د. عصام الفليج

د. عصام الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

اشتهرت فنلندا بأنها الأفضل تعليما على مستوى العالم، منافسة جيرانها من الدول الاسكندنافية، ولك أن تتخيل أن سبب ذلك هو تقليل أيام الفصل الدراسي، وتقليص ساعات التدريس في الأسبوع، وتجميد الاختبارات الموحدة، وإلغاء الواجبات المنزلية، فتوجت بالمراكز الأولى في اختبارات القياس الدولية.

صاحب هذه الفكرة د.باسي سالبرغ، صاحب كتاب «الدروس الفنلندية»، الذي يبدأ بالتذكير بأهداف التعليم: بناء اقتصاد جيد، والمحافظة على ثقافة البلد، ويقول: أباد التعليم الفنلندي 99% من جراثيم التعليم العالمي، وهي: كثافة المواد، كثرة الاختبارات، طول وقت الدوام، الواجبات والدراسة المنزلية، لأنها ممارسات غير تربوية، إضافة إلى التشدد في محاسبة الطالب والمعلم، كل ذلك من شأنه إرهاق المعلم والتلميذ معًا، وإضعاف عملية التعليم ككل.

ونرى نتيجة ذلك.. الطالب أقل قلقًا، والمعلم أقل توترا، والأبوين أكثر راحة.

ويحذر د.سالبرغ من إلزام الطالب بمعلومات تفصيلية وحفظها (يعتبرها حشو وتلقين) لم يحفظها كُتَّابها الأصليون أساسًا، ولا يتداولها إلا أهل التخصص الدقيق، ويسميها «المعرفة المعزولة». وينبغي التركيز على تعليم الطالب التفكير الإبداعي، والضمير الأخلاقي، والمهارات التواصلية، والموهبة الخاصة. وهذه لا تتطلب مصطلحات جامدة، ولا حفظ نصوص مطولة.

كما أن للمدرسة دور أكبر من أن تحكم على طالب من خلال ورقة، فالتعليم ليس للتقييم، والتوصيف الوظيفي للمعلم محدد بمساعدة كل طالب لفهم المادة داخل الصف، دون ملاحقته بامتحانات طويلة وقصيرة ومفاجئة، ومواسم رعب نهائية.

وبالتالي.. لا يعطى طلاب الابتدائية شهادات تحدد مستواهم بالدرجات والتقديرات، تجنبًا للتصنيفات والمقارنات المبكرة بين الأقران.

وأشار د.سالبرغ إلى الانتقال من مرحلة "توحيد التعليم" إلى مرحلة «تفريد التعليم»، التي تقوم على تفاوت الطلبة في قدراتهم وإمكانياتهم خلال عملية التعلم. ففي مرحلة التفريد يوجَّه المعلم إلى وضع خطة فردية تتناسب مع الاختلافات الطبيعية بين طالب وآخر. وتتسم هذه الخطط الفردية بالمرونة العالية، بحيث يتمكن المعلم من متابعة أداء كل تلميذ على حدة، وبحسب نقاط قوته وضعفه يحدد مدى تطور مستواه التعليمي، ولا يقارَن بتلميذ بآخر، فكل تلميذ له مسار تقييمي خاص يدركه معلمه جيدًا.

وقد يؤدي ذلك إلى استمرار المعلم في تدريس نفس الصف بنفس الطلبة لأكثر من خمس مراحل متتالية، وربما يعرف تلاميذه أكثر مما يعرفهم آباؤهم، وبذلك تلاشت نسب الرسوب في مدارس فنلندا.

وترى المدرسة الفنلندية أن رسوب الطالب نوعًا من الظلم الواقع عليه، لأنه الوحيد الذي يتحمَّل فشل الإدارة والمناهج والمعلمين.

وعندما يُقرَع جرس المغادرة إلى البيت، يكون الطالب في هذه اللحظة قد امتلك باقي يومه؛ يمكث مع والديه، يلعب مع رفقته، يلتحق بناديه.

إن المجتمع بحاجة إلى طالب مُعَد نفسيًّا لمواجهة المشكلات، وذهنيًّا لابتكار الحلول، وهذا ما كان ينتظره الاقتصاديون من التعليم، باعتبار المدرسة منصة ملهمة لبث الأفكار المبتكرة في المجتمع. فانتقلت فنلندا من اقتصاد يعتمد على الموارد، إلى اقتصاد يعتمد على الابتكار.

ووثق المعلم الأمريكي تيموثي ووكر في كتابه "دَرِّس مثل فنلندا" تجربة التدريس في فنلندا، وصف المنهج الفنلندي بصفات ست جمعها في كلمة (SIMPLE)، وهي الأحرف الأولى من كلمات: Sensible (معقول)، وIndependent (مستقل)، وModest (متواضع)، وPlayful (مرِح)، وLow-stress (منخفض التوتر)، وEquitable (عادل)، ولخص ذلك بالآتي:

  • معقول: منهج خفيف مليء بفترات الاستراحة، بواقع 15 دقيقة حرة بعد كل 45 دقيقة تعلُّم.
  • مستقل: يتمتع الطالب بقدر كبير من الاستقلالية داخل الفصل؛ حركته، حواره مع معلمه، تعاونه مع زملائه، وتشكيل فرق عمل جماعية.
  • متواضع: عدم اشتراط توفير أفضل التقنيات وأرفع الميزانيات لتطوير التعليم، فمن خلال منهج متوازن يراعي الطالب؛ يمكنك أن تكون الأفضل في العالم.
  • مرح: يبدأ الطالب التعلم في سن السابعة، وقد قضى طفولته السابقة باللعب، فيدخل المدرسة ليدرس 3 ساعات في اليوم فقط، مليئة بالتعلم من خلال اللعب، ويقضي باقي وقته في المدرسة في اللعب أيضًا، ثم يرحل باكرًا من المدرسة ليلتحق بناديه ليستكمل اللعب. هذه قوة اللعب.
  • منخفض التوتر: بيئة التعلم داخل المدرسة وبعد المدرسة يجب أن تكون هادئة ومريحة، ولا تتطلب إضفاء أجواء توتر وإجهاد. الهدوء والاسترخاء مطلبان مهمان للتلميذ والمعلم معًا.
  • عادل: لا يهم أين تسكن، فأنت دائمًا قريب من المدرسة التي ترغب فيها. لا توجد شروط تعقد قبول ابنك بالمدرسة المطلوبة، هذا حق للجميع.

إن المنهج الفنلندي يحترم النزعة الحركية للطفل، ويتجاوب مع فطرته بمزيد من الألعاب التعليمية والمساحات الحوارية والتعبيرية مع المعلم، وهذا ما جعل شركة «Angry Birds» (شركة فنلندية) تسعى لتصميم ألعاب تشرح المسائل العلمية من خلال المغامرة والترفيه.

ويطرح أركان العملية التعليمية باختصار:

  • الطالب: لا حاجة لتعليمه كل شيء مبكرًا، ومهمتك أن تحفز فضوله الطبيعي نحو التعلم حتى يكبر، ويختار تخصصه المناسب.
  • المعلم: خفف عنه العبء المطلوب منه تدريسه، وامنحه الثقة، وأعطه صلاحيات أوسع لحل المشكلات اليومية دون الرجوع للإدارة.
  • المنهج: قدِّم مناهج عملية تركز على مهارات اجتماعية وإدارية، ونظرية تراعي الفروق الفردية بين الطلبة، وعلم جزء من المنهج من خلال المسابقات الفردية والجماعية داخل المدرسة.

هذا ملخص تقرير صحفي حول التعليم الفنلندي، نشرته بعض المواقع الالكترونية، وليس بالضرورة أن ما يناسب غيرنا يناسبنا، المهم أن نستفيد من تجارب الآخرين، ولو بشكل جزئي، حتى نستطيع الارتقاء بالتعليم في بلادنا.

 

الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018 14:35

مطبق سمك كويتي في مركز إسلامي

زرت قبل 20 عاماً تقريباً إحدى الدول الآسيوية لافتتاح بعض المشاريع الخيرية، بصحبة ثلة من أهل الخير والمتبرعين، وبعد حفل الافتتاح في إحدى الجزر الكبرى في تلك الدولة، دعينا على الغداء في المركز الإسلامي، وفوجئنا بأن الغداء كان «مطبق سمك ودقوس»، فأكل الوفد بحرارة بعد انقطاع دام أياماً بأكلات آسيوية، وبعد أن انتهينا من الغداء قلنا لرئيس المركز: هذه الطبخة كويتية.

فقال: نعم.. إنها من طبخ بناتكن من خريجات جامعة الكويت الحاصلات على منح دراسية، وقد تعلمن هذه الطبخات من خلال الأنشطة الطلابية، وعلاقتهن بالطالبات الكويتيات.

وأردف قائلاً: إنهن فرحات جداً بقدومكم، وقد كتبن لكم أبيات شعر ترحيبية على السبورة باللغة العربية، وما زلن يستذكرن تلك الأيام الطيبة التي قضينها في الكويت، ورأين فيها العلم والخير والبركة.

وهن الآن يطلبن من الوفد أن ينشد لهن بعض الأناشيد الكويتية المشهورة، فما كان من الشيخ سعود الكندري، يرحمه الله، إلا أن بادرهن بالنشيدة تلو الأخرى، ونحن نردد معه، وهن ينظرن من خلف النوافذ والأبواب والفرحة تغمرهن.

استذكرت هذه الزيارة واستشعرت أثر عمل الدولة الخيري في العالم، دون انتظار شكر أو اشتراط أمر، وكان نصيبي مع أناس قدروا ذلك ومازالوا يقدرونه.

وأذكر خلال جولاتي برفقة د. خالد المذكور، حفظه الله، أن أحد السفراء الكويتيين طلب من د. خالد أن يكلم وزارة التربية لتقديم المزيد من المنح الدراسية لهذه البلاد وغيرها، ابتداءً من المعهد الديني، ومروراً بالمعاهد المهنية والكليات التخصصية، لأن وزراء التربية في تلك البلاد يثقون بمخرجات التعليم في الكويت، خصوصاً في مجالات الدراسات الإسلامية والشريعة، ويرون أن من يعود من الكويت يكون معتدلاً غير متطرف، كما يحصل في دول أخرى.. وبين السفير أن أعداد المنح المطلوبة للدراسة في الكويت أكثر من المطروحة.

وبالفعل تم نقل هذه الملاحظات لوكيل وزارة التربية آنذاك بشكل شفوي، ولا أعلم إن اتخذ أي إجراء لذلك.

هذه السمعة الطيبة للكويت في مجال الفكر الوسطي والاعتدال الديني، إنما هي صورة إيجابية للفكر التربوي والتعليمي في الكويت، وينبغي أن تحافظ وزارة التربية على هذا المستوى بشكل يتناسب مع تجدد الحياة، واتساع الخدمات، وبالأخص في المعهد الديني للمرحلتين المتوسطة والثانوية، والدراسات الإسلامية في كلية التربية، ودراسات كلية الشريعة في الجامعة، وغيرها من التخصصات، والذين شاركونا المقاعد منذ السبعينيات.

وكان الأمر في السابق أيسر في قبول الطلبة من خلال الجمعيات الخيرية الكويتية، أو الرموز الإسلامية الذين يمثلون الكويت في محافل كثيرة، فتكون مناسبة لإحضار عشرات الطلبات من كل بلد، إلا أن الوزارة بدأت تجعل استقبال الطلبات عن طريق سفارات تلك الدول، التي غالباً تكون القرى بعيدة عنهم، ويحرصون على اختيار المقربين لديهم من نفس الحزب، وأحياناً يرسلون غير مسلمين لتضطر الوزارة لقبولهم في مجالات أخرى، رغم أن الأصل والحاجة هي في المجال الشرعي.

ولفت نظري في حملة «بالقرآن نرعاهم» التي نظمتها جمعية المنابر القرآنية لدعم ذوي الهمم في تعلم القرآن الكريم وحفظه، وجود شباب صم من البحرين وعُمان يدرسون في مدرسة الصم الكويتية باستضافة وزارة التربية، فسعدت لذلك كثيراً، وأن الوزارة مازالت تستضيف الطلبة من مختلف دول العالم.

إن أثر عمل الخير سيبقى مخلداً عبر الزمن، وما علينا سوى الاستمرار به وتطويره ودعمه، والله يحفظ الكويت من كل شر.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

الأربعاء, 05 ديسمبر 2018 14:28

هل ما زال الأمل قائماً بالعودة؟!

تستقبل دول العالم المتقدم العديد من المهاجرين إليها لأسباب مختلفة (اقتصادية، سياسية، دراسية.. إلخ)، وغالباً يكون تفكير ذلك المهاجر البقاء بضع سنوات، ثم العودة إلى بلدته التي يعشقها، وتمتد به السنوات تلو السنوات حتى يتزوج وينجب ويدخل أبناؤه المدارس، والأمل مازال قائماً بالعودة، ويحصل على الجواز، ويكبر أبناؤه ويدخلوا الجامعة، والأمل ما زال قائماً بالعودة، ويعمل الأبناء في أماكن متعددة وفق جنسيتهم الجديدة؛ ليمثلوا الجيل الثاني من ذلك المهاجر، ثم يتزوجوا وينجبوا ويدخل أبناؤهم المدارس، ويصبح ذلك المهاجر جداً، والأمل ما زال قائماً بالعودة، ويكبر الأحفاد ويدخلوا الجامعة، ويعملوا في عدة وظائف، ليمثلوا الجيل الثالث من ذلك المهاجر، ولا نعلم هل ما زال ذلك المهاجر على قيد الحياة أم لا، وإن كان حياً فهل الأمل ما زال قائماً بالعودة؟!

تبقى هذه السلسلة من المهاجرين سُنة الحياة منذ بدء الخليقة، من جميع الأجناس والأعراق والأديان، وإلا لما وصل البشر إلى أقاصي الأرض شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، ليتم إعمار الأرض حتى تستوعب تلك الهجرات المتوالية.

وهناك من استثمر هذه الهجرات علمياً واقتصادياً وعسكرياً وفنياً ورياضياً وثقافياً ودينياً وقيمياً.. وغير ذلك، (نقلت اليابان التقنية من ألمانيا، لتكون رائدة الصناعة في العالم)، ولو استعرضنا أسماء كبار المستثمرين والسياسيين والاقتصاديين والرياضيين في العالم؛ لوجدنا عدداً كبيراً من المهاجرين، وهناك من هاجر ومات ولم تكن له بصمة في هذه الحياة، لا على نفسه ولا ذريته ولا مجتمعه.

ومن هؤلاء المهاجرين مسلمون من عدة أجيال، فمنهم من فقد لغته الأم (مع أنهم يتعلمون لغتين بالمدرسة)، ومنهم من فقد دينه (بالاسم فقط)، ومنهم من فقد قيمه وهويته، ومنهم من نقل مشكلاته وخلافاته من الموطن الأصلي إلى المهجر، ومنهم من تقوقع على نفسه، فلا استفاد من الفرص المتاحة له كمواطن في بلد متقدم، ولا ارتقى بنفسه فكراً وعلماً وثقافة، وثبت أن ذلك كله مرتبط بمدى اهتمام الأسرة بالأولاد؛ تربية وتوجيهاً وتعليماً، ومدى تفاعل الوالدين مع فعاليات ومرافق المجتمع، في الدوائر الأقرب فالأبعد.

ومنهم من ارتقى بنفسه في شتى المجالات؛ فرأيناه محافظاً ولورداً وبرلمانياً ووزيراً ورئيساً، ورأيناه طبيباً ومهندساً ومحامياً وصيدلانياً ولاعباً، (في لندن "رابطة أطباء القلب المصريين" لكثرتهم، فما بالك بباقي التخصصات؟!)، ورأينا البرلمانيين والإعلاميين والرموز الاجتماعية والاقتصادية، ووصل بعضهم إلى حد الثراء، وعلاقات سياسية واجتماعية لا حدود لها، ويحرصون على أداء صلاة الجمعة في المسجد، شيء جميل، ولكن.. ما أثر ذلك على المجتمع المسلم؟ وما أثر ذلك على الدعوة الإسلامية؟ وما أثر ذلك على أبنائهم في بلد المهجر؟!

لقد دفعوا ثمن الهجرة كثيراً من عواطفهم وعلاقاتهم وأحبابهم، وحققوا ما لم يتوقعوه أو يحلموا به، لكنهم لم يعكسوا ذلك حمداً وشكوراً في الحرص على تعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم واللغة العربية وأصول الدين الإسلامي التي تعلموها في موطنهم الأصلي، ولا في دعم المراكز الإسلامية التي تقوم بذلك نيابة عنهم، التي تتسول الأموال كل صلاة جمعة، ومن الدول المانحة.

ولا نعلم.. هل قدموا رسائل إيجابية عن الإسلام؟ هل دافعوا عن الإسلام من خلال عملهم أو مناصبهم؟

إذاً أصبحت الهجرة هنا مضيعة للدين والمال، والعمر والأجيال، فما دامت الهجرة قسرية، فلنجعلها إيجابية بعطائنا لأجل ديننا، فما لم يحصل عليه غيرك، لتكن أنت سبباً في حصوله عليه، لعل الأمل بالعودة يعود.

تغير الفكر الاستعماري في العالم مرات عديدة عبر الزمن، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، من حروب بالوكالة، واحتلال بالوكالة، وثورات بالوكالة، واختراق سياسي، وتوجيه ثقافي وإعلامي، وابتزاز اقتصادي، وصناعة عدو وهمي، وإثارة الشارع على الحكومات، وإشغال الشعوب بلقمة العيش، وإفقار المعتدلين، وإثراء الأثرياء.

لقد أنهيت الحرب الباردة بين قطبي العالم أمريكا وروسيا، لأنها أشغلتهما عما هو أهم، وتوحدت الألمانيتان، وتوطدت العلاقات الاقتصادية الصينية- الأمريكية، فتجمدت الخلافات السياسية، وتوقفت تهديدات كوريا الشمالية لأمريكا، وبدأت العلاقة بين الكوريتين تعود تدريجياً، وأخذت فيتنام وضعها، وبرزت النمور السبعة، وتفرغت اليابان للعلم والتكنولوجيا، وتفككت دول الاتحاد السوفييتي لتخفف عبئاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً على موسكو، وتحلحلت دول أوروبا الشرقية المندمجة (يوغسلافيا، تشيكوسلوفاكيا)، لتمثل خارطة دول جديدة، وأعلاماً جديدة انضمت لهيئة الأمم المتحدة.

وبالطبع نتج عن ذلك ظهور دول إسلامية كثيرة، وأقصد إسلامية أن معظم شعوب تلك الدول تدين بالإسلام، وليس بالضرورة تطبق الإسلام، فقد تكون علمانية أو اشتراكية، مثل دول آسيا الوسطى، وشرق أوروبا، مما سهل تحديد هويتها، وتحييد الدول التي تحميها، لتكون أضعف من ذي قبل، لأنه من أهم اشتراطات الاستقلالية ألا يكتب في الدستور «دين الدولة الإسلام»، إنما هي دولة علمانية، أو أقلها مدنية.

ويعد هذا التفكك والاندماج إحدى مراحل خارطة العالم الجديد، التي تتجدد بالاستعمار تارة، وبالاستقلال تارة، وبالثورات والانقلابات تارة أخرى.

وما زالت هذه الأساليب قائمة، والخاسر هو الدول الضعيفة، ودول العسكر، والدول الساذجة سياسياً.. وما أكثرها.

وما زالت محاولات فرض «خارطة الشرق الأوسط الجديد» قائمة، لتحقيق أمنية بني صهيون الذين وضعوا النهرين حدوداً لبلدهم، بدأت مع ثورات «الربيع العربي» المخترقة، التي خرج لها الناس بحسن نية أملاً بوضع أفضل لهم، فعادت وبالًا عليهم وعلى بلدهم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً ودينياً وثقافة وفكراً، حتى إنهم أخذوا يتندرون على ماضيهم المؤلم لحاضر أشد إيلاماً.

وآخر المحاولات ذلك الانقلاب الفاشي الفاشل في تركيا، الذي يعرف الكل قصته.

ولعلها فرصة لاستذكار نعمة الأمن والأمان التي يعيشها كثير من الناس، ويفتقدها أناس آخرون (الشام وفلسطين واليمن أنموذجاً)، وأن نحمد الله عز وجل أن جعلنا في بلاد آمنة من ذلك الاختراق السياسي والأمني.. وينبغي ألا نجري وراء شعارات سياسية سرعان ما يتخلى عنها من أعان عليها، فلا بد لكل إنسان أن يحكّم العقل، وألا ينساق وراء العاطفة والإعلام والتواصل الاجتماعي، فكم يؤلمني عندما أرى من يتهم التيارات الإسلامية، ويشتم السلفيين، ويخوّن التبليغ، ويسبّ الإخوان، ويتطاول على الوهابية، ويستجيب لإثارة الفتن بين السُّنة والشيعة، والحضر والبدو، والليبراليين والإسلاميين، وبين الحاكم والمحكوم (خصوصاً في دول الخليج)، لأن الخاسر الجميع، والكاسب من خطّط لذلك كله.

علينا بالفعل أن نحذّر من الاختراق السياسي والأمني والإعلامي، حتى لا نكون لقمة سائغة لمخططي خارطة الشرق الأوسط الجديد، وأن نوحد الصف، وألا نستسلم للإشاعات.. وما أكثرها.

وأسأل الله أن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين والإنسانية جمعاء من كل شر.

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

الصفحة 1 من 10
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top