محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 22 يونيو 2020 16:30

صناعة السجون.. الاستعباد الجديد

عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية 328.2 مليون، حسب إحصاء عام 2019، ويمثلون 5% من سكان العالم، إلا أن 25% من سجناء العالم فيها، وهذا يعني أن واحداً من كل 4 أشخاص من سجناء العالم في الولايات المتحدة؛ في بلد يقف تمثال الحرية شامخاً فيه.

لقد كانت الفكرة الرئيسة لصناعة السجون الأمريكية قائمة أساساً على فكرة عنصرية؛ وهي استبدال الرق بالسجن؛ أي الحرمان من الحرية كعقوبة، التي كانت ثغرة في التعديل الثالث عشر في الدستور الأمريكي الذي تم في مجلس الشيوخ، في 8 أبريل 1864.

لقد وصل عدد السجناء في الولايات المتحدة إلى ما يقارب 2300000 سجين إلى اليوم، بحجة احتواء الجريمة، الكلمة البديلة عن "الرق".

لقد تطورت فكرة العبودية من "التحرر" إلى تقييد الحريات بمسار قانوني وسياسي لفكرة صناعة السجون الأمريكية، فمرت بعدة مراحل وانتقالات خلال العقود الخمسة الأخيرة (1964 – 2020)؛ أي من بعد انطلاق حركة الحقوق المدنية ما بين عامي 1954 و1968، وإقرار قانون الحقوق المدنية عام 1964، وقانون حقوق التصويت في السادس من أغسطس 1965.

لقد قمت بتحليل للمقابلات التي أجريت مع مجموعة من النشطاء والأكاديميين والسياسيين الأمريكان في فيلم (13th) الذي عرض علي شبكة نتفلكس (Netflix) من إنتاج Spencer Averick. وإخراج AVA Du VERNAy  وقد استنتجت مجموعة من النقلات الرئيسية منها:

النقلات التاريخية:

النقلة الأولى: ربط معدل زيادة الجريمة بحركة الحقوق المدنية وفرض قانون الأمن والنظام (Law & Order):

هدفت حركة ناشطي الحقوق المدنية إلى بناء حركة حقوق إنسان ودمج السود مع البيض في بوتقة التكامل في المجتمع الأمريكي؛ حيث ترى هذه الحركة أن عدم اختلاط الهجين وتكاملها سيدمر الفرقين معاً، لكن الإعلام ومن ورائه حشد من الساسة ورجال الأعمال بدأ يرسم صورة إعلامية بتنميط قادة هذه الحركة على أنهم مجرمون وأناس يخرقون عمداً "قوانين الفصل العنصري في الجنوب" ومع نمو نشاط الحركة تم تسليط الضوء على معدلات الجريمة، وأنها بازدياد، وربطها بنتائج ما كسبته حركة الحقوق المدنية، مع رفض الكثير من الأكاديميين، ومنهم د. جون هايغن الذي عزا ارتفاع معدل الجريمة بسبب نمو جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وله مطالبه وخصوصياته، وليس بسبب "العرق" أو الحريات المدنية، وتعزو ميتشل ألكسندر (Michelle Alexander)، مؤلفة كتاب "جيم كرو الجديد"، أن السياسيين هم من ادَّعوا بأنه لو أعطينا الزنوج حريتهم فسيكافئوننا كأمة بزيادة الجريمة.

لقد كانت الجريمة ثابتة في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين لم تزد أو تنقص كثيراً، لكن التغيير بدأ منذ السبعينيات من القرن العشرين، حيث بدأ تجديد مصطلح الحبس الجماعي، عندما نادى نيكسون (1969 – 1974) في بداية تسمله للحكم بمبدأ فرض الأمن والنظام، وهنا انطلق مصلح "Law Porder" (فرض الأمن والنظام) في الولايات المتحدة.

تقول أنجيلا دايفس، أستاذة فخرية (UC Santa Cruz): في حقبة نيكسون وفترة فرض الأمن والنظام أصبحت الجريمة مرادفة للعرق، لقد أطلق نيكسون مصطلح الحرب الشاملة أنه على الجريمة، وكانت ثورية سياسية، وكان ذلك يشير إلى حركات السود في ذلك الوقت، وضد حرمان "قوة السود" و"الفهود السود"، وفق ما قاله جيمس كيلغور، كاتب "Formerly incarcerated author understanding mass incarceration".

وكذلك شمل "الحركة المناهضة للحرب" وحركات تحرر المرأة والتي شعر نيكسون بأنه مضطر إلى النضال ضدها، وللتغطية على طبيعة الحرب، فإنها ضخت في الإعلام على أنها "حرب على المخدرات".

وقد تم إرسال مئات الآلاف من الأشخاص إلى السجون بهذه الحجة، وحتى الجنايات بسيطة جداً.

وقد أقر جون إرليتشمان، مستشار ريتشارد نيكسون، بأن هدف الحرب على المخدرات كان وضع السود في السجون، ولكي يجعل الرأي العام يربط بين الوجوديين والماريجوانا والسود والهيروين ثم تجريم الاثنين بشدة، ويمكننا إثارة الفوضى في المجتمعين، ويمكن اعتقال قادتهم ومداهمة منازلهم وإيقاف اجتماعاتهم وشيطنتهم ليلة بعد أخرى في نشرات أخبار المساء.

ويتابع: هل كنا نعلم أننا نكذب بشأن المخدرات؟ نعم كنا نعلم.

لقد وصل في عام 1970 عدد السجناء إلى 357292 شخصاً، في حين أنه مع وصول عام 1980 أصبح عدد السجناء 513900.

النقلة الثانية: تنميط الجريمة بالقانون "الحقبة الريغانية":

بانتخاب رونالد ريجان (1981 - 1989) أحدث تغييراً جذرياً من جوانب عديدة ولكن بالمعنى السلبي؛ حيث أعلن ريجان عام 1982 الحرب المعاصرة على المخدرات، واعتبرها حملة وطنية بالرغم من أن كل الاستطلاعات الوطنية لم تضع ذلك كأولوية عند غالبية الأمريكيين، يقول:

- مارك ماور (Marc Mauer)، المدير التنفيذي لمشروع "SENTENCING": أعتبر أن كوكايين الكراك خطرة أكثر من الإرهاب.

- وقد وضع الكونجرس عقوبات إلزامية لمتعاطيه أكثر عقوبة من متعاطي الكوكايين، وعادة كان السود وذوو الأصول اللاتينية ينالون عقوبات طويلة، كما يقول ديفيد دينكنز "David Dinkins" محافظ نيويورك الـ106: إذا كان أسود ووجد عنده كوكايين كراك فيسجن بقية حياته، وإن كان أبيض البشرة فسينال عقوبة بسيطة (حسب تصريح شاكا سنغور، ناشط، ويؤيد ذلك بات نولان (Pat Nolan)، ناشط أبيض).

ومع حقبة ريجان، فإنه فجأة وكأن منجلاً شق طريقه في مجتمعات السود وفرق الرجال وعائلاتهم، واختفى جزء كبير من العائلات في السجون ولفترات طويلة جداً.

في حين صرح ريجان حينها بأنه تم تخصيص ملايين الدولارات للسجون ومراكز الاعتقال وسرعان ما تحول عهد ريجان إلى حقبة من الحبس الجماعي للسود.

يقول نيوت غينغرش (Newt Gingrich)، رئيس مجلس النواب (الجمهوري) (1979 - 1999): إن "ذلك القانون شكل عبئاً هائلاً على مجتمع السود، لكنه طرق في الصميم حس العدالة".

في الواقع كانت حرب المخدرات المغطاة قانونياً هي حرب على المجتمعات ذوي البشرة الداكنة السود وذوي الأصول اللاتينية، ولتنميط السود على أنهم مجرمون ولم يتأذَّ البيض منها.

وبذلك ارتفع عدد السجناء في عام 1985 إلى 759100 سجين، وأصبح في الإعلام ثقافة شعبية وهي استعراض الشباب السود بالأغلال على الشاشات.

تقول مليكا سيريل (Malka Cyril)، المديرة التنفيذية لمركز العدالة الإعلامي: الرجال السود والسود عموماً يصورون بشكل زائد في الأخبار كمجرمين أكثر مما هو حقيقة استناداً إلى إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي، وقد خلق الإعلام صوراً نمطية بأن السود وأصحاب البشرة الداكنة على أنهم حيوانات في أقفاص ويخلقون سياقاً لإثارة الخوف مما يسوق فكرة أهمية السجون وتبرير وضع الناس في السجن.

النقلة الثالثة: التربح السياسي من وراء الخوف من الجريمة وجذب الكتلة الجنوبية:

مع حقبة جورج بوش الأب (1989 - 1993) استعمل حملة "صوتوا لمواجهة المجرمين"، وأنه الرئيس الحازم ضد الجريمة.

لقد فاز بوش بالانتخابات بخلق الخوف من الرجال السود كونهم مجرمين، الخوف الابتدائي للبيض.

تقول ليزا غرافيز (Lisa Graves)، المدير التنفيذي لمركز الإعلام والديمقراطية: إنها كانت لحظة تفرقة عنصرية للغاية تصوير مجرم أفريقي كان متعمداً في حملة بوش الانتخابية

لقد استمر في نفس السياسات التي انتهجها سابقيه، لقد وقف خلف تلك السياسات الخوف من السود "الجريمة".

طريقة مخاطبة خوف الناخبين وقلقهم في الأمة الأمريكية يمر عبر أجساد السود، لقد وصل تعداد السجناء في عام 1990 في عهد بوش إلى 1179200 سجين.

ومع فترة حكم بيل كلينتون كرد فعل لخسارتهم في انتخابات عام 1988، أصبح الديمقراطيون يميلون لاتخاذ موقف أكثر للتشدد تجاه الجريمة؛ لذا أكد بيل كلينتون أهمية زيادة عدد رجال الشرطة في الشوارع بقانون، ويؤكد أن الجريمة العنيفة والخوف الذي تولده يعيقان المجتمع الأمريكي، ولكن مع شيوع بعض الجرائم كاختطاف طفلة بولي كلاس وقتلها تم إقرار قانون "3 Strikes" (3 جرائم وستسجن مدى الحياة) في كاليفورنيا، وكانت تحسباً لجرائم البسيطة ويطلق السجناء ليعودوا مرة أخرى وفتح المجال في السجون لمرتكبي جرائمهم الثالثة.

وقد قيد هذا القانون السطلة التقديرية للقضاة وقدرتهم على تحقيق العدالة كما يقول "نيك ترنر" رئيس معهد ميزا للعدالة (NICHOLASTURNER).

لقد تم إلغاء جميع المحاكمات المدنية في كاليفورنيا للتمكن من مواكبة حجم العمل والقضايا الجنائية.

يقول كين ثومبسون (Ken Thompson) مدعٍّ عام: إن الذي قاد المرحلة هم المدعون العامون وليسوا القضاة، و95% منهم من المدعين المنتمين هم من البيض، وتم إقرار قانون "Truth in Sentencing" (قانون العقوبة الحقيقة) الذي أبقى الناس في السجن لـ85% من مدة عقوبتهم، وتم إزالة إطلاق السراح المشروط في النظام الفيدرالي ولو لجريمة واحدة، وفرض ذلك على القضاة.

أتى الكونجرس عام 1994 بمقترح مشروع قانون فيدرالي حول الجريمة بقيمة 30 مليار دولار من أجل قيام قوات فرض القانون بالاعتقال؛ حيث أدى ذلك لتوسع هائل لنظام السجون وبنائها مع وضع 100 ألف شرطي في الشوارع وذلك بتطبيق أنظمة الجيش حتى في أصغر أقسام الشرطة الريفية وتزويدها بفرق مداهمة، وقد أدى ذلك إلى زيادة في عدد المساجين وحالات حبس جماعية ومفرطة كما يقول كوري بوكر (Cory Booker)، سيناتور من نيو جيرسي.

يقول كريغ ديروش (Craig Deroche): لقد شيد بيل كلينتون في فترة حكمه "البنية التحتية للسجون التي نراها اليوم".

وهذه السياسة منحازة للغاية ضد ذوي البشرة الداكنة، لقد وصل عدد السجناء في عام 2000 إلى 2015300 سجين.

في نهاية حكمه، اعترف بيل كلينتون أنه أخطأ في سن تلك القوانين، لكن لم يحاسبه أحد، لقد كانت تلك القوانين استغلالاً للقوة السياسية، لقد أجبروا ملايين الناس على دخول السجن دون وجه حق، فككوا العائلات، أجبروا الأطفال على العيش دون آبائهم.

لقد بلغ عدد السجناء الأمريكيين الأفارقة عام 2001 نحو 878400 سجين.

النقلة الرابعة: تربح الشركات الكبرى من الجريمة وبقاء السجون مليئة وقانون "دافع عن أرضك":

في عام 2014 بلغ عدد السجناء في أمريكا 2306200 سجين.

قانون "دافع عن أرضك" الذي شرع في فلوريدا الذي يسمح للمرء بقتل شخص إن شعر بالتهديد؛ فأصبح غطاءً لتسهيل قتل أي مشتبه به وتبرئة القاتل.

هذا ما حدث في مقتل ترايفون مارتن، الطفل الأسود على يد جورج زيرمان الأبيض، وتم تبرئته وكانت تلك انطلاقة الأحداث التي نشهدها اليوم.

لكن التشريع السابق "دافع عن أرضك" كان ثمرة لمزيج من السياسة والعلاقات العامة والاستثمار المالي لنظام السجون؛ حيث اتُّهم نادٍ اسمه "AmericanLegislative Exchange Council “A.L.E.C” وهو نادٍ خاص لرجال الأعمال وسياسيين وشركات، أسس في عهد ريجان، وهو يقوم بخدمة تعاونية لتلبية رغبات رجال الأعمال وتنفيذها عبر الساسة الأمريكيين، حيث يتمكن أفراد الشركات من اقتراح قوانين على نظرائهم السياسيين ومعظمهم جمهوريون، ولتؤثر الشركات الكبرى عبر "أليك" (A.L.E.C) على سن القوانين، واعتبر ريجان أن "A.L.E.C" شراكة فريدة بين مشرعي الدولة وقادة الشركات.

وكل مشروع قانون يقدمه "A.L.E.C" هناك شركة تموله تقريباً مثل "إريكسون موبايل" (Ericsson Mobile)، و"تايم وارنر كيبل" (Time Warner Cable)، و"وول مارت" (Walmart)، و"ستايت فارم" (State Farm)، و"آلتريا" (Altria).

و"وول مارت" (Walmart) مولت قانون "دافع عن أرضك"؛ لأن ذلك يخلق بيئة ازدهار لبيع السلاح، وهي أكبر شركات بيع البنادق الطويلة في الولايات المتحدة.

لكن هناك شركات مثل صناعات "كوج"، وشركة "ستايت فارم" للتأمين، و"فارما" هي مجموعة ضغط للصناعات الدوائية، وكذلك تتلقى "أليك" (A.L.E.C) دعماً من صناعة التبغ، وكذلك "إيه تي آند تي" (A T & T)، و"فرايزون" (Verizon).

ولمدة عقدين شركة "كوريكشن كوربورايشن أوف أمريكا" (C.C.A) التي تخدم 60 موقعاً أمنياً، وهي خامس أكبر نظام إصلاحي في أمريكا تمتلك وتبني وتدير منشآت إصلاحية أمنية (السجون)، وهي أول شركة سجن خاص أمريكية، بدأت كشركة صغيرة في فرتينتي عام 1983، حيث بدؤوا بتوقيع عقود مع الولايات وتعين عليهم حماية استثماراتهم، فتعين لإبقاء السجون مليئة حتى لو لم يتم ارتكاب جريمة، وازدهرت هذه الصناعة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، وتتفوق على كثير من الصناعات في الولايات المتحدة، وكانت نموذجاً مضمون النجاح.

يقول "كيونغ جي ري" (Kyung Ji Rhe) كل التشريعات "3 جرائم وتسجن مدى الحياة" اقترحته "إليك" (A.L.E.C) قوانين الأدنى من الحكم الإجبارية، حيث تقدم تدفقاً ثابتاً من السجناء لدر الأرباح التي ستكون من نصيب مالكي الأسهم.

من خلال "A.L.E.C" غدت "سي سي إيه" (C.C.A) الرائدة في السجون الخاصة تدر عليها مليارات الدولارات، أرباح 1.7 مليار، وبذلك حظيت "سي سي إيه" (C.C.A) بدور في صياغة سياسة الجريمة في أرجاء البلاد، ليس فقط تخصيص السجون، بل وللازدياد السريع في التجريم، وقدمت سياسات لزيادة أعداد المساهمين ولزيادة مدة سجن السجناء، لقد استفادت شركة "سي سي إيه" (C.C.A) من استثماراتها في مجلس التبادل التشريعي الأمريكي "أليك"، وتضرر الشعب الأمريكي بطرق شتى من تلك السياسات وخصوصاً مجتمع السود بسبب الحبس الجماعي.

اقترح "إليك" مشروع قانون آخر هو "إس. بي. 1070 SB" فقد كانت شركة "سي سي إيه" (C.C.A) في فريق عمل "ALIC" الذي دفع لإصدار هذا القانون الذي منح الشرطة الحق بإيقاف أي شخص ظنت أنه يبدو مهاجراً، هذا القانون ملأ منشآت احتجاز المهاجرين في "سي سي إيه" (C.C.A)؛ حيث إن لديها العقد الفيدرالي لإسكان المهاجرين المحتجزين في أريزونا، وتفوق قيمته شهرياً 11 مليون دولار، وتدعى منشأة احتجاز، لكن في الحقيقة هي سجن صغير.

تقول ماري غوتشالك (Marie Gottschalk)، أستاذة العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا: لقد صنع نظام "هجرة إجرامي"، وإن هناك اندماجاً بين قوات فرض قوانين الهجرة ونظامنا لفرض القانون، وبعض الأمور نفسها التي كانت تستخدم في مكافحة المخدرات تستخدم على أناس آخرين.

النقلة الخامسة: الاستثمار في نظام المراقبة والسيطرة لمجتمع الملونين:

منذ عام 2008 اعتمدت 31 ولاية تغيرات إيجابية على إصدار الأحكام وإصلاحات إطلاق السراح والمراقبة، لكن نادي "أليك" (A.L.E.C) يقوم بجهد جبار لتخصيص كل قطاعات الحكومة، ومن ذلك قاموا بتخصيص المراقبة وإطلاق السراح (probation and Parole).

تقول جينا مارت (Gianna Martin): يريدون القيام بنظام تحديد المواقع (GPS) للانتقال لنظام حجز منزلي للأحداث وترسيخ السجون أكثر في المنازل بمراقبة بعضهم بنظام تحديد المواقع، وسيرتدون أساور في الكاحل والرسغ، فهل هذا سيحل مشكلة ازدحام السجون، والتركيز على سجن الناس في مجتمعاتهم، ووضع السجناء في إصلاحية تحت نظام المراقبة الجمعية، والاستثمار في تلك البرامج.

أصبحت المجتمعات السوداء تحت المراقبة والسيطرة، وتشكلت شركات خاصة تكسب المال من المراقبة بنظام تحديد المواقع بدلاً من سجن الشخص في قفص فعلي.

يقول دانييل واغنر (Daniel Wagner)، مراسل صحفي: يهدف مجمع السجن الصناعي إلى نظام الحبس الجماعي والشركات المستفيدة من الحبس الجماعي، ويتضمن ذلك مشغلي السجون الخاصة ومجموعة بائعين كثيرين مثل شركة "سيكيوراس تكنولوجيز" (Secures Technologies) التي تزود خدمات هاتفية (ربحت 114 مليون دولار في عام 2019) التي تكلف تلك الاتصالات إلى العائلات والأصدقاء في السجون الحكومية مبالغ كبيرة، حيث يضخمون السعر الذي يتقاضونه من السجين وعائلته.

- ولسداد ثمن مكالمة هاتفية مدتها 10 دقائق فإنها تساوي عمل ساعة ونصف ساعة.

- شركة "أرامارك" (Aramark) أكبر موردي خدمة الطعام، وقد اتهمت أكثر من ولاية بوجود ديدان في الطعام الذي قدمته.

- تقدم "كورايزن هيلث كير" (Corazon Health Care) رعاية صحية في 28 ولاية مختلفة، وتنال عقوداً بقيمة ملايين الدولارات على هذه الخدمة.

- تقدم حوافر ضخمة للمقاولين لعقود طويلة الأجل جداً، وهذه في الحقيقة مثبط على تقديم الخدمة؛ لأنهم سينالون أجراً على كل حال، بالرغم من ضعف هذه الخدمات في بعض السجون.

- لقد أصبح الحبس الجماعي مربحاً مادياً للغاية.

- شركة صغيرة تدعى "يونيكور" تربح 900 مليون دولار سنوياً! كيف تفعل ذلك بواسطة الكمية وكذلك عمالة السجناء Prisoners' labor؟

تشغيل السجناء كعمالة:

- تحالف بين صناعات الإصلاح والسجون والشركات الخاصة جزء يزدهر بسرعة من صناعة تقدر بمليارات الدولارات في أمريكا.

- نتحدث عن مصانع مستغلة للعمالة وشركات تستثمر في هذه العمالة المجانية، ويحدث هذا في كل المجالات؛ في صناعة ملابس الرياضة والأزياء الموحدة والقبعات وفي مايكروسوفت وبوينج، يصنع سجناء فيدراليون نظم التوجيه لنظام باترون، وتصنع سراويل "جاي سي بيني" (J.C.Penny) الجينز في "تينيسي"، وتصنع منتجات أرضيات "أندرسون" في جورجيا.

كانت توجد دائماً بطاطا "أيداهو" يقوم سجناء بزراعتها وتعليبها وشحنها، الشركات تعمل في السجون وتكسب من العقوبات.

يقول بوب سلوان (Bob Sloan)، مراسل صحفي: لقد ازدهرت صناعات السجن كثيراً حتى يصعب جداً الآن إيقافها، فهي تتضمن مبالغ كبيرة، ويدعمها مشرعون كثر جداً؛ لأنهم يتعرضون إلى الضغوط؛ لذا يتعين على الشعب أن يعارض ويستعيدها، ولن ينتهي الأمر ما لم يفعل ذلك.

النقلة السادسة: الحرمان من الحقوق المدنية بغطاء قانوني جديد:

يقول مجموعة من الخبراء القانونيين الأمريكيين كانت مقابلتهم في الفيلم الوثائقي "13th": إن عدم التمكن من دفع الكفالة للملونين والسود لأنهم أفقر من أن يخرجوا منها.

يعاملك نظامنا للعدالة الجنائية بشكل أفضل إن كنت ثرياً ومذنباً مما لو كنت فقيراً وبريئاً، الثروة وليست الإدانة هي ما يؤثر على النتائج.

ما يفكر فيه معظم الأمريكيين لأنهم شاهدوا مسلسلات قاعات المحاكم وما يشبهها أن نظام العدالة الجنائية يتعلق بالقضاة والمحلفين، لم يعد الأمر هكذا، لا يمكن أن يوجد هذا النظام إن قرر الجميع الخضوع لمحاكمة فسيتوقف النظام بأكمله، ما يحدث هو أن المدعي يقول: "يمكنك الاعتراف بذنبك وسنسجنك 3 سنوات، أو يمكنك أن تحاكم وسنسجنك 30 سنة، لذلك قم بتلك المخاطرة".

لا أحد في المناطق الفقيرة يخضع لمحاكمات، 96% من المساجين يقرون بذنبهم لتخفيف الحكم عليهم، وهذا من أسوأ خروقات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة.

هناك من يعترف بجرائم لم يقترفها؛ لأن فكرة سجنهم حسب أدنى فترات السجن الإجباري مؤلمة للغاية.

مجمع السجن الصناعي، النظام، الصناعة، كلها متوحشة، إنها تدمر السود واللاتينيين وتدمر حياتهم بالكامل، لم نفكر حتى من سيعمل في قضاء الوقت مع هؤلاء الناس وإلا سنريد اختصاصيين اجتماعيين ومعلمين، نريد أشخاصاً يفهمون السلوك البشري ويفعل عكس ذلك في الواقع.

تقول دوري نان (Dorey Nunn)، المدير التنفيذي لمؤسسة الخدمات القانونية للأطفال السجناء: توجد عقوبات كثيرة جائرة على الناس الذين يتعرضون إلى نظام العدالة الجنائية، السؤال الدائم: هل أدنت بجنحة؟ الموجود على طلب التوظيف، كما ويؤثر على القروض الطلابية ومنع رخص مزاولة الأعمال وعلى قسائم الطعام والإيجارات الخاصة فيما يتعلق بالسكن، السؤال الموجود على بوليصة التأمين على الحياة: "يلازمك خطؤك حتى نهاية حياتك في هذا البلد".

يقول: بريان تيفينسن (Bryan Tevenson)، مؤلف: إن حوالي 30% من الذكور السود في ألاباما اليوم قد فقدوا إلى الأبد الحق في الانتخابات نتيجة إدانة جنائية، نخبر في الواقع المواطنين الأمريكيين عندما يسددون دينهم للمجتمع أنهم لا يزالون سيحرمون من مواطنتهم.

تقول ميستشل ألكسندر (Michelle Alexaner): غدت جوانب كثيرة من قانون "جيم كرو" العنصرية قانونية مجدداً فجأة عندما توصف بأنك مجرم، الانتخابات، الحقوق الأبوية، يبدو أنه في أمريكا لم ننهِ التفرقة العنصرية، بل تم إعادة تصميمها وحسب.

وتتابع وتقول: قرر الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء أنه لم يعد من مصلحتهم إبقاء نظام السجن على حاله بعد الآن.

يقول رك بري (Rick Perry)، حاكم تكساس (2000 - 2015): المحافظون الذين يتبنون التشدد دائماً يتبنون الآن إصلاح نظام العدالة، إنه أمر غير عادي، اعتادت تكساس على إنفاق المليارات لسجن الناس الذين يرتكبون جنحاً بسيطة، حولنا برامجنا إلى برامج تشغيلية كمراقبة المجتمع.

تقول المناضلة أنجيلا دايفس (Angella Davis): في الحقيقية إنهم لا يريدون الرجوع للوراء وإصلاح ما أفسدوه كبلد، وغير مستعدين للاعتراف بأنهم سحقوا مجتمعات بأكملها وأجيالاً متعددة بأمور كالعبودية وقوانين "جيم كرو" وجميع أنظمة القمع الأخرى التي أوصلت الولايات المتحدة إلى ما هي عليه اليوم.

د. كينج: ظهر أولئك الأشخاص إيلا جوبيكر، فاني لوهايمر، وعرضت عليهما مشاريع القوانين للتصويت ثم حطموا القيود، إن سموك "مجرماً" لا يمكنك أن تنتخب أو تحصل على وظيفة؛ لذا لا ندري ما سيكون التكرار التالي لهذا، لكنه سيحدث ويتعين أن نكون يقظين.

"حياة السود مهمه" (Black Lives Matter):

  • احتمالات دخول السجن وفق مكتب وزارة العدل، الرجال البيض 1 من 7، الرجال السود 1 من 3 يتوقع أن يسجن خلال حياته.
  • نسبة الرجال السود نحو 6.5% من سكان أمريكا، وتبلغ نسبتهم 40.2% من السجناء.
  • هناك أمريكيون أفارقة تحت المراقبة الجنائية يفوق عددهم جميع العبيد في خمسينيات القرن الـ19.
  • مجمع السجن الصناعي يعتمد سياساته على تاريخ أمريكا في إرث العبودية.
  • ينص التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي: "لا العبودية ولا الاستعباد الإلزامي ستتواجدان في أمريكا"، "ولا استعباد إلزامياً للمدانين بجريمة"، "وحالما يدان بجريمة تغدو عبداً للولاية عدا عن عقوبة جريمة".

يقول كيفين غانون (Kevin Gannon)، أستاذ التاريخ في جامعة "جراند فيو" (Grand View University): عبر التاريخ الأمريكي تمت السيطرة على الأمريكيين الأفارقة باستمرار عبر أنظمة سيطرة عرقية واجتماعية تبدو أنها تتلاشى، ثم ظهرت لتتشكل مجدداً بشكل جديد حسب احتياجات وضوابط الزمن.

بعد انهيار العبودية وُجد نظام جديد وهو تأجير المدان، وكان شكلاً جديداً للعبودية، وعندما تلاشى تأجير المدان وُجد نظام جديد وهو نظام جيم كرو الذي أنقص مرتبة الأمريكيين الأفارقة إلى درجة متدنية، وبعد عقود من انهيار قوانين جيم كرو القديمة وُجد نظام جديد ثابت في أمريكا.

قام نظام الحبس الجماعي بتجريد ملايين من السود من مدقعي الفقر من جميع الحقوق التي يفترض أنهم فازوا بها من خلال حركات الحقوق المدنية، وبدلاً من التحدث عنها حاولنا الاستمرار وتجاهلناها، بعد صدور قانون الحقوق المدنية والقوانين الأخرى حاولنا التلاعب بها؛ لأننا لم نعالج المشكلة، واستمر أمر الاختلاف العرقي وتحول إلى افتراض الخطورة والشعور بالذنب لازم جميع السود داكني البشرة حيثما كانوا.

تقول ميلينا عبدالله (Melina Abdullah)، رئيس مجلس الدراسات الأفريقية في جامعة كاليفورنيا: وغدا السود يعتبرون كمقاتلين أعداء لا حقوق لهم، ويمكن إيقافهم وتفتيشهم واعتقالهم واحتجازهم واستجوابهم وقتلهم مع الإفلات من العقاب، وهذا يفسر طبيعة العلاقة الراهنة بين السود والشرطة اليوم، إنه نتاج عملية تاريخية امتدت قروناً بدون حلول.

لقد عاد ترمب لينادي من جديد عندما نادى في حملته الانتخابية: "أنا مرشح القانون والنظام (Law & Order)"، وعاد السود يرفعون شعار "حياة السود مهمة" (Black lives matter).

يتبع..

ذكَّرتني صرخة "جورج فلويد" (George Floyd) -الأمريكي من أصل أفريقي- "لا أستطيع التنفس" التي مات على إثرها، يوم 25 مايو 2020م، خنقاً بضغط على رقبته من قِبَل شرطي أمريكي، ذلك ذكَّرني بالمشهد التلفزيوني في مسلسل "الجذور" بصرخة الأفريقي المسلم "كونتا كنتي": "إني أختنق"، عندما خنقه سيده الأبيض بحبل من أجل أن يرغمه على تغيير اسمه إلى "توبي".

و"كونتا كنتي" الذي ولد عام 1750م في غامبيا من مدينة "جوفور"، اعتقل وعمره 17 عاماً، في 5 يوليو 1767م، وتم ترحيله إلى أمريكا (أنابوليس) مع 140 شخصاً تم القبض عليهم في الأدغال من قبل تجار العبيد مات منهم 60 في الطريق بالبحر، ووصل إلى أنابوليس ماريلاند في 29 سبتمبر 1767م، ثم تم بيعه إلى عائلة بورجوازية بقيمة 750 دولاراً، يوم 7 أكتوبر.

وقد حاول الهرب مراراً من سيده الأبيض؛ حيث قام مالكه بقطع رجله، وعالجته امرأة سوداء اسمها "بيل"، وهي طباخة المالك واسمه "ويليام"، وتزوج منها وأنجب طفلة اسمها "كيزي" التي انحدر منها نسله لأجيال إلى الحفيد "أليكس هيلي" الذي تتبع جذور أجداده في قصة سطرت كملحمة في الأدب الأمريكي، وتم عرضها في مسلسل تلفزيوني عام 1976م، توفي "كونتا كنتي" عام 1810م في مقاطعة سبوتسلفانيا.

هذه القصة رسخت في ذهني منذ أن شاهدتها في حلقات "الجذور" التي عرضت منتصف السبعينيات، ثم تابعت قراءة هذه القصة بعد إصدارها، حيث ألفها رواية أحد أحفاده وهو "أليكس هيلي" (1921-1992م)، مؤلف كتاب الجذور: ملحمة عائلة أمريكية" (Roots: The Saga of an American Family)، نشرت عام 1976، وحاز مؤلفها على جائزة "بوليتزر" عن فئة الجوائز الخاصة، حيث تتبع "أليكس هيلي" تاريخ عائلته إلى جده "كونتا كنتي".

وعندما تزور مدينة "أنابوليس" التاريخية، ستجد في وسطها النصب التذكاري لـ Kunta Konte – Alex Haly Memorial يصور ماريلاند بالكلمة والرمز وانتصار الروح البشرية.

إنه النصب التذكاري الوحيد من نوعه في الولايات المتحدة الذي يحتفل بالاسم الفعلي ومكان وصول الأفارقة المستعبَدين.

إن هذين الحدثين ما بين عام 1767 ومايو 2020م يطوفان بالمرء حول قرون من الاسترقاق والاستعباد لملايين من الأمريكيين من أصل أفريقي، ولتضعنا اليوم إلى فهم جذور ما حدث يوم 25 مايو 2020م، وحجم رد الفعل من المظاهرات والعنف التي ما زالت مستمرة في أغلب الولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا أردت أن تفهم القصة بشكل تحليلي فيمكنك مشاهدة فيلم مختصر من إنتاج "أنجس وول" (Angus Wall)، و "جيسون ستيرمان" (Jason Sterman) الذي يعرض حالياً على موقع "نتفلكس" (Net flex) بعنوان "13th".

الذي يسرد تاريخياً وتحليلياً من خلال مقابلات لمجموعة من الخبراء والأكاديميين ومناهضي العنصرية وساسة ومحامين جذور مشكلة نهاية عصور الرق والعبودية التي بدأت مع استقدام العبيد في أول مستعمرة وهي "فرجينيا" عام 1619م في سفينة تحمل 20 عبداً أفريقياً.

فقد قام هؤلاء الخبراء بتوثيق وتحليل مشهد العنصرية المتأصل في المجتمع الأمريكي الذي كان بسبب التعديل الثالث عشر الذي أجري على الدستور الأمريكي الذي أقر كنتيجة للحرب الأهلية (1861 – 1865م)، وانتصار الشمال على الجنوب، ومن أجل إعادة إعمار الجنوب، وتم إقراره؛ حيث ألغى التعديل الثالث عشر في دستور الولايات المتحدة الأمريكية العبودية والاسترقاق الجبري إلا ما يطبق منها كعقوبة على الجرائم، وفي الكونجرس الأمريكي أقر مجلس الشيوخ هذا التعديل في الثامن من أبريل 1864م، وأقره مجلس النواب في 31 يناير 1865م، وكان أحد التعديلات الثلاثة ضمن تعديلات إعادة الإعمار المدخلة بعد الحرب الأهلية الأمريكية على الدستور، وكان انتصاراً لإعلان تحرير العبيد عام 1863م، حيث وصل عدد الولايات المؤيدة 27 ولاية فتم إقرار التعديل.

ولمواجهة القوانين التي أعطت حقوقاً لتصويت السود، فقد سُنت قوانين الفصل العنصري التي سميت بقوانين "جيم كرو"، وهو "الوصف التحقيري لزنوج أمريكا" خلال فترة إعمار الولايات المتحدة بين عامي 1865 و1877م، حيث قدم القانون الاتحادي حقوقاً مدنية للمعتَقين في الجنوب وللأمريكيين الأفارقة الذين كانوا عبيداً في السابق.

ولكن بعودة الديمقراطيون البيض للسلطة تدريجياً في الولايات الجنوبية بداية من عام 1870م بالانتخابات، وباستخدام عصابات ترهيب ضد السود "منظمة كو كلوكس كلان" (K.K.K)، وبنجاحهم سحبوا القوات الفيدرالية من الجنوب، وأقرت حكومة الحزب الديمقراطي قانون "جيم كرو" لعزل السكان السود عن البيض.

وفي عام 1880م، قيدوا عملية الانتخابات للسود، وفي عام 1890م أقروا قوانين رفع الضرائب لمن يريد التصويت، فلم يستطع السود والبيض الفقراء ذلك؛ وبذلك فقدوا قدرتهم عن التمثيل في هيئات المحلفين أو في المكاتب المحلية ولا التأثير في الهيئات التشريعية، فتم تجاهل كل مطالبهم، وأصبح فصل الأمريكيين السود في كل مناحي الحياة وأماكن العمل أمراً مشروعاً، وظل هذا القانون فعالاً ما بين عامي 1890 و1920م، وأصبح فصل السود ثقافة أمريكية.

ومنع السود عامة من التصويت، في حين أعفي البيض الفقراء من الضرائب والقيود.

ولكن حدثت نقلة كبيرة مع بداية القرن العشرين، وذلك بواسطة فيلم "Birth of A nation" (ولادة أمة)، وهو الحدث السينمائي والمؤثر الذي حقق مبيعات عالية؛ حيث جسَّد الفيلم النظرة التي أراد الكثير من البيض أن يروها بشأن الحرب الأهلية وتبعاتها لمحو آثار الهزيمة.

وقد قام الرئيس الأمريكي "وودرو ويلسون"، الرئيس الـ28 آنذاك من عام 1913-1921م، بعرضٍ خاصٍ لهذا الفيلم في البيت الأبيض وقال: إنه "تاريخ مكتوب بالرق".

حيث خلق هذا الفيلم خيالاً في المجتمع الأمريكي؛ فكل صورة تراها لشخص أسود تصوره على أنه كائن منحط وشبيه بالحيوان، وأنه تهديد للنساء البيض.

كما أن الفيلم مسؤول عن ولادة جماعة "كو كلوكس كلان" (K.K.K) من جديد التي تأسست في ولاية بولاسكي (تينيسي) عام 1865 على يد 6 ضباط في الجيش، وكان هدفهم معارضة تحرير العبيد التي حدثت بعد الحرب الأهلية الأمريكية، ودُمرت هذه المنظمة على يد الرئيس "غرانت" عام 1871، لكنها عادت للظهور عام 1915 متأثرة من فيلم "ميلاد أمة".

لذلك فقد تحول الفن إلى واقع بكل معنى الكلمة.

وكان تأثير الفيلم يمتد أبعد بكثير من مجرد فيلم من مرحلة الأفلام السينمائية الأولى.

وجاءت موجة جديدة من الإرهاب، وجرت إعدامات من دون محاكمة بين حقبة إعادة البناء والحرب العالمية الثانية، وقتل آلاف الأمريكيين من أصل أفريقي على يد جماعات في ظل فكرة أنهم ارتكبوا جريمة ما.

في المؤتمر الوطني الديمقراطي في نيويورك عام 1924م، يقرر بأن 350 مندوباً كانوا ينتمون إلى "كلو كلوكس كلان".

لقد نمت المنظمة وبلغ عدد أعضائها عام 1924م حوالي 6 ملايين، ثم في بداية الثلاثينيات بدأت بالتفكك إلى عام 1940م، حيث تم تفكيك المنظمة وحدثت انشقاقات بين أعضائها، واتجهوا ما بين عامي 1940 و1950م لقتل أعضاء في منظمات حقوق الإنسان إلى عام 1999م، حيث تم الإعلان أنها منظمة إرهابية.

ولقد تحولت الحالة العنصرية المتأصلة في قطاعات كبيرة من المجتمع الأمريكي إلى حالة جديدة من التلاعب السياسي من أجل تحويل حالة الخوف من الجريمة إلى زيادة فيما يسمى بصناعة السجون في العقود ما بعد حركة الحقوق المدنية التي أطلقت عام 1964م.

حيث أدى امتزاج الخوف الاجتماعي بالمصلحة السياسية والمنفعة المادية للشركات الكبرى والرأسمالية في المجتمع الأمريكي، وأدى ذلك إلى حالة من التلاعب السياسي والتقنين التشريعي من أجل صناعة السجون المزدهرة التي وضعت أجيالاً من المجتمع الأمريكي الأفريقي في السجون بحجة الجريمة، ولكن في الحقيقة هي إعادة نزع الحرية والاسترقاق والعبودية.

وللحديث بقية.

يتبع..

الخميس, 11 يونيو 2020 10:40

السودان وأزمات التغيير

انطلقت، أمس الأربعاء، في السودان مظاهرات شعبية ضد الحكومة التي يرأسها عبدالله حمدوك بعد أشهر من الانقلاب العسكري على نظام البشير، وتشكيل حكومة ذات مجلس سيادي عسكري مدني برئاسة عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني.

إذ فشلت الحكومة ومجلس السيادة في إحداث أي تقدم في مجال التنمية والإنقاذ الاقتصادي للبلاد، ويواجه السودان احتمالات الانهيار الاقتصادي بسبب العجز المالي والظروف الاقتصادية والتدخلات الدولية في ظل جائحة كورونا وتهالك المنظومة الصحية للبلاد.

وقد تحركت حشود من المسيرات الشعبية التي تعتصم أمام مقر قيادات الجيش السوداني بسبب سياسة الحكومة في إقالة عدد كبير من موظفي الدولة، ومصادرة الكثير من الشركات والأملاك لأشخاص لم يقدم فيها محاكمات عادلة، ودون إذن من النائب العام في السودان، عدا ما تم من إقالة آلاف الموظفين العاملين في الحكومة تحت إطار الخدمة المدنية في الأشهر السابقة تدعي الحكومة أنها تعيينات نفعية.

بالإضافة إلى أن وزير المالية اتخذ قراراً فردياً بزيادة رواتب العاملين في الحكومة بما يعادل أكثر من 550 ضعفاً من الراتب! دون وجود ميزانية مالية حقيقية، فقد تم دفع رواتب موظفي الدولة شهراً واحداً ثم عجزت الحكومة عن دفع راتب الشهر الذي يليه؛ مما أوقع الحكومة والناس في مشكلة كبيرة.

ولكن مما فجر الوضع بشكل أكثر هو ما سماه معارضو الحكومة بـ"الخديعة للشعب السوداني"، وهو قيام رئيس الحكومة حمدوك منفرداً بتوجيه من البريطانيين بإرسال خطاب إلى لجنة الأمم المتحدة بوضع السودان تحت بندي "الفصل السادس" و"الفصل السابع" من ميثاق الأمم المتحدة؛ حيث إن حفظ السلم والأمن الدولي معرض للخطر في السودان، وإن السودان يقع تحت تهديد السلم والعدوان، واستطاع أن يمرر هذا الطلب عن طريق عاجل، وخلال ثلاثة أيام تمت الاستجابة للطلب وعرض الأمر على مجلس الأمن.

عندما اتضح الأمر، اجتمع مجلس الأمن القومي، ورفض الخطاب، وأرسل خطاباً بديلاً، هو الذي تم اعتماده من مجلس الأمن.

لذلك، فالجيش أحس بالخديعة لوضعه تحت القوى الأممية والسيطرة على قيادة الجيش السوداني.

لذا، فإن الوضع المعيشي والاجتماعي والسياسي والأمني قابل للانفجار، وتأتي المسيرات، أمس الأربعاء 10 يونيو 2020م، تعبيراً عن إرادة المعارضة لسياسات الحكومة التي لا تعبر عن حاجيات المواطنين ولا إرادتهم الوطنية.

وتواجه الدولة احتمالات الانهيار الشامل؛ إذ إن السودان يعاني أزمة في الوقود والكهرباء والماء والديزل والغاز والغذاء، والحكومة لم تنجز أي نجاح في هذا المجال خصوصاً مع عدم وجود مخزون إستراتيجي للدولة.

لقد أتت جائحة كورونا واستغلت الحكومة تمديد فترات الحظر من أجل عدم تحرك الجماهير والشعب السوداني ضد الحكومة، وبمجرد رفع الحظر فإن الجماهير السودانية تحركت وملأت الطرقات وأغلقت الكباري وعملوا المتاريس واتجهوا إلى مقر القيادة السودانية.

جبهة الحكومة

منذ أيام، حدث خلاف بين مكونات تجمع المهنيين السودانيين، وحدث انشقاق كبير في هذا التجمع، وقد أقر هذا التجمع بفشل الحكومة وفشل الثورة في تحقيق أهدافها واعتذروا للشعب السوداني، حيث إنهم يدعون أن الحزب الشيوعي قد سرق الثورة واستأثر بالأغلبية في الحكومة والمناصب الجديدة والتعيينات.

وهذا التجمع هو الأساس الرئيس للثورة، ووعاء الشباب السوداني الذي سعى للتغيير.

أما مجموعة الأحزاب، وهي مجموعة من الأحزاب الكبرى والأحزاب اليسارية والحزب الشيوعي، فقد حدث بينهم خلافات، واستطاع الحزب الشيوعي بخبرته وتكتيكاته المناورة أن يستأثر بالحكومة والمناصب؛ مما أدى إلى تفكك هذه الجبهة.

الجيش السوداني

يتمثل الجيش السوداني في مجلس السيادة، حيث بدأت الخلافات تكبر فيما بينه وبين مدنيي الحكومة، وقد أصيب الجيش بصدمة كبيرة نتيجة الخديعة التي مني بها بسبب محاولة وضعه تحت إمرة وهيمنة القوة الأممية، لكن ما زال المجلس العسكري تحت إمرة عبدالفتاح البرهان الذي لديه تميز من العلاقات مع الإمارات، في حين أن حميدتي، نائب الرئيس، لديه مصالح مع الإمارات، ولموقفه في دعم التحالف في اليمن كذلك، مع ضعف أعضاء المجلس العسكري لمواجهة التغول على السلطات السيادية الوطنية للسودان، ليظل مجلس السيادة تحت سيطرة المتغيرات الدولية والتدخلات الإقليمية؛ بما انعكس سلباً على معنويات الوطنيين في الجيش السوداني؛ مما ينبئ بعدم استقرار السودان.

كما أن حميدتي لم يستطع التوصل إلى حلول مع القوى المسلحة التي تحارب الدولة في جوبا، وأنها مدعومة خارجياً، وأن هدف هذه الجماعات السيطرة على مناطقها دون الالتزام بالدولة، ولم تتوصل هذه القوى بالتفاهم مع الحكومة السودانية.

فهل السودان مقبل على ثورة شعبية جديدة، أم تغيير عسكري داخلي تصحيحي؟

عادة ما تكون المحن والابتلاءات أو المتغيرات الكبرى في حياة البشرية وقفات تفكير وتقويم لتعديل مسارات خاطئة في نظام الحياة البشري، أو مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تتشكَّل الكثير من النظم والسياسات والأدوات على نتائج جدليات الأحداث الكبرى عندما تقوم النظم السياسية بمراجعة موقفها الواقعي وتطلعها المستقبلي، واليوم تأتي جائحة "كورونا" أمام العالم لتصيبه بعدم اليقين، وتختبر قدرته البشرية بإعادة النظر في مجمل قيم وأساسيات بناء النظام الدولي والاقتصادي والاجتماعي.. العالم الذي يبدو عاجزاً تماماً أمام هذه الجائحة، منتظراً جهود الباحثين الأطباء والمتخصصين، لاكتشاف علاج للبشرية ربما يطوِّق اجتياح هذه الجائحة وانتشارها في كل دول العالم.

هذه مقدمة لازمة للانتقال إلى ما يمر به عالمنا العربي في ظل هذه الأزمة، فهو عالم من البشر في جغرافيا ممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، لا يختلف عن باقي دول العالم في تأثير هذه الجائحة عليه صحياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

إلا أن العالم العربي منذ عقود وهو يعيش أزمة النظام السياسي العربي، إذ إنه بالإضافة إلى الكارثة الصحية المتوقعة؛ لضعف بنيان النظام الصحي في هذه المنطقة، وضعف البنيان الاجتماعي؛ من نظام العدالة، وتوزيع الثروة، وانتشار الفقر، والأمية فيه، فإن النظام السياسي العربي ما زال يتمتع بخصائص تختلف عن النظام السياسي الدولي، حيث يعجز النظام العربي السياسي عن دراسة واقعه من جديد، فهو لا يفكر في إعادة حساباته ومراجعاته، ويفكر في طريق صحيح للنهضة واستثمار ما لديه من إمكانات اقتصادية، وقوى اجتماعية، وبنيان سكاني من الشباب الطامح للعمل والتغيير، وللأسف فإن أزمة هذا النظام ما زال عند كل فشل في إدارته للأزمات، يلقي بعجزه على شماعات من الأوهام والفزَّاعات، ويعتقد أنه بذلك يلقي عن كاهله تحمل مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المنطقة العربية، من ضعف في البنيان الصحي والاقتصادي والاجتماعي، ويحيل ذلك الفشل إلى فزَّاعات الإرهاب والإخوان، والجماعات السياسية المعارضة، والليبرالية والعلمانية، والتدخل الأجنبي، ويقوم بدلاً من الإصلاح إلى تغذية الانقلابيين ومجموعة من الجماعات الدينية المحسوبة على النظام السياسي، ودعم الحروب الأهلية، وتفتيت الجغرافيا والاقتصاد والمجتمعات العربية، وانشغال هذا النظام بحروب وهمية، ويستخدم إعلاماً أقرب إلى تطويع المجتمعات للاستكانة والخضوع لنظريات الواقع من السلام المزيف مع الكيان الصهيوني، أو تفتيت الوحدة الوطنية في مجتمع عربي تتدهور حالته ومناعته الفكرية أمام العولمة ومنتجاتها، حتى تحوّل النظام السياسي العربي اليوم إلى كتل متشاكسة لا يجمعها مشروع ولا نهضة ولا جامع واحد.

إن المستقبل لمنطقتنا العربية غامض غير وامض، وهو ما يدعو إلى أن تقوم كل القوى الحيّة في هذه المجتمعات بالتوقف والاستفادة من فرصة ابتلاء جائحة "كورونا"، لتعيد ترتيب حساباتها، وتعيد حيويتها للنظر في مشتركات نهضوية تضع لهذه المنطقة إطاراً سياسياً جديداً يدفع بها نحو نهضة اقتصادية واجتماعية وصحية وثقافية، وإلا فإن عقوداً طويلة من الكوارث ربما ستسود المنطقة في هذا القرن الذي نعيشه.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top