د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مشكور يا ابني أو أخي الصغير مشاري ناصر العرادة، لقد بعثت فيَّ الطمأنينة بشكل أكثر من اطمئناني السابق في الجوانب السبعة التالية:

أولاً: طمأنتني على ما كنت أعتقده أن الخير باقٍ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الكويت تخرج من النماذج المتميزة الكثير، فعلاً الكويت ولادة.

ثانياً: طمأنتني أكثر يا مشاري على أن البوصلة لا تزال تتوجه نحو الرموز القدوة أمام جزء ليس بالبسيط من شبابنا الذين ضاعت من أمام كثير منهم البوصلة باتجاهها الصحيح حين أصبحت قدواتهم خارج الإطار المقبول من الممثلين والمطربين أو ما يسمى "الفاشيونستات"! بل حتى المهرجين أحياناً.

ثالثاً: طمأنتني أكثر يا بومساعد أن محبيك وأهل الكويت عامة أوفياء لك ولكل الشباب المستقيم أمثالك، فها هم لا يزالون يذكرونك بكل خير، وقد تقاطروا على توديعك والصلاة عليك والدعاء لك وأنت تفترش التراب، وقد هيأت نفسي لهذا الفراش واللحاف الترابي، بل وهيأت الأمة لذلك من خلال نشيدك الرائع "فرشي التراب"، الذي جسدت فيه المعاني العظيمة الواردة في الكتاب والسُّنة مع إخوانك المتميزين مثلك.

رابعاً: طمأنتني أكثر أن أحبابنا في الخليج والعالم العربي والإسلامي متواصلون معنا من خلال التميز والإبداع الذي يعبر الحدود والبلاد والقارات، وأن لنا أهل كرام هناك يشاركوننا أفراحنا وأتراحنا في تواصل فوري سريع.

خامساً: طمأنتني أكثر على الشباب المنشدين المتمسكين بثوابتهم بالتزامهم بترسيخ القيم وفي الإطار الشرعي المحافظ، وعدم الحيود عن ذلك الخط المحافظ والذي لم يمنع الإبداع يوماً حيث كل أناشيدك قيمة مؤثرة.

سادساً: طمأنتني أكثر بأن الكويت زاخرة بالنماذج الخيرية التي تحمل صفاتك الكريمة مثلك في تواضعك الجميل ودماثة خلقك وهدوئك، حيث لم يشهد عليك قريب أو بعيد بأنك عاديت أحداً يوماً ما، بل لم تضر أحداً، بل لم تكن ترد الإساءة بمثلها، فضلاً عن برك بوالدتك، وحسن معشرك مع زوجتك وحسن رعايتك لابنتك الوحيدة، وقد شهدت بنفسي طيب معدنك الأصيل عندما تشرفت بالعمل معك حين كنت الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف.

سابعاً: طمأنتني أكثر أنت ومن سبقك من شباب الدعوة الراحلين الكرام أنهم وجدوا إخوانهم الأوفياء يظهرون أسمى معاني الوفاء باتباع جنائزهم وتوثيق سيرهم الكريمة وتعهد أهلهم بالزيارة والتواصل معهم ما أمكنهم، وأنهم لم ينصرفوا من قبرك للدعاء لك حتى قبيل غروب الشمس وقد أخفوا دموعهم ليجتهدوا لك بما تستحقه منهم من الدعاء كأبسط مظاهر الوفاء، بل حتى تواترت مآثرك الجميلة على ألسنتهم كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً في شتى وسائل التواصل الاجتماعي، ولعل في كلمة الأخت الفاضلة أم طلال الخضر فيك خير مثال وأجمل مقال.

طبت حياً وميتاً وليفخر بك والدك الأخ الفاضل ناصر العرادة وعائلته الكريمة أنك كنت خير ممثل لهم أمام المجتمع الكويتي والخليجي والعربي والإسلامي، وشرفت بلدهم بنموذج كويتي جميل.

 WWW.ajkharafi.com

لقد حثنا ديننا الإسلامي العظيم على التحلي بالأخلاق الكريمة، ومن أسمى تلك الأخلاق وأفضلها الورع والتقوى والإيثار، وتحري الكسب الحلال بالطرق المشروعة، وقد وردت في القرآن الكريم أكثر من آية فيها توجيه رباني إلى المؤمنين بعدم أكل أموال الناس بالباطل، والحرص على التجارة بالتراضي وسماحة النفس.

وفي هذا السياق، تم اقتباس هذه القصة الواقعية (من كتاب فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله "حكايات من الكويت" - من منشورات ذات السلاسل - 1985م - ص 67 – 71) التي تتجسد فيها أسمى معاني الورع والتقوى والإيثار، وفيها أن الحاج تقي وقف على محل الحاج عبدالعزيز يسأله عن كمية القهوة التي عنده قائلاً: هل تبيعني القهوة يا أبا محمد؟ قال عبدالعزيز: بكم؟ فعرض تقي على عبدالعزيز سعراً لها كان يكسب عبدالعزيز ربحاً وهو يرغب بأكثر منه، ولم يجب عبدالعزيز، ودخلا في موضوع آخر ثم تشعب بينهما الحديث وتركا موضوع القهوة.

وقام تقي إلى محله، وكان عبدالعزيز قد نوى البيع على تقي وأضمره في نفسه وتقي لا يعلم بهذا النية لأنها كانت بعد فراقهما، وكانت العادة أن يقول البائع للمشتري: "الله يفتح عليك" ولم يقلها عبدالعزيز.

مرت الأيام ونسي تقي موضوع القهوة، وارتفع سعر القهوة بالسوق ثم زاد السعر وعبدالعزيز لم يتصرف بالقهوة، وراجعه تجار فقال لهم: ليس عندي قهوة، وأرسل عبدالعزيز إلى تقي ليأتيه، وجاء تقي، وقال له عبدالعزيز: شيل قهوتك يا تقي، لكن تقياً فتح عينيه وقال: أي قهوة؟ قال عبدالعزيز: التي اشتريتها من أسبوعين، تذكر تقي الأمر وقال: نعم سمت منك القهوة فلم تبعني ولم تقل لي: "الله يفتح عليك"، قال عبدالعزيز: ولكني نويت البيع لك، قال تقي: ولكني لم أنو الشراء منك، قال عبدالعزيز: شيل قهوتك يا رجل، وقال تقي: ليس لي عندك قهوة، وطال بينهما الجدل وذهب تقي إلى محله وتبعه عبدالعزيز يسأله بالله أن يشيل القهوة خوفاً من أن يجره بقاؤها إلى الحرام، ولم يرض تقي بذلك لأنه لا يرضى أن يدخل الحرام في رزقه فيمحق بركته.

ومع إصرار كلٍّ من عبدالعزيز وتقي على رأيهما وخوفهما من أن يدخل الحرام إلى أي منهما، اتفقا أن يُرفع الأمر إلى الشيوخ، ورفع عبدالعزيز الشكوى إلى الشيخ الأمير عبدالله الصباح رحمه الله.

وحضر المتخاصمان وكل منهما متمسك برأيه، فقال الشيخ: هل ترضون بحكمي، قال عبدالعزيز: قد أتنياك راضيين ولأمرك طائعين، قال الشيخ الأمير: حكمت صلحاً بأن يأخذ تقي نصف القهوة بالثمن الذي نويت يا عبدالعزيز به البيع عليه، وأن يبقى لك نصف القهوة تبيعها لمن تشاء بسعر الوقت الحاضر، وقوما راشدين إن شاء الله، وأطاع كل من عبدالعزيز وتقي أمر الشيخ وربح كل من نصيبه خيراً كثيراً.

وبكى الأمير فاستنكر الحاضرون منه بكاءه وسألوه ما يبكيه قال: ذكرت الكلمة المشهورة "كل عام ترذلون"، أما والله إني لأخاف أشد الخوف من زمان سيأتي لا يعرف فيه الناس حلالاً ولا حراماً يعرفون المنكر وينكرون المعروف، وقال القوم: "نعوذ بالله من ذلك يا طويل العمر".

وهكذا ذهب المال وذهب الرجال وبقي ما هو أعظم وأبقى، بقي الذكر الحسن الذي تتحدث به الأجيال جيل بعد جيل (يقول فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله: قَصَ عليَّ هذه القصة أحمد بن يعقوب المحيميد، وبطلها عبدالعزيز المطوع جد العائلة المعروفة من القناعات، والحاج تقي المشهور بأبي صالح).

 WWW.ajkharafi.com

الثلاثاء, 13 فبراير 2018 14:42

موسى العبدالرزاق مثال للورع

إن ديننا الإسلامي العظيم يدعونا إلى التحلي بمكارم الأخلاق والتمسك بالخصال الحميدة، ووضع للأخلاق قواعد جوهرية يتم على أساسها تربية النفس وتهذيبها وتربيتها، ومن أهم تلك الأخلاق والقيم الورع والتقوى والإيثار، وتحري الكسب الحلال بالطرق المشروعة التي بينها لنا الشرع الحنيف، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ {51}﴾ (المؤمنون)، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كن ورعاً تكن أعبد الناس" (رواه ابن ماجه برقم 4217).

وفي هذا السياق، تم اقتباس هذه القصة الواقعية (من كتاب فضيلة الشيخ عبدالله النوري رحمه الله "حكايات من الكويت" - من منشورات ذات السلاسل - 1985م) التي تتجسد فيها أسمى معاني الورع والتقوى والإيثار، وفيها أن الأخبار جاءت بأن قافلة تجارية قادمة من الشمال، تعد بمئات الإبل تحمل العباء (باللهجة الكويتية: بشت)، وستصل هذه القافلة غداً عند مطلع الشمس.

وممن علم بوصول القافلة مفلح (وهو اسم مستعار تقديراً للخصوصية)، وكان مفلح ذا متربة، ولكنه يتطلع إلى الأعمال ويتمنى لو ملك رأسمال يتاجر به، فتوجه مفلح مساء ذلك اليوم إلى مجلس الشيخ موسى (وهو الوجيه موسى العبدالرزاق)، وموسى هذا ثري وتاجر، وقال مفلح للشيخ موسى: "يا عم، تعرف أنني ذو عسرة، وأتمنى أن أبيع وأشتري، غير أن اليد قصيرة فلو مددت لي يد المساعدة لفعلت معي خيراً وربحت وأربحت، فساعدني يا عم بخمسمائة ريال (وهو من العملات التي استخدمت في الكويت في الماضي العملة الزنجبارية – العمانية - المكونة من الريال الفضي والبيزا النحاسية) أضارب بها، وسأربح إن شاء الله وستربح معي نصيبك في المضاربة"، فضحك موسى واستبشر مفلح وأعطاه كيساً مختوماً فيه خمسمائة ريال.

وبعد صلاة الفجر دخلت القافلة المثقلة بأحمالها سوق المدينة، وانقض الناس عليها يشترون ويشرون، ويربحون ويخسرون، واشترى مفلح وباع كغيره مرتين وثلاثاً وأربعاً وربح خمسمائة ريال. وفي المساء دخل مفلح إلى مجلس العم موسى ومعه صرتان كبيرة وصغيرة.

ووجه كلامه للعم موسى قائلاً: لقد أعنتني يا عم أعانك الله، فاشتريت وبعت وربحت خيراً كثيراً، ثم مد يده إلى الصرة الكبيرة قائلاً: هذا رأس المال وهو لكم، ثم تناول الصرة الصغيرة وقال: وهذا نصف الربح الذي كسبته اليوم وهو حظكم، مد الشيخ موسى يده إلى الصرة الكبيرة وقال: يا مفلح، الكيس ما زال مختوماً بختمنا ولم يُفتح؟ قال مفلح: نعم إنه لم يفتح، قال موسى: إذاً لا نصيب لنا في الربح ما دمت لم تستعمل دراهمنا، قال مفلح: ولكن يا عم، دراهمكم بعثت الثقة في نفسي وملأتني شجاعة، ولولاها ما ابتعت ولا بعت، قال موسى: لا يا ولدي لا أستطيع أن آخذ هذا المبلغ، لأني أخشى أن تكون حراماً، قال مفلح: ولكنها لا تحل لي يا عم، فهي ملك لك لأني أعلم يقيناً في نفسي أن دراهمكم هي التي دفعتني إلى السوق، فخذ حلالك يا عم، قال موسى: حلالي هو هذا الكيس فقط وأشار إلى الكيس الكبير، وقال لغلامه: خذه يا ولدي إلى الخزنة.

ولكن مفلح غضب وأغضب معه الشيخ موسى وطال بينهما الجدل كل واحد منهما يبتعد عن نصف الربح.

وأشار الحاضرون على موسى أن يأخذ هذه الدراهم، ثم يهبها لمفلح على سبيل المكافأة، وبالفعل قدم له نصف الربح كهدية فقبلها مفلح قائلاً: الآن يا عم صح الأمر وأنا شاكر.

 WWW.ajkharafi.com

الخميس, 18 يناير 2018 08:01

جاسم بودي موضع ثقة

تحدثنا في مقالات سابقة عن السمعة الحسنة، وأنها أحد متطلبات ديننا الإسلامي الحنيف، وليس أدل من ذلك من دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84)، وفيها دعوته عليه السلام بأن يجعل الله سبحانه وتعالى له ثناءً حسناً، وإذا كانت السمعة الحسنة وأن تكون موضع ثقة عند كل من يحيطون بك مطلباً عاماً لكل مسلم، فإن الحاجة إليهما أشد وأكثر إلحاحاً عند التاجر، فالتاجر لا بد أن يكون موضع ثقة في مجتمعه الصغير والكبير؛ لأن ثقة التجار وثقة الناس أحد أهم عوامل النجاح لكل تاجر، بل يمكن أن نعدها رأسماله الحقيقي، ووجه الصعوبة الحقيقي في الحصول عليها أنها لا تباع ولا تشترى، ولكنها حصيلة ونتاج سنوات من الصدق والأمانة والوفاء بالوعد وحسن التعامل، وما أحلى هذه الثقة عندما يزينها حب الخير للناس وحب الوطن.

وقد ضرب أهل الكويت الكرام أمثلة رائعة في اكتساب ثقة من يتعاملون معهم والحفاظ على السمعة الحسنة في مجتمعهم التجاري الصغير والكبير، وهذا ما سوف نستعرضه في ذكر هذه القصة الواقعية، التي توضح حرص التاجر الكويتي على الأمانة والشرف والنزاهة ليكون موضع ثقة بين أقرانه.

وخلاصة القصة أن التاجر جاسم محمد حمد بودي بدأ حياته العملية تاجراً صغيراً كغالبية أبناء جيله من التجار، وبالصبر والأمانة والمثابرة وبذل المجهود توسعت تجارته، وغدا من كبار التجار في الخليج العربي في زمانه، وأصبح يمتلك محلاً تجارياً في المحمرة بإيران، ومنه كان يصدر التمور إلى الهند وعدن وسواحل غرب أفريقيا، وقد نمت تجارته نمواً كبيراً.

وكان التاجر جاسم بودي من الشخصيات التجارية المعروفة بمكانتها الكبيرة بين التجار، بل كان موضع ثقتهم وحبهم جميعاً، ولذلك لم يجد نواخذة الغوص على اللؤلؤ أفضل منه، ليحل محل والده –يرحمه الله– في تحصيل الرسوم التي كان متعارفاً عليها في ذلك الوقت للحاكم من النواخذة، وكانت تسمى "قلاطة الغوص" (حصة البحار في رحلات الغوص بعد خصم ما عليه من الدين، وجمعها "قلاليط"، وتختلف قلاليط البحارة فيما بينهم، فبعضهم له قلاطة والبعض قلاطة وربع، والبعض قلاطتان حسب طبيعة عمله).

وقد قام بهذه المهمة بأمانة وشرف ونزاهة، فكان لديه دفتر خاص يدون فيه ما يدفعه النواخذة طواعية؛ لتسليمه في نهاية موسم الغوص للحاكم، وكان لذلك أكبر الأثر في نفوس النواخذة، فحاز المزيد من ثقتهم وحبهم له.

وأما عن دوره الوطني، فعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، انقطعت حركة الملاحة في الخليج العربي، وتوقفت السفن التي تجلب المواد الغذائية من الهند وسواحل أفريقيا وعدن، فتوقف بذلك شريان التجارة مع العالم، وعاشت الكويت أزمة غذائية كبيرة.

وقد كشفت تلك الأزمة معادن أصيلة وقلوب ممتلئة بالرحمة والرأفة بالذين عز عليهم الغذاء والماء فيها، ومن هؤلاء ظهر معدن المرحوم جاسم بودي، عندما رفض أن يتورط في المتاجرة بآلام الناس وأزماتهم، ويذكر له التاريخ، ويشهد له الناس أنه رغم توقف حركة الملاحة استطاع جلب كمية كبيرة من الأرز، بلغت ستة آلاف كيس، ثم قام ببيعها للمحتاجين بقيمة رأسمالها دون أن يكسب روبية واحدة منها، مع أنه كان بإمكانه تحقيق أرباح خيالية من هذه الصفقة.

وهكذا ضرب لنا التاجر جاسم بودي رحمه الله نموذجاً رائعاً من الاعتماد على النفس، والأمانة والنزاهة، كما امتزج ذلك الطموح والنجاح بالإحسان وفعل الخير وحب الوطن.

 

www.ajkharafi.com

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top