د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 08 سبتمبر 2019 11:22

الربيع بن سليمان المُراديّ

«الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المُراديّ مولاهم، الشيخ أبو محمد المؤذن، صاحب الشافعي، وراوية كتبه، والثقة الثَّبْت فيما يرويه.

ولد الربيع سنة أربع وسبعين ومائة، واتصل بخدمة الشافعي وحمل عنه الكثير، وحدث عنه به.
روى عنه أبوداود، والنَّسائيّ، وابن ماجة، وأبو زُرْعة الرَّازي، وأبو حاتم..
وكان مؤذناً بالمسجد الجامع بفُسطاط مصر، المعروف اليوم بجامع عمرو بن العاص.
وكان يقرأ بالألحان، وكان الشافعيّ يحبه، وقال له يوماً: ما أحبَّكَ إليَّ!
وقال: ما خدمني أحد قطُّ ما خدمني الربيع بن سليمان.
وقال له يوماً: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك.
وقال القفّال في «فتاويه»: كان الربيع بطيء الفهم، فكرر الشافعيّ عليه مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياءً، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم.
وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق نحو مائتي رجل، وقد كاشفه الشافعي بذلك، حيث يقول له فيما روى عنه: أنت راوية كتبي.
ومن شعر الربيع:
صبراً جميلاً ما أسرع الفَرجا
من صدَّق اللهَ في الأمور نجا
مَن خشِي اللهَ لم ينلْه أذَى
ومن رجا اللهَ كان حيث رجا
وقيل: كانت فيه سلامة صدر، وغَفْلة.
قلتُ: إلا أنها باتفاقهم لم تنته به إلى التوقُّف في قبول روايته بل هو ثقة، ثبت، خرَّج إمام الأئمة ابن خُزيمة حديثَه في صحيحه، وكذلك ابن حِبَّان، والحاكم.
وقال ابن أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، وسئل أبي عنه، فقال: صدوق. انتهى.
وقال الخليل في «الإرشاد»: ثقة متَّفق عليه.
قال أبوعاصم: روى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة أشياء سُنة، وأربعة أدب، أما الفرض: فغسل اليدين، والقصعة، والسكين، والمِغْرفة، والسُّنة: الجلوس على الرِّجل اليسرى، وتصغير اللُّقَم، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع، والأدب: ألا تمد يدك حتى يمد مَن هو أكبر منك، وتأكل مما يليك، وقلة النظر في وجوه الناس، وقلة الكلام.
قال الربيع: دخلت على الشافعيّ، وهو مريض، فقلت: قوَّى الله ضعفَك، فقال: لو قوَّى ضعفي قتلني، قلتُ: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.
قال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: أنفع الذخائر التقوى، وأضرّها العدوان.
قال: وسمعتُه يقول: لا خير لك في صحبة مَن تحتاج إلى مُداراته.
قال: وسمعته يقول: من صَدق في أُخوة أخيه قَبِل عِلَله، وسدَّ خَلَله، وعفا عن زَلَله.
قال: وسمعتُه يقول: الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل.
قال الربيع: قلتُ للشافعيّ: من أقدر الناس على المناظرة؟ فقال: مَن عوَّد لسانه الركْض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقتْه العيون بالألحاظ.
قال الطحاويّ: مات الربيع بن سليمان، مؤذن جامع الفسطاط، يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال، سنة سبعين ومائتين، وصلى عليه الأمير خُمارَوَيْه أحمد بن طولون»(1).
العبر والفوائد التربوية:
- رحم الله الإمام الربيع، رفع الأذان فرفع الله ذكره في العالمين، والجزاء من جنس العمل.
- رضي الله تعالى عن الإمام الشافعي؛ إذ كان يتعامل مع الربيع راوية كتبه بكل أدب جم وحسن ظن.
- صبر الشيخ على قلة فهم تلميذه، وإعادة مسائل العلم عليه؛ خلة رائعة من خلال البر والكرم.
- ما كان من الربيع من غفلة لم تدع علماءنا الأجلاء لتركه ما دام ثقة ثبتاً صدوقاً فاتفقوا عليه؛ فالمسلم الفطن الأريب لا يحتقر أحداً من خلق الله تعالى.
- إن الدعاة المربين يجب أن يفيدوا من التراث الإسلامي الهائل الذي يحوي الآداب والقيم والتوجيه والإرشاد والتزكية.
والحمد لله رب العالمين.

 

_______________
الهامش
(1) ابن السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

الخميس, 01 أغسطس 2019 15:00

إسحاق بن راهُويَه

 

إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم بن مطر الحنْظَلِيّ أبو يعقوب المَرْوَزِيّ، ابن راهُويَه، أحد أئمة الدين، وأعلام المسلمين، وهداة المؤمنين، الجامع بين الفقه والحديث، والورع والتقوى، نزيل نيسابور وعالمها.

وُلد سنة إحدى، وقيل: سنة ست وستين ومائة.
وسمع من عبدالله بن المبارك.
وارتحل في طلب العلم سنة أربع وثمانين.
وسمع في الرحلة من جرير بن عبدالحميد، وسفيان بن عيينة، وعبدالعزيز الدَّراوَرْدِيّ، وفضيل بن عياض، ومُعتمِر بن سليمان، وابن عُلَيَّة..
روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمِذي، والنَّسائي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين..
قال علي بن إسحاق بن رَاهُويه: ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين، فمضى جدي راهُويه إلى الفضل بن موسى، فسأله عن ذلك، فقال: يكون ابنك رأساً؛ إما في الخير وإما في الشر.
وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبدالله بن طاهر: لِمَ قيل لك ابن رَاهُويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ فقلت: إن أبي ولد بطريق مكة، وقالت المَراوِزة راهويه، بأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكرهه.
قال نُعَيم بن حمَّاد: إذا رأيتَ الخُرسانيّ يتكلم في إسحاق بن رَاهُويه فاتَّهمْه في دينه.
وقال أحمد بن حنبل: لم يعبر في الجسر إلى خراسان مثلُ إسحاق.
قال ابن عَدِيّ: ركب إسحاقَ بن رَاهُويه دَيْن، فخرج من مَرْو، وجاء نيسابور، فكلَّم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمر إسحاق، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: تكتب إلى عبدالله بن طاهر رقعة، وكان عبدالله أمير خراسان، وكان بنيسابور، فقال يحيى: ما كتبتُ إليه قطُّ، فألحُّوا عليه، فكتب في رقعة إلى عبدالله بن طاهر: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح.
فحمل إسحاق الرقعة إلى عبدالله بن طاهر، فلما جاء إلى الباب، قال للحاجب: معي رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير، فدخل الحاجب، فقال له: رجل بالباب زعم أن معه رقعةَ يحيى بن يحيى إلى الأمير، فقال: يحيى بن يحيى؟ قال: نعم، قال: أدخله، فدخل إسحاق، وناوله الرقعة، فأخذها عبدالله، وقبَّلها، وأقعد إسحاق بجنبه، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم، وصيّره من ندمائه.
قال محمد بن أسْلم الطُّوسي حين مات إسحاق: ما أعلم أحداً كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: 28)، وكان أعلم الناس.
قال محمد بن أسْلم: ولو كان الثوريّ في الحياة لاحتاج إلى إسحاق.
وقال الدَّارِميّ: ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصِدْقه.
وقال أحمد بن حنبل، وذكر إسحاق: لا أعرف له بالعراق نظيراً.
وقال مرة، وقد سئل عنه: مِثْلُ إسحاق يُسأَل عنه! إسحاق عندنا إمام.
وقال النَّسائيّ: إسحاق بن رَاهُويه أحد الأئمة، ثقة، مأمون، سمعت سعيد بن ذؤيب يقول: ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق.
وعن إسحاق: ما سمعت شيئاً إلا وحفظته، ولا حفظت شيئاً فنسيته.
وقال أبو يزيد محمد بن يحيى: سمعت إسحاق يقول: أحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي.
قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رُزق من الحفظ.
وقال الحاكم: هو إمام عصره في الحفظ والفتوى.
وقال أبو إسحاق الشِّيرازيّ: جمع بين الحديث، والفقه، والورع.
توفي إسحاق ليلة نصف شعبان، سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
قال البخاري: وله سبع وسبعون سنة(1).
العبر والفوائد التربوية:
- خشية الله تعالى جاورت قلب العلماء فنالوا الشرف في الدنيا والآخرة.
- الحب والاحترام هو الأصل الذي كان موجوداً بين علماء المسلمين.
- شفاعة العلماء بعضهم لبعض دليل حسن ظنهم لبعضهم.
- تميُّزُ علمائنا بالحفظ والفهم والإتقان مدعاة لاتخاذهم قدوة في احترام العلم وتبجيل الدين وتقدير الشريعة.
- عُرف علماؤنا بصيانة العلم؛ ولذلك قدرهم الملوك والأمراء.
- خُلقُ الإنصاف من الأخلاق العالية والسجايا الحميدة والقيم السديدة التي تحلى بها علماؤنا.
- بالصدق والأمانة تكون السيادة والقيادة، ولقد ساد ابن راهُويه المشرق والمغرب بصدقه.
___________________
الهامش:
(1) ابن السبكي- طبقات الشافعية الكبرى- ج 2، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

الإثنين, 10 يونيو 2019 14:03

القاسم بن سَلّام

 «الأديب الفقيه، المحدِّث، صاحب التصانيف الكثيرة: في القراءات، والفقه، واللغة، والشعر.

قرأ القرآن على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، وشُجاع بن أبي نصر.

وسمع الحديث من إسماعيل بن عيّاش، وإسماعيل بن جعفر.

وتفقه على الشافعي رضي الله عنه، وتناظر معه في القُرْء، هل هو حيض أو طهر؟ إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله الآخر.

وُلد بهَراة، وكان أبوه فيما يُذكَر عبداً لبعض أهلها، وتنقّلت به البلاد، ووَلي قضاء طَرَسوس، ثم حج بالآخرة، فتوفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين.

قال إسحاق بن رَاهُويه: الحق يحبه الله، أبو عُبَيد أفقه مني، وأعلم مني، أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.

قال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل.

وقال أبو بكر الأنْبارِيّ: وكان أبو عُبَيد قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً ينام، وثلثاً يصلي، وثلثاً يطالع الكتب.

وقال محمد بن سعد: كان أبو عُبَيد مؤدِّباً، صاحب نحو وعربية، وطلب الحديث والفقه، وولي قضاء طَرَسُوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وقدم بغداد ففسر فيها غريب الحديث، وصنف كتباً، وحدَّث، وحج  فتوفي في مكة سنة أربع وعشرين ومائتين.

وقال عباس الدُّورِيّ: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أبو عُبَيد ممن يزداد عندنا كل يوم خيراً.

وقال أبو قُدامة: سمعت أحمد يقول: أبو عبيد أستاذ.

وقال حَمدان بن سهل: سألت يحيى بن مَعين عن أبي عُبَيد، فقال: مثلي يُسأل عن أبي عُبَيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس.

وقال أبو داود: ثقة، مأمون.

وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ثقة، إمام جبل، جليل»(1).

العبر التربوية:

- التنوع العلمي الباهر والرائع لعلمائنا يدفعنا لمزيد من البحث والدرس والطلب الجاد للعلم والصبر على ذلك.

- الإنصاف المتكرر للعلماء بعضهم لبعض يدفعنا لمجاهدة النفس على التخلق بخلق الإنصاف والعدل مع الآخرين.

- الزيادة اليومية في الخير توفيق من الله تميز به علماؤنا لإخلاصهم وصدقهم وعنايتهم بتربية أنفسهم والرقي بها.

- تنوع العطاء من عالم واحد لأمته في مجالات متعددة من القضاء إلى الجهاد إلى التعليم والتربية وتفقيه الناس بدينهم إلى جانب التأليف والتصنيف.

- تقسيم العلماء للوقت بين طلب العلم والقراءة والبحث والعبادة والصلاة، وكان ذلك في الليل والنهار، فالوقت عندهم غالٍ ونفيس.

- طلب العلم رغم الفقر والعوز والحاجة دليل على حب كبير للعلم وأهله وإخبار عن نفس توّاقة وهمة عالية لا تعرف التواني والتراخي.

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

(1) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى ج2، تحقيق عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

(*) بتشديد اللام، الإمام الجليل، أبو عبيد.

الأربعاء, 08 مايو 2019 11:20

محمد بن نصْر المَرْوَزِيّ

أحد أعلام الأمة، وعقلائها، وعُبّادها.

ولد سنة اثنتين ومائتين ببغداد، ونشأ بنيْسابور، وسكن سَمَرْقَنْدَ، وكان أبوه مَرْوَزياً.

سمع من محمد بن نصر، وهشام بن عمّار، وهشام بن خالد، والمسيّب بن واضح، ويحيى بن يحيى، وإسحاق.. وتفقه على أصحاب الشافعيّ.

قال الحاكم: هو الفقيه، العابد، إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة.

وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومَن بعدهم (في الأحكام).

وقال ابن حَزْم في بعض تآليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتمّ منها في محمد بن نصر المَرْوَزيّ.

وقال أبو ذرّ محمد بن محمد بن يوسف القاضي: كان الصدرُ الأول من مشايخنا، يقولون: رجال خُراسان أربعة: ابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن رَاهُويه، ومحمد بن نصْر المَرْوَزيّ.

وقال أبوبكر الصَّيرَفِيّ: لو لم يصنِّف المَرْوَزيّ إلا كتاب «القَسامة» لكان من أفقه الناس، فكيف وقد صنف كتباً سواها!

وقال عنه ابن الأخرم: ولم تزل تجارتُه بنيسابور، أقام مع شريك له مُضارب، وهو يشتغل بالعلم والعبادة.

وقال عنه أحمد بن إسحاق: فأما محمد بن نصر فما رأيت أحسن صلاة منه، ولقد بلغني أن زُنبوراً قعد على جبهته، فسال الدم على وجهه، ولم يتحرك.

وقال ابن الأخرم: ما رأيت أحسن صلاة من محمد بن نصر، كان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم، ولا يَذُبُّه عن نفسه، ولقد كنا نتعجَّب من حسن صلاته، وخشوعه، وهيبته للصلاة، كان يضَعُ على صدره، فينتصبُ كأنه خشبة منصوبة، وكان من أحسن الناس خَلْقاً، كأنما فُقئ في وجهه حبُّ الرُّمّان، وعلى خدَّيْه كالورد، ولحيته بيضاء.

وقال السُّلَيمانيّ: محمد بن نصر، إمام الأئمة، الموفَّق من السماء.

توفي محمد بن نصر بسَمَرقَنْد في المحرم، سنة أربع وتسعين ومائتين(1).

العبر التربوية:

- حرص طلبة العلم على السماع من العلماء المعتبرين وأخذ الإسناد عنهم.

- تقديم التفقه في الدين.

- ضرورة الجمع بين الفقه والعلم وحسن العبادة.

- لا مانع للعالم الحكيم أن يجمع بين العلم والتجارة، بل ولا تلهيه تجارته عن العلم وذكر الله تعالى والعبادة.

- حسن صلاة العلماء وخشوعهم يجعلهم محل قدوة لكل مسلم كي يحسن عبادته ويخشع في صلاته.

- العبادة الصحيحة الخالصة لوجه الله تعالى والصلاة ذات الخشوع والتضرع والخضوع هي الزاد المعتبر والأسمى للدعاة والعلماء والمصلحين بل ولطلبة العلم من الشباب والناشئة.

والحمد لله رب العالمين.

 

________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى جـ2، تحقيق عبدالفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي.

قال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العلل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وقال إسحاق بن أحمد الفارسيّ: سمعت أبا حاتم، يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَن دخل العراق.
وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبوزُرْعة، ومحمد بن إسماعيل، والدّارميّ، والحسن بن شُجاع البَلْخِيّ.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشبِه تصنيفه في المبالغة والحسن، لرجوْتُ أن أكون صادقاً.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدّاحة، فيُورِي ناراً ويُسرِج، ثم يُخرِج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمِل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أُفسِد عليك نومك.
قال أبو عيسى التِّرْمِذِي: كان محمد بن إسماعيل عند عبدالله بن مُنير، فلما قام من عنده، قال له: "يا أبا عبدالله، جعلك الله زَيْن هذه الأمة"، قال أبو عيسى: اسْتُجِيب له فيه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيِّ، جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن عِلل الحديث.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: كتبتُ عن ألف شيخ، أو أكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف أو أكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسنادَه.
وكان البخاري يختم القرآن كل يوم نهاراً، ويقرأ في الليل عند السَّحر ثُلْثاً من القرآن، فمجموع وِرْده ختمة وثلث خَتْمة، وكان يقول: أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبُني باغْتياب أحد.
وكان يصلِّي ذات يوم، فلسعه الزُّنبور سبع عشرة مرة، ولم يقطع صلاته، ولا تغيَّر حاله.
وعن الإمام أحمد: ما أخرجتْ خُراسان مثل البخاري.
وقال يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ: البخاريّ فقيهُ هذه الأمة.
وقال محمد بن إدريس الرازي، وقد خرج البخاري إلى العراق: ما خرج من خُراسان أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه.
وقال نسج بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاريّ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، تجتمع أصحابه، فيصلّي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السَّحَر في كل ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار في كل يوم خَتْمَة، ويكون خَتْمُه عند الإفطار كل ليلة، ويقول: عند كل خَتْم دعوةٌ مُستجابة.
وقال بكر بن مُنِير: سمعت البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبْتُ أحداً.
وقال محمد بن يعقوب الأخْرَم: سمعتُ أصحابنا، يقولون: لما قدِم البخاريّ نيْسابور، استقبله أربعة آلاف رجل على الخيل، سوى من ركب بغلاً أو حماراً، وسوى الرَّجَّالة.
مهنب بنُ سُلَيم الكَرْمانيّ يقول: مات محمد بن إسماعيل رحمه الله ليلة الفطر، أول ليلة من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان بلغ عمرُه اثنتين وستين سنة، غير ثنتي عشرة ليلة.."(1).
العبر التربوية:
- ثناء العلماء بعضهم لبعض تأصيل وتأكيد لخُلق العدالة والإنصاف.
- العبادة والتنسك من سمات العلماء الربانيين والدعاة الصادقين.
- العالم الرباني يخاف على نفسه آفات اللسان غير مغتر بعلمه وثناء الناس عليه.
- احتفاء الأمة بعلمائها منذ فجر نهضتها.

 

______________

الهامش
(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، ج2.

الثلاثاء, 05 مارس 2019 12:05

الإمام البخاري.. حافظ نظام الدين

 هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبه.

«هو إمام المسلمين، وقدوة الموحِّدين، وشيخ المؤمنين، والمعوَّل عليه في أحاديث سيد المرسلين، وحافظ نظام الدين، أبو عبدالله الجُعْفِي مولاهم، البخاري، صاحب «الجامع الصحيح» وساحب ذيلِ الفضل للمُستميح.

كان والده أبو الحسن بن إبراهيم من العلماء الورعين.

سمع مالك بن أنس، ورأى حمَّاد بن زيد، وصافح ابن المبارك.

وحدّث عن أبي معاوية، وجماعة.

روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهماً من شبهة، قال أحمد بن حفص: فتصاغرَتْ إليّ نفسي عند ذلك.

ولد البخاري سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه  العلم، وأعانه ذكاؤه.

قال ابن عَدِيّ: سمعتُ الحسن بن الحسين البَزّار يقول: رأيتُ البخاريّ شيخاً نحيفاً، ليس بالطويل ولا بالقصير، عاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً.

وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق: قلتُ للبخاري: كيف كان بدءُ أمرك؟

قال: أُلهِمت حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكُتّاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخليّ وغيره، فقال يوماً فيما يقرأ على الناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجعْ إلى الأصل. فدخل، ثم خرج، فقال لي: كيف يا غلامُ؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم. فأخذ القلم مني وأصلحه، وقال: صدقت.. فقال للبخاريّ بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.

فلما طعنت في ست عشرة سنة، حفظت كتاب ابن المبارك ووَكيع، وعرفت كلام هؤلاء.

ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بها، وتخلَّفتُ في طلب الحديث.

فلما طعنتُ في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أصنِّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلَهم، وذلك أيام عُبَيد الله بن موسى، وصنفت «كتاب التاريخ» إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، في الليالي المقمرة، وكَلَّ اسمٌ في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.

وقال عبدالرحمن بن محمد البخاريّ: سمعتُ محمد بن إسماعيل، يقول: لقيتُ أكثر من ألف رجل مِن أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخُراسان، إلى أن قال: فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: «أن الدين قول وعمل، وأن القرآن كلام الله».

وقال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بغداد ثماني مرات، كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل، فقال لي آخر ما ودَّعتُه: يا أبا عبدالله، تترك العلم والناس، وتصير إلى خُراسان! فأنا الآن أذكر قول أحمد.

وقال ابن عدي: حدثني محمد بن أحمد القومسي: سمعتُ محمد بن حَمْدويَه، يقول: سمعت محمد بن إسماعيل، يقول: أحفظُ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديت غير صحيح.

وقال إمام الأئمة ابن خُزَيمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري.

وقال الترمذي: لم أرَ أحداً بالعراق، ولا بخُراسان، في معنى العِلَل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل.

وعن أحمد بن حنبل، قال: انتهى الحفظُ إلى أربعة من أهل خُراسان: أبو زُرعة، ومحمد بن إسماعيل، والدارمي، والحسن بن شجاع البَلْخي.

وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبدالله إذا كنت معه في سفر، يجمعنا بيت واحد، إلا في القيْظ أحياناً، فكنت أراه يقوم في ليلةٍ واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري ناراً ويُسرِج، ثم يُخرج أحاديث، فيُعلِّم عليها، ثم يضع رأسَه، وكان يصلِّي وقتَ السحر ثلاثَ عشرة ركعة، وكان لا يُوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا، ولا توقظني، قال: أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أفسِد عليك نومَك.

وقال الفَرَبْرِيّ: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصليت ركعتين»(1).

سيرة عاطرة لإمام قدوة نواصل شيئاً منها في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

العبر التربوية:

- للآباء تأثير إيجابي كبير على الأبناء إذا صلحوا ودعوا لذرياتهم بالتوفيق والإعانة.

- حرص البخاري على المال الطيب البعيد عن الشبهات، فهذا الحرص على الحلال سبب عظيم لبركة العلم.

- فضل طلب العلم في الصغر لا يخفى على المربين والمعلمين.

- الإتقان والجودة في حفظ الرجال والأسانيد.

- أهمية معرفة التاريخ في صياغة الفكر.

- العالم وطالب العلم لا يستغنيان عن المحافظة على العبادة وقيام الليل.

- رفق المربي بالمربَّى ومراعاته لحاجاته من الراحة والنوم.

- ثناء العلماء على الإمام البخاري لبركة اهتمامه بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والحمد لله رب العالمين.

_______________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2.

الإمام أحمد بن حنبل، يرحمه الله تعالى، هو الإمام أحمد بن محمد  بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس..

هو الإمام الجليل أبوعبدالله الشيباني المرْوَزِيّ، ثم البغدادي، صاحب المذهب، الصابرُ على المحنة، الناصر للسُّنة، مقتدَى الطائفة، ومن قال فيه الشافعي فيما رواه حرملة: خرجت من بغداد، وما خلَّفت بها أفقهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلَم من أحمد.

وُلد سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به من مَرْو حَمْلاً.

قال الخطيب: ولد أبوعبدالله ببغداد، ونشأ بها ومات، وطلب العلم، ثم رحل إلى الكوفة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.

قلت: وألّف مسنَده، وهو أصل من أصول هذه الأمة.

وقال المُزَنيّ: أبوبكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم صِفِّين، وأحمد يوم المحنة.

وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبا زُرْعة يقول: كان أبوك ألف ألف حديث، فقلت: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب..

وقال عبدالله: قال لي أبي: خذ أيّ كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام، حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد، حتى أخبرك عن الكلام..

وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين.

وقال عبدالرزاق: ما رأيت أفقهَ من أحمد بن حنبل ولا أروع.

وقال عبدالرحمن بن مهديّ: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكّرت به سفيان الثوري.

وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل.

وقال أيضاً: إذا رأيتَ الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سُنَّة.

وقال أيضاً، وقد قيل له: تضم أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين.

وقال أيضاً: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين.

وقال أيضاً: أحمد إمام الدنيا.

وقال أبو مُسْهِر، وقد قيل له: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر  دينها؟ قال: لا أعلمه، إلا شابٌّ في ناحية المشرق؛ يعني أحمد بن حنبل.

وعن إسحاق: أحمد حجة بين الله وخلقه.

قال صاحب الطبقات: فهذا يسير من ثناء الأمة عليه، رضي الله عنه.

قلت: ومن شيوخه هُشَيم، وسفيان بن عُيَيْنة، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عُلَيّة، وعلي بن هاشم البريد، ومُعتمر بن سليمان.

توفي رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومائتين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.

فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان؛ بلسان ثقيل، فجعلوا ينضمون إليه، فجعل يشمهم ويمسح على رؤوسهم، وعينه تدمع..

واشتدّت علته يوم الخميس، ووضّأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقُل وقُبِض صدرَ النهار، فصاح الناس وعلت الأصوات حتى كأن الدنيا قد ارتجّت، وامتلأت السّكك والشوارع.

قال المَرْوزِيّ: أُخرجت الناس بعد مُنصرَف الناس من الجمعة.

قلت: وقيل: عدد المصلين عليه كثير، قيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، سوى من كان في السفن في الماء(1).

رحم الله الإمام أحمد العالم المبجّل والإمام الصبر المحتسب والمربي الكبير.

العبر والفوائد التربوية:

- الأمة بخير ما أفادت من علمائها.

- العلم يأتي بعد الصبر والمصابرة، فمن صبر فقد ظفر.

- الفضلاء الكرماء يشهد بعضهن لبعض بكل اعتدال وإنصاف وتجرد.

- اهتمام أحمد بالنشء إلى آخر رمق من حياته؛ فهم الجيل الذي سوف يقود أمة الإسلام.

- كثرة الشيوخ دليل غزارة العلم وتنوعه وامتلاء وقت العالم بالسعي والطلب والتحمل.

- من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، وهذا واضح في حسن خاتمة الإمام أحمد رحمه الله.

 

__________

الهامش

(1) تاج الدين السبكي- طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي، الجزء الثاني. 

 

لقد كتب العالمان الفاضلان عبدالفتاح الحلو، ومحمود الطناحي مقدمة رائعة عن ابن السبكي، صاحب «طبقات الشافعية»، وهو تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي بن زين الدين أبي محمد عبدالكافي بن ضياء الدين أبي الحسن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي، وقد حوت المقدمة قيماً تربوية علمية رفيعة، فأحببت ألا تمر علينا مرور الكرام، بل لا بد من الوقوف معها للإفادة منها، فورد في المقدمة:
«وقد فتح تاج الدين عينيه على بيت يموج بالمعرفة، ورأى وفود العلماء وهي تنسِل إلى مجلس أبيه، ينهلون من علمه، ويقيدون فوائده، فليس غريباً أن يبدأ عبدالوهاب في التحصيل مبكراً، وأن يحفظ القرآن في صغره، ثم يأخذ عن والده أصول العربية والعقيدة والتشريع.
ويتتلمذ لأساتذة عصره، فيجيز له في مصر بعد فترة وجيزة ابن الشحنة، ويونس الدبوسي، ويسمع على يحيى بن المصري، وعبدالمحسن الصابوني، وابن سيد الناس، وصالح بن المختار وعبدالقادر بن الملوك.. وغيرهم.
وحين تولى والده منصب قاضي قضاة الشام رحل معه إلى دمشق، فقدمها في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وفي دمشق سمع من زينب بنت الكمال، وابن أبي اليسر، وابن تمام، وقرأ بنفسه على المزي، ولازم الذهبي..
ولم يكتف ابن السبكي بتلقيه المعرفة على هؤلاء الأعلام، وإنما اتجه إلى التحصيل بنفسه، وأقبل على العلم بهمة فتيّة، ونفس مشوقة، حتى قال عنه العماد الحنبلي: «طلب بنفسه ودأب»، وقال عنه ابن حجر العسقلاني: «أمعن في طلب الحديث، وكتب الأجزاء والطباق، مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية حتى مهر وهو شاب».
وقال عنه بعد ذلك الحافظ شهاب الدين بن حجى: «حصل فنوناً من العلم: من الفقه، والأصول وكان ماهراً فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيّد البديهة، ذا بلاغة وطلاقة ولسان وجرأة جنان، وذكاء مفرط، وذهن وقّاد».
وتولى أبو نصر بعد هذا مناصب عديدة، فقد تولى التدريس في العزيزية، والعادلية الكبرى، والغزالية، كما تولى تاج الدين خطابة الجامع الأموي بدمشق، وناب عن أبيه في الحكم، وتولى أبو نصر قضاء الشام في ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة، ذكر ذلك ابن العماد الحنبلي.
وقد طارت شهرة تاج الدين في كل الأقطار الإسلامية، وأصبح عمدة الناس في الفُتيا، وكان أهل مصر يرسلون إليه يستفتونه في كثير مما يعرض لهم، كما يقول المقريزي في «المواعظ والاعتبار».
وبعد هذه الحياة الحافلة بجلائل الأعمال، توفي تاج الدين أبو نصر بن علي شهيداً بالطاعون، بالدَّهشة ظاهر دمشق، في ذي الحجة، خطب الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعة، ومات ليلة الثلاثاء سابعة سنة 771هـ، ودفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة»(1).
عبر تربوية:
- دور الأب العالم والداعية في صياغة شخصية أبنائه وأهل بيته من حيث العلم والثقافة والدعوة للإسلام.
- أهمية حفظ القرآن والفقه في الصغر.
- تنوع العلماء والمربين له أثره الإيجابي والعميق في التوجه العلمي وقوته بالنسبة للمربَّى.
- الإمامة والتدريس والخطابة والقضاء والإفتاء.. مناصب متعددة مؤثرة في توجيه الناس وتعليمهم وتربيتهم.
- لا بد من الجهد الذاتي والدأب المتواصل والهمة مع الصبر لتحصيل العلم.
والحمد لله رب العالمين.
الهامش
(1) محمود الطناحي وعبدالفتاح الحلو - مقدمة طبقات الشافعية ج1.

الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 12:14

ابن السبكي.. صاحب طبقات الشافعية

الحمد لله جعل العلماء ورثة الأنبياء، وجعلهم درجات وطبقات؛ فنبغوا في المؤلفات والمصنفات والإنتاج العلمي والمنجزات، وكانت لديهم المسائل والمذاهب والآراء والفتاوى، فكان منهم المحدثون والحفاظ والمفسرون والوعاظ والمؤرخون والأدباء واللغويون والمتكلمون والفلاسفة المفكرون، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العلمَ"(أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223) مطولاً).

ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ المبرزين والأعيان المتميزين صاحب كتاب "طبقات الشافعية"، وهو الكتاب الذي أثنى عليه العلماء من المتقدمين والمتأخرين؛ بما حواه من الفوائد والعوائد والكنوز والفرائد.

أما صاحبه فهو العلامة تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي (727 - 771هـ)، ووالده الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي (683 - 756هـ).

وقد أوضح حياةَ ابن السبكي، يرحمه الله، بأسلوب ماتع شائق العلامةُ د. محمود محمد الطناحي في مقالاته "صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب":

"وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري -عصر الموسوعات- هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي، التي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.

وقد وُلد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية.. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا.

فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد، حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد.. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد "طبقات الشافعية".

لقد انفسح هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول.

كما كان مصدراً أدبيّاً لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب، وكان أيضاً مرجعاً أصيلاً في جمع أشعار الشعراء.

ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربوياً راشداً حين يقول:

وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات" (الطناحي - مقالات).

عبر تربوية:

- تأثر التوجه التربوي للأمة بما تتعرض له من أخطار وأزمات.

- الدور الإيجابي للعلماء في النهضة والازدهار.

- اهتمام العلماء بالتعليم والتدريس لأبناء المسلمين.

- تأثر الأبناء بمن يفد على آبائهم من علماء وغيرهم.

- الكنوز والجواهر الموجودة في كتب التراث لها أهمية كبرى حال استخراجها وصياغتها بأسلوب يتناسب مع جيل هذا العصر.

والحمد لله رب العالمين.

الأحد, 04 نوفمبر 2018 09:55

التقييم

 تعريف ومعنى التقييم في معجم المعاني الجامع (معجم عربي عربي):

1- تقييم (اسم):

تقييم: مصدر قَيَّمَ.

2- قَيَّمَ (فعل):

- قيَّمَ يقيِّم، تقييماً، فهو مُقَيِّم، والمفعول مُقيَّم.

- قيَّمَ الشيء تقْييماً: قَدّر قيمَتَهُ.

- قيَّم السِّلعةَ: حدَّد ثمنها.

- قيَّم وضعاً: استعرض نتائجَه وما حقّقه من تقدُّم.

حاجتنا إلى التقييم: 

إن المؤسسة الربانية المتميزة والمتألقة لتحتاج إلى التقييم كما يحتاج كل فرد عابد زاهد إلى المراقبة والمحاسبة؛ كي يرقى بذاته ويرتفع بمستواه.

فالمؤسسة التي تنوع مجالات التقييم لديها لا بد أن تتميز بتلك المجالات التي خضعت لمعايير التقييم والتصويب والتصحيح، فمن تلك المجالات:

- المدخلات والمخرجات لأموال المتبرعين كمّاً وكيفاً وصرفاً وتوثيقاً؛ فالكم هو الحجم المالي للتبرعات بالأرقام والحسابات الدقيقة، والكيف هو طريقة جمع التبرعات بالطرق القانونية المعتبرة لدى الجهات الرسمية، والصرف هو طريقة صرف الأموال كالمصارف الشرعية للأوعية الزكوية المعتبرة والمعروفة، والتوثيق أن تُحفظ تواريخ صرف التبرعات والأموال مع رصد الجهات  المستفيدة.

- الخطط والإستراتيجيات الخاصة بالمؤسسة، ومدى تحقيق الأهداف الخاصة بهذه الإستراتيجيات متزامنة مع مؤشرات الأداء ومؤشرات النجاح.

- تقييم الخطاب الإعلامي للمؤسسة ومدى مطابقته مع أهداف وإستراتيجيات المؤسسة، وقد حضرت جلسة مفيدة ورائعة لتقييم الخطاب الإعلامي لجمعية الإصلاح الاجتماعي، وكان طرحاً إعلامياً ماتعاً فيه التجديد والعصف الذهني والإبداع والتميز.

- تقييم قيم المؤسسة ومدى مطابقتها مع واقع واحتياجات المؤسسة وواقع المجتمع والأمة.

- تقييم أداء المديرين والأفراد والعاملين بشكل عام.

مصادر التقييم:

- العاملون في المؤسسة عبر استبانة توزع.

- المستفيدون من خدمات المؤسسة من متبرعين أو أولياء أمور طلاب ونحوه.

ولا بد من تحليل النتائج والخروج بتوصيات لتصحيح الأخطاء ووضع خطة لمتابعة التصحيح.

فوائد وعوائد التقييم:

- التجديد في عرض الخدمات والأفكار.

- تصحيح الأخطاء وتجنب العيوب المتكررة.

- الشراكة مع الآخرين في وضع الخطة والقيم خلال الاستماع الإيجابي للآخرين.

- الإبداع والتميز في التخطيط والإستراتيجيات.

- إتاحة الفرصة للرجل المناسب في المكان المناسب.

- شعور العاملين والعملاء باعتبار الذات والتقدير؛ لأخذ آرائهم ومقترحاتهم من قبل إدارة المؤسسة.

- التعرف على طبيعة الجمهور لتقديم البرامج والخدمات المناسبة.

- التعرّف الدقيق على البيئة المحيطة بالمؤسسة؛ وبالتالي التعرف على الاحتياجات المناسبة لكل بيئة ساحلية كانت أو ريفية أو بحرية.

وقد حضرت حلقة تقييمية لأنشطة وبرامج قطاعات جمعية الإصلاح الاجتماعي، فرأيت العرض الإلكتروني المدعم بالأرقام والنسب المئوية لمؤشرات النجاح والأداء، وبحضور رؤساء القطاعات، ويدير ذلك كله لجنة متخصصة تقيم معايير الجودة لمختلف النشاطات والبرامج لمختلف القطاعات، وتقدّم ملحوظاتها، وتناقش مسؤولي القطاعات عن جوانب الضعف والقوة في أدائهم، وكانت لجنة التقييم هذه تمر على القطاعات بفترات زمنية ماضية محددة وتقيّم الأداء بطريقة جزئية.

إن وضع لجنة متخصصة للتقييم لديها معايير واضحة وخطة محددة وآلية سهلة معروفة لدى الجميع، كل ذلك يساهم في تقييم ناجح متميز يتولد بعده نتائج وفوائد وعوائد.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة 1 من 10
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top