سُمعة الهند.. من يتجرأ على تدنيسها؟!

15:17 18 مايو 2020 الكاتب :   نيودلهي- د. رضوان أحمد رفيقي (*)

تسخّر الحكومة الهندية كل إمكانياتها وطاقاتها لتسويق الهند على أنها دولة رائدة عالمياً، ولا يتوقف القادة والزعماء ومنع يقف خلفهم في السلطة عن النفخ في بالونات الإعلام والاتصال بالهند أصبحت "وشو غرو" أو قوة عظمى.

ونحن الأقلية المسلمة في الهند سنكون في مقدمة المصفقين والمهللين لبلدنا ووطننا إذا ما أصبح بالفعل دولة رائدة عالمياً في كل المجالات، ولكن بشرط أن تكون الريادة حقيقة على أرض الواقع، وليس مجرد أفكار وخيالات يروّجها زعماء سياسيون في الحكومة، وقادة منظمة "آر إس إس" (الحركة الأم) التي تدير الحكومة من وراء الستار، وقد احتضنت وهيمنت على الإعلام المحلي بهدف ضمان استمرار هذه الحكومة في السلطة إلى أجل طويل، وأن تنفذ الحكومة مخططات وأجندة المنظمة السرية التي لم تبدِ أنيابها حتى الآن.

لا يخفى على من له إلمام ولو بسيط في الشؤون الهندية أن الحكومة فشلت على كل الجبهات، وأن الحقيقة تتحدث عن نفسها على أرض الواقع، فقد تبعثرت الوعود الانتخابية كأوراق الخريف حتى إن رئيس الوزراء ناريندرا مودي نفسه لن يَعُد يتذكر أو لا يريد أن يتذكر تلك الوعود الخاوية التي وصل بسبها إلى ذروة السلطة.

فقد كشف انتشار فيروس كورونا، وما صاحبه من المشكلات على الساحة الهندية، عن سوأة الحكومة، حيث عمَّ الإحباط مختلف فئات المجتمع وتبخرت آمال المواطنين الهنود وأحلامهم على كل صعيد، وإذا كان يمكن للإعلام الهندي خداع البسطاء من الهنود باسم العصبية القومية المتطرفة، فإنه لا يستطيع خداع العالم كله. 

لقد رفضت الحكومة الهندية بكل صلافة وغطرسة تقرير لجنة الحريات الدينية الدولية (USCIRF) الأخير، الذي كشف عن صورة حالكة الظلمة للحرية الدينية في الهند، كما رفضت انطباعات مفكرين خليجيين عن أحوال المسلمين في الهند، وذهب وزير في الحكومة الهندية إلى وصف وضع المسلمين بأنهم يعيشون في جنات النعيم، وذلك في معرض رده على الانتقادات الدولية بشأن اضطهاد الأقلية المسلمة، لكنه لا يعرف أن هذا الرفض والتنكر لقيم الحريات العالمية يشوّه صورتنا، ويضر بسمعتنا المبنية على أساس أننا أصحاب ديمقراطية أصيلة، لها تاريخ مشرق في الحريات الدينية.

لقد وصفت لجنة الحريات الدينية الدولية حالة الأقليات في الهند بالتفصيل، لا سيما أحوال المسلمين مع التركيز على التحديات التي يوجهونها في حرياتهم وإثبات جنسيتهم الذي يفرضه قانون تعديل المواطنة (CAA)، ونية الحكومة التي أكدها وزير الداخلية أميت شاه بعرضه على البرلمان لإقراره والجلسات الانتخابية، إلى جانب قانون السجل الوطني للمواطنين (NRC)، وأورد تقرير لجنة الحريات الدينية الدولية تهديدات قادة الحكومة وزعماء الحزب القوي الهندوسي الحاكم " بهاراتيا جاناتا" لفئة محددة من المواطنين يسمونهم "المتسللين"، ويدعون بصراحة لطردهم من البلاد وتهجيرهم.

وأوصت لجنة الحريات الدينية الدولية (USCIRF) بوضع الهند على قائمة الدول التي تخضع للرقابة (CPC) من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بما يتعلق بالحريات الدينية، وذلك بعد استعراض أفكار وتصريحات كبار المسؤولين الهنود التي يعربون من خلالها على عنصرية دينية قاتمة تجاه الأقلية المسلمة.

لقد تضاعفت الحملات العنصرية المنظمة ضد الأقلية المسلمة بالهند في زمن كورونا، فمع زيادة جرعة سموم الكراهية التي تبثها القنوات الإعلامية بمختلف أشكالها ليلاً ونهاراً، تزايدت حالات القتل والضرب والتشريد في مختلف أنحاء البلاد، كما استُهدف مفكرون ورموز العمل الإسلامي مثل د. ظفر الإسلام خان، رئيس مفوضية الأقليات في عاصمة دلهي، وأمير جماعة التبليغ الشيخ محمد سعد، وبينما يوظف المسؤولون، في الحزب الحاكم والحكومة على حد سواء، خطاب الكراهية لمصاح سياسية ضيقة تسمح الحكومة بانتشار جرائم الكراهية، إن لم تكن متواطئة ومتعاونة، لاستمرار إحكام قبضة فئة عنصرية على السلطة.

لقد آن الأوان كي تصحو الحكومة الهندية من غيها، وتأخذ بعين الاعتبار توصيات لجنة الحريات الدينية الدولية ومواقف المفكرين والعقلاء في الداخل والخارج، وتصحح مسارها لتكون الهند حقيقة دولة كل الهنود، عندها يمكننا أن ننهض جميعاً لبناء قوة عظمى، أما إذا أصرت الحكومة على الضرب بعرض الحائط الأفكار الإنسانية البناءة، فإن الغالبية قبل الأقلية سوف تكون معرضة لمسخرة الأمم.

قال تعالى: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) (ص: 3) صدق الله العظيم.

 

__________________________________

(*) باحث هندي، الأمين العام للأكاديمية الإسلامية في دلهي.

عدد المشاهدات 1634

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top