د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 09 يونيو 2020 11:28

أحمد بن محمد الجرْوَآني

 «أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلَفة، الحافظ الكبير، أبوطاهر بن أبي أحمد السِّلَفي، الأصبهاني، الجرْوَآني.

كان حافظاً جليلاً، وإماماً كبيراً، واسعَ الرحلة، دَيِّناً، وَرِعاً، حجة، ثَبْتاً، فقيهاً، لغوياً، انتهى إليه علوُّ الإسناد، مع الحفظ والإتقان.

قيل: مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تخميناً، لا يقيناً.

وقد طلب الحديث، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها.

وحكى عن نفسه أنه حدّث سنة اثنتين وتسعين، وما في وجهه شعرة، وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها.

ثم رحل في رمضان، سنة ثلاث وتسعين، إلى بغداد، وأدرك نصراً بن البَطِر.

وسمع ببغداد أيضاً من أبي بكر الطُّرَيْثيثي، وأبي عبدالله بن البُسْرِي، وثابت بن بُندار، والموجودين بها إذ ذاك، وعمل «معجماً» لشيوخها.

ثم حجّ، وسمع في طريقه بالكوفة، من أبي البقاء المُعمَّر بن محمد الحَبَّال.

وبمكة، من الحسين بن علي الطَّبَرِي، وبالمدينة من أبي الفرج القَزْوينيّ، وعاد إلى بغداد فتفقَّه بها، واشتغل بالعربية، ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة.

قال شيخنا الذهبي: لا أعلم أحداً في الدنيا حدَّث نيِّفا وثمانين سنة سوى السِّلَفِي.

تفقَّه السِّلَفي على إلكِيا أبي الحسن الطَّبري، وفخر الإسلام الشاشي، ويوسف بن علي الزَّنْجانِيِّ.

وأخذ الأدب عن أبي زكرياء التِّبْريزِي، وغيره.

وقرأ القرآن بالروايات.

ذكره ابن عساكر، فقال: سمع ممن لا يُحصَى.

وقال ابن السَّمْعاني: هو ثقة، ورع، متقِن، مثبت، حافظ، فَهِم، له حظٌّ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه.

وقال الحافظ عبدالقادر الرُّهَاويّ: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر، أنه قال عن السِّلَفِيّ: كان ببغداد كأنه شعلةُ نار في تحصيل الحديث.

قال عبدالقادر: وكان له عند ملوك مصر الجاهُ والكلمة النافذة، مع مخالفته لهم في المذهب، وكان لا تبدو منه جَفْوةٌ لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماءً، ولا يبصُق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدَم، وقد جاوز المائة.

قال عبدالقادر: وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أزال من جوارِه منكرات كثيرة.

وقال ابن نُقْطَة في السِّلَفِيّ: كان حافظاً، ثقة، جوَّالاً في الآفاق، سآلاً عن أحوال الرجال، شجاعاً.

تُوفِّي صبيحة يوم الجمعة، الخامس من شهر ربيع الآخر، سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة، وله مائة وست سنين، على ما يظهر.

ولم يزل يُقْرَأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ اللحنَ الخفِيَّ، وصلى يوم الجمعة الصبحَ عند انفجار الفجر، وتُوُفِّيَ عقِيبَه فجأة»(1).

الفوائد الإيمانية والتربوية:

- الصفات الإيمانية من الخوف من الله تعالى والورع وغيرها تعين العالم على طلب العلم وإتقانه والتحمل من أجله.

- كانت الرحلة في الآفاق والتنقل في الأقطار وسيلة من وسائل طلب العلم لدى علمائنا الأفذاذ؛ ولذا بارك الله في علمهم إلى يومنا هذا.

- طلب العلم من الصغر له بالغ الأثر في رسوخ قدم العالم وتميزه طوال حياته، وهذا ما يجب أن يحرص عليه المربون.

- كثرة الشيوخ الذين يتلقى عنهم العالم العلم والخلق والسمت الحسن رصيد قوي في تكوين متانة العلم ورصانته وقوته لدى العالم وصياغته لشخصيته.

- كان العلماء آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر مقيمين لحدود الله تعالى لشعورهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم ولخوفهم من سؤال الله تعالى وحسابه يوم القيامة.

- كان العلماء يتدارسون العلم حتى آخر رمق من حياتهم فيُرزَقون حسن الخاتمة.

والحمد لله رب العالمين

 

______________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج6، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله بن حيُّويه الجُوَيْني النّيسابوري، إمام الحرمين، أبو المعالي.

هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحَبْر، المدقّق المحقّق، النّظّار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العلَم الفَرْد، زينة المحقّقين.

وإذا وعَظ ألبس الأنفسَ من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بَشَرٌ فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا.

رُبّيَ في حِجر العلم رشيداً، حتى رَبا، وارتضع ثَدْيَ الفضل فكان فِطامُه هذا النّبا، وأحكم العربية، وما يتعلق بها من علوم الأدب، وأوتِي من الفصاحة والبلاغة ما عجَّز الفُصَحاء، وحيَّر البلغاء، وسكَّت مَن نطق ودأب.

وُلد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، واعتنى به والده من صِغَره، لا بل قبل مولده.

وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشُّبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له حرص على ألا يُطعمه ما فيه شبهة، فلم يمازج باطنَه إلا الحلالُ الخالص، حتى إنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذي لم يُعْهد منك؟

فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المصّة.

قيل: وما نبأ هذه المصة؟

قال: إن أمي اشتغلت في طعام تطبُخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فأنكر ذلك، وقال: هذه الجارية ليست مِلكاً لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابُها لم يأذنوا في ذلك، وقلبني وفوّعني حتى لم يَدَعْ في باطني شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللّجْلجة من بقايا تلك الآثار.

فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسيرٍ جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه، وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثم أخذ الإمام في الفقه على ولده، وكان والده يُعْجَب به ويُسَر؛ لما يرى فيه من مخايل النجابة، وأمارات الفلاح.

وجَدّ واجتهد في المذهب والخلاف، وغيرها، وشاع اسمه، واشتهر في صباه، وضُربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريقَ البحث والنظر والتحقيق.

ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلمَ أهلِ الأرض بالكلام والأصول والفقه.

ثم توفِّيَ والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحقِّقين، فأُقعده مكانه في التدريس، فكان يدرِّس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البَيْهقي، حتى حصَّل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسْفَرايني، وكان يواظب على مجلسه.

وكان يصل الليل والنهار في التحصيل، ويبكّر كل يوم، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وناداه على بُعد الديار البيتُ الحرامُ فلبَّى وأحرم، وتوجه حاجّاً، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويُفتي، ويجتهد في العبادة ونشر العلم.

فبُنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مُدافَع، مسلَّم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة.

ومن تصانيفه «النهاية» في الفقه، و»الشامل»، و»الإرشاد» في أصول الدين، و»البرهان» في أصول الفقه، و»الورقات»، و»غياث الأمم»، و»مُغيث الخَلْق» في ترجيح مذهب الشافعية، و»الرسالة النظامية»، و»مدارك العقول»، وله «ديوان خُطَب» مشهور.

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني إمام الحرمين.

وقال له مرة: يا مقيدَ أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخِرون.

وقال الحافظ أبو محمد الجُرجانيّ: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.

تُوفِّيَ ليلة الأربعاء بعد صلاة العَتَمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة»(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الحرص على طلب العلم منذ الصغر يورث الإمامة في الكبر.

- حرْص العلماء الربانيين على الحلال والبعد عن الشبهات أثمر ذرية طيبة.

- العالم الرباني حريص على تعليم الناس أمر دينهم وتربيتهم على الخير.

- حرْص العلماء على التدريس في المساجد والمدارس.

- الجمع بين التعليم والتعلم من صفات العلماء المتميزين الذين لا يبالون بثناء الناس ومدحهم، ولا يغترون بالشهرة، بل هم أعلم بأنفسهم وحاجتهم إلى التعلم وسد النقص في جوانب الخلل لديهم.

- رحم الله علماءنا؛ فكان يعرف بعضهم قدر بعض، فلا يترددون في ذكر مآثر بعضهم عدالة وإنصافاً وشهادة.

- الزاد الإيماني من عبادة وحج وقراءة القرآن هو الزاد الذي كان يحرص عليه العلماء.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج5، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الإثنين, 06 أبريل 2020 13:05

سهل العِجْلي

سهل بن محمد بن سليمان بن موسى ابن عيسى بن إبراهيم العِجْلي الحَنَفِيّ نَسَباً، الأستاذ الكبير، والبحر الواسع، أبو الطّيِّب الصُّعْلُوكِيّ، وَلَد الأستاذ أبي سهْل.

هو الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، النجيب ابن النجيب، الصُّعْلوكي إلا أنه الغني، الذي لا يُسأَل إلا ويُجيب.

ما أمّهُ الطالبُ إلا وجدَه سهْلاً، ولا أمّلَه الرّاغب إلا وتلقاه بالبشر، وقال له: أهلاً.

جمع بين رياسَتَي الدّين والدنيا، واتّفق علماء عصره على إمامته، وسيادته، وجمْعِه بين العلم، والعمل، والأصالة، والرياسة.

يُضرَب المثلُ باسْمِه، وتُضْرب أكبادُ الإبل للرحلة إلى مجلسِه، وكان يلقّب شمسَ الإسلام.

سمع أباه الأستاذ أبا سهْل، وبه تفقّه، وعليه تخرّج، ولَدَيْه رُبِّي.

قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيهاً، أديباً، جمع رياسةَ الدين والدنيا، وأخذ عنه فقهاء نَيْسابور.

وقال الحاكم: الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، وابن مُفْتِيها، وأكْتَبُ من رأيناه من علمائها، وأنظرُهم.

قال: وقد كان بعضُ مشايخنا، يقول: من أراد أن يَعْلَم النّجيب ابن النجيب، يكون بمشيئة الله تعالى، فليَنظر إلى سهْل بن أبي سْهل.

واجتمع إليه الخلقُ اليومَ الخامس، من وفاة الأستاذ أبي سهْل، سنة تسع وستين وثلاثمائة.

وقد تخرّج به جماعةٌ من الفقهاء، بنَيْسابور، وسائر مُدُن خراسان، وتصدّى للفتْوَى، والقضاء، والتّدْريس.

قال: وبلغني أنه وُضِع له في مجلسه أكثرُ من خمسمائة مِحْبَرة.. وكان أبوه يقول: سهْلٌ والد.

ودخلتُ على الأستاذ في ابتداء مرضِه، وسهْل غائب إلى بعض ضياعه، وكان الأستاذ يشكو ما هو فيه، فقال: غَيْبَة سهل أشدُّ (عليَّ) من هذا الذي أنا فيه.

وقال أبو عاصم العبّادِيّ: هو الإمامُ في الأدب، والفقه، والكلام، والنحو، والبارعُ في النّظر.

وقال الحافظ الإمام أثير الدين أبوعبدالله محمد بن محمد بن محمد بن غانم بن أبي زيد المُقْرِي، في كتابه الذي سماه» الكتاب الذي أعدّهُ شافعيٌّ، في مناقب الإمام الشّافِعِيّ»: سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي، كان فيما قيل: عالَما في شخْصٍ، وأُمّةً في نَفْس، وإمامَ الدنيا بالإطلاق، وشافِعِيّ عصره بالإطْباق، ومن لو رآه الشافعي لقرّتْ عينُه، وشهد أنه صدْرُ المذهب وعينه.

ومن كلامه ورشيق عباراته: فمن حكيم كلامه من تصدّر قبل أوانه، فقد تصدّى لهوانه.

ومنه: إذا كان رضا الخلْق معسُورُه لا يدرك، كان ميسّورُه لا يُتْرَك.

قلتُ أرشق منه قولُ الفقهاء: الميسُورُ لا يسقط بالمعسور.

وهو مأخوذ من قول أفْصح من نطَق بالضّاد صلّى الله عليه وسلم: «إذا أمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم».

ومنه: إنما يُحتاج إلى إخوان العِشْرة لِزَمان العُسْرة.

مات الأستاذ أبو الطّيب في رجب سنة أربع وأربعمائة، بنَيْسابور(1).

العبر والفوائد التربوية والإيمانية:

- طلب العلم نور وبركة في بيت المسلم وعلى ذريته وأهله وفي دينه ودنياه وعاقبة أمره.

- التيسير والتسهيل لدى الداعية والعالم مدعاة لتقبل دعوته والاستماع إليه والاجتماع من حوله، وكذا هو المربي الحكيم والأب الرحيم الكريم.

- قد يجمع الله تعالى للعالم الحكيم التقي رياستي الدين والدنيا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

- الجمع بين طلب العلم وبرّ الوالد وحبه منزلة كريمة ومنقبة عزيزة يوفق الله من شاء من عباده لها، ومن كرم الله تعالى يجعل العلم والتميز العلمي ميراثاً موصولاً بين الآباء والأبناء.

- تميُّز علمائنا في علوم مختلفة، والجمع بينها من أدب وفقه ونحو..

- العمل الجاد للعالم الرباني حيث الجمع بين القضاء والفتوى والتدريس.

- كرم العالم وجوده على الناس بما يستطيع ويملك.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

__________________________________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 03 ديسمبر 2019 12:31

أبوبكر النَّيْسَابوري

محمد بن إسحاق بن خُزيمة بن المغيرة ابن صالح بن بكر، إمام الأئمة، أبوبكر السُّلَمي النَّيْسَابوري، المجتهد المطلق، البحر العجاج، والحبر الذي لا يُخاير في الحِجى، ولا يُناظَر في الحِجَاج، جمع أشتات العلوم، وارتفع مقدارُه فتقاصرت عنه طوالع النُّجوم، وأقام بمدينة نيْسابور إمامَها حيث الضّراعم مُزدحِمَة، وفردها الذي رفع العِلْمُ بين الأفراد علَمَه، والوفود تَفِد على رَبْعِه لا يتجنّبه منهم إلا الأشقى، والفتاوَى تُحمَل عنه برّاً وبحراً وتشقُّ الأرض شقّاً، وعلومه تسير فتهدي في كل سوداء مُدْلهِمَّة، وتمضي عَلَما تأْتمُّ الهداةُ به، وكيف لا وهو إمام الأئمة.

كالبحر يقذِف للقريب جواهرا

كرَماً ويبعثُ للغريب سَحائبا

مولده في صفر، سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

سمع من خلق، منهم: إسحاق بن رَاهويه، ومحمد بن حُمَيد الرَّازي، ولم يحدث عنهما؛ لكونه سمع منهما في الصِّغَر، وكان سماعه بنيْسابور في صِغَره، وفي رحلته بالري، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، والجزيرة، ومصر، وواسط.

روى عنه خلق من الكبار، منهم، البخاري، ومسلم خارج "الصحيح".

ومحمد بن عبدالله بن عبدالحَكَم، شيخُه.

قيل لابن خزيمة يوماً: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماءُ زمزم لِماَ شُرِب لَهُ"، وإني لمّا شربتُ زمزم، سألت الله علماً نافعاً.

قال القفال الشاشي: سمعت أبا بكر الصيرفي، يقول: سمعت ابن سُرَيج، يقول: ابن خُزَيْمة يُخرج النُّكَت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمِنْقاش.

وقال الربيع بن سليمان: استفدنا من ابن خُزيمة أكثرَ مما استفاد منّا.

وقال محمد بن حِبَّان التّميمي: ما رأيتُ على وجه الأرض من يحسن صناعة السُّنَن، ويحفظ ألفاظَها الصِّحاحَ وزياداتِها، حتى كأن السننَ كلها بين عيْنيه، إلا محمد بن إسحاق فقط.

وقال أبو علي الحسين بن محمد الحافظ: لم أرَ مثلَ محمد بن إسحاق.

قال: وكان ابن خُزَيمة يحفظ الفقهيّات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة.

وقال الدارَقُطْني: كان ابن خُزَيمة إماماً، ثَبْتاً معدوم النظير.

وحكى أبو بِشْر القَطّان، قال: رأى جارٌ لابن خُزَيمة من أهل العلم، كأن لوحاً عليه صورة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وابن خُزَيمة يصْقُله، فقال المُعبِّر: هذا رجل يُحيي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الحاكم في "علوم الحديث": فضائلُ ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً، سوى المسائل، والمسائل المُصنّفة أكثر من مائة جزء، وله "فقه حديث بريرة" في ثلاثة أجزاء.

وعن عبدالرحمن بن أبي حاتم، وسئل عن ابن خُزَيمة، فقال: ويحكم! هو يُسأَل عنّا، ولا نُسأَل عنه، وهو إمام يُقتدى به.

قال محمد بن الفضْل: كان جَدّي أبوبكر لا يدّخر شيئاً جُهْدَه، بل يُنفِقه على أهل العلم.

وقيل: إن ابن خُزَيمة عمِل دعوةً عظيمةً ببستان، جمع فيها الفقراء والأغنياء، ونقل كلّ ما في البلد من الأكل والشّواء والحَلوى.

قال الحاكم: وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلْق، لا يتهيّأ مثلُه إلا لسلطان كبير.

مات ابن خُزَيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

وفي مَرْثيّته قال بعض أهل العلم:

يا ابْنَ إسحاق قد مضيْتَ حميداً

فسقى قبرَك السحابُ الهَتُونُ

ما تولّيتَ لا بل العلمُ ولّى

ما دفنّاك بل هو المدفونُ(1)

العبر والفوائد التربوية:

- طلب العلم والحرص على تعلم ونشر الحديث الشريف شرف في الدنيا وعلو في الآخرة.

- طلب الحديث الشرف يورث القبول بين الناس والحب والثناء الحسن وحسن الظن.

- يظل العلماء ذوي جود وسخاء وكرم يكرمون الفقراء ويحترمون الأغنياء.

- كان علماؤنا يتواصلون مع شرائح المجتمع غنيهم وفقيرهم، بل ويحرصون على دعوة الفقراء إلى موائدهم ودورهم.

- الحرص على درجة الإتقان في التخصص الذي اختاره طالب العلم؛ حتى يحسن فنه وتخصصه وتفيد منه أمته.

- حرص العلماء على الدعاء وهم موقنون بالإجابة.

- الحرص على الإنفاق على طلبة العلم باب من أبواب الخير كان العلماء المقتدون يحرصون عليه؛ فكفالة طالب العلم أو إمام مسجد أو داعية تفتح أبواب الأجر العظيم لصاحبها، والدال على الخير كفاعله.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________

الهامش

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج3، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبدالفتاح محمد الحلو.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top