مساحة .. للخطأ

16:03 17 فبراير 2014 الكاتب :   تيسير الزايد

عندما نقوم بتجارب في مختبرات العلوم دائماً ما توضع نسبة خطأ للنتائج المتوقعة سواء بالزيادة أو بالنقصان

، وتكون نسبة الخطأ هذه مسموحاً بها سواء تمت إعادة التجربة أم لم تتم.. وكذلك هي تجارب الحياة، هناك نسبة خطأ، وغالباً ما تكون نسبة الخطأ هذه سبباً في أن نعدل من سلوكنا أو تجاربنا أو ما نقوم به من أعمال، هذه المساحة من الخطأ المسموح بها من المهم أن نحصل عليها بل من المهم أن يحصل عليها الأبناء. 

عندما تصقل قطعة الألماس تلمع وتصبح أجمل، وكذلك تجارب الحياة بنجاحاتها وفشلها تصقل صغارنا وتجعلهم أكثر نجاحاً في خوض تجارب الحياة مستقبلاً. 

عندما نسمح لصغارنا أن يقوموا بتجارب الحياة ونحن نراقب عن بعد وننصح ونعدل ونسامح عن الخطأ، ونناقش ما حدث، ونجعل الخطأ فرصة للتعلم والانطلاق من جديد؛ سيكون هذا الخطأ وقوداً للانطلاق في عالم من المتغيرات والتحديات المستقبلية.

المراقبة بديل الحماية:

«لا تكلم فلاناً»، «لا تذهب لهذا المكان»، «لا تأكل هذا»، «لا تفعل ذلك».. وقائمة طويلة من «لا» على الصغار أن يتعاملوا معها دون أن نعطيهم أي فرصة للتفكير والمحاولة والخطأ، نعم نحبهم ونريد لهم الخير، ولكن دون أن يتحول هذا الحب إلى حماية مفرطة تمنعهم من التفكير واتخاذ القرار، وعندما يكونون في موقع وعمر يتطلب منهم أن يتصرفوا بمفردهم يقفون عاجزين عن التصرف. 

نعم، من الصعب أن نبتعد ونترك أبناءنا يكتشفون العالم الخارجي بمفردهم، ولكن أحياناً تتطلب التربية الصحيحة أن نعطيهم نسبة من الحرية؛ بحيث يختبرون الحياة بمعرفتهم، والسبب بسيط؛ أن كثيراً من الناس لا يتعلمون من أخطاء الآخرين، بل لا يقتنعون بالكثير من المسلمات ما لم يكتشفوها بأنفسهم. 

فمثلاً؛ كل الآباء والأمهات شاهدوا أولى خطوات صغارهم سواء كانت حبواً أو مشياً، وكنا دائماً نتركهم يقومون ويسقطون حتى يتقنوا الحركة، حتى إذا ما جاءت لحظة النصر وقف الطفل فخوراً بنفسه كونه قام بها، وامتلأ قلب الوالدين فرحاً بأولى تلك الخطوات.

ولكن إذا قمنا بالعكس وحملنا الطفل كلما سقط ومنعناه من المحاولة فسيشعر بالعجز والضعف، وهذا ما لا نريد أن ينشأ عليه الصغار، وهكذا هي الحياة بها الكثير من الخطوات الأولى.

الحياة المستقبلية:

كلما تقدم الأبناء في العمر كانوا أكثر عرضة لتحديات أكبر من مجرد خطوة يخطونها، فهناك زملاء دراسة غير مرغوب بهم، وهناك مواد دراسية وواجبات لابد من التعامل معها، هناك مشكلات عائلية تحيط بهم، وهناك تغيرات عمرية لابد وأن تُفهم، وتساؤلات كثيرة تبحث عن إجابات، وقد تدفعهم كل هذه الأحداث إلى أن يتخذوا بعض القرارات التي قد تكون صحيحة أو خاطئة، وهنا تظهر الأبوة الصحيحة، فنكون بجانبهم؛ نمسك بأيديهم قبل السقوط، ونساعدهم لتجاوز المرحلة دون أن نردد على مسامعهم الجملة المشهورة في اللوم: «لقد قلت لك: لا تفعل هذا». 

لماذا نعطي مساحة للخطأ؟

1- سيتعلم الأبناء الأمانة، فهم يعلمون إذا ما أخطؤوا سيجدون من يستمع لهم دون تعنيف ودون لوم؛ وبالتالي لأنهم حين يخطئون سيسارعون للحديث عما يشغلهم، وهنا تظهر الأبوة الحانية التي تتفهم، وتستوعب، وتعالج دون لوم أو تجريح أو توبيخ. 

2- سيتعلم الأبناء الثقة المتبادلة، فالمراهق لن يكذب على والديه ليفعل ما يراه هو مناسباً، بل سيكون كالكتاب المفتوح يقرأه والداه؛ مما يعطيهم الفرصة للمراقبة عن بعد، ومد يد المساعدة حين الحاجة. 

3- سيتعلم الأبناء تقنية اتخاذ القرارات، وهي تقنية من أهم تقنيات الحياة لابد أن يتقنها الصغار قبل مرحلة دخولهم لمعترك الحياة، وتكوينهم أسرة ويصبحون آباء وأمهات. 

لابد وأن نعطي لفلذات الأكباد فرصة لخوض تجارب الحياة، ونراقب ونستوعب ونشارك ونخلص الدعاء ونحسن الظن بالله من أجل أبناء يساهمون بإيجابية في بناء الأمة، وقد قال نبينا ومعلمنا صلى الله عليه وسلم: «لولم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم».

 

عدد المشاهدات 1043

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top