة ودراية بالكيفية التي تنتج بها الوافر من الطعام، وبالكيفية التي تحرر بها الناس من خوف الجوع وعبء ما يتحملون من أثقال السقام والأمراض والشقاء.

إن حقائق مهمة ستسود مستقبلنا لتحيل يأس المتشائمين إلى أمل باسم للغد، فقد مارسنا فعلاً طرقًا ستزيد من رصيدنا، ومصادر كوكبنا المتنوعة أكثر مما قد نتوقعه؛ ولذلك سنتلافى في المستقبل المجاعات في السلع بواسطة توسيع مصادرنا الحالية، وتبديل حاجاتنا بمواد أخرى، قبل أن تؤدي الندرة إلى المجاعة.

وقد تبددت المخاوف المالتسية لتبكير المجاعة الإنسانية بالثورات الصناعية والتجارية التي حدثت منذ قرنين مضيا، فأصبحت الزراعة الآن على أهبة الخروج من الاعتماد والاعتباطي على الحظ والمواسم المتغيرة.

ولذلك فإن الإنتاج المستقبل للطعام واستهلاكه الحكيم يحمل آمالاً مدهشة لأحفادنا.

ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بد من: 

1- تحسين كل من قوة ومدى زراعة وخصوبة حقولنا وأراضينا الزراعية.

2- صيانة أكبر نصيب من محصول الزراعة للاستغلال الإنساني بالتغلب على الأمراض والطفيليات.

3- تربية نباتات وحيوانات وانتقائها للتنمية الزراعية.

4- الانتقال بالتدريج من زراعتنا الحالية المعتمدة على التربة إلى أخرى جديدة أكثر كفاية وكفاءة.

إن الإنسان اليوم في خشية وقلق على مصيره، فالاعتقاد الشائع أن ما في العالم من مواد غذائية لن يكفي عدد السكان الآخذ في الازدياد بصورة مخيفة.

بيد أن الأبحاث والدراسات والتقارير العالمية تؤكد مستقبلاً مشرقاً؛ لتحسين حياة الإنسان ووفرة الطعام وسرعة نموه، إن مجال البحث العلمي يتسع باطراد، وذلك سيؤدي بالإنسان إلى صنع الأطعمة التي يحتاج إليها بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية إلى جانب الاستفادة من الجبال بزراعتها، ومن البحار باستغلال خيراتها، واكتشاف كل مصدر غذائي يمكن أن يوجد في عالمنا.

وعندما نقوم بذلك يمكن أن يصبح العالم جنة أبعد مما تتطلع إليها آمالنا، ويمكن أن يكون مستقبلنا مليئًا بالوفرة أبعد من أوسع خيالاتنا.

وأكثر ما نحتاج إليه لتأمين مستقبلنا، ولنضمن للعالم السلام، والرخاء للإنسان، هو عدد مستمر من عقول حسنة التدريب وفوق المتوسط، تستطيع حل المشكلات حين وقوعها، إن لم تستطع تقديم الحلول الوقائية لها.

السبت, 12 نوفمبر 2016 14:18

الاقتصاد.. بين الغموض والسطحية!

كثيرًا ما يُساء فَهْم طبيعة علم الاقتصاد، وكثيرًا ما تكون النظرة إليه نظرة تشوبها الحيرة، وتعوزها الثقة، ومن ثَمَّ يُنتقص قدره بصورة تدعو إلى الأسف، فهو يُتَّهم بالغموض من جهة، ويوصف بالسطحية من جهة أخرى، ويقول منتقدوه بوجه عام: إنه أخفق في وضع حلول ذات قيمة عملية في معالجة ما يجد من مشكلات عالمية عاجلة.

إنّ أيّ كاتب أو باحث يتناول موضوعًا كبيرًا قد يترك بالضرورة كثيرًا من التفصيلات، إلا أنّ عرض الخطوط العريضة في علم الاقتصاد ربما يساعد على إبراز أهمية هذا العالم في عالمنا الحديث، وربما يبعث على الاهتمام بذلك العلم الاقتصادي ويقويه، وهذا الاهتمام بدوره ربما يؤدي إلى تقدير ذلك العالم التقدير الذي يستحقه.

وهذا أهم هدف يساعد أيَّ كاتب أو باحث اقتصادي متخصص على مناقشة مشكلات عصره الاقتصادية، وقضايا بلده الاقتصادية، ومبادئ العلوم الاقتصادية؛ لأن علم الاقتصاد يعين الناس على تفهُّم مشكلاتهم التي تعرض لهم باعتبارهم أفرادًا في المجتمع.

عندما نتأمل نشاط الناس رجالاً ونساءً في ساعة من ساعات الصباح ليوم من أيام العمل، نرى غالبيتهم تنصرف إلى أعمال مختلفة، وتنهمك في مشاغل كثيرة متنوعة في المصانع والحقول، والمكاتب والسكك الحديدية، والمدارس والمستشفيات، والمصارف والأعمال الحكومية المختلفة.

إنّ نشاط جميع هؤلاء على اختلافهم واختلاف أعمالهم يشترك في أمرين:

أولهما: أنهم جميعًا يهدفون من وراء أعمالهم إلى تحصيل أسباب عيشهم، فما يكسبونه مقابل ما يبذلون من نشاط وجهد يمكِّنهم من تحقيق حاجاتهم الضرورية؛ من طعام وشراب، ولباس وسكن، وقد يفيض عن الحاجات الضرورية لهم، فيستخدمونه للترفيه والترف، أو يدخرون جانبًا منه.

وثانيهما: أنهم في الوقت الذي يعملون فيه لتحصيل عيشهم، يسهمون في إنتاج سلع أو تقديم خدمات يحتاج إليها غيرهم من أفراد المجتمع.

هذا النشاط المشترك الذي يدور حول تحصيل أسباب العيش عن طريق إنتاج سلع وخدمات، هو ما يعرف بـ"النشاط الاقتصادي"، ومجموع أوجه هذا النشاط الذي يقوم به أولئك الأفراد هو ما يُسمَّى "النظام الاقتصادي".

وعلى الرغم من أهمية النظام الاقتصادي وأثره البالغ في حياتنا اليومية، فإن الذين يهتمون بمعرفة أي شيء عنه قليلون، مع أنّ علم الاقتصاد يلقي الضوء على الحياة المادية للإنسان، ولا تقل أهمية الإلمام بقدر منه عن أهمية فَهْم القواعد الأساسية في الصحة، أو في التعليم والتربية.

إنّ المعلومات الاقتصادية تساعدنا على فَهْم لماذا نسعى لتحصيل أسباب العيش؟ ولماذا يختار كل منا مهنة خاصة يقبل عليها بذاتها؟ وكيف ننظم ما نكسب أو نحصل عليه من دخول؟ وما النظام الذي يخضع له في شراء ما نحتاج إليه من سلع؟ وكيف تصل السلع إلى المستهلكين منَّا؛ سواء أكانت من الإنتاج الخارجي أم من الإنتاج المحلي؟ وما الأسس التي تتحدد عليها أسعار السلع التي ندفعها، وقليل الحصول عليها؟ ذلك لأن هذه الأمور كلها من موضوع علم الاقتصاد.

السبت, 05 نوفمبر 2016 14:10

أهمية مواردنا المالية!

من الخطأ أن يجسّم الناس أهمية مواردنا المادية، ويقللوا من وسائلنا غير المادية، فالغالبية العظمى من الناس لا تفكر في الموارد إلا بمدلول الماديات، ويغفلون عما تملكه الإنسانية من موجودات وطاقات أعظم أهمية بكثير، هي العقلية الإبداعية والوسيلة الصناعية الضخمة لاستخدامها.

إن أكثر ما يقلقنا الكوارث والمجاعات والأوبئة، خاصة أن السجل الطويل للتاريخ الإنساني حافل بالحقائق والوثائق التي تؤكد تأثير تلك الكوارث والمجاعات والأوبئة على تفكيرنا منذ قديم الزمن وحتى الآن.

فمنذ قرنين من الزمن ضمَّن أحد الكهنة ويُدْعى توماس روبرت مالتس تلك المخاوف الإنسانية نظريته التشاؤمية والمعروفة بـ"المالتوسية"؛ حيث رأى غالبية الناس المحيطين به يتألمون؛ لأن لديهم من الأطفال أكثر مما يستطيعون إمدادهم بالطعام والرعاية، وربما طال الموت كثيرًا من الأطفال.

يقول مالتس في نظريته: إن المجاعة تقلل من زيادة السكان، وهدفه من ذلك تخفيف بعض الشقاء الذي يقاسيه الناس الذين من حوله بحثهم على إنجاب عدد أقل من الأطفال.

بيد أنه وآخرين عملوا على امتداد هذه الفكرة لتشمل معظم الناس، وأصبحت نظريته بمثابة عقيدة يعتنقها المتشائمون حتى يومنا هذا.

والواقع فإن الكفاية الممتازة لدى الناس اليوم في تهيئة أسباب الراحة والتسلية لأنفسهم جعلت فيرفيلد أوسبورن يبكي على "كوكبنا المسلوب" الذي سوف نجرده في القريب من الوسائل التي تضمن حتى كياننا.

وأفزعت دافيد برادلي قوة الطاقة الذرية واستنتج أنه ليس لدينا مكان للاختفاء منها. 

وأفزع ويليام فوجت سوء استغلالنا بإهمال وإسراف للأرض، مما لا بد من ملاقاته؛ لكي نمهد الطريق لمن يواصلون من بعدنا الحياة.

وهناك غيرهم من المالتسيين الذين لا يرون إلا المستقبل الحالك السواد لسلالتنا؛ لأن ما لدينا من علم وتقنية وصناعات مبنية عليها بلغت بطريقة غريبة مرتبة الكمال، وهم يعتقدون أن الناس عاجزون أمام ذلك النذير المخيف.

وقد ازداد هذا التشاؤم واتسع نطاقه ليشمل عددًا متزايدًا من الناس؛ لأنهم ليسوا على بينة ودراية بمجريات الأحداث، وبما استجد من أسباب، وكيف أن تلك الأحداث والمستحدثات تستطيع التأثير في حياتنا.

ولذا، عنّف كيرتلي مازر الإنسان لخوفه من أن ازدياد عدد السكان سوف يلقي بعبء مستحيل على مصادر الطعام الممكن الحصول عليها، وقال: إن الاستغلال الذكي للمصادر المتجددة، والتنظيم الحكيم للتراكيب والعادات حسبما تمليه الظروف البيئية، يبدو كافيًا لطرد ذلك الشبح المخيف.

يقول كلفر: وإذا كان هناك أي شيء مؤكد عن عالمنا الذي نعيش فيه، فهو أنه لا يوجد ما يقدّر له الاستمرار على الدوام، بل إن كل شيء يعتريه التغيير باستمرار.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top