عيد الفطر على وقع تحديات راهنة

11:34 20 يونيو 2018 الكاتب :   الشيخ طه سليمان عامر (*)

وفارَقنا شهرُ الصيام بعد أن لقَنَنَا دروسا وعلَّمنا أحاديثا وألهمنا أفكاراً وغرس فينا معانى افتقرنا إليها، ورحل عنا بعد أن ترك وصاياه الأخيرة وأهمها مراقبة المولى تبارك وتعالى.

ووسط التحديات التي تحيط بمسلمي أوروبا عامة وألمانيا خاصة، التي تتمثل في زيادة معدلات الكراهية والتمييز ضد المسلمين والحد من الحريات المتاحة في عديد من الدول الأوروبية نجد سؤالا مُلِحَّا يفرض نفسه علينا هنا وهو: كيف نتعامل مع هذه التحديات؟

أتصور أننا لو تحققنا بصيام شهر رمضان المبارك وفَقِهنا معاني الصيام ومقاصده وأسراره فإننا سنهتدي إلى حلول كثيرة لمشكلاتنا الخاصة والعامة.

وسأقف هنا مع أربعة دروس من شهر الصيام ومن واقع ما عايشناه في العديد من المدن الألمانية حتى نتجاوز كثيراً من العقبات ونحقق المعادلة الصعبة في بناء الأجيال الناشئة في ألمانيا: "مسلم ألماني ملتزم بالإسلام منتمي بألمانيا وأوروبا وللإنسانية".

هناك أربعة دروس:

1- التقوى:

والآيات والأحاديث فيها كثيرة.

إن تحققنا بتقوى الله جل في علاه فقد استمطرنا العون والتوفيق والتسديد في أقوالنا وأعمالنا، وقد حرص السلف الصالح على تأكيد العلاقة بين الذنوب والمصائب التي تحل بنا، ولا ريب فقد وجَّه القرآن الكريم الصحابة وهم خير جيل حول ربط الهزائم بالمعصية وإن دقت (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {165}) (آل عمران).

وقال بعض السلف: "إني لأعرف رضا الله من سخطه في خُلق امرأتي ودابتي".

إذن الرسالة هنا: فَتِّش عن حالك مع الله، عن توبتك، عن قيامك بالليل، عن صدقتك، عن كفك عن المحارم، عن إغاثتك للمظلومين ونصرتهم، فهو المعيار الدقيق لحالنا ومآلنا.

فإن تعودنا في مدرسة الثلاثين يوماً الكف عن المباح قربى لخالقنا فينبغي أن نستحضر معية الله دوماً.

والمسلم الذي ترسخت في نفسه مراقبة الله في السر والعلن فلن يغش ولن يخدع ولن يعتدي على مال أحد، ولن يأخذ مالاً حراماً ولا يؤذي إنساناً في دينه أو نفسه أو كرامته.

ومسلم يتحقق بمقام التقوى لهو من أهم عوامل ترسيخ السلام الاجتماعي داخل ألمانيا.

2- الوحدة ولزوم الجماعة:

وإن اختلفنا في بداية صوم رمضان فإن المساحات الشاسعة بين الأمة جسدت معنى الوحدة وروح الجماعة، فطبيعة الصوم واحدة، ومشاعر تَرَقُب ساعة الإفطار واحدة، وفرحة الصائم عند فطره إلى غير ذلك من المظاهر التي تأخذ بمجامع القلوب.

إذا أردنا المحافظة على وجودنا الإسلامي بألمانيا وتأكيد هويتنا فيجب أن نستفيد من التفافنا حول المرجعيات التي تمثل المسلمين وتعزيزها ونبذ كل خلاف أو حظ نفس، والآيات والأحاديث الحادية لنا على الوحدة والاعتصام بحبل الله كثيرة.

3- التائبون الجدد ودورنا معهم:

يشهد شهر رمضان ميلاد كل خير ولا ريب، فشهرٌ نزل فيه القرآن جدير بأن تهوي له أفئدة من الناس، وقد شهدنا مجالس العائدين إلى الله المؤمِّلين في عفوه ومغفرته، الراجين رحمته والراغبين في جنته، ولكننا بعد شهر رمضان نعاني فتوراً وبُعْداً، ونقول: إذا فرحنا بتوبة وعودة من عاد فعلينا أن نديم التواصل معهم، وخاصة جيل الشباب، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة من يترددون على المساجد في ألمانيا من الشباب لا تتجاوز 4%، وهذا مؤشر خطير وله دلالاته التي تُحَتِّم علينا الإبداع في الوسائل الدعوية وإعادة صياغة لغة الخطاب بما يراعي الواقع وتحدياته وهموم الشباب.

4- الانفتاح على المجتمع:

"تَعَرَّف علينا عن قُرْب".. كان هذا هو الشعار الحقيقي لرمضان هذا العام، فقد شهدنا في العديد من المدن الألمانية تنظيم إفطارات كثيرة على مستويات متعددة حضرها الساسة والوزراء ورجال الدين والشرطة والأحزاب السياسية، وقد غمرت بعض الساحات ألوف المسلمين وغير المسلمين ونقلت وسائل الإعلام هذه الإفطارات وسط ترحيب شديد من كثير من الألمان وحذر وتوجس من بعضهم.

والجدير بالذكر: ما شهدناه في الأعوام الأخيرة من ترحيب ومشاركة وتهنئة من كبار المسؤولين الأوروبيين بدخول شهر رمضان وعيد الفطر، كتهنئة الرئيس الألماني ورئيس وزراء كندا وغيرهما، مما يؤكد أن المساعي من أجل العيش المشترك التي يبذلها المسلمون أثمرت وستثمر مع مزيد من الجهود.

الدرس هنا: أننا بحاجة للتعريف بأنفسنا وبشعائرنا والسعي الدؤوب لكسب المزيد من الأصدقاء وتبديد مخاوف من يظنون بنا الظنون وتعمل في أنفسهم الأراجيف، وليس أمامنا إلا الانفتاح على مَن حولنا والحضور المجتمعي في مناسباته المتنوعة، ومساهمتنا في رفع معدلات الإنتاج والبناء والتطوير، مع حفاظنا على ما يتعلق بالخصوصية الدينية لنا.

لا ريب أن كثيرين من الأوروبيين ما زالوا يجهلوننا، وفي الوقت ذاته يجهل كثير من المسلمين المجتمع وطبيعته وعاداته وثقافته، وهذا ما يستدعي جهوداً متواصلة لا تعرف القعود من أجل وطن فسيح يجد كل مواطن فيه نفسه ويعيش متسامحاً ومتصالحاً مع الجميع.

وأخيراً، أؤكد أن الفرص المتاحة أمامنا أكبر من العقبات والصعوبات، والمساحات التي تجمعنا بالناس جميعاً أوسع بكثير من مناطق الاختلاف، وجوهر الإنسان لا يتغير أبداً، فهو هو تأسره الكلمة الطيبة، والوجه الطَلق، والسلوك النبيل.

كل عام وأنتم بخير.

 

 

(*) رئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا.

عدد المشاهدات 874

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top