د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 08 مايو 2019 11:20

محمد بن نصْر المَرْوَزِيّ

أحد أعلام الأمة، وعقلائها، وعُبّادها.

ولد سنة اثنتين ومائتين ببغداد، ونشأ بنيْسابور، وسكن سَمَرْقَنْدَ، وكان أبوه مَرْوَزياً.

سمع من محمد بن نصر، وهشام بن عمّار، وهشام بن خالد، والمسيّب بن واضح، ويحيى بن يحيى، وإسحاق.. وتفقه على أصحاب الشافعيّ.

قال الحاكم: هو الفقيه، العابد، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.

وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومَن بعدهم (في الأحكام).

وقال ابن حَزْم في بعض تآليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمّ منها في محمد بن نصر المَرْوَزيّ.

وقال أبو ذرّ محمد بن محمد بن يوسف القاضي: كان الصدرُ الأول من مشايخنا، يقولون: رجال خُراسان أربعة: ابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن رَاهُويه، ومحمد بن نصْر المَرْوَزيّ.

وقال أبوبكر الصَّيرَفِيّ: لو لم يصنِّف المَرْوَزيّ إلا كتاب «القَسامة» لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتباً سواها!

وقال عنه ابن الأخرم: ولم تزل تجارتُه بنيسابور، أقام مع شريك له مُضارب، وهو يشتغل بالعلم والعبادة.

وقال عنه أحمد بن إسحاق: فأما محمد بن نصر فما رأيت أحسن صلاة منه، ولقد بلغني أن زُنبوراً قعد على جبهته، فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك.

وقال ابن الأخرم: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم، ولا يَذُبُّه عن نفسه، ولقد كنا نتعجَّب من حسن صلاته، وخشوعه، وهيبته للصلاة، كان يضَعُ على صدره، فينتصبُ كأنه خشبة منصوبة، وكان من أحسن الناس خَلْقاً، كأنما فُقئ في وجهه حبُّ الرُّمّان، وعلى خدَّيْه كالورد، ولحيته بيضاء.

وقال السُّلَيمانيّ: محمد بن نصر، إمام الأئمة، الموفَّق من السماء.

توفي محمد بن نصر بسَمَرقَنْد في المحرم، سنة أربع وتسعين ومائتين(1).

العبر التربوية:

- حرص طلبة العلم على السماع من العلماء المعتبرين وأخذ الإسناد عنهم.

- تقديم التفقه في الدين.

- ضرورة الجمع بين الفقه والعلم وحسن العبادة.

- لا مانع للعالم الحكيم أن يجمع بين العلم والتجارة، بل ولا تلهيه تجارته عن العلم وذكر الله تعالى والعبادة.

- حسن صلاة العلماء وخشوعهم يجعلهم محل قدوة لكل مسلم كي يحسن عبادته ويخشع في صلاته.

- العبادة الصحيحة الخالصة لوجه الله تعالى والصلاة ذات الخشوع والتضرع والخضوع هي الزاد المعتبر والأسمى للدعاة والعلماء والمصلحين بل ولطلبة العلم من الشباب والناشئة.

والحمد لله رب العالمين.

 

________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى جـ2، تحقيق عبدالفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي.

قال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العلل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وقال إسحاق بن أحمد الفارسيّ: سمعت أبا حاتم، يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَن دخل العراق.
وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبوزُرْعة، ومحمد بن إسماعيل، والدّارميّ، والحسن بن شُجاع البَلْخِيّ.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشبِه تصنيفه في المبالغة والحسن، لرجوْتُ أن أكون صادقاً.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدّاحة، فيُورِي ناراً ويُسرِج، ثم يُخرِج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمِل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أُفسِد عليك نومك.
قال أبو عيسى التِّرْمِذِي: كان محمد بن إسماعيل عند عبدالله بن مُنير، فلما قام من عنده، قال له: "يا أبا عبدالله، جعلك الله زَيْن هذه الأمة"، قال أبو عيسى: اسْتُجِيب له فيه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيِّ، جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن عِلل الحديث.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف أو أكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسنادَه.
وكان البخاري يختم القرآن كل يوم نهاراً، ويقرأ في الليل عند السَّحر ثُلْثاً من القرآن، فمجموع وِرْده ختمة وثلث خَتْمة، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبُني باغْتياب أحد.
وكان يصلِّي ذات يوم، فلسعه الزُّنبور سبع عشرة مرة، ولم يقطع صلاته، ولا تغيَّر حاله.
وعن الإمام أحمد: ما أخرجتْ خُراسان مثل البخاري.
وقال يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ: البخاريّ فقيهُ هذه الأمة.
وقال محمد بن إدريس الرازي، وقد خرج البخاري إلى العراق: ما خرج من خُراسان أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه.
وقال نسج بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاريّ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، تجتمع أصحابه، فيصلّي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السَّحَر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار في كل يوم خَتْمَة، ويكون خَتْمُه عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل خَتْم دعوةٌ مُستجابة.
وقال بكر بن مُنِير: سمعت البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبْتُ أحداً.
وقال محمد بن يعقوب الأخْرَم: سمعتُ أصحابنا، يقولون: لما قدِم البخاريّ نيْسابور، استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل، سوى من ركب بغلاً أو حماراً، وسوى الرَّجَّالة.
مهنب بنُ سُلَيم الكَرْمانيّ يقول: مات محمد بن إسماعيل رحمه الله ليلة الفطر، أول ليلة من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان بلغ عمرُه اثنتين وستين سنة، غير ثنتي عشرة ليلة.."(1).
العبر التربوية:
- ثناء العلماء بعضهم لبعض تأصيل وتأكيد لخُلق العدالة والإنصاف.
- العبادة والتنسك من سمات العلماء الربانيين والدعاة الصادقين.
- العالم الرباني يخاف على نفسه آفات اللسان غير مغتر بعلمه وثناء الناس عليه.
- احتفاء الأمة بعلمائها منذ فجر نهضتها.

 

______________

الهامش
(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، ج2.

الثلاثاء, 05 مارس 2019 12:05

الإمام البخاري.. حافظ نظام الدين

 هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه.

«هو إمام المسلمين، وقدوة الموحِّدين، وشيخ المؤمنين، والمعوَّل عليه في أحاديث سيد المرسلين، وحافظ نظام الدين، أبو عبدالله الجُعْفِي مولاهم، البخاري، صاحب «الجامع الصحيح» وساحب ذيلِ الفضل للمُستميح.

كان والده أبو الحسن بن إبراهيم من العلماء الورعين.

سمع مالك بن أنس، ورأى حمَّاد بن زيد، وصافح ابن المبارك.

وحدّث عن أبي معاوية، وجماعة.

روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهماً من شبهة، قال أحمد بن حفص: فتصاغرَتْ إليّ نفسي عند ذلك.

ولد البخاري سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه  العلم، وأعانه ذكاؤه.

قال ابن عَدِيّ: سمعتُ الحسن بن الحسين البَزّار يقول: رأيتُ البخاريّ شيخاً نحيفاً، ليس بالطويل ولا بالقصير، عاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً.

وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق: قلتُ للبخاري: كيف كان بدءُ أمرك؟

قال: أُلهِمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكُتّاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخليّ وغيره، فقال يوماً فيما يقرأ على الناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجعْ إلى الأصل. فدخل، ثم خرج، فقال لي: كيف يا غلامُ؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت.. فقال للبخاريّ بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.

فلما طعنت في ست عشرة سنة، حفظت كتاب ابن المبارك ووَكيع، وعرفت كلام هؤلاء.

ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بها، وتخلَّفتُ في طلب الحديث.

فلما طعنتُ في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أصنِّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلَهم، وذلك أيام عُبَيد الله بن موسى، وصنفت «كتاب التاريخ» إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في الليالي المقمرة، وكَلَّ اسمٌ في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.

وقال عبدالرحمن بن محمد البخاريّ: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: لقيتُ أكثر من ألف رجل مِن أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخُراسان، إلى أن قال: فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: «أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله».

وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بغداد ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودَّعتُه: يا أبا عبدالله، تترك العلم والناس، وتصير إلى خُراسان! فأنا الآن أذكر قول أحمد.

وقال ابن عدي: حدثني محمد بن أحمد القومسي: سمعتُ محمد بن حَمْدويَه، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: أحفظُ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديت غير صحيح.

وقال إمام الأئمة ابن خُزَيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العِلَل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبو زُرعة، ومحمد بن إسماعيل، والدارمي، والحسن بن شجاع البَلْخي.

وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلةٍ واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري ناراً ويُسرِج، ثم يُخرج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أفسِد عليك نومَك.

وقال الفَرَبْرِيّ: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين»(1).

سيرة عاطرة لإمام قدوة نواصل شيئاً منها في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

العبر التربوية:

- للآباء تأثير إيجابي كبير على الأبناء إذا صلحوا ودعوا لذرياتهم بالتوفيق والإعانة.

- حرص البخاري على المال الطيب البعيد عن الشبهات، فهذا الحرص على الحلال سبب عظيم لبركة العلم.

- فضل طلب العلم في الصغر لا يخفى على المربين والمعلمين.

- الإتقان والجودة في حفظ الرجال والأسانيد.

- أهمية معرفة التاريخ في صياغة الفكر.

- العالم وطالب العلم لا يستغنيان عن المحافظة على العبادة وقيام الليل.

- رفق المربي بالمربَّى ومراعاته لحاجاته من الراحة والنوم.

- ثناء العلماء على الإمام البخاري لبركة اهتمامه بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والحمد لله رب العالمين.

_______________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2.

الإمام أحمد بن حنبل، يرحمه الله تعالى، هو الإمام أحمد بن محمد  بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس..

هو الإمام الجليل أبوعبدالله الشيباني المرْوَزِيّ، ثم البغدادي، صاحب المذهب، الصابرُ على المحنة، الناصر للسُّنة، مقتدَى الطائفة، ومن قال فيه الشافعي فيما رواه حرملة: خرجت من بغداد، وما خلَّفت بها أفقهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلَم من أحمد.

وُلد سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به من مَرْو حَمْلاً.

قال الخطيب: ولد أبوعبدالله ببغداد، ونشأ بها ومات، وطلب العلم، ثم رحل إلى الكوفة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.

قلت: وألّف مسنَده، وهو أصل من أصول هذه الأمة.

وقال المُزَنيّ: أبوبكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم صِفِّين، وأحمد يوم المحنة.

وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبا زُرْعة يقول: كان أبوك ألف ألف حديث، فقلت: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب..

وقال عبدالله: قال لي أبي: خذ أيّ كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام، حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد، حتى أخبرك عن الكلام..

وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين.

وقال عبدالرزاق: ما رأيت أفقهَ من أحمد بن حنبل ولا أروع.

وقال عبدالرحمن بن مهديّ: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكّرت به سفيان الثوري.

وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل.

وقال أيضاً: إذا رأيتَ الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سُنَّة.

وقال أيضاً، وقد قيل له: تضم أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين.

وقال أيضاً: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين.

وقال أيضاً: أحمد إمام الدنيا.

وقال أبو مُسْهِر، وقد قيل له: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر  دينها؟ قال: لا أعلمه، إلا شابٌّ في ناحية المشرق؛ يعني أحمد بن حنبل.

وعن إسحاق: أحمد حجة بين الله وخلقه.

قال صاحب الطبقات: فهذا يسير من ثناء الأمة عليه، رضي الله عنه.

قلت: ومن شيوخه هُشَيم، وسفيان بن عُيَيْنة، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عُلَيّة، وعلي بن هاشم البريد، ومُعتمر بن سليمان.

توفي رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومائتين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.

فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان؛ بلسان ثقيل، فجعلوا ينضمون إليه، فجعل يشمهم ويمسح على رؤوسهم، وعينه تدمع..

واشتدّت علته يوم الخميس، ووضّأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقُل وقُبِض صدرَ النهار، فصاح الناس وعلت الأصوات حتى كأن الدنيا قد ارتجّت، وامتلأت السّكك والشوارع.

قال المَرْوزِيّ: أُخرجت الناس بعد مُنصرَف الناس من الجمعة.

قلت: وقيل: عدد المصلين عليه كثير، قيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، سوى من كان في السفن في الماء(1).

رحم الله الإمام أحمد العالم المبجّل والإمام الصبر المحتسب والمربي الكبير.

العبر والفوائد التربوية:

- الأمة بخير ما أفادت من علمائها.

- العلم يأتي بعد الصبر والمصابرة، فمن صبر فقد ظفر.

- الفضلاء الكرماء يشهد بعضهن لبعض بكل اعتدال وإنصاف وتجرد.

- اهتمام أحمد بالنشء إلى آخر رمق من حياته؛ فهم الجيل الذي سوف يقود أمة الإسلام.

- كثرة الشيوخ دليل غزارة العلم وتنوعه وامتلاء وقت العالم بالسعي والطلب والتحمل.

- من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، وهذا واضح في حسن خاتمة الإمام أحمد رحمه الله.

 

__________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي، الجزء الثاني. 

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top