مقالب تحت عين النبي

13:19 09 سبتمبر 2018 الكاتب :   كلثوم باسعيد (*)

كثيرًا ما يرتبط مصطلح القدوة بسلوكيات ومواقف نظن أنها أكثر ما تدل عليها هي الصرامة والتعقيد.

وكلما ذُكرت القدوة انطلقت أذهاننا إلى تصور واقعي لأشخاص قرأنا عنهم أو عايشناهم، لنرسم صورة مثالية لمواقف -وإن دلت على صدق صاحبها- لكنها تظهره بمظهر الجماد حتى في ابتسامته التي لا تتجاوز قدرًا معينًا أو كيفية معينة.

أما أمام العاصين من الناس فمعظم مواقف هؤلاء غضب ظاهر، وضيق صدر، وشدة مواجهة، وحرب بالفعل أو الكلام.

فإن نحن عدنا وبحثنا عن أعظم قدوة للبشرية جمعاء وهو الرحمة المهداة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نجد مواقف قد نتحير لها نحن الذين اعتدنا على قدوة غير حقيقية، وإن كان أهلها صادقين في نواياهم.

وأمامها قد نستغرب.. نضحك.. نفرح.. خاصة عندما نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب تلك المواقف.

فكونه قدوة لا يعني بالضرورة أن حياته قد اقتصرت على المأمورات والمنهيات فقط.

والمقالب هي المكائد والحيل، وقد اخترنا مقالب وقعت تحت عين النبي، فمنها:

1- مقالب لم يحضرها النبي ورضيها

عن أم سلمة، أن أبا بكر خرج تاجرًا إلى بصرى، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني.

فقال: لا؛ حتى يأتي أبو بكر.

وكان نعيمان رجلاً مضحاكًا مزاحًا، فقال: لأغيظنك.

فذهب إلى أناس جلبوا ظهراً فقال: ابتاعوا مني غلامًا عربيًّا فارهًا، وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا عليّ غلامي.

فقالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص.

فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال للقوم: دونكم هو هذا.

فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك.

قال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر.

فقالوا: قد أخبرنا خبرك، وطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به.

فجاء أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه.

فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً.

"قال قائل في هذا الحديث: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مما ذكر فيه مما فعله نعيمان بسويبط حولاً، ففي ذلك دليل على إباحة ترويع المسلم المسلم على المزاح".

تخيلتُ لو حصل معي ما حصل لسويبط فأُصبح بين غمضة عين وانتباهتها أمة وأنا الحرة، فعلاً هو موقف مروع لي أو لك أنت أيها الحر.

وماذا سيكون موقف والدك أو أمك لو وقع مثل نعيمان بين أيديهم؟

أكانا سيضحكان كما ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ربما فقط إن علما أنهما خلف كاميرا خفية.

لكن رسولنا الكريم ضحك مع علمه أن ما حدث حقيقة، وإن كان النعيمان مازحًا فيما أقدم عليه يريد أن يغيظ صاحبه، فأقل ما كان يقال منا: مزحة ثقيلة.

2- مقالب حضرها النبي وشاهدها وقبلها

أ‌- في بيت النبوة

كانت عائشة وحفصة رضي الله عنهما جالستين تتحدثان، فأقبلت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إحداهما للأخرى: أما ترين سودة ما أحسن حالها! لنفسدن عليها.

وكانت من أحسنهن حالاً؛ كانت تعمل الأديم الطائفي.

فلما دنت منهما قالتا لها: يا سودة، أما شعرت؟

قالت: وما ذاك؟!

قالتا: خرج الأعور الدجال.

ففزعت وخرجت حتى دخلت خيمة لهم يوقدون فيها، وكأن في مآقيها زعفران.

فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأتاه استضحكتا، وجعلتا لا تستطيعان أن تكلماه حتى أومأتا إليه.

فذهب حتى قام على باب الخيمة.

فقالت سودة: يا نبي الله، خرج الدجال الأعور!

فقال: "لا".

وكان قد خرج فخرجت، وجعلت تنفض عنها نسج العنكبوت.

وذاك مقلب بسيط من مقالب أمنا عائشة خاصة، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم عامة، التي تدل على الغيرة ولطف في المزاج من جهة، وعلى ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المجال لزوجاته ليمزحن، فلا يعاتبهن أو ينهرهن، فيسمح بأن يعمّ البيت جو من السعادة والضحك.

وفيه مراعاة لغيرتهن -أيضًا- واحترام لمشاعرهن.

ب‌- مع بعض الصحابة

عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أقبل أعرابي على ناقة له حتى أناخ بباب المسجد، فدخل على نبي الله، وحمزة بن عبدالمطلب جالس في نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم النعيمان، فقالوا للنعيمان: ويحك إن ناقته ناوية -يعني: سمينة- فلو نحرتها فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ولو قد فعلت غرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلنا لحمًا.

فقال: إني إن فعلت ذلك وأخبرتموه بما صنعت، وجد عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالوا: لا نفعل.

فقام فضرب في لبتها، ثم انطلق.

فمر بالمقداد بن عمرو وقد حفر حفرة، وقد استخرج منها طينًا، فقال: يا مقداد، غيبني في هذه الحفرة، وأطبق عليّ شيئًا، ولا تدلْ عليّ أحدًا؛ فإني قد أحدثت حدثًا.

ففعل.

فلما خرج الأعرابي رأى ناقته فصرخ، فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: من فعل هذا؟

قالوا: نعيمان.

قال: وأين توجه؟

فتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه حمزة وأصحابه، حتى أتى على المقداد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: هل رأيت لي نعيمان؟

فصمت.

فقال: لتخبرني أين هو؟

فقال: ما لي به علم؟ وأشار بيده إلى مكانه.

فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي عدو نفسه ما حملك على ما صنعت؟

قال: والذي بعثك بالحق لأمرني به حمزة وأصحابه، وقالوا: كيت وكيت.

فأرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي من ناقته.

وقال: شأنكم بها، فأكلوها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر صنيعه ضحك حتى تبدو نواجذه.

قد علمنا من القصة السابقة كيف أن النعيمان كان صاحب مقالب ومزاج مرح، ولكن هذه المرة هو من شرب من الكأس الذي أذاقه للآخرين.

ورغم صنيعه وصنيع الصحابة فإن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم فيه من الروائع ما يجعلنا نقف أمام سلوكياتنا ومواقفنا اليومية، ففيه:

جبر لخاطر صاحب الناقة، وتعويض له، وإنهاء للقضية في بدايتها.

وتفهّم لجوع الصحابة واشتهائهم للحم.

وتجاوز عن الصحابة وعن النعيمان المنفذ لطلبهم.

فما أجمل مواقفك يا رسول الله! وما أحوجنا لهذه السلوكيات في عصرنا الذي كثر فيه المزاح الذي لا معنى له ولا قيمة!

3- مقالب في النبي

وهذا مقلب آخر، ولكنه هذه المرة في النبي نفسه صلى الله عليه وسلم، وأكاد أجزم أن أي واحد منّا لو كان مكانه لاغتاظ، ولاحمرت وجنتاه من كثرة الحرج.

فقد كان النعيمان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها، ثم جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: هذا أهديته لك.

فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه، أحضره إلى النبي، فيقول: أعط هذا ثمن متاعه.

فيقول: أولم تهده لي؟

فيقول: أنا -والله- لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه.

ولذا قال بعض المحققين من شراح الشمايل: كان هذا الصحابي رضي الله عنه، من كمال محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، كلما رأى طرفًا أعجبته اشتراها، وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها، إذا حصل لديه.

فلما عجز صار كالمكاتب، فرجع إلى مولاه، وأبدى إليه جميع ما أولاه.

فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

فرجع بالمطالبة إلى سيده.

ففعله هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق.

4- مقالب لم يرضها النبي

فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟!

فدخل على إحداهما فقالت له ذلك.

فقال: "لا، بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له".

فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لقوله: "بل شربت عسلاً".

ورغم تفهم رسولنا الكريم -صلوات الله عليه وسلامه- لنفسية زوجاته وتغاضيه عن أمور كما ذكرنا، إلا أنه في مواقف لم يرض منهن تصرفهن، وإن كان من باب المكيدة أو الغيرة بينهن.

وذلك لأنه حرم على نفسه ما أحل الله، فلا يصل الأمر بزوجات النبي أن يجعلنه يحرم على نفسه ما أحله الله، فأنزل الله تعالى هذه الآيات تعليمًا لهن، وردًّا للنبي عن تحريم المباح على نفسه.

 

(*) باحثة جزائرية

عدد المشاهدات 1069

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top