د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 05 مارس 2016 13:51

حكاية رواية وحكم محكمة

جاء في الأخبار أن عدداً من الأدباء والمثقفين دعوا جميع زملائهم إلى المشاركة في الوقفة الاحتجاجية التي دعوا إليها مساء الثلاثاء 23/ 2/ 2016م، لحرق أعمالهم وكل ما يتعلق بإبداعهم أمام دار القضاء العالي، وتأتي هذه الدعوة اعتراضاً على الحكم القضائي الذي صدر بحق الصحفي أحمد ناجي بالحبس سنتين وغرامة 10 آلاف جنيه لآخر بسبب رواية «استخدام الحياة» التي نشر جزءاً منها بصحيفة "أخبار الأدب" الحكومية التي يعمل بها، تضمن وصفاً إباحياً (بورنو) لعلاقة جنسية بين رجل وفتاة بشكل سافر وصادم وبذيء.

ورأى هؤلاء الأدباء والمثقفون أن الحكم القضائي بمنزلة تعدٍّ على الدستور المصري الذي يمنع عقوبة الحبس في جرائم النشر، وقال الخبر: إن دعوة «احرق عملك الإبداعي» التي يتم الحشد لها، لقيت قبولاً واسعاً بين الأدباء والمثقفين، هناك أخبار أخرى تحدثت عن تضامن جهات عديدة مع الكاتب المذكور، وهناك من دعا إلى تشكيل وفد لمقابلة النائب العام لإخراج المحبوس من السجن، وانتشرت مقالات في الصحف ولقاءات إعلامية تستنكر حبس الكاتب الإباحي بوصف ذلك اعتداء على الحرية، ومحاكمة للخيال والإبداع!

قرأت المنشور من كتابة "البورنو" التي يسمونها رواية، فلم أجد أدباً ولا لغة ولا صياغة فنية، ولا بلاغة في التعبير، ما وجدته كان وصفاً رديئاً ركيكاً هابطاً لعلاقة حميمة؛ قال أحد شهود الكاتب: إنه لا يستطيع أن يقرأها أمام القاضي ولا أمام أحد من أسرته!

في السينما الغربية على سبيل المثال ينتجون أفلاماً إباحية (بورنو) لا يمكن عرضها على عموم الناس بل يضعون مواصفات معينة لعرضها، ويتفقون ضمنياً أنها خارج نطاق ما يسمى الفن وحرية التعبير، مراعاة لآداب المجتمع وقيمه ومواضعاته، وفي تراثنا العربي مؤلفات عديدة تتناول العلاقة الحميمة وتؤصل لها في سياق علمي أو أدبي غير مثير، وكان الأزهر في زمنه الزاهر يضعها ضمن مقرراته لطلاب المرحلة الابتدائية (الإعدادية الآن) وما بعدها دون أن تحدث صدى أو جلبة، وهو ما يختلف تماماً عما يريد الشيوعيون والعلمانيون فرضه على ثقافتنا وواقعنا الراهن.

في سياق عملية تدمير البلاد والعباد التي يقوم الصهاينة والصليبيون بالتخطيط لها وتوجيهها تتم عملية إلهاء واضحة عن القضايا الكبرى التي تتعلق بالحريات العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والشورى والعمل والإنتاج، وتتخذ من مثل هذه الموضوعات التي يصوغها خدام الأنظمة العسكرية الفاشية أو الباحثين عن الشهرة وسيلة لينشغل الناس عن الغلاء والقرارات الاقتصادية المؤلمة التي تعصف بالفقراء، والأحكام السياسية الظالمة التي تتضمن الإعدامات الجماعية التي طالت الأطفال، والسجن المؤبد للشرفاء والنبلاء من المطالبين بالحرية والحكم الرشيد.

للأسف، فإن خدام الفاشية والباحثين عن الشهرة يتصدرون المشهد الثقافي والأدبي، ويتيح لهم النظام العسكري الفاشي أن يطلوا على الناس صباح مساء في الإعلام والصحافة والمنتديات، لإحداث الصخب، والترويج لطغيانه وحكمه الدكتاتوري، وتبرير جرائم القتل والاعتقال ومصادرة الحريات والأموال والممتلكات، فضلاً عن محاربة الإسلام وقيمه وتراثه، والوقوف ضد الشعب المظلوم.

خدام الأنظمة الفاشية لا يعنيهم أمر الأمة ولا الشعب ولا الحرية، هم معنيون بإشباع حاجاتهم البيولوجية والاستمتاع بالمال الحرام، وإزجاء الفراغ في المقاهي والخمارات، ثم الخروج ببيانات الشجب والاستنكار والدعوة لتجديد الخطاب الديني وهجاء مادة ازدراء الأديان!

كانت المحكمة قد حكمت ببراءة الصحفي المذكور عقب إدلاء ثلاثة من الكتاب اليساريين بشهادتهم لصالحه، ولكن النيابة استأنفت على الحكم؛ لأن ما كتبه إباحية صريحة (بورنو)، فحكمت في الاستئناف بالحبس سنتين، وهنا قامت القيامة، وكان حرق الكتب عنواناً لها، والمفارقة أن الشيوعيين وأشباههم مازالوا يكيدون للإسلام والمسلمين من خلال ما روي عن حرق كتب ابن رشد في الأندلس، بل يصرون على إسناد حرق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بعد فتح مصر، وفي عصرنا الانقلابي ينسبون حرق مكتبة هيكل للإسلاميين مع أن الجناة لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ويتجاهلون حرق مكتبة د. محمد عباس!

فليحرقوا كتبهم رمزياً أو كلياً، لن يخسر القارئ شيئاً؛ لأن كتاباتهم رديئة ولا تحمل قيمة إنسانية أو أدبية أو فنية، إنهم "هالوك" أفسد الأدب والفكر والحياة، لا يملكون ثقافة حقيقية، ولا فكراً ناضجاً، ولا مواهب متميزة، اللهم إلا مواهب الدجل والشعوذة الثقافية والسطو على منابر النشر وخزانة وزارة الثقافة بالقانون أو الفهلوة السمجة! ومع ذلك لا نؤيد حرق الكتب ولو كانت سطحية أو تافهة؛ لأن الكتاب بالنسبة للقارئ الحقيقي رمز للثقافة والمعرفة أياً كانت قيمته.

خدام الأنظمة هؤلاء لا يؤمنون بحرية الفكر وحق التعبير لغيرهم، وقد رأينا مؤخراً وزير حظيرتهم الثقافية، يأمر بإرسال كتب سيد قطب إلى المفرمة، ويصرح بذلك علناً، فلم ينبسوا بكلمة، بل رأيناهم يحرضون على إحراق الكتب الإسلامية وسحبها من المكتبات والمعارض، بل يباركون ما قامت به موظفة اسمها بثينة كشك حين أحرقت كتباً إسلامية وغير إسلامية في مشهد احتفالي بفناء إحدى مدارس الجيزة!

إن الحظيرة الثقافية تدلس وتضلل حين يرتكب أفرادها جرائم أدبية وخلقية، وحين يزدرون الإسلام لأنهم لا يستطيعون أن يزدروا ديناً غيره ولو بالإشارة أو المجاز، ثم إنهم حين يقعون في الخطيئة يزعمون أن المحكمة تحاكم الخيال والإبداع؟

إسلام البحيري – وهو لا يحفظ القرآن ولا الحديث ولم يدرس الإسلام دراسة علمية – سار على نهج سيد القمني، وزعم أنه يجدد الخطاب الديني، وسب علماء الإسلام وأئمته وفقهاءه!

فاطمة ناعوت وصفت أضاحي العيد بأهول مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونيف بسبب كابوس (تقصد الوحي) باغت أحد الصالحين (تقصد سيدنا إبراهيم) بشأن ولده الصالح (سيدنا إسماعيل)، وبرغم أن الكابوس قد مرّ بسلام على الرجل الصالح وولده وآله إلا أن كائنات لا حول لها ولا قوة تدفع كل عام أرواحها وتُنحر أعناقها وتُهرق دماؤها دون جريرة ولا ذنب ثمناً لهذا الكابوس القدسي (؟).. لكنها شهوة النحر والسلخ والشي ورائحة الضأن بشحمه ودهنه جعلت الإنسان يُلبس الشهيةَ ثوب القداسة وقدسية النص الذي لم يُقل! "الهانم" ترفض الوحي وتسخر منه، ثم تدعي أن كلامها مزاح ودعابة.

أبو إسلام أحمد عبدالله يقضي خمس سنوات سجناً، بتهمة ازدراء المسيحية، وإهانة الإنجيل ولم يبك عليه أحد من متنوّري الحظيرة ولا غيرهم!

القضية ليست الإباحية، ولا حرية التعبير الأدبي، إنها جريمة في حق شعب يريد الحرية والحياة والتعبير عن إسلامه.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!  

في الأسابيع الماضية وفدت على مصر مجموعة من الشخصيات الصليبية والصهيونية، واجتمعت مع قيادات الانقلاب في أعلى مستوياتها، وخرجت بعد الاجتماعات تصريحات وعبارات ذات مغزى تبعث على التشاؤم والمستقبل الملغوم المليء بالضباب والغيوم.

من أبرز الوافدين توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وهو صليبي استعماري شرير، واليهودية المتعصبة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية في عهد جورج بوش الابن، ثم وفد من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

لم تتضح تماماً مهمة توني بلير، ولم تظهر خريطة تحركاته على الشاشة الإعلامية، ولكن ما يعرف عن بلير هو العمل في الظلام ضد الشعب المصري والأمة العربية، ومعروف أنه مستشار الانقلاب ورسوله إلى العواصم المؤثرة كي ترضى عن الانقلابيين وتتعامل معهم بغض النظر عن المقولات التي تتحدث عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في الحرية والكرامة، فضلاً عن دوره الإجرامي في غزو العراق واستباحته ونهبه، وسبق له وهو عرّاب اللجنة الرباعية التابعة للأمم المتحدة بخصوص القضية الفلسطينية، أن ظل يعقد اجتماعات ويدلي بتصريحات انتهت إلى لا شيء، ولم يبق للفلسطينيين الذين أملوا فيه إلا قبض الريح والوطن المستباح!

مادلين أولبرايت لم تحمل للمنطقة إلا الشر المستطير، ولا تجد غضاضة في تلقين العرب والمسلمين – أقصد حكامهم – دروساً مهمة في ضرورة السمع والطاعة لسيد البيت الأبيض والرضا بالأمر الواقع، والانشغال بأطايب الطعام وشرب المياه المعدنية المستوردة، وقتل شعوبهم بحجة الإرهاب.

وقد لقيت أولبرايت حفاوة كبيرة من النظام الانقلابي، فقد استقبلها قائد الانقلاب، ومعها وفد من المجلس الأطلنطي الأمريكي، ضم ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، وفرانسيس ريتشاردوني، سفير الولايات المتحدة الأسبق بالقاهرة، وحضر اللقاء فايزة أبو النجا، مستشارة ما يسمى شؤون الأمن القومي.

ويلاحظ أن أعضاء الوفد معنيون بقضايا مصر والعرب، ولهم مشاركات ملموسة في كثير من الأحداث الشريرة التي أصابت المصريين والعرب، ولكنهم لا يعدونها سلبية بالنسبة لهم، بقدر ما يرونها نجاحاً لسياستهم في إخضاع تلك الأمة التعيسة، وتطبيعها على قبول الإذلال الصليبي الصهيوني والاستسلام له.

أكد قائد الانقلاب في اللقاء مع وفد أولبرايت، أن التحديات الراهنة (؟) تُحتم على مصر والولايات المتحدة الدفع بعلاقاتهما الإستراتيجية إلى آفاق أوسع؛ بما ينعكس بالإيجاب ليس على البلدين الصديقين فحسب، وإنما أيضاً على الساحتين الإقليمية والدولية، مشيراً إلى متانة العلاقات المصرية الأمريكية الممتدة عبر عقود، وتقوم على أسس راسخة من الاحترام المتبادل (؟) والمصالح المشتركة والتعاون المثمر في العديد من المجالات؛ وهو ما يعني أن كل ما ذكرته أبواق الانقلاب عن تبني الولايات المتحدة للمعارضين المصريين ومعاداة الانقلاب لا أساس له من الصحة في ظل علاقة السمن والعسل بين واشنطن وسلطة العسكر.

أما اللوبي اليهودي الصهيوني صاحب الكلمة الأولى في واشنطن؛ فقد أعرب قادته كما ذكر تسفيكا كلاين، في أثناء لقائهم بالسفاح نتنياهو بالقدس المحتلة عن غبطتهم؛ لأن قائد الانقلاب أبلغهم في اجتماعه بهم في القاهرة، أن نتنياهو قائد ذو قدرات قيادية عظيمة، وهذه القدرات لا تؤهله فقط لقيادة دولته وشعبه، بل إنها كفيلة بأن تضمن تطور المنطقة وتقدم العالم بأسره!

بالطبع لم يتم الكشف عن السبب الحقيقي لزيارة اللوبي اليهودي التي جاءت دون حديث مسبق وتم التحدث عنها من قبل وسائل الإعلام الأجنبية، ليخرج بعدها المتحدث باسم قائد الانقلاب ليقول: إن الزيارة تأتي في إطار الاستماع والمشاورات مع كافة التيارات والمنظمات العالمية بمختلف طوائفها، وقال المتحدث الرسمي باسم قائد الانقلاب: إنه تم البحث مع المنظمة اليهودية في كيفية القضاء على الإرهاب؛ أي الإسلام وفقاً للأدبيات الصليبية اليهودية! وهو ما أشارت إليه مصادر صحفية لم ترد ذكر اسمها، حيث أوضحت أن قائد الانقلاب تناول في حديثه مع المنظمة اليهودية أهمية الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية للوقوف بجانبه في الحرب على التيارات الإسلامية التي زعم للمنظمة اليهودية أن الإرهاب لا يخرج إلا من هذه التيارات التي تعتز بما كل ما هو إسلامي.

وأضافت هذه المصادر أن قائد الانقلاب تناول معهم إنجازاته في الحرب على كل ما هو إسلامي لتصويب ما يسمى الخطاب الديني بما يفيد نظامه والأمن العالمي من وجهة نظر المنظمات اليهودية، مطالباً إياهم بدعمه في خلق متغيرات جديدة للقضاء على التطرف الديني الذي يزعمه بين المسلمين وتنقية المفاهيم الإسلامية بما يخدم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تناول بحسب هذه المصادر أيضاً خارطة الشرق الأوسط الجديد مع المنظمة اليهودية بعد القضاء على التيارات الإسلامية في سورية والعراق وليبيا ومصر، لرسم صورة جديدة في الشرق الأوسط تتفق وأمن الكيان الصهيوني وسياسة واشنطن، والتوصل لحل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يخدم أمن كيان الاحتلال ويمنع من ظهور انتفاضة فلسطينية جديدة، بالإضافة إلى أهمية القضاء على التيارات الإسلامية بزعم مكافحة الإرهاب، والقضاء على مصادر تمويله وأهمية رقابة الإنترنت وأدوات التواصل الاجتماعي لنشر أفكار إسلامية.

إن تسليم الإرادة العربية والمصرية للصليبيين والصهاينة أمر مشين وقبيح ومدمّر وعبرت عنه أولبرايت لجريدة "المصري اليوم" ١٥/ ٢/ ٢٠١٦م قائلة: «المشاورات التي تم إجراؤها على مدار اليومين الماضيين، ستساعدنا في تطوير أفكار جديدة حول كيفية تمكين المجتمع الدولي لمساعدة شعوب المنطقة في صياغة مستقبل أفضل»، وأضافت أولبرايت: «لأنه جزء من مبادرة مهمة إعداد إستراتيجية الشرق الأوسط، قررت وستيف هادلي أنه من المهم زيارة مصر للتعرف على التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة من خلال الاستماع إلى مختلف الأصوات المصرية (دون الصوت الإسلامي المقموع بالطبع!)».

تتجاهل السيدة أولبرايت أنها تعرف كل شيء وهي في واشنطن، وتتناسى أن الشعوب هي التي تقرر مستقبلها، ولكنها جاءت مع بقية الذئاب الصليبية والصهيونية لتخطط مع الوكلاء المحليين في السلطة وخارجها لكيفية استئصال الإسلام وقتل المسلمين تحت الراية الدموية الكاذبة المسماة بمكافحة الإرهاب.. ولكن الله غالب على أمره!

(عقب الانتهاء من هذه السطور بدأ ذبح المسلمين في ليبيا بقيادة حفتر مع قصف أمريكي، وظهور قوات فرنسية وأمريكية بالقرب من بنغازي بحجة القضاء على "داعش" الذي لم يصب بطلقة واحدة، واسألوا قذاف الدم حبيب السلطة الانقلابية!).

الله مولانا، اللهم فرّجْ كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

الأحد, 21 فبراير 2016 12:47

د. أبو الغار.. والأمين "حاتم"!

د. محمد أبو الغار، طبيب شهير في مجال تخصصه؛ وهو زرع الأجنة، أو مساعدة الأزواج على استقبال أطفال لا يتمكنون من استقبالهم في الظروف المعتادة، وشهرته انتقلت من النطاق المصري إلى المجال العربي، وقد سمعت من صديقي د. مصطفى الرفاعي، أشهر أطباء المسالك وأقدمهم في مصر، ثناء عليه وعلى مهارته.

ولكن د. أبا الغار في المجال العام والعمل السياسي لم يحرز توفيقاً كبيراً، فقد انحاز إلى ما كان يسمى بـ"جبهة الإنقاذ" للمساعدة على الانقلاب العسكري الدموي الفاشي الذي أطاح بالحرية والشورى وكرامة المصريين وآمالهم في بناء مستقبل حقيقي يختارونه ويشاركون في صنعه.

كتب د. أبو الغار مؤخراً مقالاً بعنوان "رسالة إلى الأمن المصري"، نشرته جريدة "المصري اليوم" في ٣/ ٢/ ٢٠١٦م، تحدث فيه عن ضرورة وجود الأمن الذي تحتاجه مصر من أجل الاستثمار والصناعة والتجارة والسياحة، وحماية المواطن وبيته وممتلكاته، وأشار إلى أن الأمن السياسي جزء بسيط من الأمن الجنائي والأمن الاقتصادي، ولكنه أصبح كل شيء، وانتقل إلى حقيقة يبدو أنها كانت خافية عليه منذ انحاز إلى الانقلاب الدموي، وأدركها مؤخراً؛ وهي أن الأمن في مصر يعدّ الشعب عدوه الأول؛ وعليه أن ينتقم منه، ويكبت حريته ويقبض على المصريين بتهم وهمية ويودعهم الحبس الاحتياطي مدداً طويلة بقانون ظالم، دون توجيه تهمة محددة أو محاكمة أو حتى تحقيق.

وتناول ما يسمى الاختفاء القسري، وإصابة المواطنين وقتلهم في الأقسام بصورة روتينية، والاعتداء على أطباء المطرية وسحلهم لرفضهم كتابة شهادة مزورة، ثم يتساءل: هل وصلت بنا الحال أن نُقارَن بالدولة النازية؟ ويخاطب الشرطة المصرية: لستم أقوى من شرطة الاتحاد السوفييتي أو مبارك، أنتم تحتاجون إلى تدريب وتوعية واستخدام قليل من الذكاء حتى لا ينفجر الوطن.

ثم أشار إلى أمثلة عديدة تسبب فيها التصرف الأحمق للشرطة بمضاعفات جعلت صورة الوطن غير مريحة، فضلاً عن انتهاك استقلال الجامعة المصرية، وتوجه أخيراً بتحذير إلى قيادات الداخلية من ممارسات بعض المنتسبين إلى الأمن لأنها ليست في صالح أحد، وستذهب بنا جميعاً في داهية!

بيد أن أبا الغار يقع في تناقض كبير حين يصدق أن من حول الجنرال يكذبون عليه، ويقدمون له معلومات مغلوطة عمداً؛ مما يؤدي إلى إضعاف السلطة وضياع هيبتها.

الناس في مصر يعلمون جيداً أن قيادات الداخلية وعناصرها ينفذون أوامر عليا، وهذه الأوامر تعفيهم من المساءلة، ولا تحاسبهم على الجرائم التي يرتكبونها ولو كانت قتلاً أو تصفية خارج القانون، فالنظام العسكري الذي أسسه البكباشي جمال عبدالناصر عاد بالانقلاب لينتقم بوحشية بعد ثورة نبيلة في منهجها وسلوكها وتعاملها، جعلت الناس يحلمون بنظام يقوم على الحرية والشورى والاختيار، ويحفظ كرامة الإنسان المصري، ويعترف بآدميته وبشريته، وحقه في حياة طيبة تقوم على العدل والمساواة، بعيداً عن العنصرية والتمييز والاستعباد والاستبداد.

من المؤكد أن هناك من يكرهون الإسلام والإسلاميين، ومن أجل هذه الكراهية كان التحالف البائس مع العسكر والكنيسة المتطرفة للتخلص منهم ومن الديمقراطية جميعاً، وبالطبع كان انعدام وجود قاعدة شعبية عريضة للمتحالفين مثل التي يملكها الإسلاميون مسوغاً آثماً للانقضاض على الحرية والكرامة والعدالة.

لقد استعجل المتحالفون الوصول إلى السلطة، وظنوا أن الاستعانة بالعسكر ستقرب المسافة بينهم وبين كرسيها البعيد، ولكنهم للأسف كانوا مجرد أداة أضفت بعض الرتوش الشعبية على الانقلاب ضد الثورة، كما كانوا أداة لعودة الحكم العسكري بوحشيته التي يشكو من بعضها د. أبو الغار في مقاله الذي لخصته تلخيصاً وافياً.

إن الأنظمة العسكرية لا تتسامح مع الحكم المدني، ولا تقبل به ولو كان نتيجة ثورة شعبية نبيلة شعارها العيش والحرية والكرامة الإنسانية، وتتوسل إلى ذلك بكل السبل، ولو كانت مستهجنة، فمَنْ نَشَر الدبابات والمدرعات في الشوارع والميادين بحجة الحفاظ على المؤسسات والمباني، لم يتورّع عن استخدام الرصاص الحي وقذائف الطائرات في قتل الآلاف في يوم واحد، وإلقاء ما يزيد على 60 ألفاً من فضلاء الناس وراء الأسوار بتهم ملفقة، ومداهمة بيوت الأبرياء، وملاحقة الشرفاء ومطاردتهم، وتصفية الآمنين في بيوتهم وفي الشوارع تحت ذرائع غير مقنعة، مع ممارسة التمييز العنصري بسب العقيدة الدينية والحرمان من الحقوق الإنسانية.

لعل د. أبا الغار يتذكر الأمين "حاتم" في فيلم "هي فوضى" الذي أخرجه الشيوعيان يوسف شاهين، وخالد يوسف (حليف الانقلاب وصانع الفوتوشوب)، والأمين "حاتم" قام بدوره الراحل خالد صالح؛ وهو رجل شرطة من الجنس الثالث (لا هو ضابط ولا صف ضابط)، وقد وجد المجال واسعاً في الحي الشعبي الذي يعيش فيه لينتقم من الناس ويفرض عليهم الإتاوات والرشى، ويسعى للاستحواذ على فتاة تعمل مدرّسة، ويسعى للتنفيس عن عقده الكثيرة بطرق شاذة وعنيفة، وفي الوقت نفسه يواجه خطيب الفتاة المدرسة وهو وكيل النيابة الذي يمثّل رجل القانون ويتحداه، ليعلن أن السلطة الأمنية لا يقف في طريقها أحد! لقد استطاع "حاتم" أمين الشرطة الفاسد أن يفرض القهر والقمع والخوف على أهل الحي، وأن يحوّل قسم الشرطة إلى سجن يضع فيه من لا يمتثل لأمره أو لا يعجبه، ويردد مقولته التي صار الناس يحفظونها لكثرة ترديدها: "من لا خير له في حاتم، لا خير له في مصر!"، وهكذا تماهت شخصية مصر في شخصية "حاتم"، كما تماهت من قبل في شخصيات الحكام العسكريين!

مع أنّ المخرجيْن زيّفا واقع القوى السياسية، وجعلا راية الثورة والرفض معقودة بيد اليسار الفاسد، فإن شخصية أمين الشرطة "حاتم"، كانت هي الصورة الأعمق التي انتسبت إلى الواقع الحقيقي القائم والمستمر بكل قبحه ودمامته وجبروته.

إني أتمنى من أبي الغار أن يتخذ موقفاً يحفظ له تفوقه العلمي والطبي، فإما أن يعلن ندمه على مشاركته في جريمة الانقلاب ويعتزل الحياة العامة، أو يرفض الانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وينضم إلى المطالبين بالحرية والكرامة والعدل والمساواة في ظل الحكم المدني الرشيد، بالطبع لا أستطيع أن أتنبأ بما سيفعله أبو الغار، وإن كان مقاله مثل مقالات آخرين تتحدث عن خلل واضح في نظام الانقلاب، وتنبئ أن الوضع غير مريح وغير طيب، وأن السفينة تمضي في بحر الظلمات!

ذ كتبت هذه الكلمات تزايدت جرائم الأمين "حاتم" وتنوعت، وعقد الأطباء جمعيتهم العمومة للدفاع عن كرامتهم، وكتب أبو الغار بعض المقالات المؤيدة للجمعية، وتصدّت له اللجان الإلكترونية الأمنية بالتسفيه والإهانة والسخرية.. وما زال الأمين "حاتم" يُخرج لسانه للناس جميعاً!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

ذات يوم كنت أجلس في جمع من الفضلاء، وجرى الحديث عن مشكلة عامة يملك حلها أحد الملتحين المشهورين، كان الظن بالرجل وجماعته يومئذ أنهم من أهل الخير والطيبة، ولهذا كان الرجل في عيادته مشغولاً بكثرة المرضى الذين يرون فيه نطاسياً ماهراً متديناً، ويرونه بعد خروجه من العيادة داعية عظيماً مخلصاً؛ ينشغل في أمور الدعوة وقضاياها.

دار حديث الفضلاء حول صعوبة مقابلة الرجل، فاقترحت عليهم مازحاً أن نحجز للكشف لديه، وعند الدخول لغرفة الكشف نناقش المشكلة!

مضت الأيام لتكشف أن الرجل وجماعته لا يعنيهم أمر الإسلام ولا مشكلات المسلمين، فقد حملتهم الثورة إلى المجالس النيابية، وصارت لهم قوة سياسية، وأصوات مرفوعة، وأفكار مطروحة، وراحوا يزايدون على الرئيس المنتخب، ويشاركون في الحملة المجرمة التي عوّقت خطاه وشهّرت به، وانتهت إلى خطفه قسراً والانقلاب على الحرية والشورى والدستور، ثم ذبح المسلمين الأبرياء في ميادين رابعة والنهضة والمنصة والفتح ورمسيس والقائد إبراهيم وميادين مصر وشوارعها وقراها وهو الذبح الذي مازال مستمراً حتى اليوم!

رفعت اللحى الخائنة المزيفة راية "الأخونة" التي رفعها الشيوعيون وأشباههم، ودارت لحية خائنة بقوائم تزعم أن "الأخونة" طالت ألوف المناصب والوظائف، وزعموا أن الرئيس المختطف منح ترخيصات للكباريهات، ووقف ضد تطبيق الشريعة، ثم تجولوا في غرب البلاد وشرقها وشمالها وجنوبها للتأليب على الرئيس حتى وصلت بهم الخسة إلى المشاركة في الانقلاب العسكري الدموي الفاشي بالتحالف مع الكنيسة المتمردة والعلمانيين خصوم الإسلام والانتهازيين من جماعات كل العصور!

للأسف كانوا في حملتهم الإجرامية انتهازيين ظالمين، وفضحهم الله حين عرف الناس أنهم كانوا يتحركون بوحي الأجهزة الأمنية التي صنعتهم في زمن المخلوع، ووظفتهم للوشاية بالشباب من أتباعهم وبالإسلاميين من غيرهم، وتغاضت هذه الأجهزة عن جرائمهم الخاصة من تجارة حرام وصفقات مريبة وزيجات غريبة واستقبال أموال من بلاد عربية، وأتاحت لهم فرص الحديث من خلال الإعلام الانقلابي والزيارات الخارجية والمنح الدراسية في بلاد الكفرة، ولوحظ أنهم أبلوا بلاء غير حسن في الانتخابات الهزلية التي دشنت دستور "زليخة" الذي ألغى المادة (219)، وقد زعموا أن إلغاءها دونه الرقاب، وثبّتت الجنرال رئيساً وزعيماً يطلب عدم تقديس أفكار إسلامية منذ مئات السنين تدفع المسلمين إلى الاعتداء على غيرهم، وأخرجتهم من برلمان الكنيسة والمخابرات بخفي حنين، فلم يحصلوا إلا على عدد أصابع اليدين من نواب لا يستطيعون أن يقولوا: "بما لا يخالف شرع الله"، ولا أن يقدموا سؤالاً أو استجواباً.

لقد أنفقوا الملايين على جلب الناخبين في الميكروباصات والتكاتك، ولم يقولوا لنا: من أين جاءتهم هذه الملايين الحرام، وفي الوقت نفسه يأكلون حقوق الذين يعملون في صحفهم وإعلامهم ومواقعهم!

لقد انتهى الانقلاب من استخدامهم في المهمات الصعبة، وركلهم ببيادته إلى حفرة عميقة وحرم عليهم المنابر والمساجد إلا بتصريح دونه خرط القتاد! ولم يبق لهم إلا الزبيبة السوداء من الحجم الكبير، واللحية التي تصل إلى منتصف البطن، والفتاوى الهامشية الخائبة التي تتجاهل محنة الإسلام والمسلمين في ظل الانقلاب!

على كل حال، فقد انتهت "الأخونة" المزعومة بالانقلاب العسكري الدموي الفاشي، وصار الإخوان أسرى وراء القضبان، وزاد عددهم عن 60 ألفاً، ويزداد عددهم مع زيارة الفجر كل ليل، وتتم تصفية بعضهم في البيوت والشوارع والاختفاء القسري بحجة أنهم إرهابيون أو تكفيريون أو يتبادلون إطلاق النار مع المجموعات القتالية التي تداهمهم.

مصر التي كان يحكمها رئيس مسلم منتخب صارت اليوم تحت الحكم العسكري الكامل، لا مجال فيها لحكم مدني، أو دستور أو قانون بفضل خيانة اللحى الزائفة والقوى المتحالفة وفي مقدمتها الكنيسة والتنظيم الطليعي والشيوعيين والانتهازيين والمرتزقة من رجال كل العصور.

العسكرة في كل مكان ومجال، وزارة الأوقاف يحكمها العسكر والمحليات والثقافة والتعليم ومحو الأمية والصناعة والتجارة والرقابة والمحاسبات والصحافة والإعلام والزراعة والخارجية والجامعات والنقابات والكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها، يتحكم فيها العسكر مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.

مثلاً دعت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" السلطات المصرية إلى مراجعة قرارات الضبطية القضائية والقوانين التي وصفتها بالمكبلة للحريات، مؤكدة أنها تسببت في تفاقم أزمات المجتمع المصري سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في الفترة الأخيرة.

وقالت مؤخراً، في بيان لها: إنه في مقدمة القوانين التي تستوجب وقف العمل بها، احتراماً للدستور المصري، القانون (رقم 136 لسنة 2014)، والذي أعطى للمحاكم العسكرية الحق في محاكمة المدنيين لمدة عامين كاملين، واصفة إياه بأنه يعد فرضاً للطوارئ بشكل غير مباشر، وبات سيفاً معلقاً على حقوق المواطنين وحرياتهم.

وأوضحت المنظمة أن الساحة المصرية شهدت في الفترة الأخيرة صدور نحو 30 قراراً بمنح الضبطية القضائية لموظفين عموميين، بالمخالفة للقواعد القانونية والدستورية، لافتة إلى أن هذه السلسلة من القوانين والقرارات تدفع الدولة المصرية في أتون الدول العسكرية، وشهدت الفترة الماضية صدور قوانين وقرارات تصب في دائرة العسكرة، بحسب وصف المنظمة ومنها؛ تعديلات قانون العقوبات ليشمل إشارات معارضة للنظام أو التعبير عن آراء مخالفة لنظام الحكم، كإشارة "رابعة العدوية".

واستطردت قائلة: بجانب التوسع في إحالة المدنيين للقضاء العسكري وتحويل جميع المباني الحكومية لمنشآت عسكرية، وبمقتضى تعديلات قانون المحاكم العسكرية، تمت إحالة نحو 4000 مدني إلى المحاكمات العسكرية، كما صدرت أيضاً أوامر شفهية ومكتوبة في جامعات القاهرة وكفر الشيخ وقناة السويس بمنع ظهور أساتذة الجامعات بوسائل الإعلام إلا بإذن من رئيس الجامعة، ونوهت إلى حظر انتقاد مؤسسات الدولة والمسؤولين الحكوميين، واستحداث وظيفة معاون أمني للمدنيين للتعاون مع رجال الشرطة بوصفهم مخبرين سريين، وفق وصفها.

هنيئاً لأصحاب اللحى الخائنة بانضمامهم سابقاً ولاحقاً إلى دولة المخبرين؛ ليتمتعوا بالمال الحرام والزيجات المريبة وفضلة الأمان!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top