د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأحد, 14 فبراير 2016 07:29

أساليب حياتية اقتصادية!

رغم مرور أعوام على مؤتمر الأمم المتحدة التاريخي حول البيئة والتنمية في ريو دي جانيرو، ما زال العالم عاجزاً عن تحقيق هدفه الرئيس "اقتصاد عالمي مستديم بيئياً".

فمنذ قمَّة الأرض عام 1992م ازداد عدد سكان الأرض بما يقرب من 450 مليوناً، وتصاعدت الإطلاقات السنوية من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز الرئيس من بين غازات البيوت الزجاجية إلى مستويات عالية جديدة، مما يغيِّر التركيبة ذاتها الخاصة بالجو وميزان حرارة الأرض.

يقول كرستوفر فلافن: من أجل المحافظة على التنوُّع البيولوجي على المدى الطويل، نحن بحاجة إلى إبطاء النمو في أعداد البشر، وتقليل الفقر في دول الجنوب، والاستهلاك المفرِط في الشمال، وهما اللذان يدفعان الناس إلى قطع الأشجار عن وجه الأرض.

ففي بداية القرن الماضي، كان سكان العالم 1.6 مليار نسمة فقط، وبحلول نهايته كان عددهم أكثر من 6 مليارات؛ أي: بزيادة قدرها 4.4 مليار أو 300%.

وتنامِي أعداد السكان قوَّة دافعة وراء الكثير من المشكلات البيئية والاجتماعية، ومع تزايد البشر الآن بسرعة قياسية قدرها 88 مليون سنوياً تقريباً، فإن إبطاء سرعة هذا النمو البشري أصبح أولويَّة ملحَّة.

على أنه لا يمكن النظر في موضوع النموِّ السكاني بصورة صحيحة دون الإشارة إلى مستويات استهلاك الموارد في كلِّ دولة على حِدَة.

فهناك ما يَقرُب من 1.5 مليار من الناس في العالم ينتمون إلى طبقة المستهلكين؛ وهم الذين يقودون سياراتهم، ويمتلكون الثلاجات وأجهزة التلفاز، ويتسوَّقون في الأسواق المركزية الكبرى، ويستهلكون الجانب الأكبر من الوقود الأحفوري، والمعادن ومنتجات الأخشاب والحبوب في العالم.

فالمولود الجديد في الولايات المتحدة - على سبيل المثال - يحتاج إلى ضِعفَي ما يطلبه مثلاه في البرازيل أو إندونيسيا من الحبوب، وعشرة أضعاف ذلك من النفط، ويسبِّب هذا المولود تلوُّثاً أكثر بكثير.

وبعملية حسابية يسيرة يظهر أن الزيادة السنوية في عدد سكَّان الولايات المتحدة البالغة 3 ملايين نسمة أو أكثر، تضع من الضغوط على موارد العالم ما يضعه 17 مليوناً من الناس الذي يضافون إلى عدد سكان الهند كل عام.

وما لم تقم الدول الصناعية بتطوير أساليب حياتية أقل كثافة في استخدام الموارد والتقنيات الأقل تلوثاً، سيكون من الصعب تطوير اقتصاد عالمي مستديم؛ سواء استقرَّ عدد سكَّان العالم في خاتمة المطاف عند 12 مليار شخص، أو عشرة، أو حتى ثمانية.

وقد خلصت الدراسات التفصيلية التي أجراها معهد "وبرتال" في ألمانيا إلى أنه عند استخدام المواد بصورة أكثر إنتاجية، سيكون من الممكن في العقود القادمة تخفيض مستويات الطاقة واستهلاك المواد في الدول الصناعية بنسبة واحد إلى أربعة، في الوقت الذي سيجري فيه تحسين مستوى المعيشة بشكلٍ فعلي، ومع ازدياد الطلب الاستهلاكي قامت الكثير من الأعمال التجارية بإعادة صياغة عمليات تصنيعها وتطوير منتجات مستدامة بيئياً.

فقد ذكر بول هوكن، المدير التنفيذي التجاري، في كتابه "علم التبيُّؤ التجاري"، لقد وصلنا إلى نقطة تحوُّل لا تبعث على الاستقرار، نقطة مثقلة بالاحتمالات في مدنيَّتنا الصناعية؛ إذ على أرباب الأعمال التجارية إمَّا أن يأخذوا على أنفسهم عهداً بإصلاح التجارة، أو أن يسيروا بالمجتمع إلى متعهِّد دفن الموتى!

وعندما كانت البشرية تحاول استعادة عافيتها بعد صدمة رؤية صور الأرض من الفضاء الخارجي في عام 1960م، تنبَّأ كينيث بولدنغ، العالِم الاقتصادي، أن نفاذ البصيرة الذي أوحتْ به تلك اللحظة سيؤثِّر نهاية الأمر في الممارسات ذاتها التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.

فاقتصاد الكاوبوي كان يحدِّد معالم الحضارة الإنسانية بصورة متزايدة، وهو الاقتصاد الذي يستخدم الموارد الطبيعية كما لو كانت باقية دون حدود، هذا الاقتصاد كان يقف على طرف نقيض للحدود البيئية.

وسيأتي اليوم الذي سيحتاج هذا الاقتصاد فيه إلى التحوُّل إلى اقتصاد رجل الفضاء الذي يحترم - بصورة من الصور كما يفعل رواد الفضاء - الحدود البيئية الصارمة، ويحافظ على الموارد، ويُعِيد تدوير النفايات.

وكلَّما تأخَّرت المجتمعات في الشروع في هذا التحول - كما يرى بولدنغ - فإن هناك صعوبة في قدرتها على الحفاظ على مقدراتها الطبيعية.

ورغم أن الدول الصناعية وصلت إلى ما يُشبِه الطريق المسدود على مسار الاقتصاد والقائم على أسلوب الكاوبوي، فإن الدول الأكثر فقراً سارت في أعقابها وعلى منوالها بكلِّ أسف، وهكذا - كما هي الحال في الدول الصناعية - لم يفعل الدعم المقدَّم للموارد الطبيعية في الدول النامية سوى القليل للتصدِّي للمشكلات الاقتصادية المعاصرة، ولما كان دعم الحكومات للموارد الطبيعية نادراً ما كان ناجحاً، ولما كان هذا الدعم قد زاد في الغالب من سوء أوضاع أفقر الفقراء، فإنه بحاجة ليصبح أقلَّ ممَّا هو عليه.

ختاماً أقول:

إن على الدول الفقيرة أن تختار بين اقتصاد الكاوبوي واقتصاد رجل الفضاء، وعليها أن تتحمَّل النتائج والتَّبِعات، أو أن تجني الثمار والفوائد، وما زال الوقت مناسباً والبدائل قائمة، والاختيارات معروضة أمام الجميع.

الثلاثاء, 09 فبراير 2016 12:01

حفارو قبور!

حفارو قبور! إنهم كذلك يسيطرون على العالم من دون أن يردعهم رادع، فيعيدوننا إلى زمن الاستعمار متحكّمين بالدول الفقيرة الآخذة بالتقهقر.

إن النظام العالمي الذي خلّفه الاستعمار المتحكم بفضله خمس سكان الأرض بأربعة أخماس من مواردها، يؤدي كل سنة إلى وفاة 60 مليون كائن بشري من المجاعة أو سوء التغذية.

وللأسف، فإن هذا النظام العالمي يكلف الجنوب؛ دولاً وشعوباً بما يشبه مأساة هيروشيما كل يوم.

هيروشيما! هل يحق لنا تشبيه العالم الثالث بها؟! بالطبع، فكما عانت هيروشيما من لا مبالاة الغرب، وكانت حقلاً لتجاربه، يدفع العالم الثالث اليوم ثمن نمو هذا الغرب وتطوره.

يقول روجيه جارودي في كتابه "نداء جديد إلى الأحياء": لقد أدّت خمسة قرون من الاستعمار إلى نهب ثروات ثلاث قارات، وإلى تدمير اقتصادها، وكذلك إلى المبادلات غير المتكافئة وإلى الديون.

وفي هذا العصر، ناب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمات أخرى عن هذا الاستعمار، واستمرت هذه المؤسسات والمنظمات في فرض قوانين السوق الغربية على العالم الثالث، إن هذا اختلال يقوم على الرعب والتحدي والقهر.

ونتيجة لذلك، فقد أصبحت سفينة الأرض التي نركبها جميعاً، وبعد أكثر من خمسة قرون من السيادة الغربية، مهددة اليوم بالغرق، إذا ما بقي الوضع على هذه الحال، واستمر الاتجاه إلى ذلك الغرب.

كتب مالرو - ذات مرة - قائلاً: إن حضارتنا هي الحضارة الوحيدة في التاريخ التي تجيب عن سؤال: ما معنى حياتنا؟! بلا أعرف.

يقول جارودي في كتابه السابق: يضني قلق عظيم في نهاية قرننا هذا ملايين الرجال والنساء، وليس هذا القلق سوى وليد البطالة والشقاء، وانعدام الأمن والعنف، ويعززه شعورنا بأن حياة كل منَّا الخاصة، وتاريخنا المشترك قد فقدا معنيهما، فيكتب الشبان على قمصانهم ليس من مستقبل!

ثم، أليس العالم مهدداً بدخول زمن الانحطاط؛ بسبب سيادة العولمة وتوحيد السوق؟!

إن الانحطاط على مستوى الفرد هو انطواء الفرد الأناني على ذاته، ورفض مسؤوليته تجاه الآخرين، وهو على مستوى الجماعة رغبة السيطرة، فعبادة السوق، وملكية المال المطلقة يؤديان بمجتمعاتنا إلى الانحطاط فالموت.

وقد أصبح الإعلام سوقاً ضخمة أوسع من سوق الصناعة والمال في ما يُسمِّيه الآن كوتاً بالرأسمالية الوساطية، وقد سمح تخصيص مجموعة المحطات الإذاعية أو التلفزيونية بجعل الحدث سلعة، وتكييفه وفقاً لذوق الزبون، وقد أصبح الإعلام داعماً للدعاية التي تتحكم في تمويل البرامج واختيار المقدمين.

فالتلفزيون يتغلب على المدرسة؛ لأنه يعفي الأفراد من جهد التعلُّم، وتمهد متعة مرور الصور الانتقال من الطفولة المتلفزة إلى الشيخوخة السياحية، وكما كتب مارك فومارولي التلفزيون سياحة ثابتة، والسياحة تلفزيون متحرك، وللأسف فلم يقض التلفزيون على المدرسة فحسب، بل قضى أيضاً على السياسة، فمن جهة الطلب ليس شيء أسهل من حكم شعب أُميّ، ومن جهة العرض ليس من وظيفة في السلطة؛ الأعمال أو الفنون من دون مسحة التلفزيون، إنه المجتمع الذي يحكمه السوق، فمظهر المرشح أهم من مشاريعه أو أقواله.

ومِن ثَمَّ، يمكن القول: إن الثقافات الأوروبية تتجه نحو الطابع الأمريكي في الميادين كلها، ولأسباب السيادة الاقتصادية؛ حيث لا تستطيع أسواق أوروبا التلفازية المنافسة، ويبقى المثال الأوضح مثال التلفزيون، الذي يطلق المشاهير والنوابغ بصناعة أمريكية.

إن مشكلاتنا الأساسية: الفقر والمجاعة والتلوث البيئي، والبطالة والهجرة والعنف، والمخدرات والانحراف والحرب، ناتجة عن مشكلة رئيسة، هي تمزيق العالم ما بعد الاستعمار، ويكمن مفتاح علاج مشكلاتنا الاقتصادية في تغيير علاقة العالم الغني مع العالم الثالث تغييراً جذرياً، وبتغيير نموذج النمو الغربي تغييراً جذرياً، وهكذا تتاح لدول العالم الثالث إمكانية إحداث أنماط تطور داخلي، لا تخضع للنماذج المفروضة من صندوق النقد الدولي المسببة للديون والتبعية والبؤس.

وختاماً أقول:  ينبغي ألاّ يُنظر إلى العالم الثالث باعتباره مصباً لفائض إنتاج العالم الغني الذي ينتج بهدف الهدر والتسلُّح، بل ينبغي تحويل صناعات العالم الغربي، وتغيير نمط عيشنا؛ لتلبية حاجات العالم الثالث الأساسية.

وهكذا يخرج العالم الثالث من المأزق؟!

الثلاثاء, 02 فبراير 2016 08:05

ثروة علمية اقتصادية مهدرة!

إن العديد من البحوث والدراسات ثروة علمية لم يتم استثمارها الاستثمار الأمثل في معالجة العديد من المشكلات التنموية التي نعاني منها في واقعنا المحلي، إذ بمجرد تخرج الطالب يستحيل هذا الجهد العلمي المتقن بنتائجه الدقيقة إلى مجموعة من الأوراق التي تستودع إما درجاً أو رف مكتبة في أحسن الأحوال.

وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الجامعات في الدول العربية ارتفع من 12 جامعة في عام 1945م إلى أن أصبح اليوم يفوق 240 جامعة، كما بلغ عدد كليات الدراسات الجامعية  أو العليا أكثر من 600 كلية، في حين بلغ عدد طلاب التعليم العالي 6 ملايين طالب وطالبة في عام 2010م؛ ما يعني أن ثمة ملايين الرسائل الجامعية الغنية بالأفكار الجديدة والإحصاءات الدقيقة والتوصيات النافعة لم يستفد من أكثرها، حيث لم تسهم هذه الرسائل الإسهام الأمثل في دعم خطط التنمية والتصدي للمشكلات والتحديات التي نواجهها في واقعنا العربي.

إن الجامعات تعلن باستمرار عن أعداد الحاصلين على درجة الماجستير أو الدكتوراه، وتحتفي بتخرجهم كل عام، ولكن تبقى قضية البحوث العلمية معلقة، حيث لا تزال هناك مئات الدراسات والأبحاث رهينة الأدراج.

ولقد أكد أكثر من باحث أكاديمي أن هناك جهات تنفق الملايين على دراساتها من دون تفعيل؛ لأن تفعيلها يحتاج إلى إمكانات مالية غير متاحة، وفي الوقت نفسه ربما تنفيذ بعض الدراسات قد يحتاج إلى تغييرات إما هيكلية وإما جذرية في بنية المؤسسات، أو يحتاج إلى إصلاحات كبيرة، على الرغم مما بذل فيها وصرف عليها سواء كانت جهود مالية أو ذاتية فهذه مشكلة، بل إن هناك دراسات مؤسسية ودراسات موجهة تم الصرف عليها لمواجهة مشكلة معينة، إذن هناك قصور في الوقت الراهن في تبني بعض الدراسات والأبحاث العلمية.

إن البحث الأصيل والموجه الذي يعالج مشكلة معينة هو البحث الذي يمكن أن يستفاد منه، فبعض البحوث تعمل لمتطلبات معينة إما الحصول على درجة علمية وقد لا يحقق هذا البحث مردوداً فعلياً على المجتمع أو على المشكلة التي يناقشها، وإنما هو لإجراء البحث كمتطلب أكاديمي، ومثل هذه الأبحاث لا تكون جيدة أو أن يكون لها مردود جيد.

إن معظم الأبحاث العلمية في العالم العربي أبحاث غير موجهة، وغير مطلوبة؛ وللأسف لا توجد بحوث موجهة لتشخيص المشكلات والتحديات أو تحديد الاحتياجات التي تواجه التنمية أياً كان نوعها، بمعنى أن الأبحاث غير مطلوبة من الوزارات والأجهزة المختلفة، بل إن بعض هذه الجهات تستعين بجامعات أجنبية رغم أن لديها باحثين في جامعات الوطن وتتجاهلهم؛ ما يضطرهم إلى التركيز في أبحاث بقصد الترقية العلمية، فالكل يسبح في عالم مختلف.

إن هناك كثيراً من الأبحاث الجيدة التي لم يتم نشر نتائجها في الدوريات أو حتى المؤتمرات، وهنا يكمن الخلل، حيث ستبقى هذه البحوث حبيسة الأدراج والأرفف والملفات ولن يطلع عليها أحد.

ومع ذلك لا نجد لهذه الأبحاث التي يتم القيام بها نتائج كبيرة في حل العديد من المشكلات التي تواجه المجتمع، أو ليست لها نتائج كبيرة يكون لها عامل تأثير على المستوى المحلي أو الإقليمي، وهذه الأبحاث بالإمكان أن تكون رافداً قوياً لتنفيذ دراسات لها قيمة علمية، ويمكن توجيهها بما يخدم المجتمع.

الثلاثاء, 26 يناير 2016 08:01

هل نحن نستهلك أكثر من اللازم؟

إنّ هناك خلافاً منذ وقت بعيد بين دعاة الوفرة والعلماء عما إذا كان فرط الاستهلاك في الدول الغنية يمثّل تهديداً خطيراً للبيئة العالمية أم لا.

مارك ساجـوف في مقالته عن حالة كوكبنا: هل نحن نستهلك أكثر من اللازم؟ وقع في خطأ حين أكدّ أنه لا أحد من الطرفين على صواب، وقد أساء بترويجه للفكرة الخطرة التي تزعم أن الإصلاحات التقنية سوف تحل مأزق الجنس البشري.

يزعم ساجوف أنّ القلق من استنفاذ مصادر الثروة الطبيعية ومن آثار استخدامها بالمعدلات الراهنة هو قلق في غير محله، وأنّ المبتكرات التقنية ستداوي أي مشكلات تنشأ عن ذلك، وهي وجهة نظر لا يشاركه فيها المجتمع العلمي بالتأكيد، فهناك، على سبيل المثال، تحذير علماء البيئة للبشرية، والذي جاء فيه أنّ الجنس البشري والعالم الطبيعي في طريقهما إلى الصدام، وأنّ الناس في البلدان المتقدمة ينبغي عليهم أن يخفضّوا استهلاكهم المفرط تخفيفاً كبيراً، إذا كنا نود أنّ نخفض الضغوط على المصادر الطبيعية وعلى البيئة العالمية. 

وقد توصلــت أكاديمية العالم الثالث والأكاديميات الأمريكية والبريطانـية والفرنسية والألمانية والسويديـة والروسية والهندية مجتمعة إلى ما يلي: إذا استمرّ سكان العالم في استهلاك الوقود الأحفوري وغيره من الثروات الطبيعية بالمعدلات الحالية نفسها للدول المتقدمة وباستخدام التقنيات الراهنة، فإن ذلك من شأنه أن يزيد من ضغوطنا التي لم يعد لها سند على المحيط الحيوي، كما أن النمو السكاني المتواصل يعرض البشرية لأخطار كبيرة، وفضلاً عن ذلك فإنه ليس من الحكمة أن نعتمد على العلم والتقنية وحدهما لحل مشكلات النمو السكاني السريع والفقر والاستهلاك المدّمر للثروات الطبيعية.

إن فرضية ساجوف إنما تقوم على سلسلة من المفاهيم الخاطئة، ومنها:

1- فرط الاستهلاك مجرد مسألة أخلاقية: إنه من الخطأ الاعتقاد أن البيئة الطبيعية تضع حدوداً مادية للنمو الاقتصادي، أو حسب صياغة ساجوف في نقطة أخرى فكرة أنّ الاستهلاك المتزايد سوف يؤدي حتماً إلى الندرة والنفاد، والتي تبدو ظاهرياً معقولة، هي فكرة خاطئة من حيث المبدأ وعلى مستوى الواقع.

فطالما المصادر الطبيعية محدودة، فمن الواضح أن الاستهلاك المتزايد سوف يؤدي حتماً إلى الندرة والنفاد.

صحيح أن هناك حالياً موارد ضخمة للغاية لكثير من الثروات المعدنية، بما فيها الحديد والفحم بَيْدَ أن الإجابة عن متى ستصبح هذه الموارد نادرة أو مستنفدة، لا تعتمد على كم المخزون من هذه الخامات بباطن الأرض فحسب، بل تعتمد أيضاً على معدل إنتاجها، وعلى قدرة المجتمعات على الإنفاق على استخراجها واستخدامها بالمعنى الاقتصادي والبيئي الصحيح.

يقول بول إرليك: إن هناك قيوداً اقتصادية وبيئية سوف تحد من الاستهلاك بالنسبة لمعظم الثروات الطبيعية، كما ستظل هناك كميات ملحوظة من هذه الثروات باقية في باطن الأرض.

2- مؤشرات الأسعار سوف تحذرنا من الكارثة: إن قدراً من الارتياح الذي يستشعره ساجوف ينبع من افتراضه الضمني أنّ السعر هو الشيء نفسه كالتكلفة، وأنّ مؤشرات الأسعار سوف تكون بالتالي بمثابة تحذير من أي مشكلات وشيكة، وهو افتراض غير صحيح، وقد أدت التفاعلات المتزايدة بين علماء البيئة وعلماء الاقتصاد البارزين إلى تبريره منذ وقت طويل.

إنّ التكاليف العرضية تُعدُّ سبباً رئيساً لعدم الاعتماد على مؤشرات الأسعار.

3- النمو الاقتصادي من شأنه إنقاذ البشرية: إن الزعم أن النمو الاقتصادي والرخاء علاج للتدهور البيئي زعم قابل للمناقشة، وهو يقوم إلى حد بعيد على منحنيات كوزنيتس، التي لوحظت في دراسة بعض أشكال التلوث.

صحيـح أن النمو قد ساعـد على تخفيف بعض أشكال التلوث الجوي والمائي.

بَيْدَ أن إنتاج الكثير من أهم الملوثات ومن بينها ثاني أكسيد الكربون، يظل في ارتفاع مع ازدياد الرخاء.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top