د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 17 نوفمبر 2015 12:54

حكمة الاقتصاديين

كلنا يتأثر بالسياسات الاقتصادية الحكومية وبالقرارات الاقتصادية للقطاع الخاص، ولا يمكن لأي فرد أن يكون ناخباً مستنيراً أو قارئاً متفهماً للجريدة اليومية دون معرفة بالاقتصاد، ومن يمكنه أن يخطط للمستقبل الذي سنحيا ونعمل فيه نحن وأطفالنا دون أن يكون على دراية بالقوى التي تشكل الحياة الاقتصادية؟!

إن قضايا السياسة الاقتصادية كالسياسة التجارية، والتضخم، والدور المناسب للحكومة، والقضاء على الفقر، ووسائل رفع معدل النمو الاقتصادي ناقشها الاقتصاديون لأكثر من قرنين، وكثير من السياسات الاقتصادية الحالية - الجيد منها والسيء - هي نتاج لأفكار أولئك العلماء الراحلين، ولن يتمكن من فهم الكثير من المناقشات الدائرة حالياً حول السياسة الاقتصادية إلا أولئك الذين لديهم على الأقل قدر من الدراية بأفكار الاقتصاديين السابقين.

كان عمالقة الاقتصاد خلال المائتي عام الماضية أناساً مهمومين بالقضايا السياسية المهمة في عصرهم؛ فدرسوا آلية عمل الاقتصاد ليصوغوا سياسات اقتصادية أفضل، لكن على الرغم من اهتمامهم بالسياسة فلم يكونوا من المجادلين أو السياسيين، بل كانوا أناساً سعوا لإقناع معاصريهم في الحكومة وفي أوساط العامة الأوسع بآرائهم من خلال التحليل والبرهان المستوفيين لمعايير النقاش المهني.

ومثل أي مجال علمي، يتقدم علم الاقتصاد من خلال كشف مواطن قصور الأفكار السابقة، ومع أن علم الاقتصاد لا تتوافر فيه فرص التجريب المتاحة للعلوم الطبيعية، فإن الاقتصاديين يمكنهم استخدام الملاحظة المنهجية وتحليل التجارب لرفض النظريات القديمة وصياغة نظريات جديدة.

ينظر الكثيرون - بمن فيهم الكثير من خبراء الاقتصاد – إلى الاقتصاد بالطريقة عينها التي ينظر بها أحد الأفراد الراغبين في شراء منزل إلى أحد نماذج المنازل المعروضة عليه.

إن العبارة التقليدية "الموقع، ثم الموقع، ثم الموقع" قد تصلح لشراء منزل بثلاث غرف نوم ، إلا أنها عديمة القيمة عندما نكون بصدد تحليل اقتصاد دولة.

تركز كتب الاقتصاد التقليدية بشدة على عامل الموارد الطبيعية، الذي يقول: إن الدولة التي تنعم بكميات كبيرة من المعادن والموارد الطبيعية تتميز عن غيرها، هل هذا صحيح حقاً؟!

إن وجود قدر كبير من الثروات في بلد ما قد يكون نعمة ونقمة، إن الأرض في أجزاء كثيرة من أفريقيا مليئة بالمعادن، لكن دولها تعاني التخلف الاقتصادي نظراً لسيطرة طبقة صغيرة على السلطة تمنع المجتمع من أن ينال نصيبه من رأس المال.

إن تاريخ الفكر الاقتصادي يعلمنا أن النجاح لا يحالف إلا الجوعى والمتواضعين والمرنين.

لقد أعطتنا التسعينيات الكثير من الفرص الجديدة لكي نختبر حكمة الاقتصاديين ونقيم أفكارهم، والآن يطرح القرن الحادي والعشرون تحدياته، وستكون أفكار الاقتصاديين القدامى معنا كي تقدم لنا المساعدة.

الأربعاء, 04 نوفمبر 2015 11:44

هل نتجه للانفجار السكاني؟

يحكى أنه في عام 1908م واجه فريق شيكاجو كابس فريق نيويورك جاينتس في المباراة الحاسمة لبطولة الدوري الوطني للبيسبول، وأثناء اللعب المثير في نهاية الشوط التاسع، فشل لاعب فريق جاينتس الذي يقف عند القاعدة الأولى - وهو لاعب شاب جيد - دون قصد في ملامسة القاعدة الثانية، مما دفع فريق جاينتس للاعتراض، وأعيدت هذه اللعبة، وانتهى الأمر إلى فوز فريق كابس باللقب بعد مباراة فاصلة.

كان ذلك اللاعب الشاب يدعى فريد ميركل، إلا أنه منذ تلك اللحظة وحتى وفاته، أطلق عليه اسم جديد وهو ميركل الأحمق، وعلى الرغم من جسارته وجهوده النبيلة بعد هذه المباراة، لم يسقط عن نفسه ذلك اللقب أبداً.

اليوم بات الكل تقريباً يعرف سيجموند فرويد، والزلات الفرويدية، والرموز الجنسية، وأي شخص متعلم ينكر معرفته بفرويد لا بد وأنه يكتم أنه يعرفه.

توماس روبرت مالتوس، لم يلعب البيسبول ولم ير محللاً نفسياً قط، إلا أن اسمه أصبح ذائع الصيت كاسم فرويد، ولحق به خزي غير مستحق، كخزي ميركل الأحمق؛ فقد ألف بايرون - الذي ربما كان في حاجة لمحلل نفسي أكثر من مالتوس - شعراً يتحدث عنه، ويغني فيه الأطفال قوافي تسخر من مالتوس، وبعد عقود من وفاته، هاجمه ماركس بشراسة، وبعد قرن من وفاته، مجد كينز مالتوس وتنبأ بأننا في ذكراه المئوية الثانية "سنحيي ذكراه بتقدير غير منقوص"، ولكن.. تقدير غير منقوص مقارنة بماذا؟

إذن، أي جريمة خسيسة ارتكب مالتوس ودفعت حتى شعراء الرومانسية من أمثال كولريدج إلى الرثاء قائلاً: "انظر إلى تلك الأمة العظيمة، إن حكامها وحكماءها يستمعون إلى مالتوس، فيا له من أمر محزن! حقاً محزن!".

في عام 1798م، بدد مالتوس الأحلام الرومانسية للأشخاص الذين كانوا ينظرون إلى القرن التاسع عشر بثقة خيالية، وقد حاكمته الصحف واتهمته بالتنبؤ بأن الزيادة السكانية سينتج عنها مستقبل ليس مليئاً بالسعادة ولكن بانفجار المجتمع وانحلاله، وفي عشية أول أيام القرن الجديد، كان مالتوس على حد قول توم جورمان هو "هادم اللذات"، أو على الأقل كانت نظريته كذلك.

لقد جمع مالتوس حوله آلاف الأتباع، الذين انطلق الكثير منهم في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، مدافعين عن أهمية نبوءات أستاذهم في العصر الحديث، ولكن وباختصار دعونا نقيم تنبؤات مالتوس من منظورنا الحالي.

الحقيقة الواضحة هي أن هذه النبوءات كانت خاطئة، فتعداد السكان لم يستمر في التزايد بمعدل هندسي، ولم تتزايد الموارد الغذائية بمعدلات شديدة البطء.

ربما أصابت المآسي الفقراء ولكن لأسباب مختلفة عن التي ذكرها مالتوس، وعلى العكس مما قال، في بريطانيا وكامل القارة الأوروبية، حيث ركز مالتوس انتباهه، أكل الناس طعاماً أفضل، وعاشوا عمراً أطول، وأظهروا "انضباطاً" أكبر مما توقع مالتوس.

إن أهم درس أخلاقي مستفاد من أخطاء مالتوس هو: لا تقفز أبداً للاستنتاجات بناءً على بيانات قديمة دون كتابة إخلاء مسؤولية بحروف كبيرة وبارزة، ووضع خط تحته، والتحلي بالتواضع اللازم.

لو أن إسخيلوس - الكاتب المسرحي اليوناني القديم - كان حياً، لكتب مأساة عن باحث نبيل أصابته لعنة بسبب استنتاجه الذي اتسم بالتعالي.

حتى وفاته عام 1834م، ظل مالتوس مضطراً لإنكار أنه عدو للجنس البشري، ولا يزال المحاضرون والمؤلفون يصفونه بأنه شخص كئيب في أخف الأوصاف حدة، أو بأنه شخص مخيف في أشد الأوصاف وطأة.

ومع ذلك، كان مالتوس ربما بحماقة كان يؤمن بأن منتقديه يرتدون أقنعة مرحة تشوش رؤيتهم وتمنعهم من تبين أن الضوء الذي يرونه في نهاية النفق ما هو إلا قطار يسرع في اتجاههم.

السبت, 17 أكتوبر 2015 12:01

مأزق المفكر الاقتصادي

ليس من السهل أن تكون مفكراً اقتصادياً؛ فالمديرون التنفيذيون للشركات يهاجمونهم لعدم حسابهم التكاليف والأرباح بالدقة المطلوبة، ويتهمهم محبو الأعمال الخيرية بأنهم شديدو التدقيق في التكاليف والأرباح.. أما الساسة، فينظرون إلى المفكرين الاقتصاديين على أنهم هادمو اللذات الذين لا يسمحون للساسة بأن يعدوا الجماهير بتحقيق الرخاء دون تقديم أي تضحيات.

وقد كرس عدد من الكتَّاب الساخرين وقتهم لمهاجمتهم؛ أمثال جورج برنارد شو، وتوماس كارلايل، وفي الواقع بدأ موسم الهجوم على المفكرين الاقتصاديين منذ أن أطلق كارلايل على الاقتصاد اسم "العلم الكئيب".

يشعر الاقتصاديون بأنهم يهاجَمون ظلماً؛ لأنهم عادة ليسوا المتسببين في الأنباء السيئة، بل هم من ينقلونها فحسب، والرسالة يسيرة: على البشر أن يُقدِموا على خيارات صعبة، فالجنس البشري لا يعيش في جنة، والعالم لا يمتلئ بأنهار اللبن والعسل، وعلينا أن نختار بين الهواء الأنقى أو السيارات الأسرع، بين المنازل الأكبر أو الحدائق الأكبر، بين المزيد من العمل أو المزيد من اللهو.

إن المفكرين الاقتصاديين لا يقولون لنا: إن أياً من هذه الأشياء سيئ، لكنهم يقولون فقط: إنه ليس بوسعنا أن نملكها كلها في الوقت نفسه، إن علم الاقتصاد معني بدراسة الخيارات؛ فهو لا يخبرنا يما يجب علينا اختياره، بل يساعدنا فقط على فهم تداعيات اختياراتنا.

بالطبع، لم يرضَ المفكرون الاقتصاديون الأوائل بممارسة دور ناقلي الأخبار وحسب، وعلى الرغم من أنهم نالوا ألقاباً ساخرة وغير مهذبة – مثل سميث الأخرق، ومل المتذاكي وكينز الشهواني، وما إلى ذلك - فلا يمكن أن نستخف بهم بسبب دوافعهم.

ومن قبيل المفارقة أن المفكرين الاقتصاديين ينالون بالمثل في أيامنا هذه الكثير من الانتقادات اللاذعة؛ ذلك لأنه – كما لاحظ كينز - بدأ الكثير منهم كفاعلي خير يبحثون عن وسائل لجعل العالم أفضل.

وقد اعتبر ألفريد مارشال أن الاقتصاد مهنة ينبغي أن تمزج بين العلم السديد والإخلاص للبشر، وفيما كان الناس في العصور الوسطى يرون أن هناك ثلاث مهن عظيمة؛ وهي الطب الهادف لتحقيق الصحة البدنية، والقانون الهادف لتحقيق الصحة السياسية، واللاهوت الهادف لتحقيق الصحة الروحية، كان مارشال يأمل في أن يصبح الاقتصاد المهنة النبيلة الرابعة التي تحقق مستوى أفضل من الصحة المالية، ليس للأغنياء فقط ولكن للجميع.

لقد حاول مارشال ببسالة أن يتوسط بين اتجاهين مؤثرين متعارضين؛ اتجاه نحو اقتصاد رياضي صرف دون أي تطبيق عملي، واتجاه يميل إلى التطرف العاطفي التام دون تفكير نظري دقيق.

إن المنهج الذي حارب مارشال من أجل تأسيسه في كامبريدج جمع بين أشد العقول علمية وأشدها عاطفية، وكان كينز بالطبع أروع نتيجة لهذا المنهج.

لطالما كانت السياسة أقوى رابط بين الاقتصاد والواقع، في الواقع كان الاقتصاد حتى هذا القرن يطلق عليه اسم "الاقتصاد السياسي"، وخدع السواد الأعظم من ألمع المفكرين الاقتصاديين في المناصب الحكومية بشكل أو بآخر، وفاز اثنان منهم؛ وهما ديفيد ريكاردو، وجون ستيوارت مل، في الانتخابات البرلمانية في بريطانيا.

إننا لا نرى في أعظم الاقتصاديين لمحة من الاهتمام العلمي وحسب، لكن قدراً كبيراً من الشغف أيضاً، ونرى في الرموز العديدة للحسابات والإحصاءات علامات واضحة على الاهتمام.

ليس من الصعب معرفة السبب في أن الساسة يسيؤون فهم مستشاريهم الاقتصاديين؛ فالاقتصاديون يتكلمون بعضهم مع بعض بلغة مختلفة عن تلك التي يستخدمونها مع العامة، إنهم يتكلمون بلغة النماذج، ففي محاولاتهم لتفسير ذلك العالم المعقد المسمى بالاقتصاد، يجب أن يبدؤوا بتبسيط العوامل القليلة المهمة في وقت الدراسة؛ ذلك لأن كل ظاهرة اقتصادية قد تتأثر بآلاف الأحداث.. فمثلاً، يمكن أن يعتمد مستوى إنفاق المستهلك على بعض مما يأتي: الطقس، الأذواق،  الدخل، التضخم، الحملات السياسية، ولفصل العوامل الأهم وترتيبها، على الاقتصاديين أن يصمموا نماذج تعزل مجموعة من هذه العوامل اللانهائية المحتمل تأثيرها على الظاهرة الاقتصادية، وأبرع الاقتصاديين هم من يصممون أقوى النماذج وأقدرها على الاستمرار.

السبت, 19 سبتمبر 2015 16:57

الأيام العشرة المباركة

إنَّ هذه الأيام العشر هي الأيام المعلومات المخصوصة بالتفضيل في محكم الآيات، في قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ {1} وَلَيَالٍ عَشْرٍ {2}) (الفجر)؛ إذ أقسم الرب جلّ جلاله بها لشرفها.

ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله، من هذه الأيام"، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" (رواه البخاري).

إنَّ هذا العمل الصالح الذي يحب الله تعالى الإكثار منه في هذه الأيام خاصة، يتضمن الصلاة والصيام والصدقة بالمال وسائر أفعال البر والإحسان.

بالنسبة للصلاة، فيستحب الإكثار من السنن والنوافل، ففي الحديث: "ما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها"، كما ورد عن رسولنا صلى الله عليه وسلم قوله: "مَنْ صلى اثنتي عشرة ركعة بنى له الله في الجنة غرفة".

وبالنسبة للصيام، ففي هذه الأيام كان بعض السلف يصومون عشر ذي الحجة كلها، وبعضهم يصومون بعضها؛ لأنَّ هذه الأيام أفضل أيام الدنيا من أجل أنَّ فيها يوم عرفة الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: "أفضل أيامكم يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي عشية يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، ولما سُئل عليه الصلاة والسلام عن صوم عرفة، فقال: "يكفِّر السنة الماضية والباقية" (رواه مسلم).

أما بالنسبة للصدقة، فلها شأنٌ كبير وأجر كثير؛ لكونها في هذه الأيام تصادف من الفقير، له ولعياله في يوم العيد موضع حاجة وشدة فاقة، لما يتطلبه الفقير من حاجة النفقة والكسوة وسائر المؤنة الضرورية.

ومما يستحب في هذه الأيام الفاضلة الجهر بالتكبير في عشر ذي الحجة في المساجد وفي الأسواق والطرق، جهراً لا يؤذي أحداً، ففي صحيح البخاري أنّ ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، حتى إنَّ للسوق ضجة بالتكبير: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد".

وبالنسبة للأضحية فإنها سُنة ثابتة بالكتاب والسُّنة، يقول سبحانه: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ {2}) (الكوثر).

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top