د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

عهد محمد الأول "جلبي" وابنه مراد الثاني (1413-1455م):

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.


بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ. صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها، وقد ولد السُّلطان محمَّد الأول عام (781هـ/1379م) وتولَّى أمر الأمَّة بعد وفاة والده بايزيد، وعرف في التَّاريخ «بمحمَّد جلبي».


اشترك أثناء حكمه في 24 حرباً، وأصيب بأربعين جرحاً. واستطاع أن يقضي على الحرب الأهليَّة بسبب ما أوتي من الحزم، والكياسة، وبعد النَّظر، وتغلَّب على إخوته واحداً واحداً حتَّى خلص له الأمر، وتفرَّد بالسُّلطان، وقضى سني حكمه الثَّمانية في إِعادة بناء الدَّولة، وتوطيد أركانها، ويعتبره بعض المؤرخين المؤسِّس الثَّاني للدَّولة العثمانيَّة.
كان السلطان محمَّد الأوَّل محباً للشِّعر، والأدب، والفنون، وقيل: هو أوَّل سلطانٍ عثمانيٍّ أرسل الهدية السَّنويَّة إِلى أمير مكَّة الَّتي يطلق عليها اسم الصُّرَّة، وهي عبارة على قدرٍ معيَّنٍ من النقود يرسل إِلى الأمير لتوزيعه على فقراء مكَّة، والمدينة.
وقد أحبَّ الشَّعبُ العثمانيُّ السُّلطانَ محمَّداً الأوَّل، وأطلقوا عليه لقب: بهلوان «ومعناها: البطل» وذلك بسبب نشاطه الجم، وشجاعته، كما أنَّ له أعماله العظيمة.


وفاته وخليفته:
بعد أن بذل السُّلطان محمَّد الأوَّل قصارى جهده في محو آثار الفتن، فاجأه الموت في سنة 824هـ/1421م في مدينة أدرنة، وأسلم روحه لخالقه، وعمره 43 سنةً.
وخوفاً من حصول ما لا تُحمد عقباه لو عُلم موت السُّلطان محمَّد الأوَّل، اتَّفق وزيراه إِبراهيم، وبايزيد على إِخفاء موته على الجند حتَّى يصل ابنه مراد الثَّاني، فأشاعا: أنَّ السُّلطان مريضٌ، وأرسلا لابنه، فحضر بعد واحد وأربعين يوماً، وتسلَّم مقاليد الحكم. عام (824هـ/1421م) وكان عمره لا يزيد على ثماني عشرة سنةً، وكان محبَّاً للجهاد في سبيل الله، والدَّعوة إِلى الإِسلام في ربوع أوروبا.
كان معروفاً لدى جميع رعيَّته بالتَّقوى، والعدالة، والشَّفقة، استطاع السُّلطان مراد أن يقضي على حركات التَّمرُّد الدَّاخليَّة الَّتي قام بها عمُّه مصطفى، والَّتي كانت تُدعم من قبل أعداء الدَّولة العثمانيَّة، وكان السُّلطان مراد يوجِّه الضَّربات الموجعة لحركات التَّمرُّد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثمانيِّ في تلك الدِّيار، واتَّجه الجيش العثمانيُّ نحو الشَّمال لإِخضاع إقليم ولاشيا، وفرض عليه جزيةً سنويَّةً، واضطرَّ ملك الصِّرب الجديد «ستيف لازار ميتش» إِلى الخضوع للعثمانيِّين والدُّخول تحت حكمهم، وجدَّد ولاءه للسُّلطان، واتَّجه جيشٌ عثمانيٌّ نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان.


ولم يلبث السُّلطان أن واصل جهاده الدَّعويَّ، وقام بالقضاء على العوائق في كلٍّ من ألبانيا، والمجر.
واستطاع العثمانيُّون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركَّزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أمَّا شمالي ألبانيا، فقد خاض العثمانيُّون فيه جهاداً مريراً، وتمكَّن الألبانيُّون الشَّماليُّون من القضاء على جيشين عثمانيِّين في جبال ألبانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيَّتين متعاقبتين، كان يقودهما السُّلطان مراد بنفسه، وتكبَّد العثمانيُّون خسائر فادحةً أثناء عمليَّة الانسحاب، ووقفت الدُّول النَّصرانية خلف الألبان لدعمهم ضدَّ العثمانيِّين، وخصوصاً من حكومة البندقيَّة، الَّتي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الإقليم الهامِّ بشاطئيه، وموانئه البحريَّة الَّتي تربط البندقيَّة بحوض البحر المتوسط، والعالم الخارجي، وأنَّهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحرٍ مغلقٍ هو بحر الأدرياتيك. وهكذا لم يشهد السُّلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا.


وأمَّا ما يتعلَّق بجبهة المجر؛ فقد استطاع العثمانيُّون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريِّين، ويأسروا منهم سبعين ألف جنديٍّ، وأن يستولوا على بعض المواقع، ثمَّ تقدَّم لفتح بلغراد عاصمة الصِّرب، ولكنه أخفق في محاولته، وسرعان ما تكوَّن حلف صليبيٌّ كبير باركه البابا، واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوربا كليَّةً، وشمل الحلف البابوية، والمجر، وبولندا، والصِّرب، وبلاد الأفلاق، وجنوة، والبندقية، والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ودوقية برجنديا، وانضمَّت إِلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان، والتّشيك. وأُعطيت قيادة قوات الحلف الصَّليبيِّ إِلى قائدٍ مجريٍّ قديرٍ هو: يوحنَّا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوَّات الصَّليبيَّة البرِّيَّة، وزحف جنوباً، واجتاز الدَّانوب، وأوقع بالعثمانيِّين هزيمتين فادحتين عام (846هـ/1442م) واضطرَّ العثمانيُّون إِلى طلب الصُّلح، وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في «سيزجادن» وذلك في شهر يوليو عام (848هـ/1444م) تنازل فيها عن الصِّرب، واعترف «بجورج برانكوفيتش» أميراً عليها. كما تنازل السُّلطان مراد عن الأفلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته «محمود شلبي» الَّذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانيَّة، بمبلغ 60 ألف دوقية. وقد حُرِّرت هذه المعاهدة باللُّغتين العثمانيَّة، والمجريَّة، وأقسم «لاديسلاسي» ملك المجر على الإِنجيل، كما أقسم السُّلطان مراد بالقرآن على أن تراعى شروط المعاهدة بذمَّةٍ، وشرفٍ.


وحين فرغ مراد من عقد الهدنة مع أعدائه الأوربيِّين، عاد إِلى الأناضول، وفجع بموت ابنه الأمير علاء، واشتدَّ حزنه عليه، وزهد في الدُّنيا، والملك، ونزل عن السَّلطنة لابنه محمَّد، وكان إِذ ذاك في الرَّابعة عشرة من عمره، ولصغر سنِّه أحاطه والده ببعض أهل الرَّأي والنَّظر من رجال دولته، ثمَّ ذهب إِلى مغنيسيا في آسيا الصُّغرى ليقضي بقيَّة حياته في عزلةٍ، وطمأنينةٍ، ويتفرَّغ في هذه الخلوة إِلى عبادة الله، ولم يستمتع السُّلطان طويلاً بهذه الخلوة، والعبادة حيث قام الكاردينال سيزاريني وبعض أعوانه بالدَّعوة إِلى نقض العهود مع العثمانيِّين.


لقد نقض النَّصارى عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة «فارنا» البلغاريَّة الواقعة على ساحل البحر الأسود، والَّتي كانت قد تحرَّرت على أيدي المسلمين.
وعندما تحرَّك النَّصارى بعث رجال الدَّولة إِلى السُّلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر، وخرج السُّلطان المجاهد من خلوته ليقود جيوش العثمانيِّين ضدَّ الخطر الصَّليبي.
وأسرع السُّلطان مراد في السير، فوصل وارنه في نفس اليوم الَّذي وصل فيه الصَّليبيُّون، وفي اليوم التَّالي نشبت المعركة بين الجيشين النَّصرانيِّ، والإِسلاميِّ، وكانت عنيفةً حاميةً، وقد وضع السُّلطان مراد المعاهدة الَّتي نقضها أعداؤها على رأس رمح ليشهدهم، ويشهد السَّماء والأرض على الغدر، والعدوان، وليزيد حماس جنده.


واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركةٌ رهيبةٌ كاد يكون فيها النَّصر للنَّصارى نتيجة حميَّتهم الدِّينيَّة، وحماسهم، إِلا أنَّ تلك الحميَّة، والحماس الزَّائد اصطدم بالرُّوح الجهاديَّة لدى العثمانيِّين، والتقى الملك «لاديسلاس» ناقض العهود مع السُّلطان مراد الوفي بالعهود وجهاً لوجه، واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبةٌ تمكَّن السلطان المسلم من قتل الملك المجريِّ النَّصرانيِّ، فقد عاجله بضربةٍ قويَّةٍ من رمحه أسقطته من على ظهر جواده، فأسرع بعض المجاهدين، وحزُّوا رأسه، ورفعوه على رمحٍ مهلِّلين مكبِّرين، وفرحين، وصاح أحد المجاهدين في العدِّو: «أيُّها الكفَّار! هذا رأس ملككم».


وكان لذلك المنظر أثرٌ شديدٌ على جموع النَّصارى، فاستحوذ عليهم الفزع، والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملةً قويَّةً بدَّدت شملهم، وهزموهم شرَّ هزيمةٍ، وولَّى النَّصارى مدبرين، يدفع بعضهم بعضاً، ولم يطارد السُّلطان مراد عدوَّه، واكتفى بهذا الحدِّ من النَّصر، وإِنَّه لنصرٌ عظيم.
كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر (852هـ/1448م) واستمرَّت المعركة ثلاثة أيام، وانتهت بفوز ساحق للعثمانيِّين. وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدُّول التي تستطيع النهوض بعملياتٍ حربيَّةٍ هجوميَّة ضدَّ العثمانيِّين.


ولم تفارق السُّلطان مراداً زهادته في الدُّنيا، والملك، فنزل عن العرش مرَّةً أخرى لابنه محمَّد، وعاد إلى عزلته في مغنيسيا كما يعود الأسد المنتصر إِلى عرينه. ثم رجع مرة أخرى إلى الحكم بعد تمرد الانكشارية وبقي على العرش العثمانيِّ إِلى آخر يومٍ في حياته، وقد قضاها في الغزو، والفتح. ثم تولى بعده السُّلطان محمَّد الثَّاني (الفاتح) (833 - 886هـ/1429 - 1481م)، ويعتبر السُّلطان العثماني السَّابع في سلسلة آل عثمان يلقَّب بالفاتح، وأبي الخيرات. حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً كانت خيراً وعزَّةً للمسلمين. تولَّى حكم الدَّولة العثمانيَّة بعد وفاة والده في 16 محرم عام 855هـ الموافق 18 فبراير عام 1451م، وكان عمره آنذاك 22 سنة، ولقد امتاز السُّلطان محمَّد الفاتح بشخصيَّةٍ فذَّةٍ، جمعت بين القوَّة، والعدل، كما أنَّه فاق أقرانه منذ حداثته في كثيرٍ من العلوم الَّتي كان يتلقَّاها في مدرسة الأمراء، وخاصَّةً معرفته لكثيرٍ من لغات عصره، وميله الشَّديد لدراسة كتب التَّاريخ، ممَّا ساعده فيما بعد على إِبراز شخصيته في الإِدارة، وميادين القتال، حتَّى إنَّه اشتهر أخيراً في التَّاريخ بلقب محمد الفاتح، لفتحه القسطنطينيَّة، وسنتناول عهده وفتحه القسطنطينية في مقال لاحق إن شاء الله.


المراجع:
1- د. علي محمد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م ص (57-67).
2- د. إِسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م. ص (46-47).
3- د. سالم الرَّشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ. ص(37)، ص(45).
4- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م. ص (152).
5- د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م. ص (38)، ص(33)، ص، (41).
6- السَّلاطين العثمانيُّون، كتاب مصوَّر، طبع في تونس.، ص (41).
7- عبد السَّلام عبد العزيز فهمي، السُّلطان محمَّد الفاتح، فاتح القسطنطينيَّة، وقاهر الرُّوم، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الرَّابعة، 1407هـ/1987م، ص (22).

تناولنا في مقالات سابقة سلاطين الدولة العثمانية قبل محمد الفاتح، وآخر هؤلاء السلاطين الأقوياء السلطان بايزيد «الصَّاعقة»، وقد لقب بذلك لأنه كان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام واحد أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، فكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، لكن السلطان بايزيد وقع في صدام مع تيمورلنك الذي جلس على عرش خراسان عام 1369م، واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».

ولأسباب عدة تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهدٍ لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
بعد ذلك تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ على العرش بين أبناء بايزيد، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَلَمّ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.
7- تفسير النَّسفي (3/249).
8- تفسير ابن كثير (3/405).
9- سنن التِّرمذي (4/601)

الأربعاء, 12 ديسمبر 2018 16:17

بايزيد الأول.. السلطان الصاعقة

بايزيد الأول ( 791 -805هـ/1389 -1402م )

بعد استشهاد السُّلطان مراد خان تولَّى الحكم ابنه بايزيد، وكان شجاعاً شهماً كريماً متحمِّساً للفتوحات الإِسلاميَّة، ولذلك اهتمَّ اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكريَّة، فاستهدف الإِمارات المسيحيَّة في الأناضول، وخلال عام أصبحت تابعةً للدَّولة العثمانيَّة، وكان بايزيد كمثل البرق في تحرُّكاته بين الجبهتين البلقانيَّة، والأناضوليَّة، ولذلك أطلق عليه لقب «الصَّاعقة».
أولاً: سياسته مع الصِّرب:
شرع بايزيد في إقامة علاقاتٍ ودِّيَّة مع الصِّرب، مع أنَّهم كانوا السَّبب في قيام تحالفٍ بلقانيٍّ ضدَّ الدولة العثمانيَّة، وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتِّخاذ دولة الصِّرب كحاجزٍ بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتِّخاذ حليفٍ له في سياسته العسكريَّة النَّشطة الَّتي استهدفت الإِمارات السَّلجوقيَّة التُّركيَّة الإِسلاميَّة في آسيا الصُّغرى، لذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصِّرب ابنا الملك (لازار) الَّذي قتل في معركة قوصوة، وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصِّرب، وأعرافها، وتقاليدها، وعاداتها، وأن يدينا له بالولاء، ويقدِّما له جزيةً، وعدداً معيَّناً من الجنود يشتركون في فرقةٍ خاصَّةٍ بهم في حروبه وتزوَّج ابنة الملك لازار.
ثانياً: إخضاع بلغاريا للسِّيادة العثمانيَّة:
بعد أن تمَّ التَّفاهم مع الصِّرب، وجَّه بايزيد ضربةً خاطفةً في عام (797هـ/1393م) إِلى بلغاريا، فاستولى عليها، وأخضع سكَّانها، وبذلك فقدت البلاد استقلالها السِّياسيَّ، وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدَّولة العثمانيَّة صدىً هائلٌ في أوربا، وانتشر الرُّعب، والفزع، والخوف في أنحاءها، وتحرَّكت القوى المسيحيَّة الصَّليبيَّة للقضاء على الوجود العثمانيِّ في البلقان.
ثالثاً: التَّكتُّل المسيحي الغربي ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة:
قام سيجسموند ملك المجر، والبابا بونيفاس التَّاسع بالدَّعوة لتكتُّلٍ أوربيٍّ صليبيٍّ مسيحيٍّ ضدَّ الدَّولة العثمانيَّة، وكان ذلك التَّكتُّل من أكبر التكتُّلات الَّتي واجهتها الدَّولة العثمانيَّة في القرن الرَّابع عشر، من حيث عدد الدُّول الَّتي اشتركت فيه، ثمَّ أسهمت فيه بالسِّلاح، والعتاد، والأموال، والقوَّات، وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصَّليبيَّة 120000 مقاتل من مختلف الجنسيَّات (ألمانيا، وفرنسا، وإِنجلترا، واسكتلندا، وسويسرا، ولوكسمبرج، والأراضي المنخفضة الجنوبيَّة وبعض الإمارات الإِيطاليَّة).
وتحرَّكت الحملة عام (800هـ/1396م) إِلى المجر، ولكنَّ زعماءها، وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتَّى يبدأ العثمانيُّون الهجوم، ولكنَّ قوَّاد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدَّانوب حتَّى وصلوا إِلى نيكوبوليس شمال البلقان، وبدأوا في حصارها، وتغلَّبوا في أوَّل الأمر على القوَّات العثمانيَّة، إِلا أَنَّ بايزيد ظهر فجأة، ومعه حوالي مئة ألف جنديٍّ، وهو عددٌ يقلُّ قليلاً عن التكتُّل الأوربيِّ الصَّليبيِّ، ولكنَّه يتفوَّق عليهم نظاماً، وسلاحاً، فانهزم معظم النَّصارى، ولاذوا بالفرار والهروب، وقُتل، وأُسر عددٌ من قادتهم.
وخرج العثمانيوُّن من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرةٍ وفيرةٍ، واستولوا على ذخائر العدوِّ. وفي نشوة النَّصر، والظَّفر قال السلطان بايزيد: إِنَّه سيفتح إيطاليا، ويطعم حصانه الشَّعير في مذبح القديس بطرس بروما.
رابعاً: حصار القسطنطينية:
استطاع بايزيد قبل معركة نيكوبوليس أن يشدِّد النَّكير على الإمبراطورية البيزنطيَّة، وأن يفرض على الإمبراطور أن يعيِّن قاضياً في القسطنطينيَّة للفصل في شؤون المسلمين، وما لبث أن حاصر العاصمة البيزنطيَّة، وقبل الإمبراطور إِيجاد محكمة إِسلاميَّة، وبناء مسجدٍ، وتخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية الإِسلاميَّة، كما تنازل لبايزيد عن نصف حيِّ غلطة، الَّذي وضعت فيه حاميةٌ عثمانيَّةٌ قوامها 6000 جندي، وزيدت الجزية المفروضة على الدَّولة البيزنطيَّة، وفرضت الخزانة العثمانيَّة رسوماً على الكروم، ومزارع الخضراوات الواقعة خارج المدينة. وأخذت المآذن تنقل الأذان إِلى العاصمة البيزنطيَّة.
وبعد الانتصار العظيم الَّذي حقَّقه العثمانيُّون في معركة نيكوبوليس ثبَّت العثمانيُّون إقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف، والرُّعب بين الشُّعوب البلقانيَّة، وخضعت البوسنة وبلغاريا إِلى الدَّولة العثمانيَّة، والحقُّ: أنَّ الاستيلاء على القسطنطينية كان هدفاً رئيسياً في البرنامج الجهادي للسُّلطان بايزيد الأوَّل.
ولذلك فقد تحرَّك على رأس جيوشه، وضرب حصاراً محكماً حول العاصمة البيزنطيَّة، وضغط عليها ضغطاً لا هوادة فيه، واستمرَّ الحصار حتَّى أشرفت المدينة في نهايتها على السُّقوط ـ بينما كانت أوربا تنتظر سقوط العاصمة العتيدة بين يومٍ وآخر؛ إِذ السُّلطان ينصرف عن فتح القسطنطينيَّة لظهور خطرٍ جديدٍ على الدَّولة العثمانيّة.
خامساً: الصِّدام بين تيمورلنك وبايزيد:
ينتمي تيمورلنك إِلى الأسر النَّبيلة في بلاد ما وراء النَّهر، وفي عام 1369م جلس على عرش خراسان، وقاعدته سمرقند. واستطاع أن يتوسَّع بجيوشه الرَّهيبة، وأن يهيمن على القسم الأكبر من العالم الإِسلاميِّ، فقد انتشرت قوَّاته الضَّخمة في آسيا من دلهي إِلى دمشق، ومن بحر آرال إِلى الخليج العربي، واحتلَّ فارس، وأرمينيا، وأعالي الفرات، ودجلة والمناطق الواقعة بين بحر قزوين إِلى البحر الأسود، وفي روسيا سيطر على المناطق الممتدَّة بين أنهار الفولجا، والدُّون، والدنيبر، وأعلن بأنّه سيسيطر على الأرض المسكونة، ويجعلها ملكاً له، وكان يردِّد: «أنَّه يجب ألا يوجد سوى سيِّد واحد على الأرض طالما أنَّه لا يوجد إِلا إِلهٌ واحدٌ في السَّماء».
• وكانت هناك عوامل، وأسباب ساهمت في إِيجاد صراعٍ بين تيمورلنك، وبايزيد، منها:
1 ـ لجوء أمراء العراق الَّذين استولى تيمور على بلادهم إِلى بايزيد، كما لجأ إِلى تيمور بعض أمراء آسيا الصُّغرى، وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرِّضون من استجاروا به على شنِّ الحرب ضدَّ الطَّرف الآخر.
2 ـ تشجيع النَّصارى لتيمورلنك، ودفعه للقضاء على بايزيد.
وكان الزَّعيمان تيمورلنك، وبايزيد يسعى كلٌّ منهما لتوسيع دولته.
سادساً: انهيار الدولة الوليدة:
تقدَّم تيمورلنك بجيوشه، واحتلَّ سيواس، وأباد حاميتها الَّتي كان يقودها الأمير أرطغرل بن بايزيد، والتقى الجيشان قرب أنقرة في عام 804هـ/1402م وكانت قوات بايزيد تبلغ 120000 مجاهد لملاقاة خصمه، وزحف تيمورلنك على رأس قوَّات جرارة في 20 يوليو 1402م (804هـ) وانتصر المغول، ووقع بايزيد في الأسر، وظلَّ يرسف في أغلاله حتَّى وافاه الأجل في السَّنة التَّالية.
وكانت الهزيمة بسبب اندفاع، وعجلة بايزيد، فلم يحسن اختيار المكان الَّذي نزل فيه بجيشه، الَّذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتلٍ، بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمئة ألفٍ، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلَّة الماء، وكان الوقت صيفاً شديد القيظ، ولم يكد يلتقي الجيشان في أنقرة حتَّى فرَّ الجنود التَّتار، الَّذين كانوا في جيش بايزيد، وجنود الإِمارات الآسيوية الَّتي فتحها منذ عهدٍ قريبٍ، وانضمُّوا إلى جيش تيمورلنك، ولم يُجْدِ السُّلطان العثماني بعد ذلك ما أظهره هو وبقيَّة جيشه من الشَّجاعة، والاستماتة في القتال.
لقد فرحت الدُّول النَّصرانيَّة في الغرب بنصر تيمورلنك، وهزَّها الطَّرب لمصرع بايزيد، وما آلت إِليه دولته من التفكُّك، والانحلال، وبعث ملوك إِنجلترا، وفرنسا، وقشتالة، وإِمبراطور القسطنطينية إِلى تيمورلنك يهنئونه على ما أحرزه من النصر العظيم، والظفر المجيد، واعتقدت أوربا: أنَّها تخلَّصت إِلى الأبد من الخطر العثمانيِّ الَّذي طالما روَّعها، وهدَّدها.
واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على أزنيق، وبروسة، وغيرها من المدن والحصون، ثمَّ دك أسوار أزمير، وخلَّصها من قبضة فرسان رودس (فرسان القدِّيس يوحنَّا) محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الإِسلاميِّ، الذي اتَّهمه بأنَّه وجَّه ضربةً شديدةً إِلى الإِسلام بقضائه على الدَّولة العثمانيَّة، وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القدِّيس يوحنَّا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد.
سابعاً: الحروب الدَّاخليَّة:
لقد تعرَّضت الدَّولة العثمانيَّة لخطرٍ داخليٍّ تمثَّل في نشوب حربٍ أهليَّةٍ في الدَّولة بين أبناء بايزيد على العرش، واستمرَّت هذه الحرب عشر سنوات (806 - 816هـ/1403 - 1413م).
كان لبايزيد خمسة أبناء اشتركوا معه في القتال، ونشبت الحرب بين ثلاثة منهم، كانوا يتنازعون بينهم أشلاء الدَّولة الممزَّقة، والأعداء يتربَّصون بهم من كلِّ جانبٍ.
وبعد عامٍ ارتحل تيمورلنك بجيشه بعد أن أحرقَ الأخضر، واليابس، وترك وراءه البلاد على أسوأ حالٍ من الدَّمار، والخراب، والفوضى.
لقد كانت هذه المرحلة في تاريخ الدَّولة العثمانيَّة مرحلة اختبارٍ، وابتلاءٍ سبقت التَّمكين الفعليَّ المتمثِّل في فتح القسطنطينيَّة، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكِّن لأمَّةٍ إِلا بعد أن تمرَّ بمراحل الاختبار المختلفة، وإِلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطَّيب، وهي سنَّةٌ جاريةٌ على الأمَّة الإِسلاميَّة لا تتخلَّف، فقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحِّص إِيمانهم، ثمَّ يكون لهم التَّمكين في الأرض بعد ذلك.
وابتلاء المؤمنين قبل التَّمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التَّمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكينٍ، ورسوخٍ، قال تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَٰذِبِينَ } [سورة العنكبوت:3].
«الفتنة: الامتحان بشدائد التَّكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطَّاعات الشَّاقة، وهجر الشَّهوات، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأمور، ومصابرة الكفَّار على أذاهم، وكيدهم»
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «والاستفهام في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ}، ومعناه: أنَّ الله سبحانه لا بدَّ أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان»
كما جاء في الحديث الصَّحيح: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثمَّ الصَّالحون، ثمَّ الأمثل، فالأمثل. يُبتلى الرَّجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلابةٌ، زيد له في البلاء».
ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الابتلاء صفةٌ لازمةٌ للمؤمن، حيث قال: «مثل المؤمن كمثل الزَّرع لا تزال الرِّيح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتزُّ حتَّى تُسْتَحْصَدَ».
إِنَّ سنَّة الابتلاء جاريةٌ في الأمم والدُّول، والشُّعوب، والمجتمعات، ولذلك جرت سنَّةُ الله بالابتلاء بالدَّولة العثمانيَّة.
صمد العثمانيُّون لمحنة أنقرة بالرَّغم ممَّا عانوه من خلافاتٍ داخليَّةٍ إِلى أن انفرد محمَّد الأوَّل بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمَّ شتات الأراضي الَّتي سبق للدَّولة أن فقدتها. إِنَّ إِفاقة الدَّولة من كارثة أنقرة يرجع إِلى منهجها الرَّبانيِّ الَّذي سارت عليه، حيث جعل من العثمانيِّين أمَّةً متفوِّقةً في جانبها العقديِّ، والدِّينيِّ والسُّلوكي، والأخلاقيِّ، والجهاديِّ، وبفضل الله حافظ العثمانيُّون على حماستهم الدِّينيَّة، وأخلاقهم الكريمة.
ثمَّ بسبب المهارة النَّادرة الَّتي نظَّم بها أورخان وأخوه علاء الدِّين دولتهما الجديدة، وإِدارة القضاء المثيرة للإِعجاب والتَّعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيِّين، وغير ذلك من الأسباب الَّتي جعلت في العثمانيِّين قوَّةً حيويَّةً كاملةً، فما لبثت هذه الدَّولة بعد كارثة أنقرة إِلا أن بعثت من جديدٍ من بين الأنقاض والأطلال، وانتعشت، وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشَّريعة، واستأنفت سيرها إِلى الأمام في عزمٍ، وإصرارٍ حيَّر الأعداء، والأصدقاء.

* * *

المراجع:
1- الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، د. علي محمد الصلابي . الطبعة الأولى 2003م
2- الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، د. إِسماعيل ياغي مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3- محمَّد الفاتح، د. سالم الرَّشيدي، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
4- في أصول التَّاريخ العثماني، أحمد عبد الرَّحيم مصطفى، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
5- تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، د. علي حسُّون، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة 1415هـ/1994م.
6- تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، محمَّد فريد بك، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م.

السبت, 17 نوفمبر 2018 21:12

هكذا بنوا الدولة العثمانية

السُّلطان أورخان بن عثمان
726 -761هـ/1327 -1360م

ورث حكم السلطان الغازي عثمان الأول، بعد وفاته ابنه أورخان، وسار على نفس سياسة والده في الحكم، والفتوحات. وفي عام 727هـ الموافق 1327م سقطت في يده نيقو ميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصُّغرى قرب مدينة إستانبول، وهي مدينة أزميت الحاليَّة، فأنشأ بها أوَّل جامعة عثمانيَّة، وعهد بإِدارتها إِلى داود القيصري أحد العلماء العثمانيين، الَّذين درسوا في مصر، واهتمَّ ببناء الجيش على أسسٍ عصريَّةٍ، وجعله جيشاً نظاميَّاً.

وحرص السُّلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح القسطنطينية، ووَضْع خطةٍ استراتيجيَّةٍ تستهدف محاصرة العاصمة البيزنطيَّة من الغرب، والشَّرق في آنٍ واحدٍ، ولتحقيق ذلك أرسل ابنه وولي عهده «سليمان» لعبور مضيق «الدَّردنيل» والاستيلاء على بعض المواقع في النَّاحية الغربيَّة.
وفي عام (758هـ) اجتاز سليمان مضيق «الدَّردنيل» ليلاً مع أربعين رجلاً من فرسان الإِسلام، ولما أدركوا الضفَّة الغربيَّة، استولوا على الزَّوارق الرُّوميَّة الرَّاسية هناك، وعادوا بها إِلى الضِّفة الشَّرقية، إِذ لم يكن للعثمانيِّين أسطولٌ حينذاك، حيث لا تزال دولتهم في بداية تأسيسها، وفي الضفَّة الشَّرقية أمر «سليمان» جنوده أن يركبوا في الزوارق حيث تنقلهم إِلى الشَّاطئ الأوروبيِّ حيث فتحوا ميناء قلعة «ترنب» و «غاليبولي» الَّتي فيها قلعة «جنا قلعة» و «أبسالا» و «رودستو» وكلُّها تقع على مضيق «الدَّردنيل» من الجنوب إِلى الشَّمال، وبهذا خطا هذا السُّلطان خطوةً كبيرةً استفاد منها مَنْ جاء بعده في فتح «القسطنطينيَّة».

 

أوَّلاً: تأسيس الجيش الجديد (يني تشري):
إِنَّ من أهمِّ الأعمال الَّتي ترتبط بحياة السُّلطان أورخان تأسيسه للجيش الإِسلاميِّ، وحرصه على إِدخال نظامٍ خاصٍّ للجيش، فقسمه إِلى وحدات تتكوَّن كلُّ وحدةٍ من عشرة أشخاص، أو مئة شخصٍ، أو ألف شخصٍ، وخصَّص خمس الغنائم للإِنفاق منها على الجيش، وجعله جيشاً دائماً بعد أن كان لا يجتمع إِلا وقت الحرب، وأنشأ له مراكز خاصَّة، يتمُّ تدريبه فيها.
كما أنَّه أضاف جيشاً آخر عرف بالإِنكشارية شكَّله من المسلمين الجدد الَّذين ازداد عددهم بعد اتِّساع رقعة الدَّولة، وانتصاراتهم الكبيرة في حروبها مع أعدائها من غير المسلمين، ودخول أعدادٍ كبيرة من أبناء تلك البلاد المفتوحة في الإِسلام، ثمَّ انضمامهم إِلى صفوف المجاهدين في سبيل نشر الإِسلام، فبعد أن يعتنقوا الإِسلام ويتمَّ تربيتهم تربيةً إِسلاميَّةً فكريَّاً، وحربيَّاً يعيَّنون في مراكز الجيش المختلفة، وقد قام العلماء، والفقهاء مع سلطانهم أورخان بغرس حبِّ الجهاد، والذَّود عن الدِّين والشَّوق إِلى نصرته، أو الشَّهادة في سبيله، وأصبح شعارهم (غازياً أو شهيداً) عندما يذهبون إِلى ساحة الوغى.
ولقد زعم معظم المؤرِّخين الأجانب: أنَّ جيش الإِنكشارية تكوَّن من انتزاع أطفال النَّصارى من بين أهاليهم، ويجبرونهم على اعتناق الإِسلام بموجب نظامٍ، أو قانونٍ زعموا: أنَّه كان يدعى بنظام (الدَّفشرية)، وزعموا: أنَّ هذا النِّظام كان يستند إِلى ضريبةٍ إِسلاميَّةٍ شرعيَّةٍ أطلقوا عليها اسم «ضريبة الغلمان» وأسموها أحياناً «ضريبة الأبناء» وهي ضريبةٌ زعموا: أنَّها تبيح للمسلمين العثمانيِّين أن ينتزعوا خمس عدد أطفال كلِّ مدينةٍ، أو قريةٍ نصرانيَّة باعتبارهم خمس الغنائم الَّتي هي حصَّة بيت مال المسلمين، ومن هؤلاء المؤرِّخين الأجانب الَّذين افتروا على الحقيقة: كارل بروكلمان، وجيبونز، وجب.
إِنَّ الحقيقة تقول: إِنَّ نظام الدَّثرمة المزعوم ليس سوى كذبةٍ دُسَّت على تاريخ أورخان بن عثمان، ومراد بن أورخان وانسحبت من بعده على العثمانيِّين قاطبةً، فلم يكن نظام الدَّثرمة إِلا اهتماماً من الدَّولة العثمانية بالمشرَّدين من الأطفال النَّصارى الَّذين تركتهم الحروب المستمرَّة أيتاماً، أو مشرَّدين، فالإِسلام الَّذي تدين الدَّولة العثمانيَّة به يرفض رفضاً قاطعاً ما يسمَّى بضريبة الغلمان الَّتي نسبها المغرضون من المؤرِّخين الأجانب إِليها.
لقد كانت أعدادٌ هائلةٌ من الأطفال فقدوا آباءهم، وأمَّهاتهم بسبب الحروب، والمعارك، فاندفع المسلمون العثمانيُّون إِلى احتضان أولئك الأطفال الَّذين هاموا في طرقات المدن المفتوحة بعد فقدانهم لآبائهم، وأمَّهاتهم، وحرصوا على تأمين مستقبلٍ كريمٍ لهم، وهل من مستقبلٍ كريمٍ، وأمينٍ إِلا في الإِسلام، أفإِن يحرص المسلمون على أن يعتنق الأطفال المشرَّدون التَّائهون الإِسلام، انبرى المفترون يزعمون: أنَّ المسلمين كانوا ينتزعونهم من أحضان آبائهم وأمَّهاتهم، ويكرهونهم على الإِسلام؟!
الحقيقة تقول: كلُّ من ذكر ضريبة الغلمان، أو أخذهم بالقوَّة من ذويهم تحت قانون أخذ خمس أطفال المدن والقرى ليس له دليلٌ إِلا كتب المستشرقين، كالمؤرِّخ النَّصرانيِّ سوموفيل، أو بروكلمان، وهؤلاء لا يُطمأنُّ إِليهم في كتابة التَّاريخ الإِسلامي، ولا إِلى نواياهم تجاه الإِسلام، وتاريخ الإِسلام.
إِنَّ حقيقة الجيش الجديد الَّذي أنشأه أورخان بن عثمان هو تشكيل جيشٍ نظاميٍّ يكون دائم الاستعداد والتَّواجد قريباً منه في حالة الحرب، أو السِّلم على حدٍّ سواءٍ، فَشُكِّل من فرسان عشيرته، ومن مجاهدي النَّفير الَّذين كانوا يسارعون لإِجابة داعي الجهاد، ومن أمراء الرُّوم، وعساكرهم الَّذين دخل الإِسلام في قلوبهم، وحسن إِسلامهم.
وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر، وسطها هلال، وتحت الهلال صورةٌ لسيفٍ أطلقوا عليه اسم «ذو الفقار» تيمُّناً بسيف الإِمام عليٍّ، رضي الله عنه.
لقد كان علاء الدِّين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة، وكان عالماً في الشَّريعة ومشهوراً بالزُّهد، والتَّصوُّف الصَّحيح.
وعمل أورخان على زيادة عدد جيشه الجديد بعد أن ازدادت تبعات الجهاد، ومناجزة البيزنطيين، فاختار عدداً من شباب الأتراك، وعدداً من شباب البيزنطيِّين، الَّذين أسلموا، وحسن إِسلامهم، فضمَّهم إِلى الجيش، واهتمَّ اهتماماً كبيراً بتربيتهم تربيةً إِسلاميَّة جهاديَّةً.
ولم يلبث الجيش الجديد حتى تزايد عدده، وأصبح يضمُّ آلافاً من المجاهدين في سبيل الله.
وخلاصة القول: إِنَّ السُّلطان أورخان لم ينتزع غلاماً نصرانيَّاً واحداً من بيت أبيه، ولم يكره غلاماً نصرانيَّاً واحداً على اعتناق الإِسلام، وأنَّ كل ما زعمه بروكلمان، وجب، وجيبونز كذبٌ، واختلاق، ينبغي أن تزال آثاره من كتب تاريخنا الإِسلاميِّ.
إِنَّ مقتضيات الأمانة العلميَّة، والأخوَّة الإِسلاميَّة تضع في عنق كلِّ مسلم غيور، وخاصَّةً العلماء، والمثقَّفين، والمفكِّرين، والمؤرِّخين، والمدرِّسين، والباحثين، والإِعلاميِّين أمانة نسف هذه الفرية، ودحض هذه الشُّبهة الَّتي أُلصقت بالعثمانيِّين، وأصبحت كأنَّها حقيقةٌ لا تقبل النقاش، والمراجعة، والحوار.

 

ثانيًا: سياسة أورخان الدَّاخليَّة والخارجيَّة:
كانت غزوات أورخان منصبَّةً على الرُّوم، ولكن حدث في سنة (736هـ - 1336م) أن توفي أمير قره سي ـ وهي إِحدى الإِمارات الَّتي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الرُّوم، واختلف ولداه من بعده، وتنازعا الإِمارة، واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخَّل في النِّزاع، وانتهى بالاستيلاء على الإِمارة، وقد كان مما تهدف إِليه الدَّولة العثمانيَّة النَّاشئة أن ترث دولة سلاجقة الرُّوم في آسيا الصغرى، وترث ما كانت تملكه، واستمرَّ الصِّراع لذلك بينها وبين الإِمارات الأخرى حتَّى أيَّام الفاتح، حيث تمَّ إِخضاع آسيا الصُّغرى برمَّتها لسلطانه.
واهتمَّ أورخان بتوطيد أركان دولته، فعمد إِلى الأعمال الإِصلاحيَّة، والعمرانيَّة، ونظَّم شؤون الإِدارة، وقوَّى الجيش، وبنى المساجد، وأنشأ المعاهد العلميَّة وأشرف عليها خيرة العلماء، والمعلِّمين، وكانوا يحظون بقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في الدَّولة، وكانت كلُّ قريةٍ بها مدارسها، وكلُّ مدينةٍ بها كلِّيتها الَّتي تعلم النَّحو، والتَّراكيب اللُّغوية، والمنطق، والميتافزيقا، وفقه اللُّغة، وعلم الإِبداع اللُّغوي، والبلاغة، والهندسة، والفلك وبالطَّبع تحفيظ القرآن، وتدريس علومه، والسُّنة، والفقه، والعقائد.
وهكذا أمضى أورخان بعد استيلائه على إِمارة «قره سي» عشرين سنةً دون أن يقوم بأيِّ حروب، بل قضاها في صقل النُّظم المدنيَّة، والعسكريَّة الَّتي أوجدتها الدَّولة، وفي تعزيز الأمن الدَّاخلي، وبناء المساجد، ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المنشآت العامَّة الشَّاسعة، ممَّا يشهد بعظمة أورخان، وتقواه، وحكمته، وبعد نظره، فإِنَّه لم يشنَّ الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسُّع، وإِنَّما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي الَّتي يتاح له ضمُّها، وحرص على طبع كلِّ أرضٍ جديدةٍ بطابع الدَّولة المدنيِّ، والعسكريِّ، والتَّربويِّ، والثَّقافيِّ، وبذلك تصبح جزءاً لا يتجزَّأ من أملاكهم؛ بحيث أصبحت أملاك الدَّولة في آسيا الصُّغرى متماثلةً، ومستقرَّةً.
وهذا يدلُّ على فهم، واستيعاب أورخان لسنَّة التدرُّج في بناء الدُّول، وإقامة الحضارة، وإِحياء الشُّعوب.
وفي عام 1358م أصاب زلزالٌ مدينة تراقيا، فانهارت أسوار غاليبولي، وهجرها أهلها ممَّا سهل على العثمانيِّين دخولها. وقد احتجَّ الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى ـ وكان ردُّ أورخان: إنَّ العناية الإِلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قوَّاته! وما لبثت غاليبولي أن أصبحت أوَّل قاعدة عثمانيَّة في أوربا، ومنها انطلقت الحملات الأولى الَّتي تُوِّجت في النهاية بالاستيلاء على كلِّ شبه جزيرة البلقان.
وحين انفرد حنَّا الخامس باليولوجس بحكم بيزنطة؛ أقرَّ كلَّ فتوح أورخان في أوربا في مقابل تعهد السُّلطان بتسهيل وصول الطَّعام، والمؤن إِلى القسطنطينيَّة، وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدَّعوة إِلى الإِسلام، ومنع تمكُّن النَّصارى من طرد العثمانيِّين من أوربا.

 

ثالثاً: العوامل الَّتي ساعدت السُّلطان أورخان في تحقيق أهدافه:
1ـ المرحليَّة الَّتي سار عليها أورخان، واسْتِفادتُه من جهود والده عثمان، ووجود الإِمكانيَّات المادِّيَّة، والمعنويَّة الَّتي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطيَّة في الأناضول، وتدعيم سلطتهم فيها. ولقد تميَّزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة، والحاسمة في توسيع دولته، ومدِّ حدودها، ولم ينتبه العالَم المسيحيُّ إِلى خطورة الدَّولة العثمانيَّة إِلا بعد أن عبروا البحر، واستولوا على غاليبولي.
2ـ كان العثمانيُّون ـ يتميَّزون ـ في المواجهة الحربيَّة الَّتي تمَّت بينهم وبين الشُّعوب البلقانيَّة ـ بوحدة الصَّفِّ، ووحدة الهدف، ووحدة المذهب الدِّينيِّ، وهو المذهب السُّنِّيُّ.
3ـ وصول الدَّولة البيزنطيَّة إِلى حالةٍ من الإِعياء الشَّديد، وكان المجتمع البيزنطيُّ قد أصابه تفكُّكٌ سياسيٌّ، وانحلالٌ دينيٌّ واجتماعيٌّ، فسهَّل على العثمانيِّين ضمَّ أقاليم هذه الدَّولة.
4ـ ضعف الجبهة المسيحيَّة نتيجةً لعدم الثِّقة بين السُّلطات الحاكمة في الدَّولة البيزنطيَّة، وبلغاريا، وبلاد الصِّرب، والمجر، ولذلك تعذَّر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السِّياسيَّة، والعسكريَّة للوقوف في جبهةٍ واحدةٍ ضدَّ العثمانيِّين.
5ـ الخلاف الدِّيني بين روما والقسطنطينيَّة؛ أي: بين الكاثوليك، والأرثوذكس، الذي استحكمت حلقاته، وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.
6ـ ظهور النِّظام العسكري الجديد على أسسٍ عقديَّةٍ، ومنهجيَّةٍ تربويَّةٍ، وأهدافٍ ربَّانيَّةٍ، وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيِّين.

 

المراجع:
1. أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التَّاريخ العثماني، دار الشُّروق، الطَّبعة الثَّانية، 1986م ـ 1406هـ ـ
2. إسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م.
3. جمال عبد الهادي وآخرون، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م.
4. زيادة أبو غنيمة، جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيِّين، دار الفرقان، الطَّبعة الأولى 1403 ـ 1983م.
5. سالم الرشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ.
6. عبد اللطيف دهيش، قيام الدَّولة العثمانيَّة، الطَّبعة الثَّانية، 1416هـ/1995م، مطبعة النَّهضة الحديثة، مكَّة المكرَّمة.
7. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م.
8. محمد حرب، العثمانيُّون في التَّاريخ والحضارة، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الأولى 1409هـ/1989م.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top