د. يوسف السند

د. يوسف السند

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 05 سبتمبر 2020 12:53

الإمام الرافعي

 عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم بن الفضل بن الحسن القَزْوِنيّ الإمام الجليل أبو القاسم الرافِعْيّ، صاحب الشرح الكبير المُسَمَّى بـ«العزيز»، وقد تورَّع بعضُهم عن إطلاق لفظ العزيز مجرَّداً على غير كتاب الله، فقال: «الفتح العزيز في شرح الوجيز»، و«الشرح الصغير»، و«المُحَرَّر»، و«شرح مُسْنَد الشافعي».

كان الإمام الرافعيُّ متضلِّعاً من علوم الشريعة، تفسيراً وحديثاً وأصولاً، مترفِّعاً على أبناء جنسه في زمانه، نَقْلاً وبَحْثاً وإرشاداً وتحصيلاً، وأما الفقه فهو فيه عُمدة المحقِّقين، وأُستاذ المصنِّفين، كأنما كان الفقه ميِّتاً فأحياه وأنْشَره، وأقام عِمادَه بعدما أماته الجهلُ فأقْبَره، كان فيه بدراً يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضَمّها أَوْجُها، وجَواداً لا يلحقه الجَوادُ إذا سلك طُرُقاً ينقل فيها أقوالاً ويُخَرِّج أَوْجُها، فكأنما عناه البُحْتُرِيّ بقوله:

وإذا دَجَتْ أقْلَامُهُ ثُمَّ انْتَحَتْ

بَرَقَتْ مَصابِيحُ الدُّجَا في كُتُبِهِ

وكان يرحمه الله وَرِعاً زاهداً تقياً طاهِرَ الذَّيْل مُرَاقباً لله تعالى.

سمع الحديث من جماعة، منهم أبوه، وأبو حامد عبدالله بن أبي الفتوح بن عثمان العِمْرانيّ، والخطيب أبو نصر حامد بن محمود الماوراء النَّهرِيّ، والحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد العطّار الهَمَذانِيّ.

روى عنه الحافظ عبدالعظيم المُنْذِرِيّ، وغيرُه.

قال ابن الصَّلاح: أظن أني لم أرَ في بلاد العَجَم مِثلَه.

وقال النَّوويّ: الرَّافِعِيُّ من الصالحين المتمكِّنين، كانت له كراماتٌ كثيرة.

وقال أبو عبدالله محمد بن محمد الإسْفَراينيّ: هو شيخُنا، إمامُ الدِّين، وناصر السُّنّة، كان أوحدَ عَصْرِه في العلوم الدِّينيّة؛ أُصولاً وفُروعاً، فريد وقتِه في التفسير، كان له مجلسٌ بِقَزْوِينَ للتفسير ولتسميع الحديث. (انتهى كلامه)(1).

وأن خَوارَزْم شاه، يعني جلال الدين، غزا الكَرَج بتَفْلِسَ، في هذه السنة، وقتل فيهم بنفسه حتَّى جَمَد الدّمُ على يدِه، فلما مرَّ بقَزْوِينَ خرج إليه الرافعيُّ، فلما دخل إليه أكرمه إكراماً عظيماً، فقال له الرافعيُّ: سمعتُ أنك قاتلتَ الكفّارَ متى جمَد الدّمُ على يدك، فأُحِبّ أن تُخْرِجَ إليَّ يدَك لأُقبّلَها، فقال له السُّلطان: بل أنا أُحِبّ أن أقبّلَ يدَك، فقبَّل السُّلطانُ يدَه، وتحادَثا، ثم خرج الشيخ وركِب دابَّتَه، وسار قليلاً، فعثرت به الدابّةُ، فوقع فتأذَّت يدُه التي قبَّلها السُّلطان، فقال الشيخ: سُبْحانَ اللهِ، لقد قبَّل هذا السّلطانُ يدي، فحصل في نفسي شيءٌ مِن العَظمة، فعُوقِبْت في الوقت بهذه العقوبة.

سمعت شيخَنا شَمْسَ الدِّين محمد بن أبي بكر بن النَّقِيب، يحكي أن الرافعيَّ فقَد في بعض اللّيالي ما يُسْرِجُه عليه وقتَ التصنيف، فأضاءت له شجرةٌ في بيته.

تُوُفِّيَ في ذي القَعْدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة(2).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الطهارة والورع والتقوى والمراقبة لله تعالى معالم نور وهدى في حياة علمائنا الأجلال؛ إذ لا تكاد تخلو سيرة أحدهم من هذه المعالم البارزة والمعاني السامية، فهي الخطوة الأولى إلى الفتح العزيز ورياض الصالحين والروض المربع ودار السعادة بل إلى أفراح الروح!

- المجلس التربوي للعالم الرباني وسيلة للتعليم الرباني والتواصل الاجتماعي والتذكير الإيماني، فقد كانت حياة العلماء حافلة بالمجالس التربوية، وكلما حرص عليها الدعاة المربون ارتقت أرواحهم وسمت أخلاقهم ونجحوا في تربيتهم لأنفسهم وللناس، بل وتَجَدَّدَ إيمانهم وَزكَى علمُهم وعملُهم وفقهوا دينهم.

- تقدير العلماء الربانيين للجهاد والمجاهدين، واحترام الولاة والحكام للعلماء الربانيين؛ بهذه تنمو الأمة ويسودها الأمن والأمان بمنهج أخلاقي يراه الناس في أعينهم بين العلماء والأمراء.

- ضرورة نشر علم الفقه بين الناس حتى يُعرف الحلال من الحرام، وتُعرف به أحكام الدين والشريعة، وحتى لا يتجرأ الجهال والغلاة على التحليل والتحريم والفتيا.

- حرص العلماء على نشر علمي التفسير والحديث؛ إذ بهما يُعرَف كتاب الله تعالى وسُنة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

- معرفة العلماء لأنفسهم ومراقبة آفاتها وضعفها وأهوائها وحرصهم على تربية أنفسهم.

- إتقان العلماء للعلوم يأتي بعد شدة طلب وقوة تحمل وصبر عظيم وسعي للأكابر من الأئمة والعلماء الراسخين في العلم.

- للعلماء والصالحين كرامات يظهرها على أيديهم إذا شاء سبحانه وتعالى.

والحمد لله رب العالمين.

الهامشان

(1) بتصرف.

(2) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج8، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 04 أغسطس 2020 13:31

سُلطان العلماء العز بن عبدالسلام

 هو عبدالعزيز بن عبدالسلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمدبن مُهَذَّب السُّلَمِيّ شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سُلطانُ العلماء، إمام عصره بلا مُدَافَعة، القائمُ بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكَر في زَمانه، المُطَّلِعُ على حقائق الشريعة وغوامضِها، العارِفُ بمَقاصدِها، لم يرَ مثلَ نفسِه، ولا رأى مَن رآه مثلَه، عِلماً وورعاً وقياماً في الحق وشجاعةً وقوة في جَنان وسَلاطَةَ لسان.

ولد سنة سبعٍ أو سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة.

تفقّه على الشيخ فخرِ الدين ابن عساكر، وقرأ الأصولَ على الشيخ سيف الدين الآمِدِيّ وغيرِه، وسَمِع الحديثَ من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر، وشيخِ الشيوخِ عبدِاللّطيف بن إسماعيل بن أبي سعد البغداديّ.

روى عنه تلامذتُه؛ شيخُ الإسلام ابن دَقِيقِ العيد، وهو الذي لَقَّب الشيخَ عزَّ الدين سُلْطانَ العُلماء، والإمامُ علاء الدين أبو الحسن الباجِيّ، والشيخ تاجُ الدين ابن الفِرْ كاح، والحافظ أبو محمد الدِّمْياطيّ.

درَّس بدمشقَ أيام مُقامِه بها بالزاوية الغَزَّلية وغيرِها، ووَلِي الخَطابة والإمامةَ بالجامع الأموِيّ.

قال الشيخُ شهابُ الدِّين أبوشامةَ أحدُ تلامذةِ الشيخ: وكان أحقَّ الناس بالخَطابة والإمامة، وأزال كثيراً من البِدَع التي كان الخُطباء يفعلونها؛ من دَقِّ السَّيْفِ على المِنْبر وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرَّغائب ونِصْفِ شَعْبانَ، ومَنع منهما.

سمعت الشيخَ الإمامَ رحمه الله يقول: سمعت شيخَنا الباجِيَّ يقول: طلع شيخُنا عِزُّ الدين مرّةً إلى السلطان في يومِ عيدٍ إلى القامة، فشاهد العساكر مُصْطفِّين بينَ يديه ومجلسَ المملكة وما السلطانُ فيه يومَ العيد من الأُبَّهة، وقد خرج على قومه في زينتِه على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراءُ تقبِّلُ الأرضَ بينَ يدَي السلطان، فالتفت الشيخُ إلى السلطان وناداه: يا أيّوبُ، ما حُجَّتُك عند الله إذا قال لك: ألم أُبوّئُ لك مُلكَ مِصْر ثم تبيح الخمورَ؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم، الحانة الفُلانيّة يُباع فيها الخمور وغيرُها من المنكَرات، وأنت تتقلَّب في نِعْمةِ هذه المملكة، يناديه كذلك بأعلَى صوته، والعساكر واقفون، فقال: يا سيّدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي، فقال: أنت من الذين يقولون: «إنَّا وَجَدْنَا آباءَنَا عَلَى أُمّةٍ»، فرسَم السلطان بإبطال تلك الحانة.

سمعت الشيخَ الإمام يقول: سمعتُ الباجيَّ يقول: سألت الشيخَ لمّا جاء من عند السُّلطان وقد شاع الخبر: يا سيِّدي، كيف الحال؟ فقال: يا بُنَيَّ، رأيتُه في تلك العظمة فأردت أن أهِينَه لئلّا تكبُر نفْسُه فتؤذِيَه، فقلت: يا سيِّدي، أما خِفْتَه؟ فقال: واللهِ يا بُنَيَّ، استحضرتُ هَيْبةَ الله تعالى، فصار السلطان قُدَّامي كالقِطّ.

وحكى قاضي القضاة بدرُ الدِّين بنُ جماعةَ، رحمه الله، أنّ الشيخَ لمّا كان بدِمَشْق وقع مرّةً غلاءٌ كبير حتى صارت البساتين تُباع بالثمن القليل، فأعطتْه زوجتُه مَصاغاً لها وقالت: اشتر لنا به بُستاناً نَصِيفُ به، فأخذ ذلك المَصاغَ وباعه وتصدَّق بثمنِه، فقالت: يا سيِّدي، اشتريتَ لنا؟ قال: نعم، بستاناً في الجنّة، إني وجدت الناس في شدَّةٍ فتصدَّقتُ بثمنِه، فقالت له: جَزاك الله خيراً.

وحكى أنه كان مع فقرِه كثيرَ الصَّدقات، وأنه ربّما قَطع من عِمامته وأعطى فقيراً يسأله إذا لم يجد معه غيرَ عِمامتِه.

قال شيخ الإسلام ابنُ دقيق العيد: كان ابنُ عبداِلسَّلام أحدَ سلاطينِ العلماء.

وعن الشيخ جمال الدين ابن الحاجِب أنه قال: ابنُ عبدِالسَّلام أفقهُ من الغزّالِيّ.

ذكر واقِعة التَّتار وما كان من سُلْطان العُلماء فيها:

استشاروا الشيخ عِزَّ الدِّين، رحمه الله، فقال: اخرُجوا وأنا أضْمَن لكم على الله النَّصرَ، فقال السلطان له: إن المالَ في خزانتي قليلٌ، وأنا أريد أن أقترضَ من أموال التُّجَّار.

فقال له الشيخُ عِزُّ الدِّين: إذا أحضرتَ ما عِندك وعِند حَريمِك، وأحضر الأمراءُ ما عِنْدَهم من الحُليّ الحرامِ، وضَرَبْتَه سكَّةً ونَقْداً، وفرَّقته في الجيش ولم يَقُم بِكفايتهم، ذلك الوقتَ اطلُبِ القَرْضَ، وأما قَبْلَ ذلك فلا، فأحضر السلطانُ والعسكرُ كلُّهم ما عِنْدَهم من ذلك بين يدي الشيخ، وكان الشيخ له عظمةٌ عِندَهم وهَيْبةٌ بحيث لا يستطيعون مخالفتَه، فامتثلوا أمرَه، فانتصروا.

ذكر كائنة الشيخ مع أمراء الدولة من الأتراك:

وهم جَماعةٌ ذُكِر أن الشيخَ لم يثبُتْ عِنْدَه أنهم أحرارٌ، وأن حُكْمَ الرِّقّ مُسْتَصْحَبٌ عليهم لِبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعَظُم الخَطْبُ عندهم فيه، وأُضْرِم الأمرُ، والشيخ مصمِّمٌ لا يصحِّح لهم بيعاً ولا شِراء ولا نِكاحاً، وتعطَّلتْ مصالحُهم بذلك.

فقال: نَعْقِد لكم مجلساً، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصُل عِتْقُكم بطريقٍ شرعي.

قال: أنادي عليكم وأبيعكم، قال: ففيم تَصْرِف ثمنَنا؟ قال: في مصالح المسلمين، قال: مَن يَقْبِضُه؟ قال: أنا.

فتمَّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحِداً واحداً، وغالَى في ثمنهم، وقبضه وصرفه في وجوه الخير، وهذا ما لم يُسْمَع بمثله عن أحد، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

ومن تصانيف الشيخ عزِّ الدين «القواعِد الكبرى»، وكتاب «مجاز القرآن»، وهذان الكتابان شاهدان بإمامته وعظيم منزلته في علوم الشريعة.

توفي في العاشر من جُمادى الأولى سنة ستين وستمائة بالقاهرة، ودُفِن بالقرافة الكبرى رحمه الله تعالى(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- السعي لطلب العلم عبر العلماء المتخصصين المعتبرين سمة لازمة لعلماء الأمة وأئمتها الأجلاء العظماء.

- العالم الرباني لا يستغني عن تعليم الناس وتدريسهم في المسجد أو في المدرسة والناس لا يستغنون عن ذلك.

- حياة الفرد بالأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم ودراية وإخلاص.

- العالم الصادق المخلص يبلغ دين الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوصل كلمة الحق لمن يعنيه الأمر ولو كان حاكماً أو والياً أو مسؤولاً.

- إن تبليغ رسالة الإسلام للناس من سمات العلماء الربانيين والمؤمنين الصادقين الذين يخشون الله وحده ويحبونه؛ (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب: 39).

- إن الأمة إذا تركت الحق واتبعت الباطل فسيذهبها الله ويأتي بأقوام آخرين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وما ذلك إلا لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).

- من أرضى الله تعالى بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.

- لا يستغني أحد عن بركات الصدقة وأجرها وحسناتها وخيراتها ولو كان فقيراً!

- إنفاق الحاكم وأهله وحاشيته وقت الأزمات والكوارث والحروب يساهم في دفع الكوارث والكربات ويجعلهم محل القدوة والتوبة والمعروف والإحسان.

والحمد لله رب العالمين.

 

_______________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج8، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الإثنين, 06 يوليو 2020 11:11

الإمام ابن عساكر

 علي بن الحسن بن هِبَة الله بن عبدالله بن الحسين، الإمام الجليل، حافظ الأمة، أبو القاسم ابن عساكر.

هو الشيخ الإمام، ناصر السُّنّة وخادِمها، وقامع جند الشيطان بعساكر اجتهاده وهادمها، إمام أهل الحديث في زمانه، وختام الجهابِذَة الحفّاظ، ولا ينكر أحدٌ منهم مكانة مكانِه، مَحَطُّ رِحال الطالبين، ومَوْئِل ذوي الهمم من الراغبين، الواحد الذي أجمعت الأمة عليه، والواصل إلى ما لم تطمح الآمال إليه، والبحر الذي لا ساحل إليه.

وُلد في مستهل رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة للهجرة.

وسمع خلائق، وعدة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة.

وارتحل إلى العراق ومكة والمدينة، وارتحل إلى بلاد العجم، فسمع بأصبهان، ونَيْسَابور، ومَروْ، وتِبريز، ومِيهَنة، وبَيْهق..

وسمع منه جماعة من الحفاظ كأبي العلاء الهَمَذانيّ، وأبي سعد السمعانيّ، وروى عنه الجَمُّ الغَفير، والعَدَد الكثير، ورُوِيت عنه مصنَّفاته وهو حيٌّ بالإجازة، في مدن خراسان وغيرها، وانتشر اسمه في الأرض، ذات الطول والعَرْض.

وكان قد تفقَّه في حداثته بدمشق على الفقيه أبي الحسن السُّلَمِيّ،

ولما دخل بغداد لزم بها التفقُّه وسماعَ الدروس بالمدرسة النِّظامية، وقرأ الخلاف والنحو، ولم يزل طولَ عمره مواظِباً على صلاة الجماعة، ملازِماً لقراءة القرآن، مكثراً من النوافل والأذكار، والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار، وله في العشر من شهر رمضان في كل يومٍ ختمة، غير ما يقرأه في الصلوات، وكان يختم كلَّ جمعة، ولم يُرَ إلا في اشتغال، يُحاسب نفسه على ساعة تذهب في غير طاعة، يصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ويسطو على أعداء الله المبتدعة ولا يبالي وإن رَغِمَ أنفُ الرَّاغم، لا تأخذه رأفةٌ في دين الله، ولا يقوم لغضبه أحدٌ إذا خاض الباغِي في صفات الله.

قال له شيخه أبو الحسن بن قُبَيْس، وقد عزم على الرِّحلة: إني لَأَرجو أن يُحييَ الله تعالى بك هذا الشأن، فكان كما قال، وعُدَّتْ كرامةً للشيخ وبِشارَةً للحافظ.

ولما دخل بغداد أُعْجِب به العراقيُّون، وقالوا: ما رأينا مثله، وكذلك قال مشايخه الخُراسانيُّون.

وقال الحافظ أبو العَلاء الهَمَذانيّ لبعض تلامذته وقد استأذنه أن يسافر: إن عرفتَ أستاذاً أعلَم مني، أو يكون في الفَضْل مثلي فحينئذ آذنُ لك أن تسافرَ إليه، اللهم إلا أن تسافر إلى الشيخ الحافظ ابن عساكر، فإنه حافظ كما يجب.

وقال شيخه الخطيب أبو الفَضْل الطُّوسِيّ: ما نعرف من يستحق هذا اللقبَ اليومَ سِواه؛ يعني لفظة الحافظ.

وكان يُسَمَّى ببغداد شُعْلَةَ نار، من توقُّده، وذكائه وحسن إدراكه، لم يجتمع في شيوخه ما اجتمع فيه؛ من لزومِ طريقة واحدة منذ أربعين سنة، يلازم الجماعة في الصف المقدَّم إلا من عذر مانع، والاعتكاف والمواظبة عليه في الجامع، وإخراج حقّ الله، وعدم التطلُّع إلى أسباب الدنيا، وإعراضه عن المناصب الدينيّة، كالإمامة والخطابة، بعد أن عُرِضتا عليه.

وقال ابن النجّار: هو إمام المحدِّثين في وقته، ومن انتهت إليه الرِّياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامّة بعلوم الحديث، والثقة والنُّبل، وحسن التَّصنيف والتجويد، وبه خُتِم هذا الشأن.

وكان الملك العادل محمود بن زَنْكِي نور الدين قد بَنى له دار الحديث النُّورِيّة، فدرَّس بها إلى حين وفاته، غيرَ ملتفت إلى غيرها، ولا متطلِّع إلى زُخْرف الدنيا، ولا ناظرٍ إلى محاسن دمشق ونُزَهِها، بل لم يزل مواظباً على خدمة السُّنة والتعبّد باختلاف أنواعه؛ صلاةً وصياماً واعتكافاً وصدقة، ونَشْرَ علم، وتشييع جنائز، وصِلاتِ رَحِم إلى حين قُبِض، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

توفي الحافظ في حادي عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، بدمشق ودُفِن بمقبرة باب الصغير(1).

الفوائد الإيمانية والتربوية:

- كان علماء الإسلام، رحمهم الله تعالى، يتزودون دائماً بالزاد الإيماني التربوي من ملازمة لصلاة الجماعة وصيام النوافل وتلاوة القرآن الكريم والأذكار والتسبيح آناء الليل وأطراف النهار والصدقة وتشييع الجنائز والاعتكاف وصلة الرحم ونشر العلم.. فقد كان هذا زادهم حتى يلقوا الله تعالى.

- الحرص على طلب العلم والتفقُّه من الصغر وسن الشباب له دور في صياغة شخصية العالم وإتقانه للعلم والفنون؛ ولذلك يجب على المربين أن ينتبهوا للنماذج الموهوبة والمتميزة وتوجيهها وتربيتها والعناية بها، باعتبار كل واحد منهم مشروع عالم شرعي متمكن للمستقبل، بإذن الله تعالى.

- الحرص على التدريس والتربية والتعليم والدعوة إلى الخير من سمات العلماء الربانيين.

- كان العلماء لا يشغلهم أمر عن العلم والعبادة.

- الزهد في المناصب كان سمتاً معروفاً للعلماء الصادقين المخلصين.

- كان علماء الإسلام لا يرضون إلا بالحفظ والإتقان والمعرفة التامة لمختلف المعارف والعلوم.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج7، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 09 يونيو 2020 11:28

أحمد بن محمد الجرْوَآني

 «أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سِلَفة، الحافظ الكبير، أبوطاهر بن أبي أحمد السِّلَفي، الأصبهاني، الجرْوَآني.

كان حافظاً جليلاً، وإماماً كبيراً، واسعَ الرحلة، دَيِّناً، وَرِعاً، حجة، ثَبْتاً، فقيهاً، لغوياً، انتهى إليه علوُّ الإسناد، مع الحفظ والإتقان.

قيل: مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تخميناً، لا يقيناً.

وقد طلب الحديث، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها.

وحكى عن نفسه أنه حدّث سنة اثنتين وتسعين، وما في وجهه شعرة، وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها.

ثم رحل في رمضان، سنة ثلاث وتسعين، إلى بغداد، وأدرك نصراً بن البَطِر.

وسمع ببغداد أيضاً من أبي بكر الطُّرَيْثيثي، وأبي عبدالله بن البُسْرِي، وثابت بن بُندار، والموجودين بها إذ ذاك، وعمل «معجماً» لشيوخها.

ثم حجّ، وسمع في طريقه بالكوفة، من أبي البقاء المُعمَّر بن محمد الحَبَّال.

وبمكة، من الحسين بن علي الطَّبَرِي، وبالمدينة من أبي الفرج القَزْوينيّ، وعاد إلى بغداد فتفقَّه بها، واشتغل بالعربية، ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة.

قال شيخنا الذهبي: لا أعلم أحداً في الدنيا حدَّث نيِّفا وثمانين سنة سوى السِّلَفِي.

تفقَّه السِّلَفي على إلكِيا أبي الحسن الطَّبري، وفخر الإسلام الشاشي، ويوسف بن علي الزَّنْجانِيِّ.

وأخذ الأدب عن أبي زكرياء التِّبْريزِي، وغيره.

وقرأ القرآن بالروايات.

ذكره ابن عساكر، فقال: سمع ممن لا يُحصَى.

وقال ابن السَّمْعاني: هو ثقة، ورع، متقِن، مثبت، حافظ، فَهِم، له حظٌّ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه.

وقال الحافظ عبدالقادر الرُّهَاويّ: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر، أنه قال عن السِّلَفِيّ: كان ببغداد كأنه شعلةُ نار في تحصيل الحديث.

قال عبدالقادر: وكان له عند ملوك مصر الجاهُ والكلمة النافذة، مع مخالفته لهم في المذهب، وكان لا تبدو منه جَفْوةٌ لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماءً، ولا يبصُق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدَم، وقد جاوز المائة.

قال عبدالقادر: وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أزال من جوارِه منكرات كثيرة.

وقال ابن نُقْطَة في السِّلَفِيّ: كان حافظاً، ثقة، جوَّالاً في الآفاق، سآلاً عن أحوال الرجال، شجاعاً.

تُوفِّي صبيحة يوم الجمعة، الخامس من شهر ربيع الآخر، سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة، وله مائة وست سنين، على ما يظهر.

ولم يزل يُقْرَأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ اللحنَ الخفِيَّ، وصلى يوم الجمعة الصبحَ عند انفجار الفجر، وتُوُفِّيَ عقِيبَه فجأة»(1).

الفوائد الإيمانية والتربوية:

- الصفات الإيمانية من الخوف من الله تعالى والورع وغيرها تعين العالم على طلب العلم وإتقانه والتحمل من أجله.

- كانت الرحلة في الآفاق والتنقل في الأقطار وسيلة من وسائل طلب العلم لدى علمائنا الأفذاذ؛ ولذا بارك الله في علمهم إلى يومنا هذا.

- طلب العلم من الصغر له بالغ الأثر في رسوخ قدم العالم وتميزه طوال حياته، وهذا ما يجب أن يحرص عليه المربون.

- كثرة الشيوخ الذين يتلقى عنهم العالم العلم والخلق والسمت الحسن رصيد قوي في تكوين متانة العلم ورصانته وقوته لدى العالم وصياغته لشخصيته.

- كان العلماء آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر مقيمين لحدود الله تعالى لشعورهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم ولخوفهم من سؤال الله تعالى وحسابه يوم القيامة.

- كان العلماء يتدارسون العلم حتى آخر رمق من حياتهم فيُرزَقون حسن الخاتمة.

والحمد لله رب العالمين

 

______________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج6، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن عبدالله بن حيُّويه الجُوَيْني النّيسابوري، إمام الحرمين، أبو المعالي.

هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحَبْر، المدقّق المحقّق، النّظّار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العلَم الفَرْد، زينة المحقّقين.

وإذا وعَظ ألبس الأنفسَ من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بَشَرٌ فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا.

رُبّيَ في حِجر العلم رشيداً، حتى رَبا، وارتضع ثَدْيَ الفضل فكان فِطامُه هذا النّبا، وأحكم العربية، وما يتعلق بها من علوم الأدب، وأوتِي من الفصاحة والبلاغة ما عجَّز الفُصَحاء، وحيَّر البلغاء، وسكَّت مَن نطق ودأب.

وُلد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، واعتنى به والده من صِغَره، لا بل قبل مولده.

وذلك أن أباه اكتسب من عمل يده مالاً خالصاً من الشُّبهة، اتصل به إلى والدته، فلما ولدته له حرص على ألا يُطعمه ما فيه شبهة، فلم يمازج باطنَه إلا الحلالُ الخالص، حتى إنه تلجلج مرة في مجلس مناظرة، فقيل له: يا إمام، ما هذا الذي لم يُعْهد منك؟

فقال: ما أراها إلا آثار بقايا المصّة.

قيل: وما نبأ هذه المصة؟

قال: إن أمي اشتغلت في طعام تطبُخه لأبي، وأنا رضيع، فبكيت وكانت عندنا جارية مرضعة لجيراننا فأرضعتني مصة أو مصتين، ودخل والدي، فأنكر ذلك، وقال: هذه الجارية ليست مِلكاً لنا، وليس لها أن تتصرف في لبنها، وأصحابُها لم يأذنوا في ذلك، وقلبني وفوّعني حتى لم يَدَعْ في باطني شيئاً إلا أخرجه، وهذه اللّجْلجة من بقايا تلك الآثار.

فانظر إلى هذا الأمر العجيب، وإلى هذا الرجل الغريب، الذي يحاسب نفسه على يسيرٍ جرى في زمن الصبا الذي لا تكليف فيه، وهذا يدنو مما حكي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ثم أخذ الإمام في الفقه على ولده، وكان والده يُعْجَب به ويُسَر؛ لما يرى فيه من مخايل النجابة، وأمارات الفلاح.

وجَدّ واجتهد في المذهب والخلاف، وغيرها، وشاع اسمه، واشتهر في صباه، وضُربت باسمه الأمثال، حتى صار إلى ما صار إليه، وأوقف علماء المشرق والمغرب معترفين بالعجز بين يديه، وسلك طريقَ البحث والنظر والتحقيق.

ولا يشك ذو خبرة أنه كان أعلمَ أهلِ الأرض بالكلام والأصول والفقه.

ثم توفِّيَ والده وسنه نحو العشرين، وهو مع ذلك من الأئمة المحقِّقين، فأُقعده مكانه في التدريس، فكان يدرِّس ثم يذهب بعد ذلك إلى مدرسة البَيْهقي، حتى حصَّل الأصول عند أستاذه أبي القاسم الإسكاف الإسْفَرايني، وكان يواظب على مجلسه.

وكان يصل الليل والنهار في التحصيل، ويبكّر كل يوم، ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس، وناداه على بُعد الديار البيتُ الحرامُ فلبَّى وأحرم، وتوجه حاجّاً، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويُفتي، ويجتهد في العبادة ونشر العلم.

فبُنيت له المدرسة النظامية بنيسابور، وأُقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة، غيرَ مُزاحَم ولا مُدافَع، مسلَّم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة.

ومن تصانيفه «النهاية» في الفقه، و»الشامل»، و»الإرشاد» في أصول الدين، و»البرهان» في أصول الفقه، و»الورقات»، و»غياث الأمم»، و»مُغيث الخَلْق» في ترجيح مذهب الشافعية، و»الرسالة النظامية»، و»مدارك العقول»، وله «ديوان خُطَب» مشهور.

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني إمام الحرمين.

وقال له مرة: يا مقيدَ أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخِرون.

وقال الحافظ أبو محمد الجُرجانيّ: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه.

تُوفِّيَ ليلة الأربعاء بعد صلاة العَتَمة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة»(1).

الفوائد التربوية والإيمانية:

- الحرص على طلب العلم منذ الصغر يورث الإمامة في الكبر.

- حرْص العلماء الربانيين على الحلال والبعد عن الشبهات أثمر ذرية طيبة.

- العالم الرباني حريص على تعليم الناس أمر دينهم وتربيتهم على الخير.

- حرْص العلماء على التدريس في المساجد والمدارس.

- الجمع بين التعليم والتعلم من صفات العلماء المتميزين الذين لا يبالون بثناء الناس ومدحهم، ولا يغترون بالشهرة، بل هم أعلم بأنفسهم وحاجتهم إلى التعلم وسد النقص في جوانب الخلل لديهم.

- رحم الله علماءنا؛ فكان يعرف بعضهم قدر بعض، فلا يترددون في ذكر مآثر بعضهم عدالة وإنصافاً وشهادة.

- الزاد الإيماني من عبادة وحج وقراءة القرآن هو الزاد الذي كان يحرص عليه العلماء.

والحمد لله رب العالمين.

 

_____________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج5، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الإثنين, 06 أبريل 2020 13:05

سهل العِجْلي

سهل بن محمد بن سليمان بن موسى ابن عيسى بن إبراهيم العِجْلي الحَنَفِيّ نَسَباً، الأستاذ الكبير، والبحر الواسع، أبو الطّيِّب الصُّعْلُوكِيّ، وَلَد الأستاذ أبي سهْل.

هو الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، النجيب ابن النجيب، الصُّعْلوكي إلا أنه الغني، الذي لا يُسأَل إلا ويُجيب.

ما أمّهُ الطالبُ إلا وجدَه سهْلاً، ولا أمّلَه الرّاغب إلا وتلقاه بالبشر، وقال له: أهلاً.

جمع بين رياسَتَي الدّين والدنيا، واتّفق علماء عصره على إمامته، وسيادته، وجمْعِه بين العلم، والعمل، والأصالة، والرياسة.

يُضرَب المثلُ باسْمِه، وتُضْرب أكبادُ الإبل للرحلة إلى مجلسِه، وكان يلقّب شمسَ الإسلام.

سمع أباه الأستاذ أبا سهْل، وبه تفقّه، وعليه تخرّج، ولَدَيْه رُبِّي.

قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيهاً، أديباً، جمع رياسةَ الدين والدنيا، وأخذ عنه فقهاء نَيْسابور.

وقال الحاكم: الفقيه، الأديب، مُفْتي نَيْسابور، وابن مُفْتِيها، وأكْتَبُ من رأيناه من علمائها، وأنظرُهم.

قال: وقد كان بعضُ مشايخنا، يقول: من أراد أن يَعْلَم النّجيب ابن النجيب، يكون بمشيئة الله تعالى، فليَنظر إلى سهْل بن أبي سْهل.

واجتمع إليه الخلقُ اليومَ الخامس، من وفاة الأستاذ أبي سهْل، سنة تسع وستين وثلاثمائة.

وقد تخرّج به جماعةٌ من الفقهاء، بنَيْسابور، وسائر مُدُن خراسان، وتصدّى للفتْوَى، والقضاء، والتّدْريس.

قال: وبلغني أنه وُضِع له في مجلسه أكثرُ من خمسمائة مِحْبَرة.. وكان أبوه يقول: سهْلٌ والد.

ودخلتُ على الأستاذ في ابتداء مرضِه، وسهْل غائب إلى بعض ضياعه، وكان الأستاذ يشكو ما هو فيه، فقال: غَيْبَة سهل أشدُّ (عليَّ) من هذا الذي أنا فيه.

وقال أبو عاصم العبّادِيّ: هو الإمامُ في الأدب، والفقه، والكلام، والنحو، والبارعُ في النّظر.

وقال الحافظ الإمام أثير الدين أبوعبدالله محمد بن محمد بن محمد بن غانم بن أبي زيد المُقْرِي، في كتابه الذي سماه» الكتاب الذي أعدّهُ شافعيٌّ، في مناقب الإمام الشّافِعِيّ»: سهل بن محمد الصُّعْلُوكِي، كان فيما قيل: عالَما في شخْصٍ، وأُمّةً في نَفْس، وإمامَ الدنيا بالإطلاق، وشافِعِيّ عصره بالإطْباق، ومن لو رآه الشافعي لقرّتْ عينُه، وشهد أنه صدْرُ المذهب وعينه.

ومن كلامه ورشيق عباراته: فمن حكيم كلامه من تصدّر قبل أوانه، فقد تصدّى لهوانه.

ومنه: إذا كان رضا الخلْق معسُورُه لا يدرك، كان ميسّورُه لا يُتْرَك.

قلتُ أرشق منه قولُ الفقهاء: الميسُورُ لا يسقط بالمعسور.

وهو مأخوذ من قول أفْصح من نطَق بالضّاد صلّى الله عليه وسلم: «إذا أمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استطعتم».

ومنه: إنما يُحتاج إلى إخوان العِشْرة لِزَمان العُسْرة.

مات الأستاذ أبو الطّيب في رجب سنة أربع وأربعمائة، بنَيْسابور(1).

العبر والفوائد التربوية والإيمانية:

- طلب العلم نور وبركة في بيت المسلم وعلى ذريته وأهله وفي دينه ودنياه وعاقبة أمره.

- التيسير والتسهيل لدى الداعية والعالم مدعاة لتقبل دعوته والاستماع إليه والاجتماع من حوله، وكذا هو المربي الحكيم والأب الرحيم الكريم.

- قد يجمع الله تعالى للعالم الحكيم التقي رياستي الدين والدنيا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

- الجمع بين طلب العلم وبرّ الوالد وحبه منزلة كريمة ومنقبة عزيزة يوفق الله من شاء من عباده لها، ومن كرم الله تعالى يجعل العلم والتميز العلمي ميراثاً موصولاً بين الآباء والأبناء.

- تميُّز علمائنا في علوم مختلفة، والجمع بينها من أدب وفقه ونحو..

- العمل الجاد للعالم الرباني حيث الجمع بين القضاء والفتوى والتدريس.

- كرم العالم وجوده على الناس بما يستطيع ويملك.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

__________________________________________________________________

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، محمود محمد الطناحي.

الثلاثاء, 03 ديسمبر 2019 12:31

أبوبكر النَّيْسَابوري

محمد بن إسحاق بن خُزيمة بن المغيرة ابن صالح بن بكر، إمام الأئمة، أبوبكر السُّلَمي النَّيْسَابوري، المجتهد المطلق، البحر العجاج، والحبر الذي لا يُخاير في الحِجى، ولا يُناظَر في الحِجَاج، جمع أشتات العلوم، وارتفع مقدارُه فتقاصرت عنه طوالع النُّجوم، وأقام بمدينة نيْسابور إمامَها حيث الضّراعم مُزدحِمَة، وفردها الذي رفع العِلْمُ بين الأفراد علَمَه، والوفود تَفِد على رَبْعِه لا يتجنّبه منهم إلا الأشقى، والفتاوَى تُحمَل عنه برّاً وبحراً وتشقُّ الأرض شقّاً، وعلومه تسير فتهدي في كل سوداء مُدْلهِمَّة، وتمضي عَلَما تأْتمُّ الهداةُ به، وكيف لا وهو إمام الأئمة.

كالبحر يقذِف للقريب جواهرا

كرَماً ويبعثُ للغريب سَحائبا

مولده في صفر، سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

سمع من خلق، منهم: إسحاق بن رَاهويه، ومحمد بن حُمَيد الرَّازي، ولم يحدث عنهما؛ لكونه سمع منهما في الصِّغَر، وكان سماعه بنيْسابور في صِغَره، وفي رحلته بالري، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، والجزيرة، ومصر، وواسط.

روى عنه خلق من الكبار، منهم، البخاري، ومسلم خارج "الصحيح".

ومحمد بن عبدالله بن عبدالحَكَم، شيخُه.

قيل لابن خزيمة يوماً: من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماءُ زمزم لِماَ شُرِب لَهُ"، وإني لمّا شربتُ زمزم، سألت الله علماً نافعاً.

قال القفال الشاشي: سمعت أبا بكر الصيرفي، يقول: سمعت ابن سُرَيج، يقول: ابن خُزَيْمة يُخرج النُّكَت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمِنْقاش.

وقال الربيع بن سليمان: استفدنا من ابن خُزيمة أكثرَ مما استفاد منّا.

وقال محمد بن حِبَّان التّميمي: ما رأيتُ على وجه الأرض من يحسن صناعة السُّنَن، ويحفظ ألفاظَها الصِّحاحَ وزياداتِها، حتى كأن السننَ كلها بين عيْنيه، إلا محمد بن إسحاق فقط.

وقال أبو علي الحسين بن محمد الحافظ: لم أرَ مثلَ محمد بن إسحاق.

قال: وكان ابن خُزَيمة يحفظ الفقهيّات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة.

وقال الدارَقُطْني: كان ابن خُزَيمة إماماً، ثَبْتاً معدوم النظير.

وحكى أبو بِشْر القَطّان، قال: رأى جارٌ لابن خُزَيمة من أهل العلم، كأن لوحاً عليه صورة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وابن خُزَيمة يصْقُله، فقال المُعبِّر: هذا رجل يُحيي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الحاكم في "علوم الحديث": فضائلُ ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً، سوى المسائل، والمسائل المُصنّفة أكثر من مائة جزء، وله "فقه حديث بريرة" في ثلاثة أجزاء.

وعن عبدالرحمن بن أبي حاتم، وسئل عن ابن خُزَيمة، فقال: ويحكم! هو يُسأَل عنّا، ولا نُسأَل عنه، وهو إمام يُقتدى به.

قال محمد بن الفضْل: كان جَدّي أبوبكر لا يدّخر شيئاً جُهْدَه، بل يُنفِقه على أهل العلم.

وقيل: إن ابن خُزَيمة عمِل دعوةً عظيمةً ببستان، جمع فيها الفقراء والأغنياء، ونقل كلّ ما في البلد من الأكل والشّواء والحَلوى.

قال الحاكم: وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلْق، لا يتهيّأ مثلُه إلا لسلطان كبير.

مات ابن خُزَيمة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

وفي مَرْثيّته قال بعض أهل العلم:

يا ابْنَ إسحاق قد مضيْتَ حميداً

فسقى قبرَك السحابُ الهَتُونُ

ما تولّيتَ لا بل العلمُ ولّى

ما دفنّاك بل هو المدفونُ(1)

العبر والفوائد التربوية:

- طلب العلم والحرص على تعلم ونشر الحديث الشريف شرف في الدنيا وعلو في الآخرة.

- طلب الحديث الشرف يورث القبول بين الناس والحب والثناء الحسن وحسن الظن.

- يظل العلماء ذوي جود وسخاء وكرم يكرمون الفقراء ويحترمون الأغنياء.

- كان علماؤنا يتواصلون مع شرائح المجتمع غنيهم وفقيرهم، بل ويحرصون على دعوة الفقراء إلى موائدهم ودورهم.

- الحرص على درجة الإتقان في التخصص الذي اختاره طالب العلم؛ حتى يحسن فنه وتخصصه وتفيد منه أمته.

- حرص العلماء على الدعاء وهم موقنون بالإجابة.

- الحرص على الإنفاق على طلبة العلم باب من أبواب الخير كان العلماء المقتدون يحرصون عليه؛ فكفالة طالب العلم أو إمام مسجد أو داعية تفتح أبواب الأجر العظيم لصاحبها، والدال على الخير كفاعله.

والحمد لله رب العالمين.

 

__________________

الهامش

(1) عبدالوهاب بن علي السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج3، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبدالفتاح محمد الحلو.

الأحد, 08 سبتمبر 2019 11:22

الربيع بن سليمان المُراديّ

«الربيع بن سليمان بن عبدالجبار بن كامل المُراديّ مولاهم، الشيخ أبو محمد المؤذن، صاحب الشافعي، وراوية كتبه، والثقة الثَّبْت فيما يرويه.

ولد الربيع سنة أربع وسبعين ومائة، واتصل بخدمة الشافعي وحمل عنه الكثير، وحدث عنه به.
روى عنه أبوداود، والنَّسائيّ، وابن ماجة، وأبو زُرْعة الرَّازي، وأبو حاتم..
وكان مؤذناً بالمسجد الجامع بفُسطاط مصر، المعروف اليوم بجامع عمرو بن العاص.
وكان يقرأ بالألحان، وكان الشافعيّ يحبه، وقال له يوماً: ما أحبَّكَ إليَّ!
وقال: ما خدمني أحد قطُّ ما خدمني الربيع بن سليمان.
وقال له يوماً: يا ربيع، لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك.
وقال القفّال في «فتاويه»: كان الربيع بطيء الفهم، فكرر الشافعيّ عليه مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، وقام من المجلس حياءً، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم.
وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق نحو مائتي رجل، وقد كاشفه الشافعي بذلك، حيث يقول له فيما روى عنه: أنت راوية كتبي.
ومن شعر الربيع:
صبراً جميلاً ما أسرع الفَرجا
من صدَّق اللهَ في الأمور نجا
مَن خشِي اللهَ لم ينلْه أذَى
ومن رجا اللهَ كان حيث رجا
وقيل: كانت فيه سلامة صدر، وغَفْلة.
قلتُ: إلا أنها باتفاقهم لم تنته به إلى التوقُّف في قبول روايته بل هو ثقة، ثبت، خرَّج إمام الأئمة ابن خُزيمة حديثَه في صحيحه، وكذلك ابن حِبَّان، والحاكم.
وقال ابن أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، وسئل أبي عنه، فقال: صدوق. انتهى.
وقال الخليل في «الإرشاد»: ثقة متَّفق عليه.
قال أبوعاصم: روى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة أشياء سُنة، وأربعة أدب، أما الفرض: فغسل اليدين، والقصعة، والسكين، والمِغْرفة، والسُّنة: الجلوس على الرِّجل اليسرى، وتصغير اللُّقَم، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع، والأدب: ألا تمد يدك حتى يمد مَن هو أكبر منك، وتأكل مما يليك، وقلة النظر في وجوه الناس، وقلة الكلام.
قال الربيع: دخلت على الشافعيّ، وهو مريض، فقلت: قوَّى الله ضعفَك، فقال: لو قوَّى ضعفي قتلني، قلتُ: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير.
قال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: أنفع الذخائر التقوى، وأضرّها العدوان.
قال: وسمعتُه يقول: لا خير لك في صحبة مَن تحتاج إلى مُداراته.
قال: وسمعته يقول: من صَدق في أُخوة أخيه قَبِل عِلَله، وسدَّ خَلَله، وعفا عن زَلَله.
قال: وسمعتُه يقول: الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل.
قال الربيع: قلتُ للشافعيّ: من أقدر الناس على المناظرة؟ فقال: مَن عوَّد لسانه الركْض في ميدان الألفاظ، ولم يتلعثم إذا رمقتْه العيون بالألحاظ.
قال الطحاويّ: مات الربيع بن سليمان، مؤذن جامع الفسطاط، يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال، سنة سبعين ومائتين، وصلى عليه الأمير خُمارَوَيْه أحمد بن طولون»(1).
العبر والفوائد التربوية:
- رحم الله الإمام الربيع، رفع الأذان فرفع الله ذكره في العالمين، والجزاء من جنس العمل.
- رضي الله تعالى عن الإمام الشافعي؛ إذ كان يتعامل مع الربيع راوية كتبه بكل أدب جم وحسن ظن.
- صبر الشيخ على قلة فهم تلميذه، وإعادة مسائل العلم عليه؛ خلة رائعة من خلال البر والكرم.
- ما كان من الربيع من غفلة لم تدع علماءنا الأجلاء لتركه ما دام ثقة ثبتاً صدوقاً فاتفقوا عليه؛ فالمسلم الفطن الأريب لا يحتقر أحداً من خلق الله تعالى.
- إن الدعاة المربين يجب أن يفيدوا من التراث الإسلامي الهائل الذي يحوي الآداب والقيم والتوجيه والإرشاد والتزكية.
والحمد لله رب العالمين.

 

_______________
الهامش
(1) ابن السبكي- طبقات الشافعية الكبرى ج2، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

الخميس, 01 أغسطس 2019 15:00

إسحاق بن راهُويَه

 

إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم بن مطر الحنْظَلِيّ أبو يعقوب المَرْوَزِيّ، ابن راهُويَه، أحد أئمة الدين، وأعلام المسلمين، وهداة المؤمنين، الجامع بين الفقه والحديث، والورع والتقوى، نزيل نيسابور وعالمها.

وُلد سنة إحدى، وقيل: سنة ست وستين ومائة.
وسمع من عبدالله بن المبارك.
وارتحل في طلب العلم سنة أربع وثمانين.
وسمع في الرحلة من جرير بن عبدالحميد، وسفيان بن عيينة، وعبدالعزيز الدَّراوَرْدِيّ، وفضيل بن عياض، ومُعتمِر بن سليمان، وابن عُلَيَّة..
روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمِذي، والنَّسائي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين..
قال علي بن إسحاق بن رَاهُويه: ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين، فمضى جدي راهُويه إلى الفضل بن موسى، فسأله عن ذلك، فقال: يكون ابنك رأساً؛ إما في الخير وإما في الشر.
وقال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبدالله بن طاهر: لِمَ قيل لك ابن رَاهُويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ فقلت: إن أبي ولد بطريق مكة، وقالت المَراوِزة راهويه، بأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكرهه.
قال نُعَيم بن حمَّاد: إذا رأيتَ الخُرسانيّ يتكلم في إسحاق بن رَاهُويه فاتَّهمْه في دينه.
وقال أحمد بن حنبل: لم يعبر في الجسر إلى خراسان مثلُ إسحاق.
قال ابن عَدِيّ: ركب إسحاقَ بن رَاهُويه دَيْن، فخرج من مَرْو، وجاء نيسابور، فكلَّم أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمر إسحاق، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: تكتب إلى عبدالله بن طاهر رقعة، وكان عبدالله أمير خراسان، وكان بنيسابور، فقال يحيى: ما كتبتُ إليه قطُّ، فألحُّوا عليه، فكتب في رقعة إلى عبدالله بن طاهر: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم رجل من أهل العلم والصلاح.
فحمل إسحاق الرقعة إلى عبدالله بن طاهر، فلما جاء إلى الباب، قال للحاجب: معي رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير، فدخل الحاجب، فقال له: رجل بالباب زعم أن معه رقعةَ يحيى بن يحيى إلى الأمير، فقال: يحيى بن يحيى؟ قال: نعم، قال: أدخله، فدخل إسحاق، وناوله الرقعة، فأخذها عبدالله، وقبَّلها، وأقعد إسحاق بجنبه، وقضى دينه ثلاثين ألف درهم، وصيّره من ندمائه.
قال محمد بن أسْلم الطُّوسي حين مات إسحاق: ما أعلم أحداً كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: 28)، وكان أعلم الناس.
قال محمد بن أسْلم: ولو كان الثوريّ في الحياة لاحتاج إلى إسحاق.
وقال الدَّارِميّ: ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصِدْقه.
وقال أحمد بن حنبل، وذكر إسحاق: لا أعرف له بالعراق نظيراً.
وقال مرة، وقد سئل عنه: مِثْلُ إسحاق يُسأَل عنه! إسحاق عندنا إمام.
وقال النَّسائيّ: إسحاق بن رَاهُويه أحد الأئمة، ثقة، مأمون، سمعت سعيد بن ذؤيب يقول: ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق.
وعن إسحاق: ما سمعت شيئاً إلا وحفظته، ولا حفظت شيئاً فنسيته.
وقال أبو يزيد محمد بن يحيى: سمعت إسحاق يقول: أحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي.
قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رُزق من الحفظ.
وقال الحاكم: هو إمام عصره في الحفظ والفتوى.
وقال أبو إسحاق الشِّيرازيّ: جمع بين الحديث، والفقه، والورع.
توفي إسحاق ليلة نصف شعبان، سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
قال البخاري: وله سبع وسبعون سنة(1).
العبر والفوائد التربوية:
- خشية الله تعالى جاورت قلب العلماء فنالوا الشرف في الدنيا والآخرة.
- الحب والاحترام هو الأصل الذي كان موجوداً بين علماء المسلمين.
- شفاعة العلماء بعضهم لبعض دليل حسن ظنهم لبعضهم.
- تميُّزُ علمائنا بالحفظ والفهم والإتقان مدعاة لاتخاذهم قدوة في احترام العلم وتبجيل الدين وتقدير الشريعة.
- عُرف علماؤنا بصيانة العلم؛ ولذلك قدرهم الملوك والأمراء.
- خُلقُ الإنصاف من الأخلاق العالية والسجايا الحميدة والقيم السديدة التي تحلى بها علماؤنا.
- بالصدق والأمانة تكون السيادة والقيادة، ولقد ساد ابن راهُويه المشرق والمغرب بصدقه.
___________________
الهامش:
(1) ابن السبكي- طبقات الشافعية الكبرى- ج 2، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

الإثنين, 10 يونيو 2019 14:03

القاسم بن سَلّام

 «الأديب الفقيه، المحدِّث، صاحب التصانيف الكثيرة: في القراءات، والفقه، واللغة، والشعر.

قرأ القرآن على الكسائي، وإسماعيل بن جعفر، وشُجاع بن أبي نصر.

وسمع الحديث من إسماعيل بن عيّاش، وإسماعيل بن جعفر.

وتفقه على الشافعي رضي الله عنه، وتناظر معه في القُرْء، هل هو حيض أو طهر؟ إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله الآخر.

وُلد بهَراة، وكان أبوه فيما يُذكَر عبداً لبعض أهلها، وتنقّلت به البلاد، ووَلي قضاء طَرَسوس، ثم حج بالآخرة، فتوفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين.

قال إسحاق بن رَاهُويه: الحق يحبه الله، أبو عُبَيد أفقه مني، وأعلم مني، أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.

قال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل.

وقال أبو بكر الأنْبارِيّ: وكان أبو عُبَيد قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً ينام، وثلثاً يصلي، وثلثاً يطالع الكتب.

وقال محمد بن سعد: كان أبو عُبَيد مؤدِّباً، صاحب نحو وعربية، وطلب الحديث والفقه، وولي قضاء طَرَسُوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وقدم بغداد ففسر فيها غريب الحديث، وصنف كتباً، وحدَّث، وحج  فتوفي في مكة سنة أربع وعشرين ومائتين.

وقال عباس الدُّورِيّ: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: أبو عُبَيد ممن يزداد عندنا كل يوم خيراً.

وقال أبو قُدامة: سمعت أحمد يقول: أبو عبيد أستاذ.

وقال حَمدان بن سهل: سألت يحيى بن مَعين عن أبي عُبَيد، فقال: مثلي يُسأل عن أبي عُبَيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس.

وقال أبو داود: ثقة، مأمون.

وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ثقة، إمام جبل، جليل»(1).

العبر التربوية:

- التنوع العلمي الباهر والرائع لعلمائنا يدفعنا لمزيد من البحث والدرس والطلب الجاد للعلم والصبر على ذلك.

- الإنصاف المتكرر للعلماء بعضهم لبعض يدفعنا لمجاهدة النفس على التخلق بخلق الإنصاف والعدل مع الآخرين.

- الزيادة اليومية في الخير توفيق من الله تميز به علماؤنا لإخلاصهم وصدقهم وعنايتهم بتربية أنفسهم والرقي بها.

- تنوع العطاء من عالم واحد لأمته في مجالات متعددة من القضاء إلى الجهاد إلى التعليم والتربية وتفقيه الناس بدينهم إلى جانب التأليف والتصنيف.

- تقسيم العلماء للوقت بين طلب العلم والقراءة والبحث والعبادة والصلاة، وكان ذلك في الليل والنهار، فالوقت عندهم غالٍ ونفيس.

- طلب العلم رغم الفقر والعوز والحاجة دليل على حب كبير للعلم وأهله وإخبار عن نفس توّاقة وهمة عالية لا تعرف التواني والتراخي.

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

(1) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى ج2، تحقيق عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.

(*) بتشديد اللام، الإمام الجليل، أبو عبيد.

الصفحة 1 من 12
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top