سالم الفلاحات

سالم الفلاحات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 09 ديسمبر 2017 12:57

الخط العربي الأحمر!

معاذ الله أن أدعو إلى الصمت والاستسلام، إنما خشيتي أن تكون الثورة العربية (الرسمية) هي لتمرير الصفقة (دون قصد) وبأقل الخسائر.

لكنني لن أسمح لنفسي بأن أكذب عليها أو على أحد، فمن لم يستطع قول كل الحق فليكن كل ما يقوله صدقاً على الأقل.

انتفاضة الزعماء العرب من المغرب الأقصى وحتى المشرق العربي وتحذيراتهم لأمريكا حتى لا تتجاوز الخط الأحمر دون الإفصاح عنها أو الحديث عن الخط الأحمر فقط كان قبل قرار ترمب بشأن القدس وقد تجاوزه ترمب أيها الزعماء.. فماذا أنتم فاعلون؟

هل عندما احتلت القدس الغربية في عام 1948م ألم تكن القدس خطاً أحمر؟

أو عندما احتلت فلسطين في 1948م بما فيها القدس الغربية ما لون الخط عندها الذي تجاوزته "إسرائيل" وداعموها جميعاً؟

وعندما احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية لنهر الأردن وسيناء والجولان وجنوب لبنان عام 1967م.. ما لون الخطوط التي تجاوزتها حينذاك؟ وماذا كان الموقف العربي من المحيط إلى الخليج؟

أو عندما صرح الزعماء الصهاينة أكثر من مرة منذ عام 1967م وقالوا: محمد مات خلّف بنات، وإن القدس هي عاصمة "إسرائيل" التاريخية، أو عندما حرق الأقصى، وقسم الحرم الإبراهيمي، وتم بناء المستوطنات التي التهمت الأرض الفلسطينية؟

التفريط بـ 78% من الأراضي الفلسطينية والقبول بجزء منها الذي لن تتنازل عنه دولة الاحتلال.. أي خطوط تم تجاوزها يا سادة؟

أو عندما بنيت الجدران العازلة داخل الأراضي الفلسطينية وعلى حدودها وبخاصة في غور الأردن.. ما لون الخطوط التي تم تجاوزها؟ هل نكذب على أنفسنا؟ وهل تصدقنا أنفسنا؟

العدوان على غزة في الأعوام 2008، 2012، 2014م.. ما لون الخطوط التي تم تجاوزها؟ وماذا كان الفعل العربي؟

اعتقال آلاف الفلسطينيات والفلسطينيين والأردنيين في السجون "الإسرائيلية".. ما لون الخطوط التي محيت؟

اغتيال فلسطينيين وأردنيين حتى بعد معاهدات السلام بدم بارد.. ما لون الخطوط التي ديست؟

رفض الصهاينة المبادرات العربية -التي لم تقبلها الشعوب العربية بحال- ثم تبين أن علاقات صهيونية عربية تنشأ وتترعرع حتى بعد تلك الممارسات.. أي خطوط ديست؟

الذين يفرقون بين القدس الغربية وحيفا ويافا وعكا والجليل وبئر السبع والقدس الشرقية، يكذبون على الدين والتاريخ والعروبة والعقل الواعي، وربما يمهدون الطريق لضياع معظم فلسطين مجاناً بحجة قدسية الأقصى والصخرة ومهد المسيح عليه السلام.

هل كل ما جرى من احتلال فلسطين عام 1948م وحتى الآن لم يكن كافياً لتحريككم ويقظتكم، أم أنه كله لا قيمة له وهو حلال زلال على "إسرائيل"؟ فقط اتركوا لنا مكان سفارة أمريكا وموقع عاصمتكم! ما الذي دهاكم؟

وبلسان المواطن العربي والمسلم، صحيح أنه لم تستطع الأحداث حتى هذه اللحظة أن تخرجني من خمولي وغفلتي وتقاعسي وتواكلي واحتقاري لنفسي!

ولم تستطع الأحداث حتى الآن أن تخرج المرأة دون إذن زوجها والعبد دون إذن سيده، والمتردد من تردده، والواهم بعد اكتشاف وهمه ولكنها قريبة جداً.

سيكذب علينا البعض المخادع غداً ويقول: ترمب يقصد القدس الغربية أو هو يضغط من أجل قبول مشروعه بالتسوية الشاملة ولا يقصد ما يقول!

بالله عليكم، اصمتوا، لعل الله يجعل لنا من أمرنا مخرجاً ليس أحده ما تطرحون طبعاً.

المسلمون وصف لكل من يشهدُ أن لا اله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله.

والإسلاميون وصف لمسلمين يلقبُهم بعض الناس بـ"الإسلاميين"، أخذوا شكل جماعاتٍ أو أحزابٍ منظمة تدافع عن الإسلام وتتبناه منهج حياة.

ويعترض البعض على هذه التسمية (الإسلاميون)؛ لاعتبارات مختلفة منها:

1- أنها يمكن أن تشير إلى أن المسلمين من غير الإسلاميين ليسوا مسلمين على الحقيقة، وربما يعتبر الإسلاميون أنفسهم هم المسلمون على الحقيقة ومن عداهم ناقص الإسلام.

2- هذه التسمية تفرق بين المسلمين تفريقاً قد يُشعر بالطبقية الدينية بمعنى أنّ الإسلاميين أفضل من المسلمين ومن ثم يحق لهم الوصاية عليهم وعلى الدين.

3- تتسبب بالترويج سلبياً ضد الإسلاميين ورميهم من الآخرين بالتشدد وعدم التسامح، حتى يوسموا بالعنف والإرهاب والتطرف.

فالإسلامية فكرٌ، وحركةٌ وراءها أفراد ومجموعات من المسلمين يؤمنون بشمول الإسلام، واتساعه لأكثر من مجرد العبادات والأخلاق، واشتماله على موجِّهات تُصلِح مجالات الحياة العامة لا الخاصة فقط وتجددها.

والإسلامية أوسع من كونها حركات أو أحزاباً سياسية فقط، بل تتنوع في روافدها وفي أولوياتها ومجالات اهتمامها، وفي تأثرها بالواقع وتغيراته وتفاعلها معها.

وعليه فالإسلاميون هم مسلمون انتدبوا أنفسهم للعناية بـ"الإسلام الواجب" المستوى الثاني و"الإسلام الكمال" المستوى الثالث، دعوة وتعلماً وتعليماً، وتعاوناً وتكافلاً، ومن واجبهم أن يطوروا رؤاهم، بما فيها الرؤية الاجتماعية والسياسية، وأن ينافسوا بها أصحاب المذاهب والرؤى الأخرى غير الإسلامية (ولا أقول غير المسلمة)، وأن يصلوا بها إلى المواقع المختلفة في المجتمع والدولة، لا يَظلمون ولا يُظلمون، وليس بالضرورة أن يزيدوا على بقية المسلمين صلاة أو صياماً أو شعائر أخرى.

بل يرون أنّه من الواجب عليهم أن يجدّدوا حضارتهم وأن يجدّدوا المدنية الإنسانية، من منطلق رؤية الإسلام للوجود والعالم، ومن قيم الإسلام ومبادئه وغاياته السامية، بلا إكراه لأحد ولا افتئات على الإسلام نفسه.

وإذا كان من حق بعض عامة المسلمين أن يسلكوا مذاهب سياسية وإدارية اجتهادية في بعض شؤون الحياة بما لا يخرجهم من دائرة الإسلام وما لم ينكروا المعلوم من الدين بالضرورة، فما المانع من أن يلتزم مسلمون مناهج سياسية وإدارية استنبطوها من فهمهم للإسلام بحيث يطلق عليهم البعض إسلاميين ويدعون إليها؟

وإذا حكَّمنا هذا المنهج توقفت المعارك المفتعلة بين المسلمين والإسلاميين، وستنهدم مسببات الخلاف الحاد وتتقلص الحساسيات والمناكفات إلى درجة كبيرة.

ربما أنّ الالتزام بالإسلام العظيم مستويات تبدأ من الإسلام وتنتهي بالإحسان، أو من مستوى يكون به المسلم مسلماً، حتى درجة الكمال الإسلامي وبينهما درجات ومستويات وكلها في دائرة الإسلام الواسع كما ذكرنا في المقال السابق.

لكن كثيراً من المسلمين المنخرطين في الجدل الدائر (مسلمون أم إسلاميون) من كلا الطرفين قد لا يعترفون بتواضع تصوراتهم عن الإسلام بسعته وعمقه وما يقدمه للإنسانية، فضلاً عن المسلمين، من مستويات تجديد الوعي وترشيد السعي، وبعضهم يخوض غمار هذا السجال مكتفياً بتصور بسيط جداً عن الإسلام، يستوي في هذا خواصٌ وعوامٌ كثيرون في المجتمع.

كما أن كثيراً من الإسلاميين يغريهم تدينهم والتزامهم، ويصدهم التزام غيرهم عن حسن التعاطي مع الناس وإدراك واقعهم هم أنفسهم المفعم بالآمال الواسعة على حساب الاستعدادات اللازمة والمقدرات المكافئة التي تنقصهم أحياناً كثيرة.

لو توقف العقلاء وتريثوا وتحاوروا دون مواقف مسبقة دون تحكيم الانطباعات لأزالوا هذا الإشكال شريطة أن يكون لديهم الاستعداد لمغادرة مربع الأنا المقدس والآخر المدنس في كلا الطرفين.

ألم يقل الله تعالى في كتابه: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {24}) (سبأ).

فمن شاء أن يكون الصحابي الأعرابي الذي أقسم ألا يزيد ولا ينقص عن الأساسيات فهو مسلم، ومن زاد على ذلك بمرتبة أو مرتبتين أو عشرة فهو مسلم مأجور كذلك، وقد يتضاعف أجره وليس له أن ينكر على غيره.

إن ما بين السطور القليلة في هذه المقالة أشمل من المسطور بالتأكيد لمن أراد المزيد.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ {24}) (الحج).

الثلاثاء, 25 يوليو 2017 13:45

المسلمون والإسلاميون (1 - 2)

وهل في الإسلام مستويات؟

للإجابة عن هذا التساؤل تأمل حديث جبريل عليه السلام الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال له: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه". (رواه مسلم).

وقوله عليه الصلاة والسلام: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة".

وتأمل الحديث القدسي: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ".

من هنا فإن الالتزام بالإسلام مستويات ودرجات، وقد جاء في التعبير القرآني "أصحاب اليمين، والسابقون السابقون"، "السابقون الأولون".

ويمكن أن يكون ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: الإسلام الأصل:

وهو فردي خاص للمسلم وهو ما يكون به المسلم مسلماً.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة: ‏‏أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، دُلَّنِي على عمل إذا عَمِلْتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال‏:‏ "تعبد الله لا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"،‏ قال‏:‏ والذي نفسي بيده لا أَزِيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أَنْقُصُ منه، فلما ولَّى، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".‏‏

ويمكن أن نسميه مستوى الالتزام بالمعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يصح لمسلم جهله أو عدم الالتزام بمقتضاه.

وهو الأساس لكل فرد مسلم، من توحيد الله تعالى وصلاة وصيام وزكاة وحج استطاع، مع سلامة الباطن، والتحلي بالأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام من الرحمة بالناس والتسامح، والعدل والأمانة والصدق والعفاف والاحتشام.. وهذا هو الإسلام العظيم الذي حين تمثله المسلمون تجاراً ورحالة وعلماء ودعاة وناساً عاديين دخل الناس في الإسلام أفواجاً وانتشر الإسلام في العالم.

المستوى الثاني: الإسلام الواجب:

وهو الذي يتمتع به المسلم إضافة للمستوى الأول تجعله يعمل جاهداً ليصبح فيه المجتمع مبنياً على الإسلام وكذلك الأمة والدولة.

وهو ليس ثانوياً أو تكميلياً أو تجميلياً، إنما هو دين ودنيا، فكرة وحركة، وعلم وعمل على أصعدة: الأسرة والمجتمع والدولة والأمة، كما هو رسالة للعالمين كافة.

انظر إلى قيمة الحرية مثلاً: فهي قيمة عليا في الإسلام، وكذلك في مذاهب وأديان ومجتمعات كثيرة غير إسلامية.

في الإسلام تأصيل يرتبط بالتوحيد: فالإنسان ليس عبداً إلاّ لله، وهو حر من كل ما سواه، ثم تتحول لحرية اجتماعية منضبطة بالتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، ثم تتحول لحرية سياسية بناء على أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ولن تجد في المذاهب السياسية ما يحافظ على الحرية كما هي الحال في الإسلام، ولن تجد ما يشبه الحديث القدسي في دلالة الصراحة والصرامة بشأن الحرية: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"، ومقولة: "الظلم ظلمات يوم القيامة"، "وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، فالقيم الاجتماعية والسياسية في المجتمعات والأمم مرجعيتها الفكر الإنساني، ولا ضير، لكنها في الإسلام مرجعيتها الأولى هي الإسلام نفسه الذي ينظر إليها بالعقل الواعي والمنهج العلمي المنفتح على عطاءات الإنسانية مهما كانت مصادرها.

المستوى الثالث: الإسلام الكمال:

وهو الذي يمتد به الإسلام  ليصل للعالمين.

في العادة يرسي كل مجتمع في البداية هويته ومرجعيته، ثم يفتح الأبواب كلها لحريات الفكر والاجتهاد والاعتقاد والإبداع والتعبير والدعوة والنشر والإعلام وتكوين الجمعيات والأحزاب؛ بحيث تتيح للإسلاميين وغير الإسلاميين، والمسلمين وغير المسلمين، أن يطوروا رؤاهم في مناخ منفتح، وأن يعرض كل فريق رؤاه على الناس، وما يقبل منها يستمر ويتسع حسب درجة قبوله الحر الشفاف، وما لا يقبل منه يتوقف أو يقف عند حدوده بلا إكراه ولا خداع.

هذه المستويات الثلاثة تتضارب عند بعض المسلمين ونحن منهم؛ لأننا لا نجيد الوَصْل بينها، ويكتفي بعضنا بمستوى دون آخر ويحرم غيره من الاختيار أو مستوى الالتزام، مما يكرس حالة الفصل التي وصفها البعض بـ"الفصام النكد".

لكنَّ في الإسلام شدائد/ عزائم عبدالله بن عمر، ورخص عبد الله ابن عباس، وفيه إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يجب أنْ تؤتى عزائمه، حسب حال الشخص المكلف وظروف أخرى.

إنّ الإسلام الأصل (الفردي الخاص) وهم المستوى الأول يجب أن يحرسه ويكرسه إسلام واجب وهو المستوى الثاني (جمعي مجتمعي سياسي حضاري)، ويحوطه إسلام تتكامل صورته التطبيقية بالاجتهاد في التفاصيل، والحرص على التكميل وهو المستوى الثالث والأعلى، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

هذه مستويات تقديرية فقد تكون مستويين أو أربعة أو عشرة أو بدرجات عديدة، ولكن قطعاً هناك مستويات متعددة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

ظهرت العلمانية في أوروبا بعد معاناتها في العصور الوسطى من التسلط باسم الدين.

لكن هذه العلمانية كانت بقدر الحاجة فقط، بحيث لا يتحكم الدين في الأنظمة السياسية، وأنْ تترك الحرية الدينية للناس، وعلى أن توفر الدولة الحماية لها، بمعنى ألا تتحكم الدولة بالدين ولا يتحكم الدين بالدولة، ومع ذلك يتمكن جورج بوش من الادعاء أن الله أمره أن يغزو العراق في حرب الخليج!

العلمانية الناعمة المطبقة في أوروبا قد تتبناها الشعوب العربية بسبب ما تعانيه من حرمان وظلم وفردية.

لكن العلمانية المبشر بها عند العرب والتي رأينا بعض ممارساتها وتطبيقاتها في بلادنا علمانية انتقامية إحلالية إقصائية تمارس العِداء المستأصل للإسلام نفسه، ويظهر أن خير مثال لها علمانية أتاتورك، والتي لم تصمد طويلاً، وهي بهذا المفهوم تطارد الإسلام حتى في الاعتقاد الفردي والأخلاق والقيم الذاتية.

لذلك يصبح التبشير بهذا الحل الغائب المفقود الذي يضع العرب على سكة الأمم المتحضرة بعيد المنال ولا يتوقع له النجاح ما لم يتصالح العلمانيون الواعون مع بقية شرائح الأمة، وما لم تتم مراجعات جادة للمسيرة بأكملها من الجميع.

وإذا كان الإنسان في ظل العلمانية هذه سيحرم من حقوق شخصية كفلتها الأديان السماوية حتى لمن خالفها حيث قال الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة:256)، وحمتها الشرائع البشرية واحترمتها فما معنى هذه النظرية الجديدة؟ وأين الحرية إذاً؟ وهل هذه علمانية؟

وبعد الجهود التي بذلت في المنطقة العربية للتفاهم والتعاون والتكامل بين أبناء الأمة الواحدة على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم الفكرية والسياسية من إسلامية وقومية وليبرالية وعلمانية، وتداول الطرح الديمقراطي وتقبل الكثيرين للدولة المدنية ومقتضياتها، يصر البعض ولا أدري على أي أساس يتكئون ولأي مذهب منطقي ينتمون على تدمير هذه الجهود، ولا تجد تفسيراً لهذا السلوك النزق سوى الإصرار على تمزيق الشعوب وتفرقها لتبقى فريسة سهلة لأعدائها والمتسلطين عليها وللحيلولة دون وحدتها ونهضتها.

وعندها سيُسْقطُ في أيدي الذين بذلوا ويبذلون الآن جهوداً كبيرة لإعلاء قيم التفاهم والتعاون والبناء الاجتماعي ولحمة المجتمع، بدلاً من الصراع التاريخي، والعودة لحالة التمترس والتعصب الأولى، واحتكار الحقيقة، واحتقار الآخر، وتقديس الذات والتي دفعت الشعوب العربية ثمناً باهظاً لها.

إن مجاوزة من ينادون بالعلمانية في بلادنا للمعقول والمجرب والممارس في العالم، يجب أن تجد من يصححها من طرف رواد العلمانية الحقة ودعاتها أنفسهم، ليأخذوا على أيدي هؤلاء الذين يسيؤون إليها، وليتبرؤوا من طروحاتهم وأفعالهم وتجاوزاتهم التي لا تنتمي لأي فكر إنساني منظم متقدم، لأن الاستمرار بهذا المنهج يسيء إلى الأفكار والمناهج نفسها أكثر من إساءته للآخرين.

وإذا كان كل مسلم واع يتوجب عليه إلزاماً أن يعرّي منهج التطرف والغلو والجمود والتحجر وممارسته، ويدينه لتتضح المسافة الفاصلة بينه وبين الانحراف بأي اتجاه، فإن على المعسكر العلماني الليبرالي الحداثي الذي يظن أن الحل بين يديه أن يأخذ على يد المتطرفين منه ويعرّيهم ويعبّر عن هذا التيار بصورته الحقيقية.

قد تتفهم في بيئات التخلف والجهل والانغلاق النزاع بين الحزبييَّن، عندما لا تكون الحزبية تنافساً لخدمة المجتمع.

أما أن تكون الحرب في عصور الوعي والثقافة والتجارب البشرية الواسعة على المقدسات الحضارية المحترمة لأي أمة بل وعلى حاضر الأمة ومستقبلها بحجة العلمانية (بفتح العين أو كسرها) فليس بعد ذلك من خطيئة وتخلف ودكتاتورية.

وأن يصل الأمر لمنع نقل وجهة نظر علمية من مختصين على مستوى العالم وليسوا هواة في قضية علمية محددة ليعرضها للبحث والنقاش، ولست هنا في وارد الدفاع عن محتوى معين.

ما جرى في مجمع النقابات في عمان يسيء للجميع وقد يعيد خلط الأوراق، ويعيد المثقفين أو بعضهم للمربع الأول قبل سبعين سنة من الصراع، ومنهج الإنكار والإلغائية التي لم يستفد منها إلاَّ أعداؤنا.

أمّا البروفيسور زغلول النجار فهو بشر يؤخذ من كلامه ويترك، رحبت به دول كثيرة ليقيم بها بعد أن ارتفع منسوب الحرية في مسقط رأسه! لكنه آثر الأردن في وقت مبكر بعلمه ووعيه وخبرته وإقامته وأفادت منه الجامعات الأردنية، وهو الرجل الذي يعرف حدوده ولا يتدخل في خصوصيات غيره، ولا يخوض في أي حديث سياسي مع أنه العالم والمثقف والسياسي، ولا يُستَقْدم في فنادق ولا تدفع له تذاكر طائرات ولا يكلف أحداً فلساً واحداً.

ويزيد الطين بلة أن ليس هناك أي مشكلة بين د. زغلول النجار وبين من أساؤوا في تلك المحاضرة أو حاولوا منعها، ليخلص البعض إلى أنَّ العداء هو للقرآن نفسه الذي يستشهد به النجار أو يستنتج منه وهنا الطامة الكبرى، فمن المستفيد؟

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top