شهادة مروعة على ما تفعله الصين بالمسلمين في معسكرات «إعادة التثقيف»

16:45 23 أكتوبر 2019 الكاتب :   وكالات

في أحد معسكرات الاعتقال الذي تقيمه الصين لأكثر من مليون من أبناء أقلية الإيجور المسلمة بإقليم تركستان الشرقية (شينجيانغ)، وهي في الحقيقة معسكرات التعذيب في الصين، يتم اغتصاب السجينات يوميًا، وإجبار السجناء على تناول لحم الخنزير، فيما يتم إجراء تجارب طبية عليهم جعلت البعض يفقد عقله، ونساء ينقطع عنهن الحيض، كل هذا تحت اسم "إعادة التثقيف".

كانت هذه معلومة واحدة صادمة جاءت ضمن شهادة السيدة "سايرغول سايوتباي" (Sayragul Sauytbay)، والتي فرت من معسكر الاعتقال، معسكرات التعذيب في الصين.

20 سجينًا يعيشون في غرفة ضيقة، مقيدين بالأغلال، حليقي الرأس يتم مراقبتهم بكاميرات مثبتة بالسقف، فيما يتم استخدام دلاء في زوايا الغرفة لقضاء الحاجة. في السادسة صباحاً يبدأ الاستيقاظ. يتعلم الأسرى المسلمون اللغة الصينية، ويحفظون أغاني تمجد الشيوعية ويعترفون بأخطاء لم يرتكبوها. بينهم فتيان ومسنون. الوجبات هزيلة وفقيرة ليست سوى حساء معكر وقطعة من الخبز.

في تلك الغرفة المعروفة بـ "الغرفة السوداء" تتم عمليات التعذيب بالمسامير وخلع الأظافر، والصعق بالكهرباء، الجميع يتعرض للعقاب طوال الوقت. السجناء ملزمون بتناول الحبوب وتلقي الحقن. يخبرهم الطاقم المسؤول عنهم قصصاً عن منع الأمراض، لكنه يستخدمونهم فعلياً في التجارب على البشر. يعاني الكثيرون من التدهور المعرفي، بعض الرجال يصابون بالعقم. ويجرى اغتصاب النساء كمسألة روتينة.

هكذا تبدو الحياة بمعسكرات الاعتقال الصينية التي تسمى زوراً معسكرات إعادة التثقيف، مثلما تنقلها لنا "سايوتباي"، معلمة تمكنت من الفرار من الصين وحصلت على اللجوء في السويد.

قليلون هم السجناء الذين تمكنوا من الفرار من معسكرات الاعتقال ونقلوا لنا قصصهم المروعة. إلا أن شهادة "سايوتباي"، غير مسبوقة، نظرا لكونها سجينة، كانت أيضاً جزءاً من طاقم المعلمين في أحد المعسكرات.

وفيما تحاول الصين أن تسوق إلى العالم قصة حول برنامج تعليمي وتدريبي مهني تعده لأبناء الأقلية المسلمة، فإن "سايوتباي" من بين قائمة محدودة من الأشخاص الذين بإمكانهم تقديم أدلة موثوقة حول ما يحدث بالفعل داخل المعسكرات.

يقول "ديفيد ستابرو" مراسل صحيفة "هآرتس" العبرية في استوكهولم إنه التقى الناجية المسلمة من جحيم الصين ثلاث مرات، ومن خلال مترجم عرضت شهادتها التي بدت متماسكة، وعلى وجهها علامات الرعب فيما تواصل الدموع الانهمار من عينيها الذابلتين.

"سايوتباي" (43 عاماً) كازاخية الأصل، كالآلاف من أبناء الأقليات الأخرى، لاسيما الإيغور، سقطت ضحية للعملية الواسعة التي تقودها بكين لقمع أية علامة على الروح الانفصالية في مقاطعة شينجيانغ شمال غربي البلاد.

على مدار العامين الماضيين، أقيمت العديد من المعسكرات هناك كجزء من معركة يسميها نظام بكين "الشرور الثلاثة المريضة" - التطرف والانفصالية والإرهاب. وفقًا للتقديرات في الغرب، نتج عن هذا الصراع اعتقال من مليون إلى مليوني شخص من مواطني الإقليم.

في شبابها أكملت "سايوتباي" دراسة الطب وعملت في إحدى المستشفيات، ثم انتقلت لاحقاً إلى مجال التعليم وأصبحت مسؤولة عن خمسة مدارس رياض أطفال تملكها الدولة.

رغم أنها أحبت عملها، إلا أنها خططت لسنوات مع زوجها لمغادرة الصين برفقة أولادهما الاثنين والانتقال إلى كازاخستان. لكن تم تأجيل الخطة، وفي عام 2014 بدأت السلطات في جمع جوازات سفر الموظفين الحكوميين وتم أخذ جواز سفرها منها.

بعد ذلك بعامين وقبل جمع جوازات السفر من عامة السكان، سارع زوجها إلى خارج البلاد مع الأطفال. أملت "سايوتباي" في الانضمام إليهم في كازخستان بمجرد حصولها على تصريح خروج، لكن هذا التصريح لم يأت مطلقًا.

تقول "سايوتباي": في نهاية 2016 بدأت الشرطة في جمع الناس سراً في الليل، كانت هذه فترة من الاضطراب الاجتماعي والسياسي. انتشرت الكاميرات في كل المجال العام وكثفت قوات الأمن من تواجدها. في مرحلة معينة أخذوا عينات الحمض النووي (دي إن إيه) من جميع أبناء الأقليات في المنطقة، وجمعوا بطاقات SIM خاصتنا من الهواتف".

وتضيف: "ذات يوم دعونا إلى اجتماع مع كبار موظفي الدولة، كان هناك ربما 180 شخصا عملوا في المشافي والمدارس. في الاجتماع ظهر أمامنا ضباط شرطة وقرأوا من وثيقة. قالوا إنه في القريب سيفتتحون مراكز لإعادة تثقيف السكان، بهدف ترسيخ الاستقرار بالمنطقة".

عندما يتحدث الصينيون عن الاستقرار في المنطقة، فإنهم يعنون النضال الانفصالي المطول الذي تقوده أقلية الإيغور.

في التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، وقعت عدة هجمات في الإقليم. بعد سلسلة من التفجيرات الانتحارية بين عامي 2014 و 2016، قرر نظام بكين فرض سياسة صارمة وبلا قيود.

"في يناير 2017 بدأوا في اقتياد الأشخاص الذين لديهم أقارب في الخارج" تقول "سايوتباي": جاءوا إلي في المنزل ليلاً، وضعوا كيساً أسود على رأسي، واقتادوني إلى مكان بدا كالسجن. هناك تم التحقيق معي من قبل شرطيين أرادوا معرفة مكان زوجي والأولاد. ولماذا سافروا إلى كازاخستان. في نهاية التحقيق أمروني أن أطلب من زوجي أن يعود إلى البلاد وحظروا علي الحديث عن التحقيق".

لكن المرأة سمعت من البعض أن من عادوا في حالات مشابهة جرى اعتقالهم فوراً وأرسلوا إلى المخيمات. لذلك بعدما تركوها بعد التحقيق، قطعت الاتصال مع زوجها وولديها. وعندما مرت الأيام ولم تعد الأسرة، لم تتركها السلطات تنعم بالأمان وتم اقتيادها مرات للتحقيق ليلاً واتهامها باتهامات باطلة.. "كان علي أن أكون قوية، وكلما اسيقظت صباحا كنت أشكر الله لأنني مازلت على قيد الحياة".

بعد مرور عام تقريباً حدث التحول.. "في نوفمبر 2017 تلقيت أوامر بالانتظار في عنوان بضواحي المدينة. وعندما وصلت إلى الهدف ظهر أربعة يرتدون زي الشرطة ومسلحين. ووضعوا غطاء على رأسي وأدخلوني سيارة".

بعد سير لنحو ساعة بالسيارة أدخلت إلى مبنى لا تعرفه. كان هذا واحدا من معسكرات "إعادة التثقيف"، هو المكان الذي أصبح في الشهور التالية سجنا لها. قيل لها إنه تم جلبها للعمل كمعلمة للغة الصينية، وعلى الفور تم إجبارها على توقيع وثيقة توضح مهمتها وقوانين المعسكر.

"خفت كثيراً من التوقيع كان مكتوباً أنه إذا لم أؤد واجبي أو أطبق القوانين سيعاقبونني بالإعدام. كتب في الوثيقة أنه ممنوع الحديث مع الأسرى، ممنوع الضحك، ممنوع البكاء، ممنوع الإجابة عن أسئلة الآخرين. وقعت رغماً عني ثم حصلت على زي وتم نقلي إلى غرفة نوم ضيقة مع سرير خرساني ومرتبة بلاستيكية رقيقة. في السقف كانت هناك خمس كاميرات، واحدة في كل زاوية وواحدة في المنتصف".

أما السجناء الآخرون، الذين لم يكونوا من بين الموظفين، فقد عاشوا في ظروف أكثر قسوة. تتذكر "سايوتباي" قائلة "في غرفة مساحتها 16 قدما مربعا، كان هناك ما يقرب من 20 شخصًا. في غرفهم أيضاً كانت هناك كاميرات وكذلك في الممر. تحتوي كل غرفة على دلو من البلاستيك كان بمثابة مرحاض. تم تخصيص دقيقتين في اليوم لكل سجين لاستخدام المرحاض، الذي كان يتم إفراغه مرة واحدة يوميا. وبعد أن يمتلئ يكون على المرء الانتظار حتى اليوم التالي لقضاء حاجته".

وتتابع: "كان السجناء يرتدون زيا موحداً وحليقي الرؤوس. كانوا مكبلي الأيدي والأرجل طوال اليوم، إلا عندما يضطرون إلى الكتابة. وعند النوم كانوا أيضاً مكبلي الأيدي، وكانوا يفرضون عليهم النوم على الجانب الأيمن فقط ومن يتقلب خلال نومه يعاقب".

طُلب من "سايوتباي" تعليم السجناء اللغة الصينية والأغاني الدعائية للحزب الشيوعي الحاكم وكانت ملازمة لهم طوال ساعات اليوم. وتقول إن اليوم كان يبدأ في السادسة صباحاً وبعد وجبة إفطار متواضعة تبدأ دروس الصينية يليها وقت للتكرار والحفظ. وخلال اليوم كانت هناك ساعات على السجناء فيها تعلم الأغاني الدعائية وترديد شعارات من قبيل "أنا أحب الصين" و"شكراً للحزب الشيوعي" و"أنا صيني" و"أنا أحب شي جين بينغ (رئيس الصين)".

ساعات ما بعد الظيرة كانت مخصصة للاعتراف بالخطايا والجرائم. "بين الساعة 4 إلى 6 كان على الطلاب التفكير في خطاياهم. كان كل شيء تقريبا يمكن اعتباره خطأ، بدءا من إقامة الشعائر الدينية، مروراً بعدم معرفة اللغة أو الثقافة الصينية وصولاً إلى السلوك غير الأخلاقي. التلاميذ الذين لم يفكروا في خطاياهم الخطيرة بشكل كاف ولم يخترعوا شيئا كان يتم معاقبتهم".

تستمر صفقات الخطيئة حتى بعد العشاء. "عندما انتهى الطلاب من الأكل ، اضطروا إلى مواجهة الجدار بأيديهم والتفكير في جرائمهم مرة أخرى. في العاشرة ، اضطروا إلى كتابة خطاياهم وتسليم الصفحات. لم يستطع النوم بين منتصف الليل والساعة السادسة".

الانشغال بالخطايا كان يستمر أيضا بعد وجبة العشاء "عندما ينهي التلاميذ طعامهم يطلب منهم الوقوف أمام الحائط وأيديهم إلى أعلى، ويفكرون مجدداً في جرائمهم. في العاشرة كانت هناك ساعتان عليهم أن يكتبوا الخطايا ويسلموا الأوراق للمسؤولين عنهم. عملياً كان جدول الأعمال يستمر حتى منتصف الليل، وأحياناً كان يتم تكليف السجناء بالحراسة الليلية ومن لا يكلف بالحراسة بإمكانه النوم من منتصف الليل حتى السادسة".

تقدر "سايوتباي" عدد السجناء في المعسكر بنحو 2500 سجين، أكبرهم عمره 48 عاماً وأصغرهم 13 عاماً "كان هناك تلاميذ مدارس، ورجال أعمال وأدباء، ممرضات وأطباء، فنانون وفلاحون بسطاء لم يزوروا المدينة أبداً".

ماذا كنتم تأكلون؟

"كانت هناك ثلاث وجبات يومياً. كل وجبة عبارة عن حساء أرز أو حساء خضروات فقير وقطعة صغيرة من الخبز الصيني. في أيام الجمع، كانوا يقدمون اللحم، لكن كان لحم خنزير. وكان السجناء مجبرين على تناوله، حتى إن كانوا ملتزمين دينياً. فالرفض يعني العقاب. كان الطعام سيئاً، وساعات النوم ليست كافية ومسألة النظافة كانت فظيعة، كل هذا حول السجناء إلى أجساد بلا أرواح".

يعودون بلا أظافر

تقول "سايوتباي" إن قادة المعسكر خصصوا غرفة للتعذيب، لكن بما أنه ممنوع التحدث عن ذلك علانية، فقد أطلق عليها اسم "الغرفة السوداء". وتضيف: "كان هناك كل أنواع التعذيب، كان هناك سجناء معلقون على الحائط، يتم ضربهم بهراوات تنتج ضربات كهربائية. كان هناك سجناء يتم إجلاسهم على كرسي مغطى بالمسامير. رأيت أشخاصاً عائدين من هذه الغرفة تغطيهم الدماء.آخرون عادوا بدون أظافر".

لماذا كانوا يُعذبون؟

"كانوا يعاقبون على أي شيء. كل من لم يلتزم بالقوانين يعاقب. أيضا من لم يتمكن من تعلم الصينية أو لم يردد الأغاني يعاقب. كذلك كانوا يعاقبون الشباب بلا سبب".

"كانت هناك في المعسكر سيدة عجوز، عملت كراعية غنم. جاءت إلى المعسكر لأنها اتهمت بالتحدث عبر الهاتف مع شخص خارج البلاد. هذه المرأة لم يكن لديها هاتف أبداً، ليس هذا فقط، بل لم تعرف أبداً كيف يتم استخدام الهاتف. في إحدى الوريقات التي يُطلب من السجناء ملئها كتبت أن المكالمة التي اتهمت بإجرائها لم تحدث أبداً. ردا على ذلك تم معاقبتها. رأيتها وهي عائدة من التعذيب، كانت مغطاة بالدماء، لم يكن لديها أظافر وكان جلدها مقشر".

"سايوتباي" نفسها تعرضت ذات مرة للتعذيب :"ذات لية جلبوا للمعسكر نحو 70 سجيناً جديداً، إحداهن كانت امراة كازاخية مسنة، لم تأخذ حتى حذاءها معها. عرفتني ككازاخية مثلها وطلبت مني المساعدة، توسلت أن أخرجها من هناك وعانقتني.. رغم أني لم أرد لها العناق، تم معاقبتي. تعرضت للضرب ولم أحصل على الطعام لمدة يومين".

وتكشف "سايوتباي" عن إجراءات طبية نفذت بحق السجناء بالمخيم دون أي تبرير. وتقول إنها تعتقد أن ذلك كان جزءاً من تجارب على البشر نُفذت في المعسكر بشكل منتظم "كان السجناء يتلقون حبوباً أو حقناً، أخبروهم أنها للوقاية من الأمراض، لكن الممرضات أخبروني سراً أن الأقراض خطيرة ومن الأفضل ألا يتناولوها".

"كانت لتلك العقاقير آثار مختلفة. كان هناك سجناء أصيبوا بالضعف العقلي. ونساء انقطع عنهن الحيض".

"سايوتباي" تحكي أن مصير النساء في المخيم كان أكثر قسوة: "بشكل يومي كان الشرطيون يأخذون معهم النساء الجميلات، اللاتي لم يكن يعدن إلى غرفهن طوال الليل. كانت قوة الشرطيين غير محدودة. كانوا قادرين على أخذ كل من يريدون. كانت هناك أيضاً حالات اغتصاب جماعي".

وتروي عن حادثة اغتصاب جماعي بحق إحدى السجينات أمام 200 أسير آخرين، ومن ظهرت على وجهه علامات الغضب أو الاستياء أو أشاح بوجهه بعيداً أو أخفى عينيه، تم اصطاحبهم إلى غرفة التعذيب.

في مارس الماضي تم إطلاق سراح "سايوتباي"، وعودتها للعمل في رياض الأطفال، لكنها بعد أيام فوجئت بفصلها من العمل وتلقت موعداً للتحقيق معها بتهمة الخيانة والاتصال بجهات خارجية، لكنها قررت الفرار وتمكنت من التسلل إلى كازاخستان لتودع السجن هناك تسعة أشهر بتهمة الدخول غير الشرعي، ورفض طلب لجوئها ثلاث مرات وكانت على وشك أن يتم تسلميها إلى الصين قبل أن تقبل السويد بها كلاجئة وتنتقل وأسرتها الصغيرة إلى العيش هناك بحسب مصر العربية.

المصدر: https://www.haaretz.co.il/magazine/.premium-MAGAZINE-1.7990219

عدد المشاهدات 1734

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top