اتجاهات السياسة في ليبيا بعد ثورة فبراير

11:08 19 يوليو 2012 الكاتب :  

رغم امتلاك ليبيا ثروة نفطية هائلة، فإنها لم تتمكن من الاستفادة الكاملة من هذه الثروة، فقد ظلت سلطة الدولة ضعيفة على إدارة موارد الطاقة لما يقرب من عدة أشهر، وهو ما يثير التساؤل عن التغيرات التي شهدتها عملية إعادة بناء الدولة خلال فترة ما بعد اندلاع ثورة فبراير.

ولدى مناقشة تطور واتجاهات السياسة في ليبيا، لابد من الأخذ في الاعتبار مدى قدرة السلطات على وضع سياسات تستوعب تطلعات المجتمع تجاه الدولة، حيث إن تطور الأداء خلال الفترة الانتقالية، يمكن التعبير عنه بمؤشرات استقرار المؤسسات وحزمة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، فتضافر هذه المعايير يساعد في تحديد مسار واتجاه السياسة في ليبيا.

أداءالحكومة

على مستوى أداء الحكومة، ظلت سياسات تكوين الجهاز الإداري للدولة غير واضحة الاتجاه، فخلال العامين الماضيين لم يحدث تطوير للبنية التشريعية بمستوياتها المختلفة، فالقوانين واللوائح المعمول بها ظلت موروثة من النظام السابق، وذلك على مستوى سياسات الأمن والاقتصاد والتشريعات الاجتماعية، فالقوانين واللوائح التي صدرت يمكن تصنيفها في إطار؛ التشريعات الضرورية للفترة الانتقالية، وتلك التشريعات المتعلقة بالظروف الطارئة والإصلاحات المحدودة، وهنا يمكن أن نذكر قانون العزل السياسي، وقانون انتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ويضاف إليها قانون علاوة العائلة.

ولا يختلف الوضع في حالة اللوائح المنظمة لعمل الأجهزة الحكومة، فكثير منها ارتبط بتصحيح بعض الأوضاع الإدارية، لكنها لم تضع إطاراً كلياً لتطوير المؤسسات العامة، فقد ارتبطت هذه الإصلاحات بتعديلات محدودة في سياسات الأجور والرواتب، لكنها لم تضع رؤي أو إستراتيجية للانتقال نحو المؤسسية الحديثة وتكوين شبكة جديدة من العلاقات الإدارية تساعد في تكوين الشروط اللازمة للتنمية.

وقد ساعد على تفاقم المشكلات، اتجاه الحكومة لتبني سياسات اقتصادية انكماشية لا تساعد على الإسراع بمعدلات النمو وبناء المؤسسات أو معالجة المشكلات الاقتصادية، حيث يشير الكثير من تقديرات الإنفاق العام لتباطؤ الصرف على بنود الإنفاق في المؤسسات العامة، بشكل يغطي الإنفاق الاستهلاكي ولا يرقى لتغطية الإنفاق على الجوانب الاستثمارية في القطاعات الاقتصادية أو الرأسمال الاجتماعي، وهنا تبدو إشكالية التعامل مع الفوائض المالية المتحققة والتخطيط للموازنة العامة خلال السنوات القادمة.

وفي ظل هذه الظروف، تصاعدت حالة القلق والتوتر في ليبيا منذ اندلاع الثورة، فبينما ثار تنازع بين القبائل والأحزاب السياسية حول أولويات المسار السياسي، فقد تصاعدت مطالب الأقليات الإثنية وحوادث الاغتيال الغامضة، وتكمن أهمية هذه القضايا في أنها تثير النقاش حول سياسات بناء الدولة وأجهزتها واستكشاف الأخطار التي تواجه مرحلة الانتقال للمؤسسات الدائمة.

وقد تنوعت حوادث الاغتيال، بحيث صارت لا تقتصر على الدوافع السياسية، وإنما ظهرت أنواع أخرى تتقارب مع تصنيف الخصومات الشخصية، غير أن ثمة حوادث لم تتضح أبعادها، وخاصة تلك التي استهدفت شخصيات عامة لا تنتمي لتيارات سياسية وغموض أهداف مرتكبيها، ومن اللافت أن هذه النوعية تكررت بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، ومن الملاحظ أن مسرح العنف لم يقتصر على منطقة دون أخرى.

وفي هذا السياق، يمكن تناول أحداث «غرغور» (طرابلس) في 15 نوفمبر 2013م، سوف تنعكس آثارها على المسار السياسي الانتقالي، وكذلك فيما يتعلق بانتخابات الهيئة التأسيسية ووضعية المؤتمر الوطني، فمن جهة تواجه الدولة مشكلة دستورية تتعلق بمصير المؤتمر الوطني، كما تواجه في ذات الوقت مشكلة إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية على مستوى البلاد، والتقدم باتجاه حل أو تسوية أي من هذه الملفات يؤثر بشكل مباشر على مسار التحول السياسي، خاصة في ظل حالة استقطاب ما بين القوى والأطراف المؤيدة للمسار الثوري، وتلك التي تتلاقى مصالحها مع النظام السابق ومعارضي الكتائب المسلحة، واتخذ الصراع طابعاً سياسياً.

وكان من المفترض أن يشكل «مؤتمر باريس للأمن في ليبيا» (2013م) قاطرة مهمة في إعداد السياسة الأمنية في ليبيا، حيث تشكلت رؤية لبناء سياسات الأمن بما فيها إعادة تأهيل المؤسسات وتوفير الخبرات المختلفة والتي تشمل تسهيلات التدريب، غير أن ما توصل إليه اجتماع باريس لقي انتقادات كثيرة من عدة أحزاب سياسية، وذلك باعتباره تدخلاً في الشؤون الداخلية، وحتى الوقت الراهن ظل تأثيره محدوداً في سياسات الأمن في ليبيا، بحيث يمكن القول: إن مساهمات المؤتمر (أصدقاء ليبيا) عملت بشكل غير مؤسسي وغير منتظم.

وتكشف هذه الأحداث عمق الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، حيث يمكن القول: إن تفاقم المشكلات الأمنية هو نتيجة لبطء المسار السياسي، فمنذ سقوط النظام السابق في أكتوبر 2011م، ظلت الدولة تواجه مجموعة من المشكلات، لعل أهمها أن المؤسسات الانتقالية تفتقر للحيوية والقدرة على التصدي لمتطلبات إعداد الدولة لمرحلة الانطلاق والبناء.

المؤتمرالوطنيالعام

منذ تأسيسه، تمكن «المؤتمر الوطني» من التقدم باتجاه استيعاب مطالب الأقليات وصياغة قوانين العزل السياسي والهيئة التأسيسية والعدالة الانتقالية، لكن هذه السياسة واجهت البطء في إنجازها؛ مما أدى إلى بروز مطالب لبعض المكونات الاجتماعية والإثنية تطالب بوضع إطار جديد يتيح الفرصة لإعادة تعريف فكرة العزل السياسي وتعديل مسار الفترة الانتقالية.

ولكنه مع اقتراب نهاية الفترة الانتقالية، تشهد ليبيا جدلاً حول مقصد المشرع من الإعلان الدستوري، والتي تتعلق بالسطة التشريعية، فبعض الاتجاهات السياسية والقبلية يذهب لانتهاء المؤتمر في 7 فبراير 2014م، فيما أنها تفيد استمرار المؤتمر حتى الانتهاء من الدستور وانتخاب سلطة تشريعية جديدة.

ومن الملاحظ أن المواقف والآراء السياسية التي ظهرت خلال فترة ما بعد تكوين المؤتمر الوطني، صارت تميل للتقليل من الدور السياسي للأحزاب، وقد انعكس هذا التناول في جانبين؛ الأول: هو ما يتعلق بالسعي لهز مشروعية المؤتمر بسبب هيمنة الأحزاب السياسية عليه، ولذلك انتشرت مطالب بسحب أعضاء الأحزاب في المؤتمر حتى يكون مستقلاً عن التجاذبات الحزبية، أما الجانب الثاني: فهو ما يتعلق بتجميد عمل الأحزاب أو حلها انتظاراً للانتهاء من صياغة الدستور وإعداد قانون ينظم عملها، كما أخذ الهجوم على الأحزاب شكلا آخر، وذلك عندما ظهرت دعوات لعدم اختيار أعضاء الأحزاب في المناصب السياسية لإبعاد سيطرة الأحزاب عليها، وهذه المناقشات تعكس جوانب التنافس والصراع ما بين القبائل والأحزاب السياسية.

لعل الإشكالية المهمة هنا تتعلق بمستقبل المؤتمر الوطني، فمن المتوقع أن تكون هذه الجزئية محل صراع عنيف خلال الأيام القادمة، فالصراع حول المؤتمر لا يرتبط فقط بمستوى أدائه، ولكن ظهرت بعض المبادرات التي تطالب بإعادة تشكيل المؤسسة التشريعية، بحلول 7 فبراير 2014م، والبدء في مرحلة جديدة وفق أي من المبادرات المطروحة والتي تقترح إجراء تعديلات على دستور 1951م، وإسناد السلطة التشريعية للهيئة التأسيسية وانتخاب مجلس تشريعي جديد.

نزاعات واستقطاب: وقد ارتبط التعثر التشريعي، بضعف المؤسسية في صناعة القرار، وهي مسؤولية مشتركة ما بين المؤتمر الوطني والحكومة، انعكست آثارها على المسار الانتقالي، فقد عانت المؤسسات الانتقالية من ضعف استقرار المؤسسية، وهو ما يتضح في بعض المؤشرات؛ كتغيير رئيس المؤتمر مرتين (محمد المقريف، ثم نوري أبو سهمين)، وكذلك تداول رئيسين للوزارة (مصطفى أبو شاقور، وعلي زيدان)، وذلك خلال فترة لا تتجاوز العام الواحد من عمر هاتين المؤسستين، ويضاف إليها، تسارع معدل تغيير الوزراء والمسؤولين التنفيذيين.

ووفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول ليبيا (5 سبتمبر 2013م)، أدى تزايد حدة الاستقطاب السياسي لخفض فاعلية المؤسسات وتباعد المواقف السياسية بشأن مستقبل الدولة، فمسيرة قانون العزل عكست الكثير من التناقضات والخلافات بين الأطراف الليبية.

وهنا يمكن تفسير الجدل حول مساعي تغيير الحكومة باعتبارها نتيجة لتباطؤ الأداء خلال الفترة الماضية، وهو ما قد يرتبط بتداخل الصلاحيات ما بين المؤتمر والحكومة.

وبجانب عدم الوضوح في السياسة التشريعية أو السياسات العامة، حدث نزاع ما بين قطاع واسع داخل المؤتمر وبين الحكومة حول سياسات إدارة الدولة وعمليات صنع القرار، ورغم أن النزاع يستند لعوامل موضوعية تتعلق بانخفاض معايير الأداء في سياسة الأمن وتأخر تدشين مرحلة بناء المؤسسات وتزايد الجدل حول مسار الفترة الانتقالية، فقد استمرت الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية دون حل ولم تُطرح أفكار أو سياسات تتصدى لأزمت الانتقال السياسي.

لعل المشكلة التي تواجه سياسات بناء السلطة والدولة تكمن في عدم التوصل لرؤية متماسكة للمستقبل السياسي وإستراتيجية وبناء المؤسسات في ظل تزايد فاعلية الكيانات والبنى التقليدية.

عدد المشاهدات 5388

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top