ما حقيقة دولة فرسان مالطة وهل حقا تخوض حربا صليبية؟

12:04 23 مارس 2014 الكاتب :   محمد جمال عرفة
دولة صغيرة داخل الفاتيكان ينحصر عملها المعلن في الأعمال الخيرية وأعمال التنصير ــ وشعبها من بقايا جنود الحروب الصليبية

بين الحين والآخر تخرج من البيت الأبيض إشارات دينية توراتية.. عبر الإدارة الأمريكية اليمينية المسيحية حول السياسة الأمريكية في أفغانستان والعراق. فقد سمع العالم تصريح الرئيس بوش الشهير عن بداية الحروب الصليبية مع بدء غزو العراق، ثم صدرت إشارات توحي بأن ضرب العراق له «تأثيرات روحية» هائلة، وأن العراق له أهمية إنجيلية بالغة، وأن العودة للعراق ربما تمهد للقدوم الثانى للمسيح المنتظر!

ومن جهة أخرى.. فإنه مع بروز مقاومة عراقية قوية أوقعت خسائر مؤلمة بالجيش الأمريكي أخذت إدارة بوش تستعين بجيوش من المرتزقة من شركات متعددة بلغ قوامها تعداد الجيوش الأجنبية في العراق (150 ألف جندي) ويتم تمويلها من ميزانية مايسمي بـ«إعمار العراق»، وبعيداً عن ميزانية الجيش الأمريكي، حيث ارتكبت أعمال قتل وتعذيب واغتصاب وتدمير ضد العراقيين بشيب لها الولدان ولا تخضع للقانون أو المحاسبة كي لا توجه لهم تهم قانونية أو يقال بأنهم جنود أمريكان

. الجديد والخطير أن باحثين ومحللين سياسيين أمريكيين كشفوا مؤخراً عن صلة بين هؤلاء المرتزقة وبين دولة ما يسمي بـ«فرسان مالطا» ــ وهي دولة صغيرة داخل الفاتيكان ينحصر عملها المعلن في الأعمال الخيرية وأعمال التنصير ــ وشعبها من بقايا جنود الحروب الصليبية ودخولها في أي حروب ضد المسلمين يكون إحياء للحروب الصليبية، وقد ثبت أن فرسان مالطا هي حلقة الوصل أو الغطاء بين إدارة بوش، وبين شركات المرتزقة التي تعمل في العراق خصوصاً «بلاك ووترز» التي ظهر اسمها للعلن بعد مقتل جنودها في الفلوجة والأنبار.

بل إن الكاتب المصري محمد حسنين هيكل كشف في حلقة أخيرة على قناة الجزيرة عن تفاصيل هذه العلاقة بين الصليبيين القدامى وشركات المرتزقة، وأن من يحارب الآن في العراق هي شركات أمن تمتلك مدرعات وطائرات وأسلحة و120 ألف جندي من المرتزقة، وصرفت عليها مليارات العراق، ولا يحاسبون على جرائم الحرب التي يرتكبونها.  

وقال: إن مرتزقة يحلون الآن محل الجيش الأمريكي هناك، وأن من أبرز شركات المرتزقة هذه شركة «بلاك ووترز»، وأن بول بريمر الحاكم العسكري الأمريكي وقع عقوداً كثيرة مع شركات أمن صرفوا عليها مليارات العراق.

أما الغطاء الذي تعمل من خلاله هذه الشركات فهو الغطاء الديني عبر العلاقات مع دولة «فرسان مالطا» التي تعترف بها عدة دول عربية، وقيل: إن شيمون بيريز رئيس الوزراء «الإسرائيلي» السابق كان وراء إقناع مصر بالاعتراف بها لتصبح مصر هي البلد الوحيد الذي لا توجد به غالبية كاثوليكية واعترف بها! إذاً هي حرب صليبية تدور بكل معنى الكلمة على أرض عمادها شركات المرتزقة وتديرها دولة «فرسان مالطا» الصليبية التي تسعى لإحياء دورها الصليبي عبر إشعال حروب صليبية جديدة في بلاد المسلمين..  

ماذا تعرف عن هؤلاء المرتزقة الجدد أو الصليبيين الجدد؟ وما قصة دولة «فرسان مالطا» عبر التاريخ وهل لها علاقة بدولة مالطا الحالية؟ وما علاقتها بفرسان الحرب الصليبية السابقين؟ وما علاقة الفرسان بمرتزقة العراق؟

اقرأ هذا الملف لتعرف الكثير!

سفارة بلا دولة!

في منطقة وسط القاهرة، وتحديداً في شارع هدى شعراوي سفارة فريدة غريبة، تثير الدهشة، بل والذهول، فهي لا ترفع علمًا كبقية السفارات… اسمها «سفارة فرسان مالطا» هكذا كتب بالعربية على لوحة نحاسية في مدخل السفارة، وفي نفس اللوحة كتب بالفرنسية: Ambassade De L'ordre souveraine ET Militaire De Malte" أو بالإنجليزية: SOVEREIGN MILITARY ORDER OF MALTA  وترجمتها الحرفية «سفارة النظام العسكري ذي السيادة المستقلة لمالطا»، وليست لها علاقة بدولة أو سفارة مالطا، ووفقاً لمعلومات وزارة الخارجية المصرية بدأت هذه السفارة عملها في القاهرة عام 1980م،

وهي من بقايا الحروب الصليبية البائدة، ومقرها يقع داخل الفاتيكان، وتعتبر امتداداً لما كان يسمى (فرسان الهوسبتاليين) الصليبيين، أما نشاطها ــ الآن ــ فقد أصبح يقتصر كما هو معلن على الأعمال الخيرية والتبرعات، ولها علاقات مع أربع دول عربية! جذورهم.. مرتزقة!

بدأ ظهور فرسان مالطا عام 1070م، كهيئة خيرية، أسسها بعض التجار الإيطاليين، لرعاية مرضى الحجاج المسيحيين، في مستشفى (القديس يوحنا) قرب كنيسة القيامة ببيت المقدس، وظل هؤلاء يمارسون عملهم في ظل سيطرة الدولة الإسلامية، وقد أطلق عليهم اسم «فرسان المستشفى»Hospitallers  تمييزاً لهم عن هيئات الفرسان التي كانت موجودة في القدس آنذاك مثل «فرسان المعبد» و«الفرسان التيوتون»... إلخ، إلا أنهم ساعدوا الغزو الصليبي فيما بعد.

وعندما قامت الحروب الصليبية الأولى 1097م، وتم الاستيلاء على القدس أنشأ رئيس المستشفى «جيرارد دي مارتيز» تنظيماً منفصلاً أسماه «رهبان مستشفى القديس يوحنا» وهؤلاء بحكم درايتهم بأحوال البلاد قدموا مساعدات قيمة للصليبيين، وخاصة بعد أن تحولوا إلى نظام فرسان عسكريين بفضل «ريموند دو بوي» (خليفة مارتينز) الذي أعاد تشكيل التنظيم على أساس عسكري مسلح باركه البابا «أنوست الثاني» 1130م، حتى قيل: إن الفضل في بقاء مدينة القدس في يد الصليبيين واستمرار الحيوية في الجيوش الصليبية يعود بالأساس إلى هؤلاء المرتزقة أي فرسان الاستبارية أو الهوسبتاليين بجانب فرسان المعبد(رهبان مستشفى القديس يوحن)..

وبعد هزيمة الصليبيين في موقعة حطين عام 1187م على يد صلاح الدين الأيوبي هرب الفرسان الصليبيون إلى البلاد الأوروبية، وكان نصيب فرسان الهوسبتالية (الذين ظل وجودهم حتى اليوم) هو الذهاب إلى مدينة صور ثم المرج (في ليبيا حاليًا) ومنها إلى عكا ثم (ليماسول) في قبرص 1291م. ومن قبرص استمروا في مناوشة المسلمين عن طريق الرحلات البحرية، ومارسوا أعمال القرصنة ضد سفن المسلمين، إلا أن المقام لم يطب لهم هناك، فعمد رئيسهم (وليم دي فاليت) للتخطيط لاحتلال «رودس» وأخذها من العرب المسلمين، وهو ما قام به أخوه وخليفته «توك دي فاليت» في حرب صليبية خاصة (1308 ــ 1310م) ليصبح اسم نظام الفرسان الجديد «النظام السيادي لرودس» أو «النظام السامي لفرسان رودس».

وفي «رودس» أنشأ تنظيم الهوسبتاليين مراكزه الرئيسة وازدادت قوته ونفوذه خاصة بعد أن تم حل تنظيم فرسان المعبد وآلت بعض ثرواته للهوسبتاليين، وبعد استيلاء الأتراك المسلمين على «رودس» استسلم الهوسبتاليون وهاجرت فلولهم إلى: «سيفليل بإسبانيا» و«كاندي في سيلان» و«روما بإيطاليا»، إلى أن منح الملك «شارك كنت» للهوسبتاليين السيادة على جزيرة مالطا في 24 مارس 1530م، ليصبح لهم مقرًا وأقاليم جديدة أدت إلى تغيير اسمهم في 26 أكتوبر 1530م إلى «النظام السيادي» لفرسان مالطا»،

ومنذ ذلك الوقت أصبحت مالطا بمثابة وطنهم الثالث، ومنها استمدوا اسمهم «فرسان مالطا». وبقيام الثورة الفرنسية 1789م، وغزوها إيطاليا فقد الفرسان الصليبيون ممتلكاتهم وامتيازاتهم في فرنسا وإيطاليا، وانتهى بهم الأمر بفقد مقرهم في جزيرة مالطا نفسها وطردهم منها على يد نابليون أثناء حملته على مصر عام 1798م، فأقاموا بصفة مؤقتة في (ترسيتا) في إيطاليا، وعندما استولى الأميرال «نلسون» على مالطا من الفرنسيين أقرت اتفاقية الأمنيس Amiens)  عودة الجزيرة للفرسان 1802م، إلا أن كونجرس (فاليتا) عاصمة مالطا أسند إدارة الجزيرة للإمبراطورية البريطانية، وبالتالي انقطع اتصال الفرسان نهائيًا بمالطا (دولة مالطا الحالية ليست هي فرسان مالطا)،

وانقسموا بين البلاد حيث اتجه العديد منهم إلى سان بطرسبرج، (وبالتالي أصبح نظامهم الكاثوليكي الروماني الذي يحظى برعاية البابا يخضع لقانون الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية!!)، واتجه جزء آخر إلى «كاتانيا» و«فيرارًا» و«روما»، وفتحوا لهم جمعية في الولايات المتحدة الأمريكية 1926م، وانتشر نفوذهم حتى باتوا قوة مؤثرة خفية. ولكن بقي المقر الرئيس للمنظمة حالياً في العاصمة الإيطالية روما، ويرأس الدولة «البرنس أندرو برتي» الذي انتخب عام 1988م، ويعاونه أربعة من كبار المسؤولين وقرابة عشرين من المسؤولين الآخرين. وبحسب الموقع الرسمي لـ«دولة فرسان» مالطا يلقب رئيس المنظمة بـ«السيد الأكبر»، وهو حالياً الأمير البريطاني «فرا أندرو بيريتي»، الذي تقلد رئاسة المنظمة عام 1988م، ويقيم السيد الأكبر في روما، ويعامل كرئيس دولة بكل الصلاحيات والحصانات الدبلوماسية.

وينص القانون الدولي على سيادة «دولة فرسان مالطا» التي لها حكومتها الخاصة ولها صفة مراقب دائم في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وتدار الأنشطة المختلفة للمنظمة عن طريق ستة أديرة رئيسة متفرع منها خمسة فرعية و47 جمعية وطنية للفرسان في خمس قارات، وللمنظمة علاقات دبلوماسية مع 96 دولة على مستوى العالم منها مصر والمغرب والسودان وموريتانيا، بحسب الموقع الرسمي للجماعة. الصليبيون في أمريكا! ومع أن تنظيم الفرسان اختفت أخباره منذ العصور الاستعمارية الغربية تقريباً لدول العالم ولم يعد أحد يسمع عنه بعدما استقروا في روما والبعض الآخر في أمريكا، فقد عادوا بقوة في أوائل التسعينيات (الفترة التي شهدت تزايد العداء للإسلام كدين، والحديث عن استهدافه كعدو جديد بدل الشيوعية التي اندثرت!!) وتركز نشاطهم في أمريكا، وعقدت منظمات الفرسان الصليبية اجتماعًا في جزيرة مالطا في أوائل ديسمبر 1990م، هو الأول من نوعه، منذ أخرجهم نابليون بونابرت منها، قبل حوالي قرنين من الزمان، وكان الاجتماع مثيراً للغاية، وبلغ عدد الحاضرين حوالي خمسمائة ـ معظمهم من القساوسة ـ ينتمون إلى اثنتين وعشرين دولة. ولوحظ أن الفرسان الصليبيين المجتمعين اعتبروا هذا اللقاء خطوة باتجاه إحياء وإنعاش تلك المنظمة الكاثوليكية ذات الجذور الصليبية، ولذلك فلهم وجود قوي في العديد من مناطق النزاع تحت غطاء تطوعي تنصيري قوي.

ويكفي أن نعرف أن منظمات الإغاثة الصليبية التنصيرية في مناطق ملتهبة مثل جنوب السودان وحتى العراق بعضها مرتبط بهم، وبعضها يشكل عنصر الداعم للمتمردين على الحكومات العربية، وهم الذين وقفوا وراء انفصال جزيرة تيمور الشرقية عن إندونيسيا الإسلامية، والأخطر أن دورهم التنصيري لا ينفصل عن الدور الخيري، والأموال لا تُدفع بغير مقابل!! العراق.. وكر للمرتزقة الصليبيين!؟

في سعيها من أجل تخفيف عبء هجمات المقاومة العراقية على قواتها وقوادها، جلبت قوات الاحتلال الأمريكي معها إلى العراق مرتزقة أجانب (عسكريين سابقين يعملون بالأجر)، وتزايدت أعداد هؤلاء حتى تحولت بغداد إلى عاصمة عالمية لشركات الأمن الخاصة ينتشر فيها العديد من جنود هذه الشركات من المرتزقة الأجانب التي يبلغ قوامها أكثر من 100شركة عالمية تورّد المرتزقة وهي علاقة وثيقة بفرسان مالطا. فشركة (إم بي أر آي) مثلاً تحقق دخلاً سنوياً يزيد على 100 مليون دولار، نتيجة عقود مع البنتاجون ووزارة الخارجية الأمريكية، ويحقق العسكريون المتقاعدون العاملون في هذه الشركة ــ وفق إحصاءات أمريكية ــ ضعفي إلى ثلاثة أضعاف ما كانوا يتقاضونه من البنتاجون، بالإضافة إلى ميزات كثيرة أخرى،

وشركة مثل «بلاك ووترز» ــ التي تأسست عام 1997م بواسطة عسكري سابق هو إيريك بيرنس ــ تمثل غطاء للفرسان الصليبيين ولديها 20 ألف مقاتل على أهبة الاستعداد ولديها 20طائرة مقاتلة، وعدد من الطائرات المروحية، ولها «قاعدة عسكرية خاصة». «خصخصة الحروب».. هي ــ بالتالي ــ السياسة الجديدة لأباطرة الحرب في إدارة بوش بهدف التغطية على خسائر الجيش الأمريكي، وأفضل الوسطاء هنا هم الصليبيبون القدامى.. الجدد الذين يتسترون تحت غطاء دولة مجهولة ونشاطهم المعلن «خيري» و«تطوعي»، أما الحافز الذي يشجع على تنشيط هذا الثنائي الجهنمي، فهو أن أغلب معاركه تدور على أرض العرب والمسلمين! «وما يقال عن فرسان مالطا» يقال عن «فرسان المعبد» فهناك تشابه في النشأة والمنطلقات والأهداف.. وهي أيضاً نتاج الحروب الصليبية بل يتردد أن فرسان مالطا منبثقة عن فرسان المعبد.. القصة في الصفحات التالية.

عدد المشاهدات 6225

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top