د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 05 يونيو 2018 15:51

دروس وعبر من فتح مكة

إنَّ حركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا، وخروجه في الغزوات تعلِّمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب، سواءً كانت تلك الأسباب مادِّيَّة أو معنويَّةً، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه صلى الله عليه وسلم ، فعندما قرَّر صلى الله عليه وسلم السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتَّى لا يصل الخبر إلى قريش، فتعد العدَّة لمجابهته، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه.

ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءها بني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل، والسِّلاح، والرِّجال، وهجم بنو بكرٍ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولمَّا لجأت خُزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن متجهِّزةً للقتال، لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم، عندئذٍ خرج عمرو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين من خُزاعة، حتَّى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس، فقال:

يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا حِلْفَ أَبِيْنَا وأَبِيْهِ الأَتْلَدَا

قَدْ كُنْتُم وُلْداً، وَكُنَّا وَالِدا ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يدا

فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا

فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

فِيْ فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبِدَا إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا

ونقَضُوا مِيْثَاقَك المُؤَكَّدا وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا

هُمْ بَـيَّـتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّدَا وقَتَلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب!» ولمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ».

شرع النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب الآتية لفتح مكة ولتحقيق مبدأ المباغتة:

1- أنَّه كتم أمره حتَّى على أقرب النَّاس إليه:

فقد أخذ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بمبدأ السِّرِّيَّة المطلقة، والكتمان الشَّديد حتَّى عن أقرب النَّاس إليه، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية، ولا اتِّجاه حركته، ولا العدوِّ الَّذي ينوي قتاله، بدليل أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً، وكانت أحياناً تصمت، وكلا الأمرين يدلاَّن على أنَّها لم تعلم شيئاً عن مقاصده صلى الله عليه وسلم

ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ، فتتناقلها الألسن حتَّى تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ.

2- أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم:

بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال، وذلك لإسدال السِّتار على نياته الحقيقيَّة، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لمَّا همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم، لِيَظُنَّ الظَّانُّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توجَّه إلى تلك النَّاحية، فمضوا، ولم يلقوا جمعاً، فانصرفوا حتَّى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه إلى مكَّة، فأخذوا على (بيبن) حتَّى لقُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام، الَّتي من شأنها صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تُحقِّق أهدافها، وتَسْلَم من كيد أعدائها.

3- أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:

بثَّ صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة، وخارجها؛ حتَّى لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب(1)، فكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيماً بهم، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه يُتَحفَّظ به، ويُسأل عنه، أو ناحية مكَّة.

إنَّ جَمْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين، وقد استفاد الرَّسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحدِّ الآخر باتباعه السِّرِّيَّة، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة.

4- دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:

وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم، وأبصارهم فلا يَرَوننا إلا بغتةً، ولا يسمعون بنا إلا فجأة». [البيهقي في الدلائل (5/11)](2).

وهذا شأن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لربِّ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد.

5- إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش:

عندما أكمل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليهم، ولكنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أطلع نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرِّسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليّاً، والزُّبير، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة، وهدَّدوها أن يفتِّشوها إن لم تُخرِج الكتاب؛ فسلَّمته لهم، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إنِّي كنت امرأً مُلصَقاً في قريشٍ ـ يقول: كنت حليفاً ـ ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ يحمون بها أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنَّه قد صدقكم».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ، فلم ينظر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب، وإن كانت كبيرةً، وإنَّما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكاملـةً، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة، والجهاد، والعلم، والتَّربية، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علميّاً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟!

دخولٌ خاشعٌ متواضعٌ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ:

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ، وهو واضعٌ رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتَّى إنَّ ذقنه ليكاد يَمَسُّ واسطة الرَّحل. ودخل وهو يقرأ سورة الفتح. مستشعراً نعمة الفتح، وغفران الذُّنوب، وإفاضة النَّصر العزيز(3)، وعندما دخل مكَّة فاتحاً ـ وهي قلبُ جزيرة العرب، ومركزُها الرُّوحيُّ، والسِّياسيُّ ـ رفعَ كلَّ شعارٍ من شعائر العدل والمساواة، والتَّواضع، والخضوع، فأردف أسامة بن زيدٍ، وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريشٍ، وهم كثير.

الهوامش

(1) الأنقاب: جمع نقب ، وهو كالعريف على القوم.

(2) انظر: البداية والنِّهاية (4/282)، ومحمَّد صلى الله عليه وسلم (غزوة فتح مكة)، لمحمَّد رضا.

(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النَّبوي في المدينة ، ص 396.

تمر ذكرى فتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية بتاريخ 30 مايو ذكرى عزيزة على المسلمين. ذلك الفتح الذي وَصفتُه بفتح الفتوح العثماني والإسلامي لم يأت من فراغ، وإنما هو نتيجة جهود تراكمية قام بها المسلمون منذ العصور الأولى للإسلام رغبة من تلك الأجيال في تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد الاهتمام بفتح القسطنطينية مع ظهور دولة بني عثمان، إذ تحقق وعد الله تعالى لتصبح تلك المدينة العظيمة دار الإسلام وإلى يومنا هذا.

1- من هو السلطان محمد الفاتح؟

هو محمد بن مراد الثاني ولد في أدرنه عام 1481م، ويعتبر السلطان العثماني السابع في سلسلة آل عثمان يلقب بالفاتح وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عامًا كانت خيرًا وعزة للمسلمين. تولى حكم الدولة العثمانية بعد وفاة والده بتاريخ 18 فبراير 1451م وكان عمره آنذاك 22 سنة ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة التاريخ، مما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال حتى أنه اشتهر أخيرًا في التاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينية.

انتهج محمد الفاتح المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات، ولقد برز بعد توليه السلطة بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيرًا بالأمور المالية فعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف. وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر. وعمل على تطوير إدارة الأقاليم وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم وعزل من ظهر منه تقصيرًا أو إهمال وطور البلاط السلطاني وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة مما ساهم في استقرار الدولة والتقدم إلى الإمام وبعد أن قطع أشواطًا مثمرة في الإصلاح الداخلي تطلع إلى المناطق المسيحية في أوروبا لفتحها ونشر الإسلام فيها، ولقد ساعدته عوامل عدة في تحقيق أهدافه، منها الضعف الذي وصلت إليه الإمبراطورية البيزنطية بسبب المنازعات مع الدول الأوروبية الأخرى، وكذلك بسبب الخلافات الداخلية التي عمت جميع مناطقها ومدنها ولم يكتف السلطان محمد بذلك بل إنه عمل بجد من أجل أن يتوج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي الهام للتحركات الغربية الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن.

2- الاستعداد لفتح القسطنطينية:

شجع العلماء الربانيون مثل أحمد بن إسماعيل الكوراني "معلم الفاتح"، وآق شمس الدين "الملهم الروحي للفتح" في تشجيع السلطان على مضاعفة حركة الجهاد، والإيحاء له بأنه الأمير المقصود بحديث النبي الكريم.

ومن بداية تسلمه للسلطنة، قام السلطان محمد الفاتح بإعداد جيش كبير بلغ حوالي مئتين و خمسين ألف مقاتل، وشرع بتجهيز الحصون والقلاع على أطراف القسطنطينية، ولم تفلح محاولات الإمبراطور البيزنطي في ثنيه بالأموال ومعاهدات الصلح، وقام الفاتح ببناء قلعة روملي حصار على البوسفور من الطرف الأوروبي مقابل قلعة عثمانية شيدت على البر الآسيوي زمن السلطان بايزيد الثاني.

كذلك اعتنى محمد الفاتح بجمع الأسلحة اللازمة لدك حصون المدينة، واعتمد على مهندسين لتطوير صناعة المدافع المتطورة. ومن هؤلاء اعتماده على مهندس مجري اسمه أوربان. كما طور الأسطول العثماني وزاد في تسليحه حتى وصل لقرابة أربعمائة سفينة حربية ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية.

من ناحية أخرى وقع السلطان الفاتح قبيل هجومه على القسطنطينية معاهدات وهدن مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة (غلطة) المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع (المجد) و(البندقية) وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة، ولكن هذه المعاهدات لم تصمد حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية.

3- الهجوم على القسطنطينية:

كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية في ثلاث جبهات، مضيق البسفور، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي، يتخللها نهر ليكوس، وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدماً ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدمًا وعليه أبراج يصل ارتفاعها إلى 60 قدماً، وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمسة وعشرين قدماً وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند، وبالتالي فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصيناً، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون إضافة إلى التحصينات الطبيعية، وبالتالي فإنه يصعب اختراقها، ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها، كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية وأسوارها، وقد عمل السلطان على تمهيد الطريق بين أدرنه والقسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنه إلى قرب القسطنطينية، في مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ الموافق 6 أبريل 1453م.

وحاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار، وأحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة. وبرزت عبقرية الفاتح أثناء الحصار، حيث لاحت للسلطان فكرة بارعة وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين الميناءين مبتعدًا عن حي غلطة خوفًا على سفنه من الجنوبيين، وقد كانت المسافة بين الميناء نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضاً مبسوطة سهلة ولكنها كانت وهاداً وتلالاً غير ممهدة.

لقد جُرت السفن من البوسفور البر حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقة لم يسبق إليها السلطان الفاتح قبل ذلك، وقد كان يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته.

كان هذا العمل عظيمًا بالنسبة للعصر الذي حدث فيه بل معجزة من المعجزات، تجلى فيه سرعة التفكير وسرعة التنفيذ، مما يدل على عقلية العثمانيين الممتازة، ومهارتهم الفائقة وهمتهم العظيمة. لقد دهش الروم دهشة كبرى عندما علموا بها، فما كان أحد ليستطيع تصديق ما تم. لكن الواقع المشاهد جعلهم يذعنون لهذه الخطة الباهرة.

ولقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة. ويرجع الفضل في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ثم همة السلطان وذكائه المفرط، وعقليته الجبارة، وإلى مقدرة المهندسين العثمانيين، وتوافر الأيدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط.

ظهر اليأس في أهل القسطنطينية وكثرت الإشاعات والتنبؤات بينهم، وانتشرت شائعة تقول: ستسقط القسطنطينية عندما ترى سفناً تمخر اليابسة، وكان لوجود السفن الإسلامية في القرن الذهبي دور كبير في إضعاف الروح المعنوية لدى المدافعين عن المدينة الذين اضطروا لسحب قوات كبيرة من المدافعين عن الأسوار الأخرى لكي يتولوا الدفاع عن الأسوار الواقعة على القرن الذهبي إذ إنها كانت أضعف الأسوار، ولكنها في السابق تحميها المياه، مما أوقع الخلل في الدفاع عن الأسوار الأخرى.

4- فتح من الله ونصر قريب:

عند الساعة الواحدة صباحًا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار، وخاف البيزنطيون خوفًا عظيمًا، وشرعوا في دق نواقيس الكنائس والتجأ إليها كثير من النصارى وكان الهجوم النهائي متزامنًا بريًا وبحريًا في وقت، وكان الهجوم موزعًا على كثير من المناطق، ومع استبسال البيزنطيين وشجاعة العثمانيين كان الضحايا من الطرفين يسقطون بأعداد كبيرة.

بعد دخول قلب المدينة، توجه محمد الفاتح إلى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفًا عظيمًا، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فاطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد، وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

5- أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي:

يعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.

وقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والألم والخزي، وتجسم لهم خطر جيوش الإسلام القادمة من إسطنبول، وبذل الشعراء والأدباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين، وعقد الأمراء والملوك اجتماعات طويلة، وتنادى النصارى إلى نبذ الخلافات بينهم. وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثرًا بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الإيطالية وتشجيعها على قتال المسلمين، وترأس مؤتمرًا عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك. ولكن اضطر النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده ففي أماسيا، وبلاد المورة، طرابزون وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم إلى السلطان في أدرنه لتهنئته على انتصاره العظيم.

وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الإسلامي، فنقول: لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الأجيال، ولقد تطلعت له طويلاً وها قد تحقق وأرسل السلطان محمد الفاتح رسائل إلى حكام الديار الإسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الإسلامي العظيم. وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والأعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة.

كما بعث بمثل هذه الرسائل إلى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاج والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا وإلى جميع أطراف مملكته. فكان فتح القسطنطينية نصرًا وفتحًا مبينًا رفع مكانة الدولة العثمانية، ومهد الطريق لنشر رسالة الإسلام في أنحاء أوروبا، وتوسعت الانتصارات التي أطالت من حكم الدولة العثمانية قرونًا.

المراجع:

  1. أكرم ضياء العمري، المجتمع المدني، ص115.
  2. سالم الرشيدي، محمد الفاتح، ص89.
  3. سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ص29.
  4. عبد العزيز العمري، الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص358.
  5. علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار التوزيع، بور سعيد، 2001، ص. ص87 – 125.
  6. فتح القسطنطينية، محمد صفوت، ص69.
  7. محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص253.
  8. محمد فؤاد كوبريلي، قيام الدولة العثمانية، ص43.
  9. محمد مصطفى، فتح القسطنطينية وسيرة السلطان محمد الفاتح، ص36-46.
  10. يلماز أوزنتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ص135.
السبت, 02 يونيو 2018 18:06

معركة بدر.. فاتحة عهد جديد

 

في شهر رمضان المبارك كانت أولى انتصارات المسلمين بقيادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فبعد أن استقرت دولة المسلمين في المدينة المنورة بات من الضروري أن يوسعوا نطاق الدعوة لخارج حدود المدينة. وكانت البداية حين بلغ المسلمون تحرُّكُ قافلةٍ تجاريَّةٍ كبيرةٍ من الشَّام، تحمل أموالًا عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها بين ثلاثين، وأربعين رجلاً، فأرسل الرَّسول صلى الله عليه وسلم بَسْبَسَ بنَ عمرو؛ لجمع المعلومات عن القافلة، فلَّما عاد بَسْبَسُ بالخبر اليقين، ندب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج، وقال لهم: «هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلَّ الله يُنْفِلُكُموها». وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر، من شهر رمضان المبارك، من السَّنة الثانية للهجرة، ومن المؤكَّد: أنَّه حين خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة، لم يكن في نيَّته قتالٌ؛ وإنَّما كان قصده عِيرَ قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكَّة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدوِّ، ودماؤهم مباحةً، فكيف إذا علمنا: أنَّ جزءًا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشيَّة، كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكَّة، قد استولى عليها المشركون ظلماً، وعدوانًا. 

أرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم اثنين من أصحابه إلى بدرٍ طليعةً، للتَّعرُّف على أخبار القافلة فرجعا إليه بخبرها: وقد حصل خلاف بين المصادر الصَّحيحة حول عدد الصَّحابة، الذين رافقوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوته هذه إلى بدرٍ، ففي حين جعلهم البخاري «بضعة عشر وثلاثمئةٍ». يذكر مسلمٌ: أنَّهم كانوا «ثلاثمئةٍ وتسعة عَشَرَ رجلاً»، في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمئةٍ وأربعين من الصَّحابة البدريين.
كانت قوَّات المسلمين في بدرٍ، لا تمثِّل القدرة العسكريَّة القصوى للدَّولة الإسلاميَّة؛ ذلك: أنَّهم إنَّما خرجوا لاعتراض قافلةٍ، واحتوائها، ولم يكونوا يعلمون: أنَّهم سوف يواجهون قوَّات قريشٍ، وأحلافها مجتمعةً للحرب، والَّتي بلغ تعدادها ألفاً، معهم مئتا فرسٍ، يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القِيانُ يضربن بالدُّفوف، ويغنِّين بهجاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في حين لم يكن مع القوات الإسلاميَّة من الخيل إلا فَرَسَانِ، وكان معهم سبعون بعيراً يتعاقبون ركوبَها.
أولًا: بعض الحوادث أثناء المسير إلى بدر
حدثت بعض الحوادث في أثناء مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فيها من العِبَرِ والمواعظ الشَّيءُ الكثير:
1. إرجاع البَرَاء بن عازبٍ وابن عمر لصغرهما: وبعد خروج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى ملاقاة عِير أبي سفيان وصلوا إلى (بيوت السُّقيا) خارج المدينة، فعسكر فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، واستعرض صلى الله عليه وسلم مَنْ خرج معه، فردَّ مَنْ ليس له قدرةٌ على المُضِيِّ مع جيش المسلمين، وملاقاة مَنْ يُحتَمَل نشوبُ قتالٍ معهم، فردَّ على هذا الأساس البَرَاء بن عازب، وعبد الله بن عمر؛ لصغرهما، وكانا قد خرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم راغبين، وعازمَيْنِ على الاشتراك في الجهاد.
2. "فارجعْ فلن أستعينَ بمشركٍ": عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كان بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ، أَدْركهُ رَجُلٌ، قد كان يُذْكرُ منه جُرْأَةٌ، ونَجْدةٌ؛ ففرِحَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رَأوْهُ، فلمَّا أدْرَكَهُ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتُ لأتَّبِعَكَ، وأُصيبَ معَكَ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تؤمنُ بالله ورَسُولِهِ؟» قال: لا، قال: «فارجعْ؛ فلن أستعينَ بمشركٍ». قالت: ثمَّ مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما قال أوَّل مرَّةٍ، ثمَّ رجع، فأدركه بالبَيْدَاءِ، فقال له كما قال أوَّل مرَّة: «تؤمنُ بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانْطَلِقْ».
3. مشاركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أصحابه في الصِّعاب؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنَّا يوم بدرٍ كلُّ ثلاثة على بعيرٍ، وكان أبو لُبَابَةَ، وعليُّ بن أبي طالبٍ زميلَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكانت عُقبَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: «ما أنتما بأقوى منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».
ثانيًا: قرار لقاء المسلمين ببدر:
بلغ أبا سفيان خبرُ مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بأصحابه من المدينة، بقصد اعتراض قافلته، واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق السَّاحل، في الوقت نفسه أرسل ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفَاريَّ إلى قريشٍ يستنفرها؛ لإنقاذ قافلتها، وأموالها، فقد كان أبو سفيان يَقِظًا حَذرًا، يتلقَّط أخبار المسلمين، ويسأل عن تحرُّكاتهم، بل يتحسَّس أخبارهم بنفسه، فقد تقدَّم إلى بدرٍ بنفسه. وقد استطاع أن يعرف تحرُّكات عدوه، حتَّى خبر السَّريَّة المسلمة التي استطلعت المكان عن طريق غذاء دوابِّها، بفحصه البعر الَّذي خلَّفته الإبل؛ إذ عرف أنَّ الرَّجلين من المدينة؛ أي: من المسلمين، وبالتَّالي فقافلته في خطرٍ، فأرسل ضَمْضَمَ بنَ عمرٍو، إلى قريشٍ، وغيَّر طريق القافلة، واتَّجه نحو ساحل البحر.
كان وقع خبر القافلة شديدًا على قريشٍ؛ التي اشتاط زعماؤها غضبًا؛ لما يَرَوْنه من امتهانٍ للكرامة، وتعريضٍ للمصالح الاقتصاديَّة للأخطار إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاطٍ لمكانة قريشٍ بين القبائل العربيَّة الأخرى؛ ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية.
لقد جاءهم ضَمْضَمُ بنُ عمرو الغِفَاريُّ بصورةٍ مثيرةٍ جدّاً، يتأثَّر بها كلُّ من رآها، أو سمع بها؛ إذ جاءهم وقد حوَّلَ رَحْلَه، وجَدَعَ أنفَ بعيره، وشقَّ قميصه من قُبُـلٍ، ومن دُبُـرٍ، ودخل مكَّة وهو ينادي بأعلى صوته: يا معشرَ قريش! اللَّطيمةَ اللَّطيمةَ! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد مع أصحابه، لا أرى أن تُدْركوها، الغوثَ، الغوثَ.
وعندما أمن أبو سفيان على سلامة القافلة، أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجُحْفَة، برسالةٍ أخبرهم فيها بنجاته، والقافلة، وطلب منهم العودة إلى مكَّة، وذلك أدَّى إلى حصول انقسامٍ حادٍّ في اراء زعماء قريش، فقد أصرَّ أغلبهم على التَّقدُّم نحو بدرٍ؛ من أجل تأديب المسلمين، وتأمين سلامة طريق التِّجارة القرشيَّة، وإشعار القبائل العربيَّة الأخرى بمدى قوَّة قريشٍ، وسلطانها، وقد انشق بنو زُهْرَة، وتخلَّف في الأصل بنو عديٍّ، فعاد بنو زُهْرَةَ إلى مكَّة، أمَّا غالبية قوَّات قريشٍ، وأحلافهم؛ فقد تقدَّمت، حتَّى وصلت بدرًا.
ثالثاً: مشاورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
عندما بلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نجاةُ القافلة، وإصرارُ زعماء مكَّة على القتال، استشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، وأبدى بعضُ الصَّحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربيَّة مع قريشٍ؛ حيث إنَّهم لم يتوقَّعوا المواجهة، ولم يستعدُّوا لها، وحاولوا إقناع الرَّسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صوَّر القرآن الكريم موقفَهم، وأحوال الفئة المؤمنة عمومًا، في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ *يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ *وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ *لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} [الآنفال5 ـ 8].
وقد أجمع قادة المهاجرين، على تأييد فكرة التَّقُّدم لملاقاة العدوّ، وكان للمقداد بن الأسود موقفٌ متميِّزٌ، فقد قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: شهدت من الْمِقْدَاد بن الأسود مشهدًا، لأن أكونَ صاحِبَهُ أحبُّ إليَّ ممَّا عُدِلَ به: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ}، ولكنَّا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخَلْفك، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أشرق وَجْهُهُ وسَرَّه؛ يعني: قوله.
وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا عليَّ أيها النَّاس!» وكان إنَّما يقصد الأنصار؛ لأنَّهم غالبيةُ جنده. وقد أدرك الصَّحابيُّ سعدُ بن معاذ، حامل لواء الأنصار، مقصد النَّبيِّ الكريم؛ فنهض قائلاً: (والله! لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أجل»، فقال: لقد آمنا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السَّمع، والطَّاعة، فامضِ يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك، فو الَّذي بعثك بالحقِّ! لو استعرضت بنا هذا البحر، فخُضْتَه لخُضْنَاه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ اللهَ يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ على بركة الله.
وسُرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذٍ، وزاد من همته ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «سِيرُوا وأبشروا؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطَّائفتين، والله! لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم».
كانت كلمات سعدٍ مشجِّعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبةً لمشاعر الصَّحابة؛ فقد رفعت معنويات الصَّحابة، وشجَّعتهم على القتال، إنَّ حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات، يدلُّ على تأكيد أهمِّية الشُّورى في الحروب بالذَّات؛ ذلك لأنَّ الحروب تقرِّر مصير الأمم، فإمَّا إلى العلياء، وإمَّا تحت الغبراء.
يصوِّر تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه، حتَّى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، ثمَّ حصول ما يترتَّب على ذلك الغضب من تدنِّي سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد، وتأخُّره في الرتبة، وتضرُّره في نفسه أو ماله. وعلى هذا النحو:
إنَّ هذه الحرِّيَّة؛ الَّتي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من آراء وخبرة جميع أهل الرَّأي السَّديد، والمنطق الرَّشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا؛ لأنَّه ليس هناك ما يحول بين أيِّ فردٍ منهم، والوصول برأيه إلى قائد جيشه.
ونلحظ عظمة التَّربية النَّبويَّة؛ الَّتي سرَتْ في شخص الحُبَاب بن المُنذر، فجعلته يتأدَّب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدَّم دون أن يُطلب رأيه؛ ليعرض الخطة الَّتي لديه؛ لكن هذا تمَّ بعد السُّؤال العظيم، الَّذي قدَّمه بين يدي الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «يا رسولَ الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرَّأي، والحرب، والمكيدة؟».
رابعاً: المسير إلى لقاء العدوِّ، وجمع المعلومات عنه:
نظَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جنده، بعد أن رأى طاعة الصَّحابة، وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض، وسَلَّمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سَوْدَاوَيْن إلى سعد بن معاذٍ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وجعل على السَّاقة قيس بن أبي صَعْصَعَة.
لقد كان من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حرصه على معرفة جيش العدوِّ، والوقوف على أهدافه، ومقاصده؛ لأنَّ ذلك يعينه على رسم الخطط الحربيَّة المناسبة لمجابهته، وصدِّ عدوانه، فقد كانت أساليبه في غزوة بدرٍ في جمع المعلومات؛ تارةً بنفسه، وأخرى بغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يطبِّق مبدأ الكتمان في حروبه.
فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ. قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]. وكذلك نلحظ: أنَّ التَّربية الأمنيَّة في المنهاج النَّبويِّ مستمرةٌ منذ الفترة السِّرِّيَّة والجهريَّة بمكَّة، ولم تنقطع مع بناء الدَّولة، وأصبحت تنمو مع تطوِّرها، وخصوصاً في غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم.
إنَّ هذه النَّفسيَّة الرَّفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرَّأي، وأدركت مفهوم السَّمع والطَّاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرَّأي المعارض لرأي سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. وتبدو عظمة القيادة النَّبويَّة في استماعها للخطَّة الجديدة، وتبنِّي الخطَّة الجديدة المطروحة من جنديٍّ من جنودها، أو قائدٍ من قوَّادها.
لقد كانت القوَّة المعنويَّة لجيش مكَّة، مصدرها في النُّفوس، وإن كان مظهره القوَّة، والعزم، والثبات، إلا أنَّ في مخبره الخوفُ، والجبنُ، والتردُّد يكلفها الطريق الصواب في النهج النبوية في إدارة الأزمات.
فقد ذكَّر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ موقفه حبن قال: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي: اذكروا أيها المؤمنون وقت أن خرجتم من المدينة، فسرتم حتَّى كنتم أي: بجانب {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}، وحافَّته الأقرب إلى المدينة المنوَّرة أي: والكفار بالجانب الأبعد الأقصى {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} الَّذي هو بعيد بالنِّسبة للمدينة ـ أي: وعِيرُ {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} سفيان ومن فيها كانت أسفل منكم من ناحية ساحل البحر الأحمر على بُعْدِ ثلاثة أميالٍ منكم.
وقوله: تذييلٌ قُصِدَ به التَّرغيب في {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، والتَّرهيب من الكفر، أي: لا يخفى عليه شيءٌ من أقوال أهل الإيمان، عليمٌ بما تنطوي عليه قلوبهم، وضمائرهم ـ وسيجازي ـ سبحانه ـ كلَّ إنسانٍ بما يستحقُّه مِنْ ثوابٍ، أو عقابٍ على حسب ما يعلم، وما يسمع عنه.
......................................................................
المراجع:
1. ابن حزم، جوامع السِّيرة، ص 107.
2. ابن سعد، الطَّبقات، 2/24.
3. ابن كثير، البداية والنِّهاية، 3/260.
4. ابن هشام، سيرة ابن هشام، 2/61.
5. أبي فارس، غزوة بدرٍ الكبرى، ص. ص 33 - 34.
6. تفسير الرَّازي، 15/173.
7. تفسير القرطبي، 8/25.
8. تفسير الكشَّاف للزَّمخشريِّ (2/160).
9. الحميدي، التَّاريخ الإسلاميُّ، 4/110.
10. خليفة بن خياط، الطَّبقات.
11. صالح بن عبد الله بن عبد الحميد، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، 1/286.
12. العمري، المجتمع المدني في عصر النبوة، ص. ص 138.
13. محمد آل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم، 1/43.
14. المستدرك للحاكم، 3/632.


السقيفة مكان يقع في جانب المدينة المنورة، وله سقف ممتد، ويعود لبني ساعدة الخزرجي، ولذلك عُرف بسقيفة بني ساعدة، وكان أهل المدينة يجتمعون فيه للتشاور وحل قضاياهم اليومية. زادت أهمية هذا المكان في اليوم الذي تلا وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في 11 هـ/ 632 م عند اجتماع الأنصار لتنصيب خليفة منهم.
فقد كانت وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لحظة صادمة، ومرحلة مهمة في تاريخ الدولة الإسلامية الوليدة تلتها أحداث وتحديات كبيرة. وعلى الفور، اجتمع المسلمون لاختيار من يتولى أمر المسلمين، وخلال الاجتماع انقسموا إلى فريقين: فريق أهل المدينة الأنصار، واختاروا سعد بن عبادة الخزرجي، أما المهاجرون فاختاروا أبو بكر الصديق، ورجَّح ترشيح عمر بن الخطاب لأبي بكر الكفة ليصبح أول خليفة للمسلمين في تاريخ الدولة في المدينة.
أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيام الأمة لا تقام إلا بالاختيار العام، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وسنة القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينًا والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية. وإن الرئاسة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضًا مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات، ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية. وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في سقيفة بني ساعدة حيث قال:
1-أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن "نظام الحكم ودستور الدولة" يقرر بالشورى الحرة تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي إن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى المُلزِمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييدًا وتطبيقًا لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى.
2-تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطانه يجب أن يتم بالشورى، أي بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قرارًا جماعيًا كالقرار السابق.
3-تطبيقًا للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية.
ثم إن هذا الترشيح لم يَصِحَّ نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قبوله لها بالشروط التي ذُكرت. وبعد أن تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه في اليوم التالي موقفاً في تأييد أبي بكر حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة: قال أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهداً عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ـ يقول يكون آخرنا ـ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه».
فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».
مثلت خطبة أبي بكر دستورًا صارمًا لمن يتولى حكم المسلمين، وتعد من أعظم الخطب الإسلامية رغم إيجازها والمليئة بالعبر والدروس. ففي خطبة السقيفة أسس الصّدِّيق ميزان العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.
مراجع المقال:
1. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار ابن كثير، 6/ 305 – 306.
2. توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة، ص: 140.
3. عبد الرحمن الشجاع، دراسات في عهد النبوة، ص: 256.
4. علي الصلابي، أبو بكر الصّدِّيق، إستانبول، دار الروضة، ص. ص 106 - 121.
5. فتحية النبراوي، عصر الخلفاء الراشدين، ص: 30.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top