د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اشتدت معاناة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد سنوات من الاضطهاد والقتل والتشريد من إعلان الدعوة الإيمانية في مكة، بعد أن عانوا المرارة والقهر والظلم على أيدي صناديد قريش وزبانيتهم. إذ كان لا بد من إنقاذ الثُلة المتبقية الصابرة منهم، فأمر النبي الكريم صحابته بالهجرة إلى أرض الحبشة، فتلك أرض لا يُظلم عند مَلكها أحد، إنها أرض الأحباش؛ أرض أمان وسلام للرعيل الأول. وقد جاء أمر النبي ابتغاء الأجر والحفاظ على الدعوة بعد نزول قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41].

وقد ذكر ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية مسألة الهجرة بقوله: «هذا أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الَّذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين إلى أرض الله الواسعة حتَّى يمكن إقامة الدِّين.. إلى أن قال: ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكَّة مقامهم بها؛ خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة؛ ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير المُنْزِلين هناك أصحمةَ النَّجاشيَّ ملك الحبشة رحمه الله تعالى».

أولًا: دوافع الهجرة إلى أرض السلام "الحبشة"

تنوعت أسباب ودوافع الهجرة إلى الحبشة، وأهم تلك الدوافع:

- شدة البلاء: لما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابـه من البلاء وما هو فيه من العافية؛ لمكانه من الله ومن عمِّه أبي طالب وأنَّه لا يقدر على أن يمنعهم ممَّا هم فيه من البلاء؛ قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشـة؛ فإنَّ بها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحدٌ وهي أرض صِدْقٍ حتَّى يجعل الله لكم فرجاً ممَّا أنتم فيه» فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أوَّل هجرةٍ كانت في الإسلام».

- الفرار بالدِّين: كان الفرار بالدِّين خشية الافتتان فيه سبباً مهماً من أسباب هجرتهم للحبشة. قال ابن إسحاق: «فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم».

- نشر الدعوة الإيمانية خارج مكة: فقد كثُر الدَّاخلون في الإسلام وظهر الإيمان وتحدَّث الناس به. قال الزُّهري في حديثه عن عروة في هجرة الحبشة: "فلمَّا كثر المسلمون وظهر الإيمان فتُحدِّث به؛ ثار المشركون من كفَّار قريش بمن أمن من قبائلهم يعذِّبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم، فلمَّا بلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال لِلَّذين آمنوا به: «تفرَّقوا في الأرض» قالوا: فأين نذهب يا رسول الله؟! قال: «ها هنا» وأشار إلى أرض الحبشة".

وهو السبب الأهمَّ للهجرة ولقد سبق الاتجاه إلى الحبشة؛ حيث هاجر إليها كثيرٌ من المؤمنين الأوائل والقول بأنَّهم هاجروا إليها لمجرَّد النَّجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قويَّةٍ فلو كان الأمر كذلك؛ لهاجر إذاً أقلُّ الناس وجاهةً وقوَّةً ومنعةً من المسلمين غير أنَّ الأمر كان على الضدِّ من هذا فالموالي المستضعفون الَّذين كان ينصبُّ عليهم معظم الاضطهاد والتَّعذيب والفتنة لم يهاجروا؛ إنَّما هاجر رجالٌ ذوو عصبياتٍ لهم من عصبيتهم -في بيئة قبليَّةٍ- ما يعصمهم من الأذى ويحميهم من الفتنة وكان عدد القرشيين يؤلِّف غالبية المهاجرين»، حسب ما رأى السيد قطب.

ويميل الأستاذ دروزة إلى أنَّ فتح مجالٍ للدَّعوة في الحبشة كان سبباً من أسباب هجرة الحبشة؛ حيث يقول: «بل إنَّه ليخطر بالبال أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النَّصرانيَّة أمل وجود مجالٍ للدَّعوة فيها وأن يكون هدف انتداب جعفر متَّصلاً بهذا الأمل». وذهب إلى هذا القول الدُّكتور سليمان بن حمد العودة: «وممَّا يدعم الرَّأي القائل بكون الدَّعوة للدِّين الجديد في أرض الحبشة سبباً وهدفاً من أسباب الهجرة إسلامُ النَّجاشيِّ وإسلام آخرين من أهل الحبشة وأمرٌ آخر فإذا كان ذهاب المهاجرين للحبشة بمشورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهه فبقاؤهم في الحبشة إلى فتح خيبر بأمرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهه وفي صحيح البخاريِّ: فقال جعفر للأشعريِّين حين وافقوه بالحبشة: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هنا وأمرنا بالإقامة؛ فأقيموا معنا».

وهذا يعني: أنَّهم ذهبوا لمهمَّة معيَّنةٍ ـ ولا أشرف من مهمَّة الدَّعوة لدين الله ـ وأنَّ هذه المهمَّة قد انتهت حين طُلِب المهاجرون.

- البحث عن مكان آمن للمسلمين: حيث كانت الخطَّـة الأمنيَّـة للرَّسول صلى الله عليه وسلم تستهدف الحفاظ على الصَّفوة المؤمنـة؛ ولذلـك رأى الرَّسول صلى الله عليه وسلم : أنَّ الحبشـة تعتبر مكاناً آمنـاً للمسلمين ريثما يشتـدُّ عود الإسلام وتهدأ العاصفـة وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشـة ما أمَّنهم وطمأنهم وفي ذلك تقول أمُّ سلمة رضي الله عنها: «لمَّا نزلنا أرض الحبشة؛ جَاوَرْنـا بها خيرَ جارٍ النَّجاشيَّ أَمِنَّـا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نُؤْذَى».

ثانيًا: هجرة المؤمنين إلى أرض السلام

غادر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة في رجب من السَّنة الخامسة للبعثة، وكانوا عشرة رجالٍ وأربع نسوةٍ وقيل: خمس نسوةٍ وحاولت قريش أن تدركهم لتردَّهم إلى مكَّة وخرجوا في إثرهم حتَّى وصلوا البحر، ولكنَّ المسلمين كانوا قد أبحروا متوجِّهين إلى الحبشة.

وعند التأمُّل في فقه المرويَّات، يتبيَّن لنا سِرِّيَّة خروج المهاجرين الأوائل؛ ففي رواية الواقديِّ: «فخرجوا متسلِّلين سرَّاً»، وعند الطَّبريِّ، وممَّن يذكر السِّرِّيَّة في الهجرة: ابن سيِّد النَّاس، وابن القيِّم، والزُّرقانيُّ. ولمَّا وصل المسلمون إلى أرض الحبشة أكرم النَّجاشيُّ مثواهم وأحسن لقاءهم ووجدوا عنده من الطُّمأنينة والأمن ما لم يجدوه في وطنهم وأهليهم فعن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: «لما نزلنا أرض الحبشة جَاوَرْنا بها خيرَ جارٍ ـ النَّجاشيَّ ـ أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه»، ويمكن ذكر أسماء أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة، من الرجال:

- عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس.

- عبدالله بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة.

- الزُّبير بن العوَّام بن خُوَيلد بن أسد.

- أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

- مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

- أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

- عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح.

- عامر بن ربيعة، حليف آل الخطَّاب من عَنْز بن وائل.

- سُهَيل بن بيضاء، وهو: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهَيب بن ضَبَّة بن الحارث.

- أبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَّى بن أبي قيس عبد وُدَّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر. فكان هؤلاء العشرة أوَّل من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة. ومن النساء:

- رقيَّة بنت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .

- سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤي، والَّتي هاجرت مع زوجها أبي حذيفة, وولدت له بأرض الحبشة محمَّد بن أبي حذيفة.

- أمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم امرأة أبي سلمة.

- ليلى بنت أبي حَثمة بن حذافة بن غانم (بن عامر) بن عبد الله بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عديِّ بن كعب، امرأة عامر بن ربيعة.

- أمُّ كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس، امرأة أبي سَبْرة بن أبي رُهْم.

إنَّ المتأمِّل في الأسماء سالفة الذِّكر لا يجد فيهم أحداً من الموالي الَّذين نالهم من أذى قريش وتعذيبها أشدُّ من غيرهم كبلال وخبَّاب وعمَّار رضي الله عنهم بل نجد غالبيتهم من ذوي النَّسب والمكانة في قريشٍ ويمثِّلون عدداً من القبائل صحيحٌ: أنَّ الأذى شمل ذوي النَّسب والمكانة كما طال غيرهم ولكنَّه كان على الموالي أشدَّ في بيئةٍ تقيم وزناً للقبيلة وترعى النَّسب وبالتَّالي فلو كان الفرار من الأذى وحده هو السَّبب في الهجرة؛ لكان هؤلاء الموالي المعذَّبون أحقَّ بالهجرة من غيرهم ويؤيِّد هذا: أنَّ ابن إسحاق وغيره ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ولم يذكر هجرتهم للحبشة.

ويصل الباحث إلى حقيقةٍ مهمَّةٍ ألا وهي: أن ثَمَّةَ أسباباً أخرى تدفع للهجرة غير الأذى اختار لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نوعيةً من أصحابه تُمثِّل عدداً من القبائل وقد يكون لذلك أثرٌ في حمايتهم لو وصلت قريش إلى إقناع أهل الحبشة بإرجاعهم من جانبٍ وتهزُّ هجرتهم قبائل قريش كلَّها أو معظمها من جانبٍ اخر فمكَّة ضاقت بأبنائها ولم يجدوا بُدّاً من الخروج عنها بحثاً عن الأمن في بلدٍ آخر ومن جانبٍ ثالثٍ يرحل هؤلاء المهاجرون بدين الله لينشروه في الآفاق وقد تكون محلاً أصوب وأبرك للدَّعوة إلى الله فتنفتح عقولٌ وقلوبٌ حين يستغلق سواها.

تعتبر هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة وإخفاق زعامات قريش في إخراج المسلمين منها، بعد مفاوضات عَقَدية بين الصحابة والمشركين في بلاط النجاشي، البداية الفعلية لانتصار دعوة الإسلام وانتشارها، حتى ظهرت روايات تثبت إسلام ملك الحبشة النجاشي، وبلغت دعوة الإسلام بعد سنوات قليلة أرضٍ واسعةٍ وعالم جديد. وفي وقتنا الحاضر، أدى الظلم والقهر والقمع الذي مارسته ولا زالت تمارسه الأنظمة الاستبدادية والميليشيات الإجرامية في عالمنا العربي والإسلامي اليوم، وإجبار المستضعفين على الخروج من ديارهم قسرًا وعنوةً، سواء في فلسطين والعراق وليبيا ومصر واليمن وآخرها هجرة السوريين، حيث خرجت آلاف العائلات من دمشق وغوطتها وحلب والجزيرة السورية إلى مناطق جديدة وعوالم أخرى. ومع هذا ستكون الهجرة اليوم خيرًا كثيرًا لهؤلاء الناس بعد أن عاشوا ظروف المعاناة القاسية في ظل التجويع والحصار وتحت ضربات التهجير والتشريد، ومن ثم اكتسابهم خبرة الحياة في بلاد مختلفة مثلت ملاذًا آمنًا لهم، كما هو حال المهجرين منهم في تركيا والغرب، ليعودوا ويبدعوا ويساهموا في نهضة الأمة وبناء أوطانهم من جديد.

المراجع:

  1. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 3/ 96 – 97.
  2. ابن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الفكر، 1/413.
  3. أحزمي سامعون، الهجرة في القرآن الكريم، الرياض، مكتبة الرشد، 1996.
  4. الزهري، المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكار، دمشق، دار الفكر، 1981، ص 96.
  5. سليمان العودة، الهجرة الأولى في الإسلام، الرياض، دار طيبة، 1419ه، ص 34.
  6. السيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1980، 1/ 29.
  7. علي الصلابي، السيرة النبوية، بيروت، ابن كثير، 2004، 1/ 271 – 296.
  8. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دمشق، دار القلم، 1996.

رأى كتابي "المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة" النور في ظروف جدّ معقدة وخطيرة، تمر بها أمتنا العربية والإسلامية بعد ثورات عام 2011، وخاصة بعد مرحلة ما عرف في الأدبيات الإعلامية والسياسية الحالية باسم الثورات الشعبوية المضادة أو مرحلة الخريف (عام 2013 وما بعده)، حيث بدأت مرحلة الانقلابات والمكائد والمؤامرات على الثورات الشعبية، تلك الانقلابات ساندتها دول غربية وعربية بهدف تحطيم إرادة الشعوب في التحرر وإعادة تأهيل أنظمة الاستبداد والديكتاتورية، بعد أن نجحت شعوبنا العربية من تونس إلى ليبيا مرورًا بمصر واليمن وسورية في تحطيم الأصنام وإسقاط الرموز القديمة. واستطاعت في حراكها النوعي والشامل أن تغير المفاهيم المغلوطة التي أخذها الغرب والشرق عن العرب لعقود من الزمن، فقد دفعت شعوبنا الثمن غاليًا، وضحت بدمائها وأموالها وفلذات أكبادها، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله، وما استكانت للوصول إلى حريتها، ودأبها في تحقيق المواطنة الشاملة، ولسان حالها يقول: إن الحرية لا تُوهب ولا تُعطى، إنما تُنتزع انتزاعًا وتَروي شجرتها الوليدة بدماء الشهداء الزاكية.

إن أكثر المسائل التي شاع الحديث عنها بعد الهبات الشعبية العربية في عام 2011، هي مسألة المواطنة ودعائمها ومفهومها وكيف يمكن تبيئتها عربيًا وإسلاميًا، بعد عقود الاستبداد والظلم والإقصاء والتسلط التي مورست بحقها. والجدير ذكره هنا، بأن من الصعب مقاربة مفهوم المواطنة الحديث عربيًا مع مفهومه في أوروبا الذي تطور على مدار القرون الثلاث الماضية هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المواطنة في كل حقبة تاريخية إنما كانت تُعبر عن التركيبة الثقافية والأخلاقية لتلك الحقبة، ومن ثم كانت المؤثر على مدى تَحقُقِ المثل الأخلاقية والسياسية في زمانها، فمثلًا: المواطن عند اليونان هو اليوناني الحر، بينما المواطن في زمن الدولة القومية الحديثة هو أحد أبناء الأمة المكونة للدولة. وعلى هذا كيف بدت حالة الإنسان العربي والمسلم في ظل المعارك السياسية والمخاوف الأمنية بين طلاب الحرية والمواطنة العادلة وبين من يسعى لاستئصال تلك المفاهيم والقيم النهضوية والحضارية؟

أولاً: المواطنة والوطن لغويًا وسياسيًا:

جاءت المواطنة لغةً، من واطنه على الأمر مواطنة، وواطن القوم: عاش معهم في وطن واحد. وفي "المعجم الوسيط": الوطن: مكان إقامة الإنسان ومقرُّه، وُلد به أو لم يولد. و"الوطنية" مصدر صناعي منسوب إلى الوطن، كما يقال "القومية" نسبة إلى القوم، و"العالمية" نسبة إلى العالم، و"الإنسانية" نسبة إلى الإنسان، وكثير من هذه المفاهيم والمصطلحات هي من هذا النوع: مصادر صناعية، قد تزاد أحياناً ألفاً ونوناً مثل: النفسانية، نسبة إلى النفس، والعلمانية نسبة إلى العلم، والشخصانية نسبة إلى الشخص.

أما اصطلاحًا، يُعرَّف الوطن بأنه قطعة الأرض التي تعمرها الأمة بشكل خاص، وهو المسكن، فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لوطنها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن. واتفقت معظم مراجع الفقه الدستوري على إطار عام يحدد التعريف الاصطلاحي للمواطنة على النحو التالي:

المواطنة هي علاقة بين فرد ودولة، كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة، وهي تسبغ على المواطن حقوقاً سياسية كاملة.

وحسب التعريف السياسي، يعتبر مفهوم المواطنة من المفاهيم القديمة الحديثة؛ التي يدور حولها جدل كبير، ومن هنا يختلف مفهوم المواطنة تبعًا لما يُراد به، حيث يعود تاريخ هذا المفهوم إلى زمن الإغريق؛ الذي يعتبر أساس الديمقراطية في العالم اليوم، هذا، وقد شهد مفهوم المواطنة تغيرًا جذريًا في استخداماته ومضامينه، ولم يعد فقط يشير إلى علاقة المواطن بالوطن، والفرد بالدولة، بل تعدى ذلك إلى كونه مفهومًا مجتمعياً شاملًا متعدد الأبعاد.

وعلى ذلك، فإن إعداد المواطنة الصالحة يعتبر هدفًا من أهداف الدولة والمجتمع، وتزداد أهمية هذا الهدف مع التقدم العلمي والحضاري الذي يشهده عالم اليوم، وما يتبعه من فضاء إعلامي واسع الانتشار في أرجاء المعمورة، ومن ثقافات متعددة يتعرض لها الفرد المواطن، وتعتبر تربية المواطنين هي وسيلة المجتمع والدولة في وقت واحد لإعدادهم على الوجه المطلوب؛ ليضمن انتماءهم له، ويحافظ على هويتهم في ظل الظروف الحالية والمتغيرات المتسارعة التي يمر بها، كما يرسخ لهم الشعور بمسؤولية الأعمال التي يقومون بها تجاه وطنهم، سواء كانت فردية أو جماعية.

ثانيًا: التطور التاريخي لمفهوم المواطنة والوطن:

تمتد جذور الوطن والمواطنة إلى آدم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة، فلما أهبط الله أدم وزوجه من الجنة، بقيا هما وذريتهما بما قُدر لهم من الخلافة في الأرض، وعمارتها، وعبادة الله فيها: كانت الأرض مهيأة لتكون كلها وطناً ومستقراً لآدم وذرّيته من بعده؛ ولهذا قال الله تعالى في القران مخاطباً ادم وزوجه وإبليس معهما: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *} [الأعراف: 24].

وهكذا كانت الأرض كلها في أول الأمر وطنًا لآدم وأولاده، لا تزاحم، ولا تنافس، ولا اختصاص بمكان دون مكان. فلما كثرت ذرية آدم وانتشرت، بدأ الناس يتجمَّعون في أماكن بحكم الطبيعة الاجتماعية للبشر، حتى قال الأقدمون: الإنسان مدني بطبعه، وكان الناس يتجمعون في بلدان أو قرى، ويتخذ كل منهم لنفسه ولأهله وولده بيتاً يأوي إليه، يكنّه من القرِّ والحرِّ، ويستره من أعين الناس، ويمارس فيه خصوصيته، ومن مجموع هذه البيوت تكون القرية التي يترابط أهلها فيما بينهم بروابط شتى: كالنسب، والمصاهرة، والجوار، والصداقة، والزمالة في العمل، والاشتراك في تأمين حاجات القرية والدفاع عنها، ومن هذه القرية، أو البلدة، أو المدينة: بدأت قضية «الوطن»، فحين تعدَّدت البلدان والقرى، واضطر الإنسان لسبب أو لآخر إلى أن يهاجر من بلده؛ لم ينس الموضع الأول الذي عاش فيه، وكوَّن به علاقات حميمية من أهل، وأصهار، وأقارب، وأصدقاء، وأحبَّة، وأمسى مرتبطاً عاطفياً بذلك المكان وأهله، كما عبر عن ذلك أبو تمام في العصر العباسي بقوله:

نقلْ فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يسكنه الفتى وحنينُه أبداً لأول منزلِ.

ثالثًا: المواطنة وتحدياتها بعد ثورات الشعوب العربية

تأتي أهمية العمل على تأصيل مبدأ المواطنة في ظل التطور السياسي على اعتبار أن المواطنة ركن أصيل من أركان الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي "قواعد الشورى العامة"، على اعتبار أن الهدف من عملية الإصلاح هو تحقيق فائدةٍ للطرفين الوطن والمواطن. كما لا يمكن أن تتم عملية الإصلاح من غير تعزيز مفاهيم المواطنة التي يقوم على أساسها إحقاق كافة الحقوق للأفراد، باعتبارهم مشاركين في بناء الدولة، وحماية القانون العام فيها.

لقد شكلت قضايا المواطنة وحقوق المواطنين أساس النقاشات الاجتماعية والسياسية والنداءات الشعبية بعد النجاح المبدئي للربيع العربي في بلدان تونس وليبيا ومصر عام 2011، فالمفهوم أخذ يتبلور من خلال حركة المجتمع الحقيقة، وتطوراته الدستورية، وتحولاته الثقافية الكبيرة. ومن هذا المنطلق، بدأت المفاهيم الدستورية المرتبطة بالمواطنة والحرية الشخصية تتجسد في شخصية المواطن وفكره السياسي من جديد، بناء على موروث اجتماعي وثقافي مشترك من المبادئ والقيم والمعتقدات والأخلاق والسلوك والعادات والتقاليد لأبناء المجتمع. وأخذ المواطن يحتمي به عند الملمات والأزمات، ومن ناحية أخرى يدافع عنه عند التحديات؛ لأن المواطن هو الوطن، والوطن هو المواطن، بمعنى أنه لا يستغني أحدهما عن الاخر، والكل مرهون بوجود الآخر.

بعد ذلك، حدثت تغيرات كبرى ألقت بظلالها على مجالات الحياة العامة لدولة الربيع المنتصرة، إذ أدت التطورات السياسية والأمنية في العالم العربي، بعد الردة الثورية المضادة (الشعبوية)، إلى أوضاع اجتماعية وسياسية مختلفة. حيث شكلت عملية القمع المستمر واضطراب الأمن والقتل والترويع والتشريد، والتواطؤ مع العالم الخارجي الغربي والعربي معًا، والسعي لتحطيم إرادة الشعوب الحرة وتدمير بلدانها ونهب مقدراتها وتمزق هويتها الوطنية حالة محبطة، أصابت المواطن العربي والمسلم بالصدمة رغم جهوده العظيمة لاستئصال الفساد والاستبداد، لذلك بدأنا نشهد إحياء تيارات دينية وحزبية راديكالية شوهت الدين والمجتمع، وطمست صورة المواطنة الحقيقية التي نادت بها ثورات الشعوب، وبدلًا من أن تساهم في تعزيز الانتماء الوطني وبناء التآلف الاجتماعي، سعت إلى تطييف المجتمع، وشجعت الانقسامات القبلية، والجهوية، والعرقية الداخلية، وأدت لصراعات أضرت بقيم المواطنة وأصولها وهو ما أدى إلى الفوضى والشتات والخوف والخذلان في بلادنا العربية والإسلامية.

وعلى الرغم من تعثر خطوات النهضة الحضارية، واهتزاز صورة المواطن في عالمنا العربي والإسلامي بفعل ضربات الطغمة الفاسدة والتواطؤ الخارجي، فهذا لا يعني غياب المواطن ودوره في مجتمعاتنا بل على العكس، فإن المواطنة الفاعلة تتجدد مع تحمل المواطن مسؤولياته الوطنية باقتدار، وامتلاكه أدوات دفاع سياسية وقانونية، يسعى من خلالها لبناء عقد اجتماعي داخل المجتمع، ويكون له دور فاعل ومشاركة سياسية وفكرية بتحدٍ وتضامنٍ لا محدود، وبأسلوب حضاري وتنظيمي عظيم. ووفق ذلك، يمكنه لعب دور رئيسي في بناء نظام دولة جديد بدماء جديدة على أسس المساواة والحرية والعدل، فيكون المواطن بذلك سورًا يحمي الجميع من التشتت والتنازع، ويلطف الأجواء السياسية والاجتماعية العامة، ومهما بلغ الأمر، فلا مستقبل للطموحات السياسية والشخصية للمواطن، إلا في ظل هذا مشروع وطني شامل وجامع.

- مراجع المقال:

  1. حمد بن إبراهيم عثمان، الوسطية، ص. ص 220 – 221.
  2. حمدي مهران، المواطنة والوطن، ص. ص 239 ،241.
  3. راشد الغنوشي، الحريات العامة، 2/ 154.
  4. رفيق حبيب، الوسطية الحضارية، ص 153.
  5. علي الدوسري، المواطن والمواطنة، ص 25.
  6. علي محمد الصلابي، المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة، بيروت، دار ابن كثير، 2014، ص. ص 19 -43. رابط الكتاب: https://bit.ly/2pO4MDJ
  7. القرضاوي، الوطن والمواطنة، ص 51.
  8. محمد عاطف، مصطلحات العلوم الاجتماعية، ص 56.
الأربعاء, 21 مارس 2018 19:15

خوارج عصرنا.. سمات التطرف والغلو


لا تزال الفرق المنحرفة والطوائف المغالية في الدين تنتشر في بلاد العرب والمسلمين إلى يومنا هذا، تهدد الأمن والاستقرار، وتشكك الناس في عقائد الناس، وتعيث في الأرض خرابًا، ومن أبرزها جماعة الخوارج أو التي سميت في الأدبيات السياسية الحديثة "الجماعات التكفيرية أو الجهادية المتطرفة". وإذا تبيَّن لنا مما سبق أن الخوارج قد تسببوا في قتل أمير المؤمنين والخليفة الراشدي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعرفنا مناهجهم الفاسدة، فالواجب توضيح مظاهر تلك الجماعة وصفاتهم المختلفة في هذه الأيام، وهي تتكشف في مظاهر وسمات كثيرة، أهمها:
1. تشدد في الدين وتعسير على الآخرين
من مظاهر الغلو في هذا العصر: الخروج عن منهج الاعتدال في الدين، الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». والتشدد في الدين كثيراً ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين، وهما من أبرز سمات الخوارج، أعني التشدد في الدين وقلة الفقه، وأغلب الذين ينزعون إلى خصال الخوارج اليوم تجد فيهم هاتين الخصلتين. ومن مظاهر الغلو التعسير وترك التيسير، مطالبة الناس بما لا يطيقون، وإلزامهم بما لا يلزمهم به الشرع السهل، وعدم مراعاة قدراتهم وتفاوتها، وطاقاتهم واستطاعتهم، وتباينها، وأفهامهم واختلافها، فيخاطبونهم بما لا يفهمون، ويطالبونهم بما لا يستطيعون. ومن أسباب التعسير: الورع الفاسد، والجهل بمراتب الأحكام، والجهل بمراتب الناس، وأما مجالاته وصوره وأشكاله، إيجاب النظر والاستدلال على الجميع، وتحديث الناس بما لا يعرفون، وترك الرخص والإلزام بما لم يلزم به الشرع.
2. تعالُم وغرور
من السمات البارزة في ظاهرة الغلو في الوقت الراهن، التعالم والغرور، وادعاء العلم في حين أنك تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي، والأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ورأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين، فيستقل بغروره عن العلماء، عن مواصلة طلب العلم فيهلك بغروره ويُهلك. وهكذا كان الخوارج الأولون يدعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء وهم من أجهل الناس. وأدى التعالم والغرور إلى تصدر حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام للدعوة بلا علم ولا فقه، فاتخذ بعض الناس منهم رؤساء جهالًا، فأفتوا بغير علم وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي، ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي، بل كثير منهم يستنقص العلماء والمشايخ، ولا يعرف لهم قدرهم، وإذا أفتى بعض المشايخ على غير هواه ومذهبه، أو بخلاف موقفه أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو الجبن والمداهنة، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك، ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم.
3. استبداد في الرأي وتجهيل للآخرين
من أبرز معالم الغلو حديثاً التعصب للرأي، وعدم الاعتراف برأي الآخرين، وإنكار ما عنده من الحق ما دام خالفه في الرأي. ومن الأسباب التي تولد التعصب للرأي، والانحياز له: قلة العلم، مصادفة الرأي لذهن خال، الإعجاب بالرأي، اتباع الهوى.
إن آفة الإعجاب بالرأي والتعصب له هوت بأصحابها إلى دركات خطيرة، في أزمنة قبلنا، فما الذي هوى بذي الخويصرة الجهول، يقول ابن الجوزي: وآفته أنه رضي برأي نفسه، ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما الذي هوى بأصحاب ذي الخويصرة غير إعجابهم برأيهم، وظن السوء في غيرهم. وكانت الخوارج تتعبد، إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من علي رضي الله عنه وهذا مرض صعب، إن هؤلاء المساكين وقعوا أسرى لألفاظ لم يحسنوا فهمها، ولم يستمعوا لمن يجليها لهم، ويفهمهم إياها، لأن الصواب هو رأيهم وما عداه خطأ، يقول محمد أبو زهرة: أولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان، ولا حكم إلا لله، والتبرؤ من الظالمين، وباسمها أباحوا دماء المسلمين وخضبوا الدماء الإسلامية بنجيع الدماء وشنوا الغارة في كل مكان. وإن التعصب للرأي وتجهيل الآخرين يتنافى مع مبادىء أساسية في الإسلام كالشورى والتناصح.
4. طعن في العلماء العاملين
يشهد عصرنا حملة غريبة وظاهرة عجيبة ألا وهي الاعتداء على هيبة العلماء العاملين، وطعنهم بخناجر الزيغ والضلال. ولقد شهدت الصحف والكتب والمقالات، وقاعات الدروس والحلقات نماذج كثيرة من تلك الحملات، فجلب على أمة الإسلام أبلغ الأضرار، فشتت الشمل المشتت، وفرق الجمع المفرق، وعمق الشقاق الغائر. ولا شك أن للطعن في العلماء أسبابًا منها: التعلم بدون مُعلم، الفهم الخاطىء لبعض عبارات العلماء، واتباع الهوى، والحسد، وقد لجأ بعض الشباب إلى أسلوب سيىء ألا وهو تتبع عورات العلماء وزلاتهم، وتصيد أقوالهم، وتحريف كلامهم عن مقصودهم. هم فعلوا ذلك ليبرروا حملتهم الشعواء في الطعن في العلماء قديمًا وحديثًا ممن يخالف آراءهم، ولا يقر مناهجهم الحائدة عن الاعتدال. وإن الذين يطعنون في علماء الأمة العاملين يخدمون المخططات الصهيونية والطاغوتية والاستخباراتية سواء شعروا بذلك أم لا، والذين لا يزالون يطعنون في علماء الأمة بفعلهم هذا يكونون قد ابتعدوا عن منهج أهل السنة والجماعة. وليعلم الذين يطعنون في علماء الأمة العاملين أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصهم معلومة، وما يدري هذا المتعلم أن الاعتبار في الحكم على الأشخاص بكثرة الفضائل، قال ابن القيم: ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين، فمن يبقى لأمة الإسلام إذا طعن في علمائهم؟ أيبقى شباب أحداث، يحسنون التلاوة، ولا تستقيم لهم لغة، وليس لهم باع طويلة ولا قصيرة في كثير من علوم الشرع؟
5. سوء الظن بغيرهم
كثر هذا المرض واستشرى ضرره في عصرنا، وكانت هذه الآفة أداة فتك وتدمير، ووسيلة هدم وتخريب، وقد ترتب عليها نتائج خطيرة. ولهذه الآفة أسباب ودوافع منها: الجهل، فالجاهل لا يتفهم حقيقة ما يرى وما يسمع وما يقرأ ومرمى ذلك، وعدم إدراك حكم الشرع الدقيق في هذه المواقف خصوصاً إذا كانت المواقف غريبة، تحتاج إلى فقه دقيق، ونظر بعيد، يجعل صاحبه يبادر إلى سوء الظن، والاتهام بالعيب، والانتقاص من القدر، ومنها الهوى؛ وهو آفة الآفات، فيكفي أن يرى المرء أو يقرأ أو يسمع ما لا يعجبه، ولا يرضاه، ولا يوافق هواه ومبتغاه.. يكفي ذلك لأن يطلق للظن السيىء الحبال، ويرخى له العنان فيرتع ويصول ويجول، ولا يزن الأمور بميزان الشرع الدقيق، ولا يحاول أن يلتمس المعاذير، ولا يراجع نفسه فضلاً عن أن يتهم فهمه، فالهوى يصده عن ذلك، ومنها العجب والغرور، فإحسان المرء ظنه بنفسه، وغروره بفهمه، إن كان ذا فهم، وإعجابه برأيه يدفعه لأن يزكي نفسه ويحتقر غيره فهو الصواب والكل خطأ وهو الحق والكل باطل، وهو الهدى والجميع ضلال، وقد رأينا أناساً بلغ بهم سوء الظن مبلغًا غريبًا عجيبًا، حتى خرجوا جميع الناس عداهم، أحياء وأمواتًا، فرموهم بالزيغ والضلال، وفساد الاعتقاد، فالجميع في عقيدته دخن ودخل وهم وحدهم المخلصون، الجميع هالكون وهم الناجون، إن الظن السيىء آفة، ولكل آفة آثار وخطورة، والسيىء لا يلد إلا سيئاً.
ولما كانت هذه الآفة ذات خطورة عظيمة كما تبين، فقد كان موقف الإسلام حاسمًا، فقد دعا وأمر باجتناب أكثر الظن، لأن الوقائع والأحداث أثبتت أن الجري وراءه واتباعه عاقبته وخيمة وأضراره عظيمة، قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} الحجرات: 12. ومما يدفع سوء الظن التماس العذر لأخيك، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً.
6. بطش وصلافة مع الآخرين
من مظاهر الغلو حديثًا الشدة والعنف في التعامل مع الآخرين، واستخدامهما في غير محلهما، وكأن الأصل في التعامل مع الغير هو العنف والغلظة لا الرفق والرحمة، وهذه الشدة أصبحت هي الطابع الغالب على سلوك بعض الشباب، وقد تجاوز العنف حدود القول إلى العمل، فسفكت دماء بريئة بسببه ودمرت منشآت، ولقد تسبب هذا العنف في أضرار فادحة على أصحابه وعلى الأمة، وقد كانت هناك أسباب رئيسية وراء استخدام بعض الشباب للعنف والغلظة، نستطيع أن نجملها فيما يلي:
- المحن: فكثير من هؤلاء الشباب تعرضوا لمحن شتى، أثرت في نفوسهم، وغيرت من طباعهم.
- الجهل بفقه الاحتساب: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات التي كلف الله بها هذه الأمة، وينبغي للقائم بها أن يكون فقيهًا فيها ليتمكن من تحقيق المصلحة واجتناب المفسدة بأيسر طريق.
- استخدم بعض الشباب أسلوب الغلظة والقسوة في إرشاد الناس ومحاورتهم لهم، ودعوتهم لإقلاعهم عما يخالف الشرع، وظنوا أن طرق الشدة هي المجدية والرادعة، وغاب عنهم أن أسلوب الرفق هو الأصل، ولا يترك إلا بعد أن تستنفد وسائله، لأنه هو المجدي النافع، المؤثر في النفس.
- من الأسباب الغليظة التي يسلكها بعض هؤلاء الخشونة في معاملة الوالدين، فلا يقيم لهم حرمة، ولا يعاونهما ولا يخدمهما، لقد نسي هؤلاء أن الوالدين لهما خصوصيات عن سائر الناس، لا سيما في دعوتهم وإرشادهم ولا يعني ذلك التنازل عن الالتزام والتمسك بأمر من أمور الدين أو ارتكاب معصية إرضاء لهواهم... كلا.. كلا.. إنما نريد الأدب في المعاملة، واللين في القول، وحسن العشرة، والصبر عليهم والشفقة والرحمة بهم، قال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} [لقمان: 14، 15].
هكذا تبدو لنا تلك الصفات الغريبة لجماعات الغلو والتطرف، فما سلوكيات وأعمال جماعة المداخلة في ليبيا وتنظيم تنظيم داعش والقاعدة في سورية وأنصار بيت المقدس في سيناء، إضافة إلى علماء ومشايخ التطرف والتكفير والسلطة في عالمنا العربي والإسلامي، إلا تمثيل حقيقي لجماعة الخوارج اليوم، الذين ينتمون إلى فريقين لا ثالث لهما: الفريق الأول، هم أصحاب العلاقات المشبوهة والمرتبطين غالبًا بأجهزة الاستخبارات العربية والغربية أو الإيرانية. أما الفريق الثاني، فهم سُذج وجُهال وأطفال أمتنا الذين يسخرهم الفريق الأول للتخريب والنيل من كرامة الأمة وقتل وتهجير أبنائها وإضعاف شوكتها ونزع الهيبة عن دينها، لتكون صيدًا سهلًا لكل عدو وطامع.

مراجع:
 البخاري، كتاب الإيمان، فتح الباري (1/93).
 محمد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية.
 ابن حزم، المِمل والنِحل.
 الشهرستاني، المِلل والنِحل.

وقف أهل الكويت حكومة وشعبًا مع إخوانهم الجزائريين في كفاحهم المشروع ضد المُستعمر الفرنسي، وكان الأخير قد بذل كافة جهوده لتغيير هوية ولغة ودين وثقافة المجتمع الجزائري، إلا أن استمرار مقاومة الشعب الجزائري ووقوف إخوانه العرب والمسلمين بجانبه قلب المعادلة.

في ذلك التاريخ، لم تكن الكويت - كما هي الآن - من حيث حجم الموارد الاقتصادية أو المكانة الجيوسياسية العالمية، ومع هذا وقفت مع كفاح الشعب الجزائري بكل قوتها وطاقتها حتى نال استقلاله وحريته عام 1962م.

يذكر الأستاذ أحمد توفيق المدني في زيارته للكويت: لم نجد كويت اليوم، بل وجدنا كويت الأمس، أنزلونا في دار للضيافة بسيطة جدّ البساطة لم نجد فيها ونحن في يوم 6 ديسمبر أي مُكيف للهواء ولا أي أثر من آثار النعمة التي أضفاها الله على الكويت فيما بعد، وتشرفنا بمقابلة سمو الأمير عبد الله السالم الصباح في بيت متواضع تداعى للخراب، وقد استمتعت نفسي بما وجدته مكتوباً على باب ما كانوا يدعونه قصراً: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

وكان الأمير الجالس إلى مكتب متواضع في غرفة بسيطة كثير الوعي واضح الذكاء واسع الاطلاع بادي الهمة يتحدث فيمتع، صوته هادئ، وكلامه رصين، وهو راوية للشعر العربي الفحل، يتمثل في كلامه بأبيات منه، كأنما هو قائلها، لشدة انطباقها على الواقع.

وكان يقول: نحن نشارككم في كفاحكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا، سيزداد مقدار إعانتنا على مقدار ما ستزداد مداخيلنا، وإنكم لواجدون عندنا بحول الله ما تحبون.

وقابلنا بعده بعض الأمراء، واجتمعنا طويلاً مع لجنة الجزائر المكلفة بتنظيم أسبوع الإعانة وهي لجنة من الواعين المدركين المضحين، كانت تجتمع حول قطبين هما، الدكتور الخطيب والسيد الأستاذ يوسف الفليج. وقد سمت وتعالت أعمال الكويت فيما بعد معنا إلى أن بلغت القمة في آخر عهد الكفاح.

وبمناسبة الذكرى السابعة لاندلاع الثورة الجزائرية، تبرع أمير الكويت بمبلغ أودعه في حساب جبهة التحرير لدعم الثورة الجزائرية، وقد قدر آنذاك بثلاثة ملايين دولار.

وفي إحدى زيارات وفد جبهة التحرير الوطني الجزائرية برئاسة رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية آنذاك السيد فرحات عباس إلى الكويت، أكد أميرها مرة أخرى للوفد الجزائري تمسك بلاده وشعبه بدعم الثورة الجزائرية مادياً ومعنوياً.. ومما جاء في تأكيده هذا ما يلي: كنا معكم قلباً ثم صرنا معكم قلباً ومالاً ومهما اتسعت أموالنا زدنا في إعانة الجزائر، لا نتقيد بميزانية ولا نحدد المدد بعدد.

ودعمت حكومة الكويت أسبوع الجزائر لمناصرتها، وبادرت إلى تأسيس لجنة كويتية تقوم بجمع الإعانات والتبرعات لصالح الثورة، ولمواصلة هذا الدعم أجبرت الحكومة الكويتية كل العمال في القطاعات الحكومية على دفع مبالغ مالية من أجورهم تضامناً مع الشعب الجزائري، بالإضافة إلى إصدار طوابع بريدية خاصة بدعم الثورة الجزائرية على أساس أنها واجب قومي.

وكانت الكويت من الدول العربية التي فتحت أبوابها للطلبة الجزائريين، وكان بها قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ثلاثة وعشرون طالباً يدرسون بالمرحلة الثانوية بمعهد الشيوخ النموذجي، وكانت الحكومة الكويتية هي التي تتكفل بكل نفقات الطلبة الجزائريين، إلى جانب منحهم مبلغاً من المال قدره ثمانون ألف فرنك مع تذكرة سفر خارج الكويت، يضاف إليه مبلغ آخر قيمته ستة آلاف فرنك لتغطية مصاريف كل طالب.

وفي نفس السياق، تمكن وفد الحكومة الجزائرية المؤقتة عند زيارته للكويت من الحصول على أربعين مقعداً إضافياً للطلبة الجزائريين، وقد وعدت الحكومة الكويتية رفع العدد في المستقبل ورفع المنح المخصصة لهم إلى مائة ألف فرنك، وقد وصل عدد طلاب الثانوية من الجزائريين في الكويت إلى سبع وثلاثين طالباً كانت نفقاتهم كلها على حساب السلطة الكويتية الرسمية.

وسمحت السلطات الكويتية بتخصيص ساعات في إذاعتها الوطنية للثورة الجزائرية، وكانت بقدر ثلاث ساعات أسبوعياً مما سمح لشرائح واسعة من سكان الخليج العربي أن يتعرفوا على القضية الجزائرية وأن هناك شعب عربي في منطقة المغرب العربي يعاني ويلات الاستعمار الفرنسي هو الشعب الجزائري.

لقد وقفت الكويت أميراً وحكومة وشعباً بجانب الثورة الجزائرية وواكبت أطوارها، وأدركت تماماً أن فرنسا الحضارة هي فرنسا الدمار والإبادة في الجزائر.

واقترنت المساعدات المادية الكويتية للشعب الجزائري منذ انطلاقة الشرارة الأولى للثورة سنة 1954م بمؤازرة وجدت ترجمتها على كافة الأصعدة المعنوية والإعلامية والسياسية، وأدركت الكويت منذ انطلاقة الثورة الجزائرية، أن المساندة المطلوبة للشعب الجزائري ليست مساندة مادية فقط، وإنما هي مساندة ومناصرة الشقيق ضد المغتصب، الأمر الذي انطلقت منه الكويت حكومة وشعباً تعلن موقفها المساند واستعدادها للتضحية بكل ما تملك في سبيل نصرة الحق واستعادة الكرامة والاستقلال، هذا على الرغم من أن الكويت لم تكن نالت استقلالها السياسي بعد.

وقد صرّح رئيس الحكومة المؤقتة لدى استقباله للبعثة الطبية الكويتية «1962م» فقال: صحيح أن كفاح الشعب الجزائري في الداخل قد حطم الاستعمار ولكن هناك جهود الشعوب العربية.. الكويت وقادتها الأشاوس بما قدموا من تبرعات ومساعدات وتأييد؛ أثرت كلها في سير المعركة.

هكذا نرى بأن أهل الكويت لم يبخلوا على إخوانهم الجزائريين سواء في النواحي المادية أو المعنوية أو السياسية، ولذلك شكلت الكويت بوابة إسناد حقيقي للشعب الجزائري وركيزة أساسية في قوته واستمرار نضاله حتى نيل استقلاله عن المستعمرين.

الصفحة 5 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top