د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 03 ديسمبر 2016 11:44

كاريكاتوريات اقتصادية!

إن العلم الاقتصادي يجتاز اليوم منعطفًا فطن إليه كثير من الناس، بَيدَ أن كثيرًا من الاقتصاديين، ولا سيما المحترفين منهم ما زالوا يرفضون الإذعان.

وما برحت الكتب الاقتصادية الكلاسيكية المتداولة تصف بلا انزعاج نفس النظريات الأكاديمية، خلا بعض التزيينات التي أريد لها أن تناسب الذوق الدارج، وبعض التوسعات التي ما فتئت تعالج هامشيًّا وسطحيًّا المسائل القديمة بلباس جديد.

وهي إذ تنشئ الأجيال القادمة من الاقتصاديين والكوادر والمعلمين تسهم في إنتاج، وإعادة إنتاج نماذج اقتصادية تمّ تجاوزها وعفا عليها الزمن.

لذا، كتب جاك آتالي كتابه "ضد الاقتصاد"؛ لتوضيح أن التنظيمات والسلوكيات الاقتصادية في الأعوام القريبة القادمة سوف تختلف جدًّا وبالتأكيد عمَّا هي عليه اليوم وأن اقتصادًا منفتحًا على العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى سيمكن أن يساعد على تهيئة هذا المستقبل، بتقديم واقتراح تحليلات جذرية جديدة.

وهذا يستلزم طرح الكاريكاتورات التي بُني عليها هذا العلم حتى الآن؛ لاستيعاب كل التعقيد الثقافي والاجتماعي للمجتمع الإنساني.

إن اقتراحات هذا الاقتصاد المضاد، كاقتراحات أي علم اجتماعي حقيقي لا يمكن أن تسجل إذًا إلا خارج مثاليات هذا العصر.

لماذا يعلن المؤلف منذ البداية أنه ضد الاقتصاد؟!

ذلك لأن الكتاب في حقيقته نقد من حيث الشكل والمضمون للتعليم التقليدي لمادة الاقتصاد، هذا التعليم الذي يقوم على أنه علم منفصل عن العلوم الإنسانية الأخرى، في حين أن أية جزئية من هذا القبيل ليست ممكنة ولا مقبولة في علوم الإنسان.

كتاب "ضد الاقتصاد" كتاب اقتصادي فلسفي فكري سياسي ذو نظرة إجمالية شاملة، ينتقد النظريات السائدة ويدعو إلى إدخال الآلام الاجتماعية من مخلفات الأنظمة والفلسفات النافذة، في اعتبار التحليل الاقتصادي.

ففيه عَرْضٌ مجمل لعدد من التعريفات الأساسية والنظريات المهمة، نظرية التوازن العام، ونظرية المستهلك الرشيد، ونظرية النمو، ونظرية السلع الجماعية، ونظرية البيئة، ونظرية اقتصادية في الطوباوية.

وفيه موضوعات أخرى الاقتصاد الجزئي، والكُلِّي، والحد الأمثل للتوزيع والتخطيط الاشتراكي، ومحاكاة السوق والتجارة الخارجية، وقضايا التلوث والسكان والفقر والعالم الثالث، والتسيير الذاتي والتفاوت في الدخول وتكافؤ الفرص.

كل ذلك، دون أن يهمل استعمال المصطلحات والنماذج والمعادلات والرسوم البيانية، بل والصور الكاريكاتورية، ويأتي بكثير من الشواهد لعدد كبير من الاقتصاديين والمفكرين: ماركس، ماركوز، بيتلهايم، ستراوس، سميث، باريتو، كوزنيتس.

إن الكتاب محاولة للمساهمة في الحركة الأوروبية، وهو يدعو إلى الاعتماد ليس على الملاحظة فقط، بل على التجربة؛ بحيث يتم الانتقال من المجرد إلى المحسوس، وضرورة قيام الطلاب بإجراء زيارات للمعامل والورش، ويدعو إلى ربط الاقتصاد بسائر العلوم الإنسانية وينبِّه إلى أثر السياسة في التحليل الاقتصادي.

والمؤلف يؤكد أنه لا يرتاح إلى تجارب العالم الرأسمالي، ولا إلى تجربة الاتحاد السوفيتي (السابق)؛ لكونها تنم عن مركزة السلطات الرأسمالية، وتركيز الناس، ووحدات الإنتاج، دون الاهتمام كثيرًا بما يترتب على ذلك من آثار سيئة.

وقد حوى الكتاب إلى جانب الرسوم البيانية والمعادلات الرياضية قرابة اثنتي عشرة صورة كاريكاتورية.

إن قارئ ضد الاقتصاد يحس بانتهائه كأنه فرغ من الاستمتاع بموضوع اقتصادي سياسي فكري عُرض في شريط سينمائي.

السبت, 26 نوفمبر 2016 13:27

المأساة الكبرى!

اقتصاديونا مثلهم مثل اقتصاديي الأمم الأخرى أصناف ثلاثة:


فالأول: انتهازي يهتم بالأمور العاجلة والملحة أو التي تواجه الأمة على المستقبل المنظور، بقدر اهتماماته بالتقرب من السلطة؛ طمعًا في منفعة آنية أو مَزَيَّة من مزاياها، أو عرض من الحياة الدنيا لا يزيده إلا سقوطًا في أعين الناس.

وصنف ثاني ذو رؤًى ذاتية يعتقد أن الأمور الاقتصادية تحتاج إلى معالجة مبدئية باللونين الأسود والأبيض، ولا مجال لأي لون رمادي، ويغلب على هذا الصنف أساتذة الجامعات والمحللون الاقتصاديون الشباب الذين يفتقدون الخبرة الحياتية والممارسة العملية، بينما يغلب على قناعاتهم واقع ومآل النظريات الاقتصادية السائدة، أو أفكار أساتذتهم التي تولدت؛ إما بناءً على دراسات نظرية سابقة، أو نظريات راحلة عبر التاريخ، أو بناءً على تجارب ذاتية اكتسبت بالممارسة العملية في مجتمعات أخرى قد تكون أكثر تقدُّمًا من الناحية الاقتصادية والتقنية، وقد لا تكون مختلفة عن واقع مجتمعنا وظروفه ومستقبله، وآماله وآلامه.

ويشكِّل الصنف الثالث مجموعة رجال عمليين يجمعون درجات متفاوتة من العلم إلى الخبرة والتجربة العملية، وهؤلاء يهتمون كثيرًا بالهدف والغاية.

ولذلك كانت العلوم الاقتصادية النظرية في نظرهم لا تفيد في واقع الحياة شيئًا وكأن النظريات الاقتصادية مجرد سفسطة كلام لا مبرّر لها إن لم تفد في تطوير ثروة الفرد والمجتمع.

والمشكلة أن معظم مفكرينا من الاقتصاديين الذين تخرَّج معظمهم في الخمسينيات والستينيات، وحتى السبعينيات من القرن الماضي - آمنوا بالارتباط بين المثالية الفكرية والمطلق من الأفكار من ناحية، على حد رأي الدكتور محمد رياض الأبرش، وما بين واقع العمل الاقتصادي المعاش اليومي من ناحية أخرى.

وتدريجيًّا ألزموا أنفسهم بما ارتأوا أنه الحقيقة والصواب العلمي، وأن ما عداه هو مجرد الخطأ المطلق.

وهكذا أصبحوا يعيشون المأساة الكبرى التي تتلخص في أنهم عاشوا؛ ليروا أن كل ما بنوه من أفكار جعلوا من أنفسهم أسرى لها، تهاوت في غضون أشهر قليلة، وأن العالم الذي آمنوا به تهاوى كبيت من ورق أو زجاج.

والأدهى من ذلك أن يجدوا أنفسهم فجأة بلا مثال يحتذى، ولا فكر يقود الخطى أمام واقع يكذب ما عاشوا من أجله سنين طويلة.

الإثنين, 21 نوفمبر 2016 13:24

حقائق اقتصادية مهمة!

لقد أصبحت البشرية الآن على بيّنة ودراية بالكيفية التي تنتج بها الوافر من الطعام، وبالكيفية التي تحرر بها الناس من خوف الجوع وعبء ما يتحملون من أثقال السقام والأمراض والشقاء.

إن حقائق مهمة ستسود مستقبلنا لتحيل يأس المتشائمين إلى أمل باسم للغد، فقد مارسنا فعلاً طرقًا ستزيد من رصيدنا، ومصادر كوكبنا المتنوعة أكثر مما قد نتوقعه؛ ولذلك سنتلافى في المستقبل المجاعات في السلع بواسطة توسيع مصادرنا الحالية، وتبديل حاجاتنا بمواد أخرى، قبل أن تؤدي الندرة إلى المجاعة.

وقد تبددت المخاوف المالتسية لتبكير المجاعة الإنسانية بالثورات الصناعية والتجارية التي حدثت منذ قرنين مضيا، فأصبحت الزراعة الآن على أهبة الخروج من الاعتماد والاعتباطي على الحظ والمواسم المتغيرة.

ولذلك فإن الإنتاج المستقبل للطعام واستهلاكه الحكيم يحمل آمالاً مدهشة لأحفادنا.

ومن أجل الوصول إلى ذلك لا بد من: 

1- تحسين كل من قوة ومدى زراعة وخصوبة حقولنا وأراضينا الزراعية.

2- صيانة أكبر نصيب من محصول الزراعة للاستغلال الإنساني بالتغلب على الأمراض والطفيليات.

3- تربية نباتات وحيوانات وانتقائها للتنمية الزراعية.

4- الانتقال بالتدريج من زراعتنا الحالية المعتمدة على التربة إلى أخرى جديدة أكثر كفاية وكفاءة.

إن الإنسان اليوم في خشية وقلق على مصيره، فالاعتقاد الشائع أن ما في العالم من مواد غذائية لن يكفي عدد السكان الآخذ في الازدياد بصورة مخيفة.

بيد أن الأبحاث والدراسات والتقارير العالمية تؤكد مستقبلاً مشرقاً؛ لتحسين حياة الإنسان ووفرة الطعام وسرعة نموه، إن مجال البحث العلمي يتسع باطراد، وذلك سيؤدي بالإنسان إلى صنع الأطعمة التي يحتاج إليها بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية إلى جانب الاستفادة من الجبال بزراعتها، ومن البحار باستغلال خيراتها، واكتشاف كل مصدر غذائي يمكن أن يوجد في عالمنا.

وعندما نقوم بذلك يمكن أن يصبح العالم جنة أبعد مما تتطلع إليها آمالنا، ويمكن أن يكون مستقبلنا مليئًا بالوفرة أبعد من أوسع خيالاتنا.

وأكثر ما نحتاج إليه لتأمين مستقبلنا، ولنضمن للعالم السلام، والرخاء للإنسان، هو عدد مستمر من عقول حسنة التدريب وفوق المتوسط، تستطيع حل المشكلات حين وقوعها، إن لم تستطع تقديم الحلول الوقائية لها.

السبت, 12 نوفمبر 2016 14:18

الاقتصاد.. بين الغموض والسطحية!

كثيرًا ما يُساء فَهْم طبيعة علم الاقتصاد، وكثيرًا ما تكون النظرة إليه نظرة تشوبها الحيرة، وتعوزها الثقة، ومن ثَمَّ يُنتقص قدره بصورة تدعو إلى الأسف، فهو يُتَّهم بالغموض من جهة، ويوصف بالسطحية من جهة أخرى، ويقول منتقدوه بوجه عام: إنه أخفق في وضع حلول ذات قيمة عملية في معالجة ما يجد من مشكلات عالمية عاجلة.

إنّ أيّ كاتب أو باحث يتناول موضوعًا كبيرًا قد يترك بالضرورة كثيرًا من التفصيلات، إلا أنّ عرض الخطوط العريضة في علم الاقتصاد ربما يساعد على إبراز أهمية هذا العالم في عالمنا الحديث، وربما يبعث على الاهتمام بذلك العلم الاقتصادي ويقويه، وهذا الاهتمام بدوره ربما يؤدي إلى تقدير ذلك العالم التقدير الذي يستحقه.

وهذا أهم هدف يساعد أيَّ كاتب أو باحث اقتصادي متخصص على مناقشة مشكلات عصره الاقتصادية، وقضايا بلده الاقتصادية، ومبادئ العلوم الاقتصادية؛ لأن علم الاقتصاد يعين الناس على تفهُّم مشكلاتهم التي تعرض لهم باعتبارهم أفرادًا في المجتمع.

عندما نتأمل نشاط الناس رجالاً ونساءً في ساعة من ساعات الصباح ليوم من أيام العمل، نرى غالبيتهم تنصرف إلى أعمال مختلفة، وتنهمك في مشاغل كثيرة متنوعة في المصانع والحقول، والمكاتب والسكك الحديدية، والمدارس والمستشفيات، والمصارف والأعمال الحكومية المختلفة.

إنّ نشاط جميع هؤلاء على اختلافهم واختلاف أعمالهم يشترك في أمرين:

أولهما: أنهم جميعًا يهدفون من وراء أعمالهم إلى تحصيل أسباب عيشهم، فما يكسبونه مقابل ما يبذلون من نشاط وجهد يمكِّنهم من تحقيق حاجاتهم الضرورية؛ من طعام وشراب، ولباس وسكن، وقد يفيض عن الحاجات الضرورية لهم، فيستخدمونه للترفيه والترف، أو يدخرون جانبًا منه.

وثانيهما: أنهم في الوقت الذي يعملون فيه لتحصيل عيشهم، يسهمون في إنتاج سلع أو تقديم خدمات يحتاج إليها غيرهم من أفراد المجتمع.

هذا النشاط المشترك الذي يدور حول تحصيل أسباب العيش عن طريق إنتاج سلع وخدمات، هو ما يعرف بـ"النشاط الاقتصادي"، ومجموع أوجه هذا النشاط الذي يقوم به أولئك الأفراد هو ما يُسمَّى "النظام الاقتصادي".

وعلى الرغم من أهمية النظام الاقتصادي وأثره البالغ في حياتنا اليومية، فإن الذين يهتمون بمعرفة أي شيء عنه قليلون، مع أنّ علم الاقتصاد يلقي الضوء على الحياة المادية للإنسان، ولا تقل أهمية الإلمام بقدر منه عن أهمية فَهْم القواعد الأساسية في الصحة، أو في التعليم والتربية.

إنّ المعلومات الاقتصادية تساعدنا على فَهْم لماذا نسعى لتحصيل أسباب العيش؟ ولماذا يختار كل منا مهنة خاصة يقبل عليها بذاتها؟ وكيف ننظم ما نكسب أو نحصل عليه من دخول؟ وما النظام الذي يخضع له في شراء ما نحتاج إليه من سلع؟ وكيف تصل السلع إلى المستهلكين منَّا؛ سواء أكانت من الإنتاج الخارجي أم من الإنتاج المحلي؟ وما الأسس التي تتحدد عليها أسعار السلع التي ندفعها، وقليل الحصول عليها؟ ذلك لأن هذه الأمور كلها من موضوع علم الاقتصاد.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top