اعتبرت زعيمة ميانمار أونج سان سو كي أن مصطلح "التطهير العرقي" أشد مما ينبغي لوصف ما يحدث في ولاية راخين ذات الأغلبية المسلمة المعروفة باسم "الروهينجيا"، مشيرة إلى عمليات انتقام متبادلة بين مسلمي بلادها أنفسهم.

وقالت سو كي في حديث لـ"هيئة الإذاعة البريطانية" (بي.بي.سي) عندما سئلت عما إذا كانت ستخلد في الأذهان كفائزة بجائزة "نوبل" تجاهلت التصفية العرقية في بلادها: لا أعتقد أن هناك تطهيراً عرقياً، أعتقد أن التطهير العرقي تعبير أشد من اللازم لوصف ما يحدث.

وتواجه سو كي انتقادات دولية بشأن تعامل حكومتها مع الأزمة في الإقليم الذي تسكنه أغلبية مسلمة.

وأشعلت هجمات على مواقع لحرس الحدود في ميانمار في أكتوبر 2016م على يد جماعة مسلحة لم تكن معروفة سابقاً أكبر أزمة لسو كي منذ توليها السلطة قبل عام تقريباً مع فرار أكثر من 75 ألفاً من الروهينجيا إلى بنجلاديش في الحملة التي شنها الجيش بعد تلك الهجمات.

وجاء في تقرير للأمم المتحدة صدر في وقت سابق هذا العام أن قوات الأمن في ميانمار ارتكبت عمليات قتل جماعي واغتصاب جماعي ضد الروهينجيا خلال حملتهم ضد المسلحين وهو ما قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

وينفي الجيش الاتهامات ويقول: إنه ينفذ عملية مشروعة ضد المسلحين.

وقالت سو كي لــ"بي.بي.سي": ما نسعى إليه هو المصالحة وليس الإدانة.

وأردفت سو كي: لا أعتقد أن مسلمي الروهينجيا يتعرضون لعملية تطهير عرقي، مشيرة إلى أن هناك الكثير من العداوة هناك، إنهم المسلمون يقتلون بعضهم البعض أيضاً، وذلك في حال اعتقدوا أن البعض منهم يتعاون مع السلطات.

ويرى الكثيرون أن صمت سو كي على ما حدث مع مسلمي الروهينجيا قد أضر بسمعتها كداعمة لحقوق الإنسان.

وأضحت سو كي تحت ضغط دولي منذ بدأت الحكومة في ميانمار (والمعروفة أيضاً ببورما) عمليات عسكرية في ولاية راخين.

ويعتقد أن أكثر من 70 ألفاً من مسلمي الروهينجيا قد اضطروا إلى النزوح من البلاد.

نشر في دولي

رفضت ميانمار، اليوم السبت، قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إرسال لجنة تقصي حقائق عاجلة إلى إقليم "آراكان"، غربي ميانمار.

وقالت الخارجية الميانمارية في بيان: إن إرسال مهمة تقصي حقائق دولية في هذا الوقت، سيتسبب في تعقيد القضية أكثر من حلها.

وصادق مجلس حقوق الإنسان، أمس الجمعة، على قرار إرسال اللجنة، للتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن والجيش، خصوصًا بحق أقلية "الروهينجيا" المسلمة في آراكان.

وفي الجلسة التي عقدت بمقر المجلس في جنيف، لفت مبعوث ميانمار إلى الأمم المتحدة هتين لين، إلى وجود لجنة تحقيق محلية في بلاده تنظر بالفعل في الانتهاكات.

وأشار إلى أن أي إجراء يريد المجلس أن يتخذه ينبغي ألا يزيد الوضع تعقيدًا.

وفي 8 أكتوبر الماضي، أطلق جيش ميانمار حملة عسكرية، شملت اعتقالات وملاحقات أمنية واسعة بصفوف السكان في آراكان، وخلّفت عشرات القتلى، في أكبر موجة عنف تشهدها البلاد منذ عام 2012م.

ويعيش نحو مليون من مسلمي الروهينجيا في مخيمات بإقليم آراكان، بعد أن حُرموا من حق المواطنة، بموجب قانون أقرته ميانمار عام 1982م، إذ تعتبرهم الحكومة مهاجرين غير شرعيين من بنجلاديش، بينما تصنفهم الأمم المتحدة بـ"الأقلية الدينية الأكثر اضطهادًا في العالم".

ويعد الإقليم من أكثر ولايات ميانمار فقرًا، ويشهد منذ عام 2012م اعتداءات على المسلمين؛ ما تسبب في مقتل المئات منهم، وتشريد أكثر من 1000 ألف شخص.

 

ـ  تشتُّت الروهينجيين وقلة كوادرهم وعدم مساندة الدول المجاورة وراء ضعف القضية

ـ الحكومة لا تسمح بإدخال الوسائل الإعلامية حتى لا تتسرب الانتهاكات الجسيمة

ـ الحراك الإعلامي الروهينجي العفوي انفجر في عام 2012م عقب مقتل 10 دعاة مسلمين في آراكان

ذكر الإعلامي خالد النجار، رئيس «وكالة أنباء الروهينجيا»، عدة أسباب وراء ضعف دور المؤسسات والمنظمات الروهينجية تجاه قضية مسلمي آراكان، يأتي على رأسها تشتّت الروهينجيين في عدة دول، وقلة الكوادر في مختلف التخصصات، وعدم مساندة دول الجوار (الآسيان) للقضية الروهينجية، بالإضافة إلى قلة القادة الذين تتوافر فيهم صفات القائد الناجح.

قال النجار في حواره مع «المجتمع»: إن الحكومة الميانمارية الجديدة التي تدعي الديمقراطية، والتي نالت زعيمتها جائزة «نوبل للسلام»، ما زالت تنظر إلى الملف الروهينجي بسخرية واضحة، وأهملته إهمالاً ينبئ عن استمرار التطهير العرقي والإبادة الجماعية والانتهاكات ضد أقلية الروهينجيا.

* الأمة الروهينجية مستضعفة، ولكن يبدو أن هذا لا ينطبق فقط على مسلمي الروهينجيا داخل ميانمار، ولكن أيضاً على المهاجرين خارجها، فلا نكاد نسمع لهم صوتاً مؤثراً على الساحة الدولية، ومؤسساتهم التي تسعى لنصرة القضية على ما يبدو دورها ليس فعالاً وتنقصها الكفاءة.. هل تتفقون مع هذا الطرح؟ وما أسباب ذلك؟ وما أبرز نقاط القوة والضعف في هذه المؤسسات بمختلف تخصصاتها وتوجهاتها؟

- أشكركم على الاهتمام بقضايا الأقليات المسلمة، خاصة قضية الروهينجيا، القضية الروهينجية قضية قديمة لها تاريخها وأحداثها، وتتجدد من فترة إلى أخرى، ومنذ أن بدأت معاناة الروهينجيا دافَعَ أبناءُ القضية عن قضيتهم حسب إمكاناتهم داخل آراكان وخارجها، ولو لم يكن هناك جهود بُذلتْ من قِبَل أفراد أو مؤسسات روهينجية لما استمرت القضية حية طوال هذه القرون إلى يومنا هذا، ولما وصل الملف إلى طاولة الأمم المتحدة التي وصفت أقلية الروهينجيا بأنها الأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم، ولما كانت القضية محل اهتمام المؤسسات والمنظمات الدولية سواء الحقوقية منها أو الإغاثية أو الإعلامية أو السياسية.

إلا أن هذه الجهود المبذولة تتفاوت من فترة إلى أخرى في قوتها وضعفها وتأثيرها على حكومة ميانمار، وعلى الساحة الدولية، فمثلاً في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي قامت منظمات روهينجية خارج ميانمار بحراك فعال ومؤثر.

وهناك فترات زمنية - متصلة ومتباعدة - كان دور المؤسسات والمنظمات الروهينجية خارج آراكان ضعيفاً في تحريك القضية، وتفعيلها في الساحة الدولية، وتأثيرها على الحكومة الميانمارية.

وترجع أسباب هذا الضعف إلى أمور؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- تشتّت الروهينجيين في عدة دول، في بنجلاديش وباكستان والهند ودول آسيان ودول الخليج والدول الأوروبية، وعدم تمركزهم في دولة واحدة؛ مما أدى إلى ضعف التنسيق فيما بينهم، مع قلة إمكانات السفر للقاء المهتمين بالقضية بعضهم بعضاً.

2- قلة الكوادر في مختلف التخصصات، لعدم تمكنهم من الالتحاق بالتعليم في دول المهجر، إما لعدم حملهم الأوراق النظامية، أو لانشغالهم بلقمة العيش، أو لأسباب أخرى خارجة عن إرادتهم.

3- عدم مساندة ووقوف حكومات الدول المجاورة، ودول الآسيان مع القضية الروهينجية لحل مشكلاتها حلاً جذرياً؛ بالتالي لم يجد المهتمون من أبناء الروهينجيا أرضاً يقفون عليها وينطلقون منها، أو مظلة يحتمون بها، لخدمة قضيتهم بقوة وعلى الوجه الصحيح.

4- قلة القادة الذين تتوافر فيهم صفات القائد الناجح، واختلاف هؤلاء القلة من القادة السابقين أو الحاليين فيما بينهم، وعدم اتفاقهم في الرؤية وفي المنهج؛ وهو ما أدى إلى فقدان الثقة في نفوس الروهينجيين تجاه قادتهم.

هذه بعض أسباب ضعف المؤسسات والمنظمات الروهينجية في أداء دورها تجاه القضية من وجهة نظري، قد أكون مخطئاً فيما ذكرت، وأتمنى أن يصوبني من يرى غير ذلك من المتابعين والمهتمين بالقضية، فإن المسألة اجتهادية قابلة للنقاش، قد ينظر غيري من زوايا أخرى غير الزاوية التي نظرت منها.

* من خلال متابعة الخطاب الإعلامي للمواقع الإلكترونية الروهينجية وصفحات نشطاء التواصل الاجتماعي نجد أن هذا الخطاب يغلب عليه الشكوى، وتغيب عنه رؤية لحراك واقعي يمكن أن يؤثر في مجرى الأحداث.. ما أسباب غياب هذه الرؤية لنصرة القضية؟ وكيف يمكن وضع رؤية إستراتيجية واضحة ذات مراحل متدرجة للحراك الإعلامي والميداني؟

- إقليم آراكان فرضت عليه الحكومة الميانمارية حصاراً خانقاً من جميع النواحي؛ مما جعله سجناً كبيراً يعيش فيه الروهينجيون دون أن توجد فيها مقومات الحياة وأسبابها، ويتمثل هذا الحصار فيما يلي:

1- لا تسمح الحكومة لأي شخص (يريد دخول آراكان) بإدخال الأدوات والوسائل الإعلامية مثل الكاميرات وغيرها، إذ الحراسة مشددة على الحدود، والحذر الحكومي حاضر، والتفتيش قائم على أشده، حتى لا تتسرب الانتهاكات الجسيمة إلى خارج آراكان.

2- تمنع الحكومة دخول المؤسسات والقنوات الإعلامية لتغطية ما يجري هناك؛ خوفاً من نشر الفضائح والجرائم التي ترتكبها الحكومة ضد الشعب الروهينجي الأعزل.

وهذا الحصار الخانق المحكم أدى إلى عزل إقليم آراكان عن العالم، وغياب القضية الروهينجية عن الساحة الإعلامية إلى وقت قريب.

ومع تطور وسائل الإعلام، وانتشار الأجهزة الذكية المزودة بالكاميرات، ووجود الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بدأ هذا الحصار يُخترق شيئاً فشيئاً، وبدأت صور الانتهاكات تتسرب من داخل آراكان، وتصل أخبار أهله إلى مَن هم في الخارج؛ مما أدى إلى حراك إعلامي عفوي من قِبَل أبناء القضية الذين طالما انتظروا هذه الفرصة لنشر قضيتهم ونشر جرائم الحكومة حتى يطلع عليها العالم، كما أدى أيضاً إلى محاولة بعض وسائل الإعلام وبعض القنوات الفضائية ووكالات الأنباء إلى ما يمكن الوصول إليه من أخبار آراكان، ومن ثم نشرها، مساهمة منهم في نشر القضية على نطاق واسع، لعل الضمير العالمي النائم يستيقظ، ويلتفت إلى ما يحصل من إبادة جماعية للروهينجيا في آراكان.

وقد انفجر هذا الحراك الإعلامي الروهينجي العفوي في يونيو 2012م في أعقاب قتل البوذيين المتطرفين لعشرة من الدعاة المسلمين في آراكان، وانتشار صورهم، فانتقل الإعلام الروهينجي من مرحلة العمل الفردي إلى العمل المؤسسي نوعاً ما، بإنشاء بعض أبناء القضية وكالات أنباء خاصة بأخبار الروهينجيا، ومراكز متخصصة في الإعلام، وإنشاء حسابات وصفحات خاصة بالروهينجيا في مواقع التواصل الاجتماعي.

إلا أن هذا الحراك الإعلامي الجيد يعتبر في مهده، ولم ينضج بعد، وهو بحاجة إلى من يسقي بذوره ويتعاهدها ويعتني بها إلى أن تنضج وتكبر.

ونظراً لحداثة هذا الحراك، وقلة الخبرة والخبراء والمختصين والكفاءات؛ غابت الرؤية الإستراتيجية للإعلام الروهينجي، وغابت الرؤية التي تشكل الرأي العام، وتدفع القضية إلى تصدر الإعلام العالمي.

وإيماناً من الإعلاميين الروهينجيين بضرورة وضع خطة ورؤية واضحة للإعلام، هناك سعي حثيث جاد من بعض المؤسسات الإعلامية الروهينجية بالتعاون مع مؤسسات إعلامية عريقة ذات خبرة في هذا المجال لرسم رؤية إستراتيجية واضحة للإعلام الروهينجي لدعم القضية.

* ما رؤيتكم للخروج من حالة عدم التأثير الكافي لتحريك القضية على الساحة العالمية؟ وهل تشعرون بأنه لا بد من تدشين مرحلة جديدة من الحراك بالتوازي مع حراك عالمي يؤثر في مجرى الأحداث؟ 

- لا يخفى عليكم أن الحكومة ما زالت مستمرة في انتهاكاتها ضد الروهينجيين العزل التي ترتقي جرائمها إلى الإبادة الجماعية، كما جاء ذلك في تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية الحقوقية والأمم المتحدة.

وليس هناك أمل يلوح في الأفق، فإن الواقع يقول: إن الحكومة الجديدة التي تدعي الديمقراطية، والتي نالت زعيمتها جائزة «نوبل للسلام»، ما زالت تنظر إلى الملف الروهينجي بسخرية واضحة، وأهملته إهمالاً ينبئ عن استمرار التطهير العرقي والإبادة الجماعية والانتهاكات ضد أقلية الروهينجيا.

في ظل هذه الانتهاكات، على القادة الروهينجيين والمهتمين بالقضية أن يراجعوا حساباتهم وتحركاتهم في السابق، هل كانت تلك التحركات على جميع الأصعدة مجدية؟ وهل ساهمت في حل المشكلة، أم أنها مجرد شجب واستنكار كالعادة؟

إذا كان الجواب هو الثاني فعليهم أن يفكروا في تغيير خططهم إلى الأفضل، وأن يتوجهوا إلى مرحلة جديدة تتسم بالتكاتف والتحالف والتعاون من جميع المنظمات والمؤسسات الروهينجية.

وأنا أعتقد أن القادة الروهينجيين قادرون على تجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة أفضل أكثر تأثيراً بالتعاون مع الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية المتعاطفة مع القضية، بشرط أن يكون ذلك على مراحل، وباختيار قائد من قبل الشعب الروهينجي بعد إجراء انتخابات نزيهة.

- هناك 800 ألف روهينجي في آراكان تعتبرهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهاداً

- في عام 2012م قُتل 650 واعتبر 1200 من المفقودين وتشرد أكثر من 80 ألفاً

- قضية الروهينجيا كانت من أهم قضايا البيان الختامي لمنظمة التعاون الإسلامي في عام 2016م

- مطلوب من قمة التعاون الإسلامي تشكيل لجنة متابعة مباشرة للقضايا الإسلامية النازفة

لا شك أن قضية مسلمي الروهينجيا من أكثر القضايا الإسلامية المأساوية، فالشعب الروهينجي هو أحد شعوب القارة الهندية الذين يتعرضون منذ عقود وسنوات إلى القتل والتهجير والتصفية العنصرية بسبب دينهم في الغالب، وبالأخص في منطقة إقليم آراكان من دولة ميانمار (بورما سابقاً).

بحسب التقديرات الرسمية لعام 2012م يوجد 800 ألف روهينجي في آراكان، تعتبرهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم، بينما يوجد من مسلمي الروهينجيا نحو 300 ألف في بنجلاديش، و200 ألف في باكستان، و100 ألف في تايلاند، و24 ألفاً في ماليزيا، و400 ألف في السعودية، بحسب إحصاءات رسمية عام 2012م، ومعظم الدراسات التاريخية تؤكد أن معظم هؤلاء الروهينجيين فروا في العقود الماضية من إقليم آراكان هرباً من الاضطهاد البورمي.

دخول الإسلام آراكان

يرجع دخول الإسلام آراكان إلى القرن السابع الميلادي مع قدوم التجار العرب المسلمين إليها، ثم تتابعت الوفود الإسلامية إليها من أنحاء المعمورة، فأقبل عدد كبير من الأهالي على اعتناق الإسلام، وكوَّن شعب الروهينجيا مملكة دام حكمها 350 عاماً (1430 - 1784م)، فقد شكلت أول دولة إسلامية في عام 1430م بقيادة الملك سليمان شاه، وحكم بعده 48 ملكاً مسلماً على التوالي، وكان لهم عملات نقدية تتضمن شعارات إسلامية مثل كلمة التوحيد.

استمرت هذه الدولة الإسلامية في الوجود عدة قرون قبل أن تحتل من بورما عام 1784م، فأصبحت بعد ذلك واحدة من 14 ولاية ومقاطعة لاتحاد بورما (ميانمار حالياً).

أما من حيث الجغرافيا؛ فإقليم آراكان يقع في الجنوب الغربي لميانمار على ساحل خليج البنجال، والشريط الحدودي مع بنجلاديش، وتبلغ مساحة الإقليم حوالي 50 ألف كيلومتر مربع؛ أي عُشر مساحة ميانمار تقريباً، وتقع ميانمار حالياً في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدُّها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب خليج البنجال والهند وبنجلاديش.

بداية الاضطهاد

لقد كان انفجار المظالم التي يتعرض لها مسلمو الروهينجيا بسبب الاضطهاد البورمي الرسمي بدعوى أنهم ليسوا سكاناً بورميين، ويدعي البورميون أنهم من بنجلاديش، وفي أقوال أخرى من أفغانستان، بينما العكس هو الصحيح، وهذا هو السبب الأول في الاضطهاد العنصري، فالمؤرخون البورميون يقولون: إنهم لم يكونوا في آراكان قبل عام 1950م، وهذا خطأ تاريخي كبير، فقد ذكر التعداد البريطاني لعام 1891م عدد المسلمين في آراكان أنه كان 58255، ثم ارتفع عددهم إلى 178647 في عام 1911م.

وخلال الحرب العالمية الثانية، وبعد انسحاب البريطانيين من بورما تحت ضغط هجمات الجيوش اليابانية، تركوا وراءهم فراغاً في الحكم، فاندلعت أعمال عنف كبيرة، منها ما هو بين قرى الراخين البوذية والروهينجية المسلمين، ومنها ما بين جماعات موالية لبريطانيا وقوميين بورميين، وعند انسحابهم من بورما قام البريطانيون بتسليح جماعات مسلمة في شمال آراكان لإنشاء منطقة عازلة تفصلهم عن الغزاة اليابانيين، فقد دعم الروهينجيا الحلفاء في حربهم تلك بمساعدتهم في استكشاف العمق الياباني، فتعرض الآلاف منهم لفظائع من اليابانيين، حيث أفرطوا فيهم بالقتل والاغتصاب والتعذيب، فأسس شيوخ الروهينجيا الذين أيدوا حركة الجهاد في شمال آراكان عام 1947م حزباً أسموه حزب المجاهدين، وكان هدفه إقامة دولة للمسلمين ذاتية الحكم في آراكان، وعندما وقع انقلاب عسكري في بورما عام 1962م بقيادة الجنرال “ني وين”، قام بعمليات عسكرية ضد مسلمي الروهينجيا على مدى عقدين، وأشدها تلك المسماة “عملية الملك التنين” التي وقعت عام 1978م.

لقد اعتمد المجلس العسكري الذي حكم بورما منذ نصف قرن على القومية البورمية وديانة “تيرافادا” البوذية لتعزيز حكمه؛ أي اعتمد على العنصر القومي أولاً، والعنصر الديني ثانياً، ورفض القوميات والأديان الأخرى في بورما، وهذا تمييز عنصري ضد باقي سكان بورما أولاً، بمن فيهم الشعب الروهينجي، الذين ترفض الحكومة البورمية اعتبارهم بورميين قومياً ودينياً، لذلك كان السبب الثاني للاضطهاد هو السبب الديني، حيث إن سكان بورما البالغ عددهم نحو 55 مليوناً في معظمهم من البوذيين، بينما سكان آراكان البالغ عددهم نحو 5 ملايين من المسلمين ولهم جذورهم التاريخية فيها، ولذلك يصعب على الدولة طردهم من إقليم آراكان مهما اتبعوا من الطرق بما فيها القتل وحرق البيوت والنهب والاغتصاب وغيرها.

لقد كان أكبر هذه المظالم ما وقع عام 2012م؛ حيث شهد شمال ولاية آراكان أعمال شغب كبيرة في سلسلة صراعات مستمرة بين مسلمي الروهينجيا وعرقية الراخين البوذيين، وجاءت أعمال الشغب بعد أسابيع من الخلافات الطائفية التي أدانها معظم أتباع الطائفتين، لكنها أدت إلى قتل 650 من الروهينجيا، واعتبر 1200 من المفقودين، وتشرد أكثر من 80 ألفاً، واتُّهم الجيش والشرطة الميانمارية بأنهم مارسوا دوراً أساسياً في استهداف الروهينجيا خلال الاعتقالات الجماعية والإفراط في العنف.

لقد ادعت حكومة ميانمار في يوليو 2012م أن الأقلية الروهينجية تصنف على أنها عرقية من مسلمي البنجال عديمي الجنسية، قدمت من بنجلاديش عام 1982م، وأنها لم تدرج مع حوالي 130 عرقية تطالب بجنسية ميانمار، وقد جردوا من مواطنتهم منذ قانون الجنسية لعام 1982م، فلا يسمح لهم بالسفر دون إذن رسمي، ومنعوا من امتلاك الأراضي، وطلب منهم التوقيع بالالتزام بألا يكون لهم أكثر من طفلين، ويتعرضون أيضاً لعدة أنواع من الابتزاز والضرائب التعسفية ومصادرة الأراضي والإخلاء القسري وتدمير منازلهم وفرض قيود مالية على الزواج، وتدمير للمساجد وحرقها، ومضايقات كبيرة ضد أداء الشعائر الدينية، ولا يزالون يستخدمونهم عمالاً سخرة في الطرقات ومعسكرات الجيش.

الدور التركي والإسلامي

وعندما وقعت مجازر الروهينجيا عام 2012م، قامت زوجة رئيس الوزراء التركي (وقتها) «رجب طيب أردوغان» السيدة «أمينة» ومعها وزير الخارجية التركي «داود أغلو» بأول زيارة رسمية إلى دولة ميانمار للاطلاع شخصياً على ما تتعرض له الروهينجيا هناك، وذلك بتاريخ الجمعة 10 أغسطس 2012م، وقاموا بزيارة مسلمي الروهينجيا في معسكر باندوبا بميانمار، وقد حملت الطائرة التركية أولى مساعداتها الإنسانية إلى ميانمار، حاملة كميات كبيرة من الغذاء والأدوية والأغطية، بعد أوامر عاجلة من «أردوغان» لمساعدة المسلمين هناك، ومنذ ذلك التاريخ واصلت هيئة الإغاثة التركية (IHH) جهودها بإرسال المساعدات.

وعندما عقدت منظمة التعاون الإسلامي دورتها الثالثة عشرة في تركيا 10 أبريل 2016م، تناول الرؤساء القضايا الإسلامية الشائكة في العالم الإسلامي وخارجه، وكانت قضية الروهينجيا من أهم تلك القضايا، فجاء في البيان الختامي النقاط الأربع التالية: 

82- دعا المؤتمر إلى بذل جهود جديدة لإنهاء التمييز المتواصل ضد أبناء مجتمع الروهينجيا المسلم وحرمانهم من حقوقهم السياسية والاقتصادية والمدنية، وبخاصة في إقليم راخين في ميانمار، ودعا الحكومة الجديدة في ميانمار إلى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحقوق الأساسية لأبناء مجتمع الروهينجيا المسلم بما فيها حقهم الأساسي في المواطنة، ودعا المؤتمر حكومة ميانمار كذلك إلى السماح (بالتعاون مع جميع الأطراف ذات الصلة) بوصول المساعدات الإنسانية لأبناء مجتمع الروهينجيا المسلم.

كما دعا المجتمع الدولي إلى مواصلة العمل مع حكومة ميانمار لحماية الأقليات في أراضيه، وأعرب عن دعمه لخطة عمل الأمين العام ولجهود مبعوثه الخاص لميانمار وللانخراط المتواصل لفريق الاتصال الوزاري للمنظمة المعني بميانمار من أجل حل المشكلة، ورحب بالالتزام الثابت للدول الأعضاء في رابطة الآسيان بالمساعدة في تسوية هذه المسألة، معرباً عن أمله في أن يتحسن الوضع في ظل الحكومة الجديدة.

ودعا المؤتمر الحكومة الجديدة إلى الشروع في عملية للمصالحة الشاملة تضم جميع عناصر مجتمع الروهينجيا بمن فيهم أولئك الذين فقدوا جنسيتهم وجميع المهجرين داخلياً واللاجئين، وغيرهم ممن هم في حالات غير نظامية داخل ميانمار وخارجها.

83- دعا المؤتمر حكومة ميانمار إلى إعادة الجنسية للمواطنين الروهينجيا المسلمين الذين أسقطت عنهم مع جميع الحقوق المرتبطة بها، وإتاحة وتسهيل عودة آمنة وكريمة لجميع النازحين الروهينجيا الذين أرغموا على التنقل بطريقة غير نظامية خارج البلاد.

84- رحب المؤتمر مع التقدير بما أبدته جمهورية جامبيا الإسلامية من دعم وتضامن إسلامي، كما يتضح من قرارها أن تكون أول بلد يفتح أبوابه علناً ورسمياً للاجئين الروهينجيا المسلمين.

85- أقر المؤتمر العملية الديمقراطية في ميانمار، وناشد الدول الأعضاء التي لها علاقات سياسية ودبلوماسية مع حكومة ميانمار وتشاركها مصالح اقتصادية تشجيع حكومة ميانمار على تمكين مسلمي الروهينجيا في ولاية راخين من حقوقهم.

هذه النقاط الأربع تتابعها الحكومة التركية بوصفها الرئيس الحالي لمنظمة التعاون الإسلامي مع الدول الإسلامية والمجتمع الدولي، ولكن تحقيقها على أرض الواقع يحتاج إلى جهود أكبر لا تتوقف على دولة إسلامية واحدة، بل لا بد أن تكون هناك ضغوط من كل الدول الإسلامية التي لها صلات سياسية أو تجارية مع ميانمار.

ولعل ما لم يفعله مؤتمر قمة التعاون الإسلامي وينبغي عمله الآن هو تشكيل لجنة متابعة مباشرة للقضايا الإسلامية النازفة، لمتابعة ما يجري وتقديم الحلول التي تعالج هذه الأزمات ومنها قضية الروهينجيا.

ومنذ شهر أكتوبر 2016م، وقعت حملة عسكرية جديدة ضد الروهينجيا إثر مقتل شرطيين في هجمات شنها مسلحون على مراكز حدودية، فقامت حكومة ميانمار بمهاجمة الروهينجيا وطرد 69 ألفاً، وقتلت ألفاً منهم خلال الأشهر الأربعة الماضية، وهذا يفرض على المنظمات الإنسانية والدول الإسلامية والمجتمع الدولي مزيداً من المسؤولية.

الصفحة 1 من 4
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top