"مسجد بابري" وسوابق تاريخية في انتزاع مساجد المسلمين بالهند

12:32 18 أكتوبر 2019 الكاتب :   وكالات

في سوق لاندا المزدحم بمدينة لاهور التاريخية بباكستان، يقع مبنى أبيض من طابقين ذو قبة صغيرة، يرفرف بجانبه علم ديني لطائفة "السيخ".

في ذلك المبنى، الذي لا يكاد يزوره أحد، يدأب كاهن من السيخ يوميا على إخراج نسخة من الكتاب المقدس عند السيخ والذي يعرف بـ"جورو جرانث صاحب" ويقرأ منه، قبل إعادته إلى غرفة خاصة.

تاريخ المبنى المعروف باسم شهيد جانج جوردوارا (أو معبد السيخ) يشبه إلى حد بعيد النزاع بشأن مسجد بابري، الذي يقع في مدينة أيوديا بولاية أوتار براديش شمالي الهند. وتم هدم ذلك المسجد على يد حشود هندوسية متطرفة في 6 ديسمبر/كانون الأول 1992، وأقاموا معبدًا هندوسيا مؤقتا على أنقاضه.

وبينما أشارت المحكمة العليا الهندية إلى أنها ستُنهي أقدم نزاع قضائي بين المسلمين والهندوس في العالم، بحلول نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لتحديد ما إذا كان موقع مسجد بابري ينتمي إلى الهندوس أم المسلمين، فإن الخبراء القانونيين الذين يمثلون الأطراف المسلمة يستشهدون بقضية "شهيد جانج جوردوارا"، سعياً لاستعادة المسجد لإقامة الصلوات به مرة أخرى.

نزاع مسجد بابري الذي بدأ عام 1853، عندما زعم الهندوس لأول مرة أن الموقع مملوك لهم، قد أثر على حياة ملايين الأشخاص نتيجة تفجر أعمال عنف واسعة.

ويدعو الهندوس إلى بناء معبد في المكان بدعوى أن الملك راما الذين يعتبرونه "إلها" قد ولد فيه، منذ آلاف السنين.

وبنى المسجد القائد العسكري للإمبراطور المغولي بابور مير باقي في عام 1528.

وتشير السجلات الأولى للمحاكم إلى أنه في عام 1885، رفض قاض بريطاني في محكمة فايز آباد التماسا هندوسيا.

ووصلت القضية مرة أخرى إلى المحكمة في عام 1949، لكن هذه المرة من قبل المسلمين الذين دافعوا عن إزالة تمثال للملك راما، حيث قام بعض الهندوس بتوسيع الجدار المحيط بالمبنى في جوف الليل، ووضعوا التمثال داخل حرم المسجد.

ولاحقا أصبحت هذه القضية محل نزاع طغت عليه الصبغة السياسية.

فإلى جانب إنهاء الوضع الخاص لجامو وكشمير، جعل حزب بهاراتيا جاناتا، الحاكم في الهند، بناء معبد رام الكبير في موقع مسجد بابري قضية انتخابية منذ عام 1985.

وفي أوائل التسعينيات، أطلق الحزب حركة أخذ نشاطها يتطور وبلغ ذروته بهدم المسجد.

وأشارت هيئة المحكمة الدستورية المؤلفة من خمسة قضاة في محكمة أبيكس، برئاسة كبير القضاة رانجان جوجوي، إلى أنها ستستكمل جلسة الاستماع حول القضية بحلول 18 أكتوبر/تشرين الأول وستصدر حكما بحلول 17 نوفمبر/تشرين الثاني.

** "شهيد جانج" من مسجد إلى معبد للسيخ

"شهيد جانج"، في لاهور الذي شيده عبد الله خان، في عهد الإمبراطور المغولي شاه جاهان العام 1653، كان مسجدًا حتى عام 1799، حين استولى جيش السيخ بقيادة مهراجا رانجيت سينغ على المدينة.

ويقول المؤرخ أ. ج. نوراني، إن "وحدة من جيش السيخ اقتحمت المسجد في ذلك الوقت وحولته إلى معبد للسيخ".

وفي عام 1849، عندما سيطر البريطانيون على لاهور بانتصارهم على إمبراطورية السيخ، طالب المسلمون بعودة المسجد. وبعد عام من ذلك، طرق إمام المسجد نور أحمد، أبواب المحكمة، مطالبا باستعادة المسجد الذي تم تحويله بالقوة إلى معبد للسيخ.

وقد نجح في إقناع القضاة من خلال تقديم وثائق تفيد بأن الموقع كان في الأصل مسجدًا قبل عام 1799، وكانت هناك صلوات منتظمة تقام فيه، حتى تم حظر دخول المسلمين من قبل جيش السيخ.

لكن المحكمة استنادًا إلى قانون التقادم، رفضت الطلب وتساءلت عن سبب التأخر لمدة 51 عاما للمطالبة بالمسجد.

وفي 25 يونيو/حزيران 1855، قدم نورع أحمد دعوى أخرى ضد السيخ، وتم رفضها أيضًا، ووصلت القضية إلى القضاء الأعلى الذي أيد أمر قاضي لاهور.

ورفض مجلس الملكة الخاص، ومقره لندن، وهي أعلى محكمة استئناف خلال الحقبة البريطانية في القضية، مطالبة المسلمين باستعادة المسجد في 2 مايو/أيار 1940.

وينص قانون التقادم الذي وضعه البريطانيون ثم اعتمدته الهند في عام 1963، على فترة أقصاها 12-30 عامًا للمطالبة بالممتلكات.

ووفقًا للمحامي أنوبهاف باندي، فإن الهدف من هذا القانون هو أن "الخلافات تقتصر على فترة زمنية محددة ، خشية أن تصبح أبدية".

وفي الفترة من عام 1850 إلى 1935، شهدت لاهور والمناطق المجاورة لمقاطعة البنجاب أسوأ أعمال عنف طائفية، بين السيخ والمسلمين في شهيد جانج.

وفي عام 1935، اقترح حاكم البنجاب البريطاني، السير هربرت إيمرسون، أن يتم تسليم الموقع إلى قسم الآثار ليتم إعلانه كموقع محمي، كوسيلة لتسوية المنازعات.

وعندما كانت القضية قيد المناقشة، قام حشد من السيخ في جوف الليل بهدم الهيكل، وأزالوا آثار مسجد.

** الإيمان مقابل قانون التقادم

ويوثق نوراني أنه عندما انطلق حشد من المسلمين من مسجد بادشاهي التاريخي في لاهور للوصول إلى شهيد جانج، أطلقت الشرطة النار على الحشد، وقتل الكثير من المسلمين وفُرض حظر التجول في المدينة ومناطق شاسعة من البنجاب.

وفي عام 1925، صدر قانون بإدراج شهيد جانج جوردوارا كمزار للسيخ.

ويقول نوراني: "في عام 1936، عندما تولى الحزب الوحدوي، بالتحالف مع الرابطة الإسلامية، السلطة في البنجاب، قدم أعضاء الجمعية التشريعية قرارًا بإلغاء حكم المحكمة، لتسهيل تسليم الموقع للمسلمين. ولكن مؤسس باكستان محمد علي جناح تدخل وقال للقادة المسلمين إن ذلك الأمر سيفتح صندوق باندورا (صندوق الشرور في الأساطير الإغريقية) في جميع أنحاء الهند".

ورجح الصحفي والباحث المحلي أكشاي موكول أن التقاضي بشأن "شهيد جانج" كان يشبه إلى حد كبير الدعوى التي جري التنازع عليها بشأن مسجد بابري.

وبعد سبع سنوات من حكم مجلس الملكة الخاص، تم تقسيم الهند، مما أدى إلى إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية.

لكن "شهيد جانج" ما زال يقف في نفس الموقع ويستضيف الزوار السيخ القادمين من الهند ودول أخرى.

ومطلع يناير/كانون الثاني الماضي، قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إن أي قرار حول الخلاف بين المسلمين والهندوس بشأن أرض مسجد "بابري" شمالي البلاد، سيجري تقييمه عقب صدور حكم القضاء.

ويدعي الهندوس المتطرفون أن المسلمين هدموا في القرن السادس عشر معبدًا للملك "راما" في ولاية "أوتار براداش" شمالي الهند، وبنوا مكانه مسجد "بابري".

ويطالب المسلمون ببناء مسجد جديد مكان مسجد "بابري" الذي يعود تاريخه إلى عام 1526، في حين يدعو الهندوس إلى بناء معبد في المكان بدعوى أن الملك راما الذين يعتبرونه "إلها" ولد فيه.

ويستمر الخلاف بين الطرفين في القضاء منذ نحو 70 عاماً دون الوصول إلى قرار بهذا الخصوص.

يشار أن المسلمين يشكلون أكبر أقلية في الهند، ويمثلون نحو 14 بالمائة من التعداد السكاني للبلاد البالغ 1.5 مليار نسمة.

عدد المشاهدات 885

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top