محمود الرنتيسي

محمود الرنتيسي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 14 سبتمبر 2019 18:33

الاهتمام التركي بلبنان

لبنان بلد صغير مساحة وسكاناً يتجاوز عدد سكانه 6 ملايين بقليل، لكنه بلد مهم بموقعه بين سورية وفلسطين وبتقاطعاته الجيوسياسية وإطلالته على البحر المتوسط، حيث الاكتشافات الجديدة لموارد الطاقة الهيدروكربونية، كما أن لبنان مميز بتشكيلته السياسية الفريدة، حيث توصل الزعماء اللبنانيون الذين قادوا حركة الاستقلال إلى توازن سياسي بين المسلمين والمسيحيين، حددوا بموجبه المراكز الرئيسة في الدولة ليكون رئيس الجمهورية من المسيحيين المارونيين، ويكون رئيس الوزراء من المسلمين السُّنة، ورئيس مجلس النواب من المسلمين الشيعة.

وفي إطار حرصها على ممارسة دور إقليمي فاعل، عملت تركيا دائماً على تحسين العلاقات مع لبنان، ويمكن بوضوح مشاهدة مؤشرات عملية التحسين هذه ومنها زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة الأسبوع الماضي، وتصريحات السفير التركي في لبنان في فبراير 2019م التي أكد فيها التزام بلاده بدعمها القوي للحكومة اللبنانية الجديدة والعمل معها بشكل وثيق جداً بما يحقق مصالح الشعب، وبرقية الرئيس أردوغان التي هنأ بها الحريري، والاهتمام بالأقلية التركمانية وتنشيط التجارة والسياحة مع لبنان.

ومن المعروف أن حزب العدالة والتنمية انتهج سياسة انفتاح تجاه الشرق الأوسط منذ عام 2002م، وارتكز على التعاون الاقتصادي وأدوات القوة الناعمة الأخرى، ولكن بدأت علاقاته مع لبنان تتحسن بشكل ملحوظ بعد عام 2009، حيث تحسنت العلاقات التركية السورية آنذاك، حيث كانت أنقرة تدرك حساسية العامل السوري في لبنان مما انعكس على العلاقات مع لبنان، وقد ظهر هذا في العلاقات الاقتصادية في نهاية عام 2011م مع الإشارة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين تركيا ولبنان بدأت في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي حين تم توقيع اتفاقية النقل الجوي تلتها بعد ذلك اتفاقيات اقتصادية، تجارية، صناعية، وثقافية بين البلدين.

هناك الكثير من العوامل التي تجعل بلداً مثل تركيا يهتم بلبنان، ومن هذه العوامل أن لبنان بلد من بلدان شرق المتوسط التي يعتبر موقفها حتى لو كانت دولة صغيرة مؤثراً في مستقبل المنطقة وقضاياها المهمة سواء القضية الفلسطينية أو الثورة السورية أو موارد الطاقة شرق المتوسط وغيرها، ويشترك لبنان مع تركيا في عدد من القضايا، كما يحتضن لبنان أقلية تركمانية تحظى باهتمام الدولة التركية، بالإضافة إلى وجود أقلية الأرمن الذين يزعجون الدولة التركية أحياناً من خلال إثارة قضية إبادة الأرمن.

يعتبر لبنان خاصة في قضية موارد الطاقة المكتشفة شرق المتوسط بلداً مهماً لتركيا، حيث شكلت مجموعة من الدول منها اليونان وقبرص ومصر و"إسرائيل" كتلة تحت اسم "منتدى شرق المتوسط"، ويبدو أن كلاً من لبنان وتركيا تم استبعادهما، بالإضافة لسورية، ولهذا فإن هذا التكتل يفرض على الجهات المستبعدة أو على الأقل يحثها على التقارب والتعاون لموازنة التكتل الآخر.

إن جوار لبنان المباشر لفلسطين وتاريخ لبنان فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية يجعل لبنان بلداً مهماً بالنسبة لتركيا التي تهتم بالقضية الفلسطينية، وتؤدي دوراً مهما خاصة على الصعيد الدبلوماسي، وقد عملت جنباً إلى جنب مع لبنان ضد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

إن جوار لبنان الآخر لا يقل أهمية وهو سورية التي تمثل قضية أساسية لتركيا، ويندرج في هذا السياق ملف اللاجئين و"حزب الله" والعلاقة مع إيران، وكلها ملفات أساسية ومهمة في الشأن السوري ومقاربته.

الأقلية التركمانية بلبنان

تقدر أعداد أبناء الجالية التركية في لبنان، بحوالي 50 ألف شخص، غالبيتهم لا يحملون الجنسية التركية، ويعود تاريخ قدومهم للبنان إلى مطلع القرن الماضي.

أما الأتراك الذين يعيشون في لبنان ويحملون الجنسية التركية، فيبلغ عددهم نحو 15 ألفاً، فيما يبلغ عدد من يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، حوالي 3700 شخص.

وينحدر الكثير من الأتراك المقيمين في لبنان من مناطق الأرياف في جنوب تركيا، خاصة ولاية "ماردين"، وغالبيتهم يتقنون اللغة العربية، وقليلاً من اللغة التركية، وترى بعض الدراسات أن عدد التركمان يقدر بحوالي 19 ألف نسمة موزعين في 3 مناطق في شمال لبنان وفي البقاع وفي طرابلس، ويقومون بدور كبير في تلميع صورة تركيا في لبنان، كما تهتم تركيا بمساعدتهم وتوفير العديد من الخدمات لهم مثل المدارس وبعض منشآت البنية التحتية.

الاقتصاد والسياحة والخدمات

من زاوية أخرى، تهتم تركيا بلبنان من الزاوية التجارية الاقتصادية حتى وإن كان حجم التجارة الثنائية ليس كبيراً في حدود 1.5 مليار دولار، ولكنها تهدف لرفعه، وعلى سبيل المثال سلمت تركيا في مارس 2018 إلى الجيش اللبناني معدات عسكرية بقيمة مليون دولار، ضمن إطار "اتفاقية المساعدات الخارجية العسكرية اللوجستية" المبرمة بين البلدين، حيث سلمت تركيا الجيش اللبناني 147 قطعة غيار للدبابات ولناقلات الجنود المدرعة، تصل قيمتها إلى مليون دولار أمريكي، ويعد هذا أمراً مهماً للاقتصاد التركي ولمجال التصنيع العسكري على وجه التحديد.

كما أن اللبنانيين من أكثر مواطني الدول العربية سياحة إلى تركيا، وعلى سبيل المثال؛ فقد قال غسان المعلم، السفير اللبناني لدى أنقرة، في نوفمبر 2018م: إن مليون لبناني زاروا تركيا في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2018، وقد ذكر تقرير لوكالة "الأناضول" أن هناك أسباباً عديدة وراء تفضيل اللبنانيين للسفر إلى تركيا، أبرزها عدم وجود تأشيرة دخول (فيزا)، وتقديم مكاتب السفر اللبنانية عروضاً مغرية؛ إلى جانب شغف اللبنانيين بجمال الطبيعة التركية وعشقهم للتسوق هناك في ظل الأسعار المناسبة للجميع.

وفي مجال الكهرباء، تؤمن شركة "كارادينيز" التركية للطاقة، التي يوجد لديها 3 بواخر عبارة عن محطات طاقة عائمة مجهزة بأفضل التقنيات حوالي 35 – 40% من الكهرباء في لبنان، وبسعر أرخص من السعر الذي تعمل عليه معامل الطاقة القديمة في لبنان، علماً أن إجمالي عجز الكهرباء المتراكم في لبنان (من العام 1992 وحتى نهاية العام 2017م)، يبلغ 36 مليار دولار أمريكي، ما يمثل حوالي 45% من إجمالي الدين العام الذي بلغ 79.5 مليار دولار مع نهاية ديسمبر 2017م.

لا يخلو الأمر من إشكاليات

قبل شهرين تقريباً قرر مجلس الوزراء اللبناني منع دخول البسكويت والويفرز ومواد التنظيف التركية، وقد تم تبرير القرار بأنه قرار اقتصادي لحماية المنتج الوطني في ظل الأوضاع الاقتصادية اللبنانية، وأن تضاعف حجم الواردات من لبنان أصبح يهدد قطاعات إنتاجية في لبنان، على حد قول وزير الاقتصاد اللبناني السابق رائد خوري؛ مما استدعى ضرورة إعادة النظر بالميزان التجاري، وبحث سبل زيادة الصادرات إلى تركيا، ولهذا قام الطرفان بتفعيل اللجنة اللبنانية التركية المشتركة التي لم تجتمع منذ عام 2009م.

ومع تعيين وزير الاقتصاد الجديد منصور بطيش، أكد أن حكومته تولي اهتماماً كبيراً بالعلاقات التجارية مع تركيا، وقد تم نقض القرار السابق، وتم إعادة الاستيراد من تركيا مقابل إعادة استيراد حديد الخردة من لبنان.

لقد أكد وزير الخارجية التركي في زيارته الأخيرة دعم تركيا للبنان ومؤسساته الدستورية من جهة، كما أكد ضرورة التعاون الاقتصادي واهتمام الشركات التركية بالاستثمار في لبنان، خاصة في مشاريع البنية التحتية، كما تم الاتفاق على تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين البلدين، وترتيب عقد اجتماع قريب للجنة الوزارية العليا اللبنانية التركية المشتركة، وخلال اللقاء أبلغ الحريري الوزيرَ التركي أنه وقَّع مرسوماً يقضي برفع الحظر المفروض على استيراد بعض المنتجات التركية إلى لبنان.

ونبقى أن نشير إلى أن تركيا تدرك طبيعة السياسة المعقدة في لبنان، ولهذا فهي تحرص على التواصل مع كافة الأطراف الرسمية، وقد رأينا أن الوزير التركي قد عقد لقاءات منفصلة مع كل من الرئيس اللبناني ميشيل عون، ونظيره جبران باسيل، ورئيس مجلس النواب نبه بري.

وقد توترت الأجواء بعد كلام الرئيس اللبناني ميشال عون في الذكرى المئوية لتأسيس دولة لبنان الكبير الذي احتوى انتقادات للحقبة العثمانية في لبنان، واصفاً ممارسات الإمبراطورية العثمانية بإرهاب دولة؛ مما استدعى رداً تركياً من وزارة الخارجية، ردت عليه الخارجية اللبنانية باستدعاء السفير التركي؛ مما يشير إلى وجود صعوبات في طريق تقوية العلاقات، ومع وجود "حزب الله" الذي يعد حليفاً قوياً لإيران، فإن هذه صعوبة أخرى أمام تركيا لمزيد من النفوذ في لبنان.

ولكن يمكن لتركيا ولبنان أن يتعاونا في عدة قضايا أساسية في المنطقة، ويمكن أن يقدم كل منهما للآخر فرصاً وتحديات وتحتاج تركيا في إطار طموحها لدور إقليمي أكبر على وجه التحديد إلى إدارة علاقاتها جيداً مع لبنان بسبب تعقيداته.

الأربعاء, 28 أغسطس 2019 16:39

العسكر والحياة المدنية في تركيا


ذكرت وسائل إعلامية تركية مساء الأحد 26 أغسطس الجاري أن 5 جنرالات أتراك قدموا طلبات للإحالة إلى التقاعد بينهم مسوؤلون عن نقاط المراقبة شمال سوريا وقيل أن قرار الجنرالات جاء احتجاجاً على قرارات صدرت عن مجلس الشورى العسكري شملت ترقيات وتعيينات لم تعجب هؤلاء الجنرالات، وقد ذكرت مصادر إعلامية أخرى أن الاستقالة أو طلب التقاعد جاء بسبب اختلاف على الموقف الأخير الذي تعرضت له نقطة مراقبة تركية بالحصار في إدلب.
يقودنا هذا الحدث إلى نظرة أعمق إلى العلاقة بين العسكر والمدنيين في تركيا التي شهدت حقبة مهمة منذ 2002م إلى يومنا هذا في العلاقة بين العسكر والمدنيين حيث استطاع حزب العدالة والتنمية القيام بإصلاحات دستورية قام من خلالها بإعادة الجيش إلى الثكنات، وحد من تدخله في الحياة السياسية بشكل كبير مقارنة بالمراحل التي سبقت حزب العدالة والتنمية والتي شهدت عدة انقلابات وتحكم من الجيش في الحياة السياسية بحجة الدفاع عن الكمالية.
وقد استفاد حزب العدالة والتنمية من عملية مباحثات الانضمام للاتحاد الأوروبي وتطبيق شروط الاتحاد الأوروبي في ابعاد الجيش عن الحياة المدنية، وقد سهلت عملية التقارب من الغرب قبول الجيش لهذه الشروط بالإضافة إلى بعض الحوادث مثل حادثة ارغنكون وباليوز التي تم من خلالها احباط بعض المحاولات التي كانت تهدف للانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية التي كانت تكسب الشعبية عاماً بعد عام من 2002 حتى 2013م، كما استطاع حزب العدالة تغيير هيكلية مجلس الأمن القومي ليكون رئيسه مدنياً وليكون نصف أعضائه من المدنيين حيث تأسس المجلس بعد انقلاب 1961م وكان يتدخل بالحياة السياسية بشكل فج ويمارس الوصاية على كافة مؤسسات الدولة.
كان الانقلاب الفاشل في 2016م ضربة للجيش حيث تم تطهير الجيش من تنظيم غولن وأدت عملية التطهير إلى فرض رقابة مشددة على الجيش وإلى وجود حاجة لإعادة هيكلته مما سمح وفق بعض الآراء لبروز ضباط موالين للحكومة حيث أن نسبة كبيرة من جنرالات الجيش تم إحالتها للتقاعد أو للتحقيق بسبب العلاقة مع تنظيم غولن الذي وقف خلف الانقلاب.
بعد عام 2016م حضر الجيش ولكن ضمن سياقه الطبيعي في الدفاع عن حدود البلد حيث خاض عملية درع الفرات ضد تنظيم داعش الذي كان يشكل تهديداً شمال سوريا ثم في بداية 2018م عملية غصن الزيتون في عفرين ضد حزب العمال الكردستاني وفي عمليات أخرى في 2019م مثل عملية المخلب شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني أيضاً. وأرسل سفناً عسكرية لشرق البحر المتوسط وقوات عسكرية للصومال وسوريا والعراق وقطر وقبرص.
نشطت تركيا أيضاً في مجال التصنيع العسكري وانتجت طائرات بدون طيار ودبابات ومدرعات ومروحيات وتعتزم تصنيع طائرة نفاثة ومشاريع أخرى متعددة، وكانت تلك إشارة على وجود انسجام بين المدنيين والعسكريين تمثل في تعيين رئيس الأركان السابق خلوصي أكار والذي رفض المشاركة في الانقلاب وزيراً للدفاع في الحكومة الرئاسية التي يقودها الرئيس أردوغان.
لطالما وقف الجيش تاريخياً ضد حكومات أربكان ذي الخلفية الإسلامية وحاول التشويش على حزب العدالة في 2007م وقامت جماعة من الجيش بمحاولة انقلاب 2016م، ولكن بعد تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية بعد 2018م واحتمالات وجود خلافات حول السياسات الخارجية للحكومة يمكن أن يكون هناك انزعاج واعتراض من عدد من الجنرالات من داخل الجيش على سياسة الحكومة ولكن تبقى احتمالات وقوع انقلاب ضعيفة بسبب الرقابة على الجيش وحاجته لاعادة الهيكلة وبسبب رفض جنرالات كثر للانقلاب، والأكثر أهمية هو رفض الشعب التركي لأي انقلاب واستعداده للوقوف ضده.

توصل الجانبان التركي والأمريكي إلى اتفاق أوليّ بعد أن هددت تركيا بالهجوم على القوات الكردية شرق الفرات، وقد تمثل الاتفاق الذي جاء مع بعض المستجدات في التفاهم على ما يلي:

- إنشاء ممر سلام، ولكن لم يتم التوافق على عمقه، حيث تريد تركيا 30 كيلومتراً، بينما يريد الأمريكيون 15 كيلومتراً، وتريد تركيا عمق 30 لأنه يعطيها سيطرة على الطرق الرئيسة والمدن التي يسيطر عليها الأكراد مثل عين عيسى وغيرها.

- غرفة عمليات مشتركة.

- تدابير لضمان عودة السوريين للمنطقة الآمنة.

- تنفيذ الاتفاق تدريجياً.

وبالفعل، بدأ تنفيذ غرفة التنسيق المشتركة في مدينة أورفا، وسيتم إرسال دوريات مشتركة بعمق 5 كم بطول 150 كم باستثناء بعض المناطقة التي تتواجد فيها القوات الكردية، كما سيتم إنشاء 5 قواعد مشتركة، وتسعى أنقرة لتغيير الإدارة المحلية لمدينة عين العرب لتكون مشكَّلة من المكون العربي والكردي.

هناك جهود تركية لإنجاح الاتفاق مع واشنطن، ويبدو أن الجانبين اختارا العمل معاً، ولكن الأتراك مقتنعون أن الاتفاق أوليّ، وقد تشهد أي مرحلة فيه توترات، ولذلك لم يسقطوا أبداً احتمال أن المسار الذي تمارسه واشنطن لا يعدو كونه عملية إلهاء، لذلك تم إبقاء الحشود جاهزة على الحدود بانتظار إشارة من أردوغان لبدء العمليات ضد القوات الكردية، خاصة أن الأتراك تعرضوا للخداع والإلهاء من المفاوضين الأمريكيين بخصوص مدينة منبج في عهد إدارة أوباما.

هناك عامل جديد ما زال غير معروف في المحادثات الحالية؛ وهو أن الذي يدير المحادثات التفصيلية هي قيادة القوات الأمريكية في أوروبا، وليس قادة القوات المركزية الأمريكية المعروف عنها رفض التخلي عن القوات الكردية؛ وبالتالي ما زال الأتراك غير متأكدين من وجود فرق بينهما، وقد يكون هذا إحدى وسائل الإلهاء الأمريكية الجديدة، حيث إن ثمة رأياً يرى أن استخدام الأمريكيين لوحدات الحماية الكردية يأتي في سياق الإستراتيجية الأمريكية شمال سورية ولا يمكن التراجع عنه.

مستقبل وحدات الحماية

لا يشمل الاتفاق أي توافق على مستقبل الوحدات الكردية، ولذلك هناك 3 سيناريوهات لمستقبلها، كما يرى عدد من الإستراتيجيين الأتراك، وأولها شرعنة هذه القوات مع مرور الزمن من خلال الترويج الأمريكي أنها منفصلة عن حزب العمال، ومن خلال دعوات ليبرالية من داخل تركيا، ولكن تركيا غير مقتنعة بهذا المسار حالياً.

ويكمن الخيار الثاني في تنفيذ مقترح أردوغان وهو تصفية قوات سورية الديمقراطية من عناصر وحدات الحماية، وإبدالهم بقوات عربية وكردية من أبناء المنطقة، وهذا خيار يحتاج مباحثات طويلة، أما السيناريو الأخير فهو تصميم أنقرة على عملية تطهير عسكرية، وهذا الخيار يتطلب مباحثات موسعة.

يرى الأتراك أن الاتفاق الحالي في صالح تركيا في حال انسحبت واشنطن، كما أن تخلي واشنطن عن الأكراد الذين يهددون بالتوجه لروسيا والنظام في حال حدث ذلك سيكون في مصلحة تركيا؛ لأن الروس ليس لديهم الكثير ليقدموه للأكراد، كما أن الأتراك جاهزون وفق السيناريو الأخير لأي تراجع عن الاتفاق للبدء في عملية تطهير عسكرية للمنطقة، وهذا الخيار له تكلفته وحساباته.

ووفقاً لمصدر عسكري تركي، فقد قال: "لا يمكن اعتبار منطقة بعمق 10-15 كم مكسبًا؛ لأن وجود تنظيم "ي ب ك" سيستمر في شرقها وغربها، قد تجري تركيا دوريات مع الولايات المتحدة، لكن هذا لا يحقق الهدف السياسي، بمعنى أن التنظيم الإرهابي لن يصبح خارج اللعبة".

تسعى تركيا للتفاهم مع الأمريكيين، لكنها مستعدة لفشل المفاوضات وجاهزة لعملية عسكرية، ولكنها تفضل الحوار ولا تريد تخريب علاقاتها مع واشنطن تجنباً لعقوبات جديدة بعد إخراجها من برنامج "إف 35" على إثر حصولها على منظومة "إس 400"، حيث يتوقع أن يتم تطبيق عقوبات جديدة مع بدء تشغيل المنظومة.

ما زالت الخلافات بين أنقرة وواشنطن قائمة في ملفات أساسية وليست فرعية، ولعل الخيار الأرجح هو عدم التوافق على المدى المتوسط والبعيد، وأن الاتفاقات الأولية الجارية هي اتفاقات تكتيكية لمنع تركيا من شن عملية قوية على القوات الكردية، ولأن أنقرة لا تريد في هذه الفترة المزيد من العقوبات الأمريكية، وفي الوقت نفسه تعطي فرصة أخرى للمباحثات للوصول إلى أهدافها أو بعضها.

بينما ما زالت تركيا تواصل عملية المخلب شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، فقد هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشن عملية عسكرية ضد وحدات الحماية الكردية السورية في حال لم يتم إنشاء منطقة آمنة شمال سورية، وفي حال تواصلت التهديدات ضد أمنها.

في الحقيقة لا يوجد انفصال بالنسبة لتركيا بين وحدات الحماية وحزب العمال، حيث تعتبر تركيا أن وحدات الحماية هي امتداد لحزب العمال الكردستاني، وهي بمثابة تهديد على الأمن القومي التركي، وأن أي كيان تنشئه وحدات الحماية التركية هو مقدمة لتقسيم تركيا وخطر على وحدة أراضيها؛ ولذلك هي مستعدة حتى لتحدي الولايات المتحدة في هذا الأمر.

كانت آخر عملية قامت بها تركيا ضد وحدات الحماية في ربيع 2018م، حيث انتزعت منهم مدينة عفرين، وقبلها نفذت في عام 2016م عملية "درع الفرات" التي استطاعت بموجبها أن تنتزع مجموعة من الأراضي من وحدات الحماية.

وبالإضافة إلى هدف تركيا الأمني في المنطقة ضد وحدات الحماية، فهي تريد تطهير المنطقة لتجهيزها لعودة عدد من اللاجئين السوريين الذين بدأ يتم التعامل معهم كعبء في المرحلة الأخيرة في تركيا.

مشكلة تركيا أن وحدات الحماية تقع في قلب الإستراتيجية الأمريكية في سورية، حيث تريد واشنطن أن تصل لتفاهم مع تركيا مع بقاء اعتمادها على وحدات الحماية كقوات برية في المنطقة، وكأداة ضد تركيا وإيران، ولهذا عقدت جولات عديدة من المباحثات بين الجانبين الأمريكي والتركي، ورفضت تركيا كافة العروض الأمريكية السابقة؛ لأنها تقر بقاء وحدات الحماية، ولكن حالياً يدور الحديث عن تقديم عرض أخير من الأمريكيين إلى تركيا.

وقد كشفت صحيفة أمريكية أن العرض سيشمل عملية عسكرية مشتركة بين الجانبين لتأمين منطقة عازلة جنوبي الحدود التركية السورية بعمق 14 كيلومتراً، وبطول 14 كيلومتراً، سينسحب منها المقاتلون الأكراد، كما ستقوم القوات الأمريكية والجيش التركي بتدمير التحصينات الكردية، وتسيير دوريات مشتركة في المنطقة، وقد سبق أن رفضت تركيا عرضاً مماثلاً، وأصرت على مسافة بعرض 35 كيلومتراً، وينسجم هذا الموقف مع التهديد الحالي من الرئيس أردوغان الذي قال: إن بلاده "لا يمكن أن تظل صامتة مع استمرار الضربات الاستفزازية التي تأتيها من منطقة شرق الفرات"، مضيفاً أن لصبر تركيا حدوداً، "قمنا بعمليات في عفرين وجرابلس والباب (محافظة حلب)، والآن سنقوم بعملية شرق نهر الفرات في سورية".

المختلف هذه المرة أن واشنطن أقنعت وحدات الحماية الكردية وتحاول إقناع تركيا عبر تخويفها بالبديل، وهو سيطرة روسيا والنظام على هذه المنطقة، وكما يرى البروفيسور برهان الدين ضوران أن الأمريكيين يحاولون اللعب على وتر أن توقف قوات حزب العمال عملها ضد تركيا في داخل أراضي الأخيرة، وذلك بهدف أن تكون وكيلة بالنيابة عن الأمريكيين في سورية تستخدمها ضد إيران وروسيا وتركيا.

ولكن ما فشل الأمريكيون في إدراكه هو درجة التهديد الذي تشكله وحدات الحماية على تركيا شمال سورية على المدى المتوسط والبعيد، بمعنى أن تركيا لن تقبل بوجود أو كيان يهددها على المدى البعيد، ولكن على الجهة الأخرى، يفيد هذا الأمر بأن تركيا قد تقبل بحل ما على المدى القريب، خاصة وأنها غير راغبة في تصعيد الخلاف مع الولايات المتحدة خاصة بعد أزمة منظومة "إس 400" الروسية والخلافات المتوقعة شرق المتوسط.

إن قبول تركيا بحل ما على المدى القريب شرق الفرات يعتمد على ما ستقدمه واشنطن في المباحثات وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، ولكن مع ذلك يبقى استعداد تركيا لاحتمال فشل المباحثات بضربة عسكرية على وحدات الحماية وبتحدٍّ للإرادة الأمريكية.

الصفحة 1 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top