د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 15 أكتوبر 2016 12:46

فخامة الرئيس وائل غنيم وشركاه!

صنع شعبية كبيرة يوم بكى في برنامج المذيعة إيّاها على من قتلهم مبارك في التحرير ومن قبلهم خالد سعيد، وسيد بلال، رحم الله الشهداء جميعاً، وانتقم ممن أزهقوا أرواحهم بغير ذنب.

ظل وائل غنيم حديث الناس طيلة عامين تقريباً، وكان زعامة بارزة في محيط الشباب الثائر الذي أسهم في حركة الثورة وتفاعلاتها خاصة في الأيام الأولى، وكان مطروحاً أن يتولى منصباً في حكومة هشام قنديل على عهد الرئيس محمد مرسي - فك الله أسره - ولكنه رفض، وهو ما جعلني أتصوره رئيساً للجمهورية، لأنه لن يقبل بغير ذلك، فقد ترك وظيفته المرموقة بالولايات المتحدة، وجاء ليشارك في الثورة.

يبدو أنه كان مشبعّاً بالنظرة الأمريكية إلى مصر الإسلامية وشريعة الإسلام، وضرورة أن تكون أم الدنيا علمانية، وأن تحكمها الأقلية العلمانية بدلاً من أولئك المسلمين المُرْعبين الذين جعلوا بعض أصدقاء وائل يبكون ويموتون حين سمعوا هتافاً (دينياً!) مخيفاً ومرعباً، يجعل المستقبل غير آمن وغير مطمئن!

وائل قدم مؤخراً تدوينة أو مقالاً مطولاً يشرح فيه سبب صمته واعتزاله بعد انقلاب العسكر، ويبدي فيه ندمه على عدم إدانته لمقتل أهل رابعة في حينه، ولكنه في تضاعيف كلامه يسوّغ قتل المسلمين؛ لأن الإخوان كانوا من الصّلف والغرور كما يرى بحيث لم يقبلوا بالمشاركة في الحكم ولم يستمعوا إلى النصائح، فكان قتلهم في الحرس والمنصة وبالتالي رابعة والنهضة وبقية المذابح نتيجة منطقية لسلوكهم المتعجرف المتسلط الأناني! لذا لم ينزعج ضميره الإنساني أو يهتز بين حناياه.

دعوى يرددها من لا شعبية لهم ولا وجود في الشارع، وهي دعوى كاذبة لا أساس لها من الصحة وليتها كانت حقيقية، فقد عرض الرئيس مرسي على وائل نفسه منصباً فأبى، ثم إن  الوزارة التي حكمت على عهد مرسي كانت في أغلبها من العلمانيين، كان هناك خمسة وزراء من الإسلاميين الذين يمثلون أغلبية في البرلمان الذي تم حله لتعجيز الرئيس عن العمل ومنعه من الحكم تمهيداً للانقلاب العسكري، وكان في الوزارة أكثر من 25 وزيراً ينتمون إلى غير الإسلاميين.

وائل مُصِرٌّ على ترديد أن اتفاق "فيرمونت" لم يتم تنفيذه، وأن الإخوان نقضوا عهدهم مع من سموا أنفسهم فيما بعد "جبهة الإنقاذ"، ولم يستجيبوا للنصائح، وأن الصلف أو الغرور أعماهم عن التعاون مع الآخرين.

ويبدو أن السادة العلمانيين ومثلهم أصحاب اللحى الخائنة؛ يفسرون الأمور بمنطقهم وليس بمنطق العالم، سرت أكذوبة "أخونة" الدولة التي تولى كبرها لِحْيّةٌ تتاجر في البهائم ولا تفقه للدين معنى، ولا تدرك للسياسة مغزى، وعزَف على الوتر ذاته من يرفضون الإسلام جملة وتفصيلاً من اليسار والناصريين والليبراليين فضلاً عن الكنيسة المتمردة منذ عهد شنودة، ورأينا حملة ضارية على الإسلاميين يوجهها العسكر الانقلابيون، ويشعلها المشتاقون إلى السلطة المنتخبة انتخاباً حراً من فرقاء "فيرمونت"، لقد قرّبهم د. مرسي واسترضاهم، ولكنهم كانوا موعودين من بعض الجهات فيما يبدو بأشياء أخرى، فتكاتفوا على إسقاط الديمقراطية، وأكل الإخوان أحياء، وانحازوا إلى النغمة السائدة: باعونا في محمد محمود، لم يفوا بوعود "فيرمونت"، حكم الإخوان كان اختطافاً للدولة، مرسي فاشل وهو لم يبدأ يومه الأول بعد، وقال ملياردير طائفي لص: لقد توحدت جهودنا ومشاعرنا في حربنا ضد تنظيم الإخوان الذي جثم على صدورنا خلال فترة حزينة من تاريخ بلدنا..! اللص رفض دفع مستحقات الدولة من الضرائب وقدرها 15 ملياراً.

مشكلة وائل غنيم وشركاه من العلمانيين أنهم في هجائهم للإخوان، ورد فشلهم السياسي إلى الإخوان، لا يواجهون السبب الحقيقي الذي أفشل الثورة وهزم الديمقراطية، وأزرى بالإرادة الشعبية؛ وهو إصرار العسكر على حكم مصر وعدم السماح للمدنيين أياً كانوا بقيادتها، لأنهم لا يسمحون أن تضيع منهم كما أعلن الجنرال، بينما مهمتهم الأساسية حماية الحدود، ومقاتلة العدو وليس الشعب.

وائل غانم في مرافعته الطويلة وتبريراته لتأخره في إدانة مذبحة رابعة، وتسويغه الضمني لقتل المسلمين في المجازر المتعددة، وانقلابه على الشرعية، لم يشر ولو بكلمة عابرة إلى ترتيبات الانقلاب التي بدأت قبيل إعلان فوز الرئيس مرسي، حتى تم اختطافه قسرياً ثم ظهوره في قفص زجاجي بعد شهور، وحرمانه من أبسط حقوق السجين أو المعتقل السياسي، لأكثر من  ثلاث سنوات على أسْره، ولم يلتق به أحد في معتقله، لا من أسرته ولا من المحامين، لم ير وائل غنيم دبابات الجيش المنتشرة في شوارع مصر المحروسة وبقية المدن؛ جاهزة لتسخين قواذفها ضد من يفكر في معارضتها، أو بمعنى أدق من يحلم بالحرية والديمقراطية.

ولم يتساءل وائل غنيم عن سرّ قرار حل مجلس الشعب ذي الأغلبية الإسلامية، والذي قال الجنزوري في لقائه مع الكتاتني: إنه في الدرج وهو ما تم بالفعل لتعويق الرئيس مرسي عن الحكم، وتوريطه في الإعلان الدستوري وغيره.

لم يشر وائل غنيم إلى تلك الهجمات التي تقوم بها جماعات "البلاك بوك" والبلطجية وأشباهها على الفنادق والمؤسسات ومسجد القائد إبراهيم ومقرات حزب الحرية والعدالة وإحراق الكنائس وغير ذلك من ممارسات إجرامية عدوانية، والأمن والقوات تشاهد ولا تحرك ساكناً!

هل تساءل وائل عن الأزمات المفتعلة في البنزين والسولار والكهرباء والغاز و..؟

وائل غنيم وشركاه لم ولن يتطرقوا إلى البيانات التي أصدرها قائد الانقلاب في أواخر يونيو 2012 إنذاراً لمن لم يسمهم – وكان يقصد الرئيس المدني – كي يرضخ لإرادة أخرى غير إرادة الشعب، خاصة بعد أن جاهر السادة العلمانيون باستدعاء الجيش للانقلاب على الديمقراطية! ولم يلفت نظر وائل غنيم وشركاه أن القوائم كانت معدة لمن تتم إزاحتهم من الإعلام والصحافة والجامعات والمدارس والمؤسسات والإدارات المختلفة ليؤدي الموالون للبيادة دورهم دون إعاقة!

الأستاذ وائل غنيم وشركاه أيّدوا الانقلاب العسكري، وجرّبوا كيف تكون عملية إخلاف الوعود والاتفاقات، ولعله يذكر قول الجنرال في أوائل حكمه "ليس لأحد فواتير أسددها!"، لم يسأل وائل وشركاه عن الحريات والدماء والاعتقالات والمطاردات والمداهمات والإزاحات.. ولكنه مشغول بالصلف والغرور عند الإخوان وهما سبب كل المصائب التي حلت بالوطن كما يعتقد مع شركائه!

هل أخطاء الإخوان أياً كانت تجيز التسامح في انهيار وطن وتخريبه؟ أعانك الله يا فخامة الرئيس محمد مرسي في محبسك، فلم تهن ولم تستسلم ولم تتنازل، حفظك الله يا بطل!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

السبت, 08 أكتوبر 2016 16:06

البكباشي.. والإخوان

يأبى السيد الملازم سامي شرف، سكرتير البكباشي جمال عبدالناصر؛ إلا أن يقدم نفسه بوصفه انقلابياً عريقاً ووريثاً للناصرية ومهيمناً عليها، في وجود آخرين أكثر منه تعصُّباً لها، ويعدون أنفسهم أصحابَ الحقّ الأزلي في التحدث باسمها والتعبير عنها، ولأن السيد الملازم كان قريباً من البكباشي في صحوه ومنامه فلا بأس أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في الحقبة الناصرية من الحكم العسكري.

هذا الأمر لا يعنينا كثيراً، فلكل شخص الحق في اعتناق ما يشاء من أفكار وآراء طبقاً للدستور، شريطة ألا يسعى لفرض فكره ومعتقده على الآخرين بالقوة أو بوسائل غير قانونية، ولكن الذي يهمّنا الآن أن السيد الملازم يتقرب إلى الانقلاب العسكري الدموي الفاشي رقم 2 باستباحة الإخوان المسلمين وهم في الأسْر لا يستطيعون دفاعاً عن أنفسهم ولا يملكون حق الردّ عليه! وكان من المروءة أن يقف إلى جانبهم وقد تم التنكيل بهم دون رحمة، وغُيِّبُوا خلفَ الأسوار بغير حق، وقُتل منهم ومن غيرهم آلاف الأبرياء؛ جريمتُهم هي الدفاع عن الحرية والكرامة وإرادة الشعب.

لا أدافع عن الإخوان أو موقفهم، فهم أقدر على ذلك حين تتاح لهم الفرصة، لكني أستغربُ أن يقف الملازم مع القمع والانقلاب، وهو يعلم من تجربة ستين عاماً – وقد كان من ضباط الصف الثاني في الانقلاب العسكري الأول – أن الحكم الشمولي من أسوأ أنواع الحكم، ويعود بالبلاد والعباد القهقرى، ويعرّض الأمة لهزائم غير مسبوقة في التاريخ، ويضعها في خانة الضعف والتخلف والهوان، وهو ما عشناه ونعيشه بالفعل، ونعانيه في صحونا ونومنا، كان يفترض أن يعلم الملازم سامي شرف - بعد التجارب المريرة لدولة العسكر طوال ستين عاماً - أن الحرية هي الدواء الشافي لأمراض الأمة، وأن الإسلام هو رافعتها القوية في بناء المستقبل.. ولكن السيد الملازم ما زال مصراً على العيش في سياق النصر والتقدم بالأغاني والأهازيج من عيّنة: "جماهير الشعب تدق الكعب تقول: كلنا صاحيين!", "ريّسْنا ملاّح ومعدّينا"، و"تفُوتْ على الصحرا تخضر.." إلخ، ولم يعلم بعْد أن العدو النازي اليهودي وعدد سكانه مثل حي شبرا يملك سلاحاً نووياً وقاعدة صناعية وزراعية وتقنية قوية، وحصل على 13 "نوبل" في العلوم التطبيقية وجامعاته في التصنيف المتقدم، وما ينفقه على البحث العلمي يعادل ثلاثة أضعاف ما ينفقه العالم العربي كله.. ثم إنه ينتصر دوماً في معاركه العسكرية والسياسية والدبلوماسية، ويكسب أرضاً جديدة في الفضاء الدولي مع مطلع كل يوم.. ليس بالأغاني والأهازيج، ولكن بالحرية والعمل والتخطيط وكرامة أفراده!

يقدم السيد الملازم عريضة مرافعة طويلة جداً على صفحات "الأهرام" الانقلابي (27/ 8/ 2016م) ضد الإخوان المسلمين تبدأ من عام 1948م حتى الانقلاب الثاني يوليو 2013م فيُشَيْطِن أقوالهم وأفعالهم، ويجعلهم ذراعاً للولايات المتحدة في محاربة الشيوعية، وفي المقابل يجعل من البكباشي الذي لم يبدأ خطبة من خطبه باسم الله الرحمن الرحيم؛ شيخاً للإسلام بما فعله في مجال الدعوة الإسلامية بدءاً من بناء مدينة البعوث الإسلامية وإذاعة القرآن الكريم حتى ترجمة معانيه.

يركز سيادة الملازم على انتهازية الإخوان وتطلعهم إلى الحكم وقيامهم بالاغتيالات والإرهاب، ويستعيد ما قالته صحف الخمسينيات والستينيات عن مؤامراتهم وجرائمهم ضد السياسيين والفنانين، ولا ينسى بالطبع أن يهجو سيد قطب، ويشيد بالذين خرجوا علي الجماعة، وفي النهاية يصل إلى نتيجة فاسدة أنهم إرهابيون يجب استئصالهم ولو كانوا يمثلون مع أقاربهم والمتعاطفين معهم نصف المجتمع!

لم يقدم سيادة الملازم جديداً في مرافعته الطويلة جداً، فقد سبقه إليها كثيرون على مدى ستين عاماً، وذهبت المرافعات سدى بدليل أن الشعب اختار الإسلام في الانتخابات النزيهة التي أفرزتها ثورة يناير العظيمة، ولم يثبت أن الإخوان زوّروا التاريخ كما يدعي، فالذين كتبوا تاريخ الحكم العسكري منذ عام 1952م لم يرتدوا عمائم الإسلام ولا الإخوان، ولكنهم كانوا من فكر آخر ربما كان غير متعاطف مع الإسلام، فهناك على سبيل المثال: مايلز كوبلاند، ومصطفى أمين، وجلال الحمامصي، وموسي صبري، ومصطفي شردي، وجمال بدوي، وسعيد عبده، وجلال كشك، بل هناك من شركاء الانقلاب من لم يزوّروا التاريخ: الصاغ خالد محيي الدين، الصاغ عبداللطيف البغدادي، الصاغ كمال الدين حسين, اللواء محمد نجيب, اليوزباشي ثروت عكاشة، وهناك مثلهم من الشركاء الشيوعيين: سعد زهران، وصلاح عيسى، وفخري لبيب، وشهدي عطية، ولا داعي لذكر كاهن الناصرية الأكبر محمد حسنين هيكل، وهو يتحدث عن زوار الفجر، وما سماه بالسلبيات، والبكباشي ليس أسطورة، ولا إحسان عبدالقدوس الذي كان ينادي البكباشي باسم الدلع "جيمي" وعندما خرج من السجن ناداه باسم سيادة الرئيس، ولن أتحدث عن شهادات حسن دوح، أو عبدالحميد كشك، أو علي جريشة، أو نجيب الكيلاني، أو غيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم الآن، فهل كل هؤلاء زوَّروا التاريخ؟

هناك أمور لا يمكن تزويرها من قبيل أنه استلم أم الدنيا دائنة وتركها مدينة، كانت قبل استيلائه على السلطة نظيفة وفائقة في العلم وتتقدم في الصناعة والزراعة والتعليم والطب، وتركها وهي تتسول الغذاء والدواء والسلاح والقروض، كانت مساحة المملكة المصرية ثلاثة ملايين كيلومتر مربع وتضم السودان وإريتريا وأجزاء من أوغندة فضلاً عن قطاع غزة، فتركها بدون السودان وما حولها وغزة وسيناء، وجاء اليهود الغزاة إلى شط القناة بعد أن هزموا الزعيم البطل الملهم المغوار الذي كان يفخر أنه "مشْ خِرِع زيّ مستر إيدن"!

أسمع من يقول: لولا البكباشي ما تعلمْتَ لأنه جعل التعليم مجانياً، وأقول له: هذا الكلام منقوص؛ لأن الدول المحترمة التي تتقدّم وتحقّق عائداً اقتصادياً ترى في التعليم عائداً لا يقدّر بثمن، وتدفع من الخزانة العامة وليس من جيوب الضباط الحكام، وقد بدأ التعليم المجاني على يد من أطلق مقولة: التعليم يجب أن يكون كالماء والهواء في عهد حكومة الوفد قبل الانقلاب.

إن تقديم الخدمات للشعب كالتعليم والصحة والمواصلات العامة والرعاية الاجتماعية ليس منحة من البكباشي أو غيره من أصحاب الرتب، ولكنه واجبٌ تحتّمه طبيعة السلطة في أي بلد متحضر!

أما ما يقال عن خدمة الدعوة الإسلامية فهو أيضاً يحتاج إلى تمحيص، إذ إنّ نظام البكباشي كان يسعى للتغطية على جرائمه ضد علماء الإسلام وضد الأزهر بقانونه المعيب (103 لسنة 1961)، الذي حول الأزهر من المعهد الأول في العالم الذي يقوم بتخريج أفضل العلماء إلى الوضع الذي لا يحسد عليه الآن، مشروعات البكباشي الإسلامية كانت تجارة سياسية بالإسلام، ويعلم الأستاذ شرف طبيعة الدور الذي قام به زميلاه الملازم عويضة في الأوقاف، والملازم فايق في الدعاية.. تأييد الطغيان جريمة، لكن سيادة الملازم سامي شرف يرى غير ذلك.

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الأربعاء, 05 أكتوبر 2016 15:50

الضرب في سويداء القلب ليس حلاًّ!

هل تذكرون الوزير البذيء الذي لم يسلم من لسانه أحد، واختاره مبارك ليكون وزيراً للداخلية خلفاً لأحمد رشدي؛ لأن ملفه أسوأ الملفات بين اللواءات؟

لقد كان هذا الوزير صاحب الفلسفة الدموية التي أعلن عنها أمام الناس، وقال: إنه سيضرب في سويداء القلب، وزايد عليه خلفه الذي قال: إنه سيثقب الأجساد، ثم جاء من ينفذ هذه الفلسفة دون أن يتكلم، فقتل ألف شهيد في ثورة يناير العظيمة، عدا من فقدوا أعينهم وأعضاءهم أو تحولوا إلى معاقين وهم بالألوف!

هذه الفلسفة أو السياسة لم تحقق الأمن ولن تحققه!

السبب بسيط للغاية أن الشخص يموت، ولكن الفكرة لا تموت، فقد قُتل أصحاب العقائد والأفكار على مدى التاريخ، ولكن أفكارهم ظلت باقية، مهما كان صوابها أو خطؤها.

هُزم هتلر هزيمة ساحقة أودت بحياته، ولكن النازية في ألمانيا لم تمت، وتنبعث من جديد في ثياب أخرى ومسميات جديدة.

انهزم الصليبيون الهمج في تسع حروب، ولكن الفكر الصليبي الوحشي لم يمت، ويستمر في حرب عاشرة راهنة ويعبر عن نفسه في حروب دموية همجية تستخدم أحدث الآلات والاختراعات، بالإضافة إلى انبعاث الفكر الصليبي صارخاً وصاخباً، من خلال ما يسمى الأحزاب اليمينية في فرنسا وبقية دول أوروبا!

في عالمنا العربي قتلوا الإمام الشهيد حسن البنا وزعماء الإخوان المسلمين ومفكريهم، ولكن أفكارهم لم تمت، وفكر الإخوان ما زال حياً، وكلما ازدادت الضربات الموجهة إلى من يحملونه، ازداد عدد أتباعه وأنصاره.. ظن الناس أن البكباشي قضى عليهم في الخمسينيات والستينيات، وأنه لن تقوم لهم قائمة، ولكن المجتمعات المسلمة في مصر وخارجها صوتت لهم في الانتخابات، فحققوا الأغلبية.

الفكر لا يهزمه إلا فكر

عندما لا يعجبني فكر ما، لا أستطيع القضاء عليه بالعصا الغليظة أو الدبابة أو الطيارة، ولكنني أستطيع أن أهزمه بفكر مضاد يقنع الناس، ويستطيع أن يكون بديلاً، القوة أو الضرب في سويداء القلب لا يمكن أن يكون بديلاً للفكرة أياً كانت.. وللأسف هناك من لا يفقه هذه البدهية البسيطة الساطعة أمام الأعين والعقول، ويصر على تجاهلها بعد تجارب الأيام والقرون!

عندما يتعلق الأمر بالدين أو المعتقد فالصورة أوضح، يحدثنا القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود، وكيف آثروا الشهادة على التحول عن عقيدتهم وإيمانهم: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9}) (البروج).

في القرن العشرين ظن الناس أن الإسلام قد مات في الدول الإسلامية التي احتلها الشيوعيون السوفييت، فقد هدموا المساجد أو حولوها إلى إسطبلات أو كباريهات، واستأصلوا الإسلام من التعليم والحياة، وصادروا المصاحف والكتب الإسلامية، وزرعوا في أمخاخ الأجيال الجديدة أن الإسلام رجعية وتخلف وظلام، وفوجئ العالم أن الإسلام قد عاد إلى الحياة مرة أخرى، مع أن الروس وضعوا على رأس هذه الدول الإسلامية طغاة قساة غلاظاً يكرهون الإسلام والمسلمين، ولم يسمحوا لها بالحرية والديمقراطية!

الضرب في سويداء القلب منهج يعبر عن ضعف وليس عن قوة؛ لأن الضاربين فقدوا القدرة على التعايش وعلى السياسة معاً!

منذ تملكت الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في يوليو 2013م شهوة الدم، وأقام المجازر في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة وأكتوبر والفتح ورمسيس وناهيا وكرداسة ودلجا والقائد إبراهيم وغيرها، فإنه لم يشبع، وقلت في حينه: إن شهوة الدم شديدة السعار، ولا تتوقف؛ وبالتالي لا تحل مشكلاً، ولا تنتج عملاً طيباً، ولا تحقق أمناً ولا استقراراً، بل تخلف الأحزان والآلام والخراب والعناء الذي لا يتوقف!

من المؤسف أن منهج التصفية خارج القانون يوحي لعشاقه أنه سيحل مشكلة الأمن والرخاء، وهذا وهم بعيد المنال، لقد تمت تصفيات في البيوت والشوارع والمظاهرات، ولكن هذا الإعدام الميداني لم يثمر شيئاً طيباً، فالبلاد على شفا التدهور الاقتصادي والموت السياسي والتراجع على المستويات كافة.

قبل شهور تم اغتيال ثلاثة عشر من لجنة التكافل في جماعة الإخوان بشقة أكتوبر، وقتلهم بدم بارد، وقيل للناس: إنهم كانوا يقاومون السلطات، ويتبادلون معها النار، ولكن الحقيقة كانت مختلفة، فلم يصب أي من القوة المهاجمة ولو بجرح سطحي، كما لم يظهر أثر رصاصة واحدة على الجدران، والمؤكد أن الضرب في سويداء القلب كان هو سيد الموقف!

في أزمة الشاب الإيطالي ريجيني تمت تصفية مجموعة من الناس ينتمون لأسرة واحدة، قيل: إنهم لصوص ومنحرفون، وإنهم هم الذين قتلوا ريجيني، واستولوا على متعلقاته الشخصية، وجاءت الأحداث بعدئذ لتثبت أن المجموعة لا علاقة لها بالشاب الإيطالي القتيل، ولم تقتنع أسرة ريجيني بقتل الأسرة المستباحة، ولم ينته مسلسل ريجيني حتى هذه اللحظة، الإعدام الميداني جريمة كبرى، ويشير إلى ما يسمى شبه دولة أو أشباه دولة؛ أي حكومة لا تعترف بالقانون!

أحدث الحوادث تصفية د. محمد كمال، ود. ياسر شحاتة، بدعوى أنهما يمثلان قيادة الجناح المسلح في جماعة الإخوان! قالت جريدة "اليوم السابع" الانقلابية: إنه تم القبض عليهما، وبعد نحو ساعتين قالت الجريدة نفسها: إنه تمت تصفيتهما، وتتابع الابتهاج والسرور والشماتة الرخيصة في بقية الصحف الانقلابية، وتحدث المحررون عن مكتب الإرشاد الذي صار في خبر كان بعد قتل عدد من أفراده والحكم بالإعدام والمؤبد على الآخرين، وأخذ التشهير الفج منهجاً رخيصاً في الحكم على ضحيتين بين يدي الله: "منع الانقلاب صلاة الجنازة عليهما، وحرم على بقية مساجد أسيوط أن تصلي عليهما صلاة الغائب"! (استعادة ما حدث مع سيد بلال رحمه الله قبل ثورة يناير بأيام).

الضرب في سويداء القلب، أو التصفية خارج القانون، أو الإعدام الميداني، أو اعتقال عشرات الألوف أو المداهمات الليلية، أو تجييش الكذبة والمنافقين والأفاقين في الإعلام الفاشل للتشهير بالمخالفين وتشويههم؛ ليس حلاً لمشكلات أم الدنيا.

الحل يكمن في كلمتين بسيطتين هما: الحرية والعدل!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الأربعاء, 21 سبتمبر 2016 13:36

الأومباشي حفتر.. وبناء الديمقراطية!

عقب نكبة فلسطين عام 1948م حدثت مجموعة انقلابات عسكرية في دمشق والقاهرة وبغداد وصنعاء، ولوحظ أن هذه الانقلابات التي قيل: إنها جرت نتيجة لهزائم الجيوش العربية في فلسطين السليبة، أسهمت بطريقة ما في تثبيت الاحتلال النازي اليهودي للأرض المباركة، وتوسيع مساحة الأرض المغتصبة منها، وهيمنة الغزاة اليهود على البحر الأحمر والبحر الأبيض والمنطقة بأسرها، وجاء اليوم الذي تتودد فيه الحكومات العسكرية الانقلابية إلى العدو لتحظى برضاه ومنحه الشرعية لدرجة تغيير المناهج الدراسية، ووضع القدس عاصمة لـ"إسرائيل" بدلاً من فلسطين كما حدث في الجزائر مؤخراً!

ترافق مع الانقلابات العسكرية ازدهار ملموس للشيوعية والشيوعيين العرب الذين أعلنوا استنكارهم لدفاع الجيوش العربية عن الشعب الفلسطيني في حرب عام 1948م، وصار لهم حضور واضح ومؤثر في الحياة السياسية بعد النكبة، وهو ما اضطر فؤاد سراج الدين وكان وزيراً للداخلية قبل انقلاب عام 1952م إلى طرد عرّاب الشيوعيين العرب الخائن اليهودي هنري كورييل من مصر، وهو مؤسس الحزب الشيوعي المصري حدتو، وكان مقرباً من قائد انقلاب يوليو 1952م وعدد من رفاقه.

لقد كان الشيوعيون المصريون والعرب مؤيدين لوجود الكيان الصهيوني الغاصب، وروّجوا لاستحالة هزيمته، وحوّلوا قضية فلسطين إلى قضية إنسانية تقتصر على محاربة ما يسمى اليمين اليهودي في الكيان الصهيوني، ومكافحة التطبيع الذين كانوا أول من اقترفه، وكانوا أكبر داعم للاستبداد، مع أن كلمة الديمقراطية كانت تتردد مثل الأرز في كتاباتهم وأدبياتهم! وفي الوقت نفسه كانوا يشوّهون الإسلام ويحقّرونه.

هل بدأت الانقلابات بالشيوعي أديب الشيشكلي في سورية (1949م) عفواً أم إن "الموساد" أو مخابرات الدول الصليبية الاستعمارية كانت من ورائها لتثبيت الوجود النازي اليهودي في فلسطين؟

هناك قرائن عديدة تؤكد وجود الأصابع اليهودية الصليبية من وراء الانقلابات العسكرية والهزائم المتوالية لجيوش العربان، بل إن الانقلابات ضد ثورة "الربيع العربي" مؤخراً جعلت قادة المخابرات اليهودية النازية يجاهرون بصراحة فاقعة أنهم أنفقوا المليارات مع غيرهم من الأعراب لاقتلاع هذه الثورات والإطاحة بحكوماتها، ومنعها من العمل والديمقراطية والمحافظة على كرامة الشعوب العربية.

كل انقلاب يبدأ بدعاوى عريضة تدعي الانحياز للشعب قضايا الأمة وحريتها، ولكن هذه الدعاوى تتحول بعد اغتيال إرادة الشعب إلى سفك دماء الأبرياء واعتقال عشرات الألوف من الأبرياء، ومصادرة الأموال، وتكميم الأفواه، وحرمان المواطنين من الكرامة والحرية والأمل.

هل تذكرون انقلاب عام 1952م والمبادئ الستة؟ (القضاء على الاحتلال، والإقطاع، والرأسمالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الجيش القوي ووضع نظام ديمقراطي سليم)، ما الذي تحقق منها وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا ظل المبدأ السادس "بناء الديمقراطية" في علم الغيب دائماً؟ لأن العسكر – ويقلدهم الآخرون – لا يؤمنون بالديمقراطية ولا اختيار الشعب ولا التخصص!  

الشيء ذاته حدث في انقلاب يوليو 2013م بصورة أكثر بشاعة وشناعة، وإحصاء القتلى والمصابين والمعتقلين والمطاردين والمختفين قسراً يثبت ذلك ويؤكده!

في العادة يتصدر المشهد أحد الانقلابيين ويفضل لو كان ضابطاً؛ مثلما حدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق وقبل ذلك بعقدين من الزمان في الجزائر، ثم ينكشف العنصر الفعال في الانقلاب من الدول والكيانات الأجنبية والأعراب للحيلولة دون الحرية والديمقراطية، ولعل حالة خليفة حفتر خير مثال على ذلك.

حفتر (1943م) كان ضابطاً بالجيش الليبي على عهد العقيد الهالك معمر القذافي، وشارك في الحرب ضد تشاد، فتم أسره هناك مع أكثر من ثلاثمائة من جنوده، وظل هناك أسيراً مهاناً ذليلاً حتى تم تسفيره إلى الولايات المتحدة ليسكن بالقرب من مبنى المخابرات الأمريكية في "لانجلي" لمدة 20 عاماً، ويعود بعد ثورة 17 فبراير 2011م ليعلن نفسه من الثائرين على القذافي، ثم يتمرد على حكومة الثورة، ويشكل مليشيات من بعض القبائل الجنوبية وعناصر أفريقية ودعم من مصر والإمارات وفرنسا وإنجلترا وأمريكا، ليمنع الإسلاميين من المشاركة في حكم ليبيا، وقد كشفت الأحداث مؤخراً عن الدور الإجرامي لفرنسا والولايات المتحدة مع الأعراب في إشعال نار الفتنة داخل ليبيا وحرمانها من الحرية والإفادة بثرواتها.

لقد رقى حفتر نفسه كعادة الانقلابيين إلى درجة المشير (الفيلد ماريشال) وكأنه انتصر في الحرب العالمية الثانية، مع أنه فاقد الأهلية العسكرية ليكون مجرد صف ضابط بدرجة أومباشي (عريف)!

بعد أن منح نفسه رتبة "الماريشالية" أعلن - بمساعدة طيران عربي - سيطرته على قوس النفط، تمهيداً لاقتطاع دويلة بشرق ليبيا يحكمها وتخدم كفلاءه بطريقة ما، ولكن الدول الصليبية أعلنت في بيان مشترك أن عليه أن يسحب قواته من قوس النفط وإلا.. وهي لعبة استعمارية ماكرة، حيث بدأ الكرّ والفرّ بينه وبين هذه الدول، فبعد انسحابه من القوس عاد واحتله ثانية بمساعدة الطيران إياه، وحكومات الغرب الاستعماري تلعب لعبة القط والفار مع الحكومة التي وافقت عليها في الصخيرات وتسميها حكومة الوفاق، ولكنها في النهاية تخطط للوصول إلى هدفها النهائي، وهو نهب البترول والثروات الأخرى المتوقعة في الوطن الليبي التعيس.

ويبدو أن دول الغرب الصليبي الاستعماري تريد أن تضحك على الإسلاميين الذين ساندوا حكومة الوفاق، وحاربوا ما يسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش)، وطهروا مدينة سرت مقر تمركز التنظيم، فأصدروا بيانهم المذكور ليهدئ من روع الإسلاميين الذين شعروا كما يقول الصحفي ديفيد هيرست بالطعن في ظهورهم، وأنهم تعرضوا للخيانة والغدر.

بأمثال حفتر يجري الاستعصاء الديمقراطي وبالأبواق الشيوعية الموالية لليهود الغزاة وأشباهها؛ يزدهر الاستبداد والطغيان ويتم تجميل الصورة القبيحة للانقلابيين، هنا تبدو القابلية للاستبداد أو الاستعمار أمراً طبيعياً لدى الشعوب العربية المنهوكة بالقهر الصليبي اليهودي الشيوعي.

هل يعني ذلك فقدان الأمل في بناء الديمقراطية؟ كلا.. فالأغلبية حين تدرك طبيعة ما يراد بها، وتتخذ الوسائل المناسبة لمنعه لن يكون الأومباشي حفتر ولا الصاغ عامر ولا الهزائم المنكرة أمام اليهود الغزاة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top